"الغيب في كلام العرب: كل ما غاب عنك"١.
وقل الراغب الأصفهاني: "الغيب: مصدر غاب الشيء بمعنى استتر عن العيون، يقال: غاب عني كذا، واستعمل في كل غائب عن الحاسة، وعما يغيب عن علم الإنسان، بمعنى الغائب.
والغيب: هو ما لا يقع تحت الحواس، ولا تقتضيه بداهة العقول، بحيث لا يدرك بواحد منهما ابتداء بطريق البداهة، وإنما يعلم بخبر الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام"٢.
والغيبية كأحد خصائص العقيدة الإسلامية تعني قيام العقيدة على التسليم بوجود الغيب، كما تعني وجوب الإيمان بكل ما ورد في النصوص الشرعية من أمور الغيب، وعدم رد شيء منها أو تأويلها.
قال قتادة في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] . "آمنوا بالجنة والنار، والبعث بعد الموت، وبيوم القيامة، وكل هذا غيب"، وقال أنس -﵁: "الذين يؤمنون بالغيب: آمنوا بالله، وملائكته، ورسله، واليوم الآخر، وجنته، وناره، وآمنوا بالحياة بعد الموت، فهذا كله غيب"٣.
وقال القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣]:
_________________
(١) ١ تفسير القرطبي "١/ ١٦٣"، وانظر: لسان العرب لابن منظور "١٠/ ١٥١-١٥٣". ٢ مفردات القرآن للراغب الأصفهاني ص٣٦٦-٣٦٧، وانظر: تفسير البيضاوي "١/ ١٠٤"، وتفسير أبي السعود "١/ ٥٣". ٣ تفسير الطبري "١/ ١٠١".
[ ٢١٤ ]
"اختلف المفسرون في تأويل الغيب هنا، فقالت فرقة: الغيب في هذه الآية: الله سبحانه، وضعفه ابن العربي، وقال آخرون: القضاء والقدر، وقال آخرون: القرآن: القرآن وما فيه من الغيوب، وقال آخرون: الغيب كل ما أخبر به الرسول -ﷺ- مما لا تهتدي إليه العقول من أشراط الساعة، وعذاب القبر، والحشر، والنشر، والصراط، والميزان، والجنة، والنار، قال ابن عطية: وهذه الأقوال لا تتعارض؛ بل يقع الغيب على جميعها، قلت: وهذا هو الإيمان الشرعي المشار إليه في حديث جبريل -﵇، حين قال للنبي -ﷺ: فأخبرني عن الإيمان، قال: "أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره"، قال: صدقت١ وذكر الحديث" ٢.
مظاهر ودلائل الغيبية:
والغيبية واحدة من الركائز الكبرى، والخصائص العظمى في العقيدة، حيث إن كثيرًا من مسائل العقيدة وقضاياها يقع في نطاق الغيب، ولذلك شواهد كثيرة في الشرع، فمن ذلك:
١- أن الباري -﵁- ابتدأ كتابه العزيز بذكر هذه الركيزة كخاصية من خواص المؤمنين اللازمة، وصفة من صفاتهم البارزة.
قال تعالى: ﴿الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ١-٣] .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀: "ولما كانت سورة البقرة سنام القرآن ويقال: إنها أول سورة نزلت بالمدينة، افتتحها الله بأربع آيات في صفة المؤمنين، وآيتين في
_________________
(١) ١ رواه مسلم من حديث عمر، وروى البخاري ومسلم نحوه في حديث أبي هريرة. ٢ تفسير القرطبي "١/ ١٦٣".
[ ٢١٥ ]
صفة الكافرين، وبضع عشرة آية في صفة المنافقين"١.
٢- ما ورد في فضل المؤمنين بالغيب وعظم أجرهم، وبيان أن الإيمان بالغيب هو أفضل الإيمان، وأعظم مقامات الدين.
فعن عبد الرحمن بن يزيد قال: كنا ثم عبد الله بن مسعود جلوسًا، فذكرنا أصحاب النبي -ﷺ- وما سبقونا به، فقال عبد الله: "إن أمر محمد -ﷺ- كان بينا لمن رآه، والذي لا إله غيره ما آمن أحد قط إيمانًا أفضل من إيمان بغيب"٢.
وقال ابن القيم -﵀- في تعليقه على قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ١٧٩]: "فحظكم أنتم وسعادتكم في الإيمان بالغيب الذي يطلع عليه رسله، فإن آمنتم به وأيقنتم فلكم أعظم الأجر والكرامة"٣.
وقال ﵀: "الإيمان بالغيب أجل المقامات على الإطلاق"٤.
وكما أن الإيمان بالغيب يقوم على أساس متين من الشرع، فهو يقوم كذلك على أساس متين من الفطرة والعقل.
فالإيمان بالغيب حاجة فطرية عند الإنسان؛ بل هو من خصائص الإنسان الفطرية التي يتباهى بها؛ إذ يشترك مع سائر الحيوانات في إدراك المحسوسات، ويتميز عنها بالإيمان بالغيب كما جاء به الوحي، دون دخول في الخيالات الباطلة، والأوهام الزائفة، والخرافات والشطحات.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى "٧/ ٢٠٠". ٢ رواه الحاكم "٣٠٣٣"، وصححه، وابن منده في كتاب الإيمان "١/ ٣٧١"، بإسناد صحيح. ٣ زاد المعاد لابن القيم "٣/ ٢٢٠". ٤ طريق الهجرتين لابن القيم "١/ ٤٣٧".
[ ٢١٦ ]
"ولو كانت نزعة الإيمان بالغيب، والتطلع إليه من ناحية طرفيه: الماضي والآتي، عنصرًا من عناصر الفكرة الدينية وحدها، لكان الإنكار لما وراء الحس إلحادًا فحسب، ولو كانت هي النتيجة الختامية لتقدم العلوم واتساع أفقها، لكان هذا الإنكار نقصًا في العلم وقصرًا في النظر، وكفى. أما وتلك النزعة بنت الغريزة والجبلة، فإن الأمر أعظم من ذلك وأخطر: إنه نكسة في فطرة الإنسان ترده إلى مستوى الحيوان الأعجم، ولا نقول إلى مستوى الطفولة الغافلة، فإن كثيرًا من الأطفال ذوي الفطرة السليمة لا يقنعون بالأمر الواقع المشاهد، ولا يقفون في تعليله عند حلقة من حلقات أسبابه وغاياته القريبة؛ بل يصعد دائمًا إلى أسبابه الأولى، ويسترسلون في تعريف نتائجه الأخيرة، فهذه صورة مصغرة من تلك النزعة الفكرية الإنسانية التي هي أبدًا في حركة، وتقدم يأبيان الوقوف والجمود"١.
كما أن الأمور الغيبية التي تضمنتها العقيدة لا تناقض العقل -وإن حار فيها- ولا وسيلة له لإنكارها والتكذيب بوجودها، وليس فيها شيء يضطر الإنسان إلى رفضها، والتخلي عنها بعد بلوغه أي مرحلة من مراحل الارتقاء الفكري والعلمي.
فهناك أمور لا يستطيع العقل أن يصل إليها؛ لأنها لا تقع في محيط تجربته وعمله، ولا تستطيع الأدوات التي يحصل بها المعرفة، وهي أدوات الحس، أن تصل إليها؛ لأنها خارجة عن نطاق المحسوسات، وإن كان في إمكان العقل أن يعقلها حين تبين له، فهذه تلقن للعقل تلقينا عن طريق الوحي، ويكون دور العقل أن يعلمها، لا بطريق التجربة أو الحس، ولكن عن طريق التيقن من صدق الخبر وصدق المخبر، وهو مدعو إلى القيام بعملية التيقن هذه بكل الوسائل التي يملكها وهي مؤدية إلى الغاية الصحيحة حين يستقيم العقل.
_________________
(١) ١ الدين، بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان د. محمد عبد الله دراز ص٩٥.
[ ٢١٧ ]
وباستقراء استعمالات العرب لكلمة الغيب ومشتقاتها، نجد أنها تقابل الشهادة وليست مقابلة للشيء الموجود أو الشيء المعقول، وقد جمع الله تعالى بين الكلمتين كثيرًا، كما في قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾، فكل منهما تقابل الأخرى كما أنها أيضًا ليست مقابلة للشيء الواقع كما يظن بعض الناس، حيث يكون عندهم الإيمان بالغيب إيمانًا بغير الواقع، فليس الغيب معدومًا، ولا هو الذي يحكم العقل باستحالته، أو يكون غير واقعي.
ومن هنا يتبين خطأ الذين يعتبرون الإيمان بالغيب إيمانًا بشيء غير معقول، أي مخالفًا للعقل، أو مخالفًا للواقع، أو إيمانًا بشيء معدوم، وذلك؛ لأن الغيب ليس مقابلًا للموجود في لغة العرب، ولا مقابلًا للمعقول بمعنى ما يقبله العقل، ولا مقابلًا للشيء الواقع، وإنما هو مقابل للشهادة، أي الشيء الحاضر المشهود١.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀: "والرسل جاءت بما يعجز العقل عن دركه، ولم تأت بما يعلم بالعقل امتناعه، لكن المسرفون فيه -أي في العقل- قضوا بوجوب أشياء وجوازها، وامتناعها لحجج عقلية بزعمهم اعتقدوها حقًا وهي باطل، وعارضوا بها النبوات وما جاءت به، والمعرضون عنه صدقوا بأشياء باطلة، ودخلوا في أحوال وأعمال فاسدة، وخرجوا عن التمييز الذي فضل الله به بني آدم على غيرهم"٢.
وقال ﵀: "والمقصود أنه ليس كل شيء يمكن علمه بالقياس، ولا كل شيء يحتاج فيه إلى القياس، فلهذا قال الأئمة: ليس في المنصوصات النبوية قياس، ولا تعارض بالأمثال، ولا تدرك بالعقول، وأما كونها لا تعارض الأمثال المضروة، فهذا
_________________
(١) ١ انظر: موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين، وعباده المرسلين للشيخ مصطفى صبري "٢/ ٧٢"، ففيه تفصيل ومناقشات حول هذه الفكرة. ٢ مجموع الفتاوى "٣/ ٣٣٩".
[ ٢١٨ ]
يعني أن النصوص لا يعارضه دليل عقلي صحيح، وأما أنها لا تدرك بالعقول فإن نفس الغريزة العقلية التي تكون للشخص قد تعجز عن إدراك كثير من الأمور لا سيما الغائبات، فمن رام بعقل نفسه أن يدرك كل شيء كان جاهلًا، لا سيما إذا طعن في الطرق السمعية النبوية الخبرية، وهذا هو الذي يسلكه من يسلكه من الفلاسفة، ومن يشبههم من أهل الكلام"١.
وقال ابن القيم -﵀: "الرسل صلوات الله وسلامه عليهم لم يخبروا بما تحيله العقول وتقطع باستحالته؛ بل أخبارهم قسمان: أحدهما ما تشهد به العقول والفطر. الثاني: ما لا تدركه العقول بمجردها كالغيوب التي أخبروا بها عن تفاصيل البرزخ واليوم الآخر، وتفاصيل الثواب والعقاب، ولا يكون خبرهم محالًا في العقول أصلًا، وكل خبر يظن أن العقل يحيله، فلا يخلو من أحد أمرين: إما يكون الخبر كذبًا عليهم، أو يكون ذلك العقل فاسدًا، وهو شبهة خيالية يظن صاحبها أنها معقول صريح، قال تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [سبأ: ٦]، وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ [الرعد: ١٩] "٢.
وإذا كان الإيمان بالغيب من خصائص المؤمنين بصفة عامة، فإن أهل السنة تميزوا في هذا الباب بقبول كل ما ورد على لسان الرسل الكرام من أمور الغيب إيمانًا وتصديقًا وإيقانًا، وتجنبًا للشبهات والشكوك الناشئة عن إقحام العقول في مجال غير مجالها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "والإيمان بالغيب لا يتم إلا بالإيمان بجميع ما أنزله الله ﵎"٣.
_________________
(١) ١ درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية "٧/ ٣٢٦". ٢ الروح لابن القيم ص٦٢. ٣ الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية ص١٣٧.
[ ٢١٩ ]
وقال ابن القيم ﵀: "الثاني: قبول ما غاب للحق، وهو الإيمان بالغيب الذي أخبر به الحق سبحانه على لسان رسله، من أمور المعاد وتفصيله، والجنة والنار، وما قبل ذلك من الصراط والميزان والحساب، وما قبل ذلك من تشقق السماء وانفطارها، وانتثار الكواكب، ونسف الجبال، وطي العالم، وما قبل ذلك من أمور البرزخ ونعيمه وعذابه، فقبول هذا كله إيمانًا وتصديقًا وإيقانًا هو اليقين، بحيث لا يخالج القلب فيه شبهة، ولا شك ولا تناس ولا غفلة عنه، فإنه إن يهلك يقينه أفسده وأضعفه"١.
وإذا كان موقف أهل السنة هو التسليم الكامل، والإيمان التام بكل مسائل الغيب كما ورد بها النقل، وذلك من خصائص عقيدتهم؛ فإن أهل البدع لم يقفوا من هذه المسائل، ولا من تلك الخصيصة موقف أهل السنة؛ بل عارضت طوائف
منهم كثيرًا من أمور الغيب بعقولهم المريضة وآرائهم الفاسدة، فردوا بعضها
وأولوا بعضها، وخلطت طوائف أخرى بين أمور الغيب والخرافات والأوهام التي لا يقبلها عقل صحيح، ولا فطرة سليمة.
ومن أمثلة ما أنكره أصحاب العقول الفاسدة ما يلي:
١- عذاب القبر ونعيمه:
قال ابن القيم ﵀: "وأما أقوال أهل البدع والضلال، فقال أبو الهذيل والمريسي من خرج عن سمة الإيمان، فإنه يعذب بين النفختين والمسألة في القبر إنما تقع في ذلك الوقت، وأثبت الجبائي وابنه البلخي عذاب القبر، ولكنهم نفوه عن المؤمنين وأثبتوه لأصحاب التخليد من الكفار والفساق على أصولهم.
_________________
(١) ١ مدارج السالكين لابن القم "٢/ ٤٠٢".
[ ٢٢٠ ]
وقال كثير من المعتزلة: لا يجوز تسمية ملائكة الله بمنكر، ونكير وإنما المنكر ما يبدو من تلجلجه إذا سئل، والنكير تقريع الملكين له.
وقال بعض المعتزلة: إن الله سبحانه يعذب الموتى في قبورهم ويحدث فيهم الآلام وهم لا يشعرون، فإذا حشروا وجدوا تلك الآلام وأحسوا بها، قالوا: وسبيل المعذبين من الموتى كسبيل السكران والمغشي عليه، لو ضربوا لم يجدوا الآلام، فإذا عاد عليهم العقل أحسوا بألم الضرب، وأنكر جماعة منهم عذاب القبر رأسًا، مثل ضرار بن عمرو، ويحيى بن كامل وهو قول المريسي، فهذه أقوال أهل الخزي والضلال"١.
٢- رؤية الله تعالى:
وكذا أنكروا رؤية الله تعالى في الآخرة، فذهبت المعتزلة والجهمية وغيرهم إلى وجوب نفي رؤية الله تعالى؛ بل كفروا من لم يعتقد ذلك.
قال القاضي عبد الجبار: "الرؤية بالأبصار على الله مستحيل"، "ومما يجب نفيه عن الله تعالى الرؤية"٢.
قال ابن النحاس ﵀: "وخالفوا في ذلك المعتزلة والجهمية، ومن تبعهم من الخوارج والإمامية وطوائف من المرجئة، وطوائف من الزيدية، الذين ذهبوا إلى القول بأن الله تعالى لا يرى بالأبصار لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولا يجوز عليه ذلك"٣.
وقال شيخ الإسلام ﵀: "والجهمية والمعتزلة يقولون: من أثبت لله الصفات وقال: إن الله يرى في الآخرة، والقرآن كلام الله ليس بمخلوق، فإنه مجسم مشبه والتجسيم باطل"٤.
_________________
(١) ١ الروح لابن القيم ص٥٧، ٥٨. ٢ المختصر في أصول الدين للقاضي عبد الجبار "١/ ٢٢٠". ٣ رؤية الله ﵎ لابن النحاس ص٢٥. ٤ منهاج السنة النبوية لابن تيمية "٢/ ١٠٧".
[ ٢٢١ ]
وقال الإمام ابن القيم ﵀: "وأنكرها أهل البدع المارقون، والجهمية المتهوكون، والفرعونية المعطلون، والباطنية الذين هم من جميع الأديان منسلخون، والرافضة الذين هم بحبائل الشيطان متمسكون، ومن حبل الله متقطعون"١.
٣- حوض النبي -ﷺ:
وأنكر المعتزلة حوض النبي -ﷺ- الثابت بالقرآن والسنة.
قال الإمام السفاريني ﵀: "خالفت المعتزلة فلم تقر بإثبات الحوض مع ثبوته بالسنة الصحيحة الصريحة؛ بل وبظاهر القرآن"٢.
٤- الشفاعة:
وأنكر المعتزلة والخوارج الشفاعة لأهل الكبائر:
قال القاضي البيضاوي: "تمسكت المعتزلة بهذه الآية٣ على نفي الشفاعة لأهل الكبائر، وأجيب بأنها مخصوصة بالكفار، ويؤيد هذا أن سياق الخطاب معهم، والآية نزلت ردا لما كانت اليهود تزعم أن آباءهم تشفع لهم"٤.
ومن أمثلة ما أثبته أصحاب العقول التائهة ما يلي:
أدخل الصوفية في أمور الغيب الخرافات، والأوهام مما لم يأت في كتاب الله ولا سنة رسوله -ﷺ-، ونذكر بعض أقوالهم في الإلهام والإسراءات والمعاريج الصوفية، وهي من مصادر التلقي عندهم، وهذه الأقوال غيض من فيض، ونقطة في بحر الخرافات والأوهام الذي غرقوا فيه، وجعلوا يغرفون منه معتقداتهم وتصوراتهم وآراءهم.
_________________
(١) ١ حادي الأرواح لابن القيم ص١٩٦. ٢ لوائح الأنوار السنية للسفاريني "٢/ ١٧٣". ٣ وهي قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٤٨] . ٤ تفسير البيضاوي "١/ ٦٠".
[ ٢٢٢ ]
قال ابن عربي: " فإن الملك قد ينزل على الولي التابع بالاتباع، وبإفهام ما جاء به النبي مما لم يتحقق هذا الولي بالعلم به، وإن كان متأخرًا عنه بالزمان، أعني متأخرًا عن زمان وجوده، فقد ينزل عليه بتعريف صحة ما جاء به النبي وسقمه، مما قد وضع عليه، أو توهم أنه صحيح عنه، أو ترك لضعف الراوي وهو صحيح في نفس الأمر، وقد ينزل عليه الملك بالبشرى من الله بأنه من أهل السعادة والفوز، وبالأمان "١.
ويقول إبراهيم الدسوقي: "عليكم بتصديق القوم في كل ما يدعون، فقد أفلح المصدقون، وخاب المستهزئون، فإن الله تعالى يقذف في سر خواص عباده ما لا يطلع عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل فما للعاقل إلا التسليم، وإلا فاتوه وفاتهم، وحرم فوائدهم، وخسر الدارين"٢.
وقام الشعراني: "قد صرح المحققون بأن للأولياء الإسراء الروحاني إلى السماء، بمثابة المنام يراه الإنسان، ولكل منهم مقام معلوم لا يتعداه، وذلك حين يكشف له حجاب المعرفة، فكل مكان كشف له فيه الحجاب حصل المقصود به، فمنهم من يحصل له ذلك بين السماء والأرض، ومنهم من يحصل له ذلك في سماء الدنيا، ومنهم من ترقى روحه إلى سدرة المنتهى، إلى الكرسي، إلى العرش"٣.
وقال أبو يزيد البسطامي: "عرج بروحي، فخرقت الملكوت، فما مررت بروح نبي إلا سلمت عليه، وأقرأتها السلام، غير روح محمد -ﷺ- فإنه كان حول روحه ألف حجاب من نور "٤.
_________________
(١) ١ الفتوحات المكية لمحيي الدين بن عربي "٣/ ٣١٦". ٢ المصدر السابق "٣/ ٣١٦". ٣ كشف الحجاب والران عن وجه أسئلة الجان للشعراني ص٥٢. ٤ النور من كلمات أبي طيفور للسهلجي ص١١١-١١٢.
[ ٢٢٣ ]
وقال إبراهيم الدسوقي: "أنا في السماء شاهدت ربي، وعلى الكرسي كلمته "١.
ولا حول ولا قوة إلا بالله
_________________
(١) ١ انظر: تلبيس إبليس لابن الجوزي ص٢٠٧.
[ ٢٢٤ ]