إذا اختلف أهل القبلة وتنازعوا الحق والنجاة الفلاح في الدنيا والآخرة، فإن أجدر الفرق بالصواب وأولاها بالحق، وأقربها إلى التوفيق من كان في جانب أصحاب محمد -ﷺ، وإذا كان الكتاب حمال أوجه في الفهم مختلفة؛ فإن بيان أصحاب نبينا -صلى الله عليه سلم- له حجة وأمارة على الفهم الصحيح. أبر الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، وأصحها فطرة، وأحسنها سريرة، وأصرحها برهانًا، حضروا التنزيل وعلموا أسبابه، وفهموا مقاصد الرسول -ﷺ: وأدركوا مراده، اختارهم الله تعالى -على علم- على العالمين سوى الأنبياء والمرسلين، "فكل من له لسان صدق من مشهور بعلم أو دين، معترف بأن خير هذه الأمة هم الصحابة -﵃"١.
"فمن أخبرنا الله -﷿- أنه علم ما في قلوبهم، فرضي عنهم، وأنزل السكينة عليهم، فلا يحل لأحد التوقف في أمرهم، أو الشك فيهم ألبتة"٢.
قال قتادة -رحمه لله- في قوله تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [سبأ: ٦]: "أصحاب محمد -ﷺ"٣.
وقال سفيان -﵀- في قوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩]: "هم أصحاب محمد -ﷺ"٤.
_________________
(١) ١ شرح العقيدة الأصفهانية لابن تيمية ص١٦٥. ٢ الفصل في الملل والنحل لابن حزم "٤/ ١١٦". ٣ تفسير الطبري "٢٢/ ٤٤". ٤ تفسير ابن كثير "٣/ ٣٧٠".
[ ٢٩٠ ]
وفي منزلة علمهم واجتهادهم وفتاواهم قال الشافعي -﵀: " فعلموا ما أراد رسول الله -ﷺ- عامًّا وخاصًّا، وعزمًا وإرشادًا، وعرفوا من سنته ما عرفنا وجهلنا، وهم فوقنا في كل علم واجتهاد، وورع وعقل، وآراؤهم لنا أحمد وأولى بنا من رأينا عند أنفسنا، ومن أدركنا ممن يرضى أو حكي لنا عنه ببلدنا صاروا فيما لم يعلموا لرسول الله -ﷺ- فيه سنة إلى قولهم: إن اجتمعوا، أو قول بعضهم: إن تفرقوا، وهكذا نقول، ولم نخرج عن أقاويلهم، وإن قال أحدهم ولم يخالفه غيره أخذنا بقوله"١.
وأفضل علم السلف ما كانوا مقتدين فيه بالصحابة.
يقول ابن تيمية -﵀: "ولا تجد إمامًا في العلم والدين، كمالك، والأوزاعي، والثوري، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، ومثل الفضيل وأبي سليمان، ومعروف الكرخي، وأمثالهم، إلا وهم مصرحون بأن أفضل علمهم ما كانوا فيه مقتدين بعلم الصحابة، وأفضل عملهم ما كانوا فيه مقتدين بعمل الصحابة، وهم يرون الصحابة فوقهم في جميع أبواب الفضائل والمناقب"٢.
ثم إن التابعين وتابعيهم قد حصل لهم من العلم بمراد الله ورسوله ما هو أقرب إلى منزلة الصحابة ممن هم دونهم؛ وذلك لملازمتهم لهم، واشتغالهم بالقرآن حفظًا وتفسيرًا، وبالحديث رواية ودراية، ورحلاتهم في طلب الصحابة، وطلب حديثهم وعلومهم مشهورة معروفة، "ومن المعلوم أن كل من كان بكلام المتبوع وأحواله، وبواطن أموره وظواهرها أعلم، وهو بذلك أقوم كان أحق بالاختصاص به، ولا ريب أن أهل الحديث أعلم الأمة، وأخصها بعلم الرسول -ﷺ"٣.
_________________
(١) ١ إعلام الموقعين لابن القيم "١/ ٨٠"، ونسبه إلى الشافعي في الرسالة البغدادية القديمة. ٢ شرح العقيدة الأصفهانية لابن تيمية ص١٦٥. ٣ مجموع الفتاوى "٤/ ٩١".
[ ٢٩١ ]
والمسلمون في شأن العقيدة يحتاجون إلى "معرفة ما أراد الله ورسوله -ﷺ- بألفاظ الكتاب والسنة، بأن يعرفوا لغة القرآن التي بها نزل، وما قاله الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وسائر علماء المسلمين في معاني تلك الألفاظ، فإن الرسول لما خاطبهم بالكتاب والسنة، عرفهم ما أراد بتلك الألفاظ، وكانت معرفة الصحابة لمعاني القرآن أكمل من حفظهم لحروفه، وقد بلغوا تلك المعاني إلى التابعين أعظم مما بلغوا حروفه، فإن المعاني العامة التي يحتاج إليها عموم المسلمين، مثل معنى التوحيد، ومعنى الواحد والأحد والإيمان والإسلام، ونحو ذلك فلا بد أن يكون الصحابة يعرفون ذلك، فإن معرفته أصل الدين"١.
فمذهب السلف أسلم وأعلم وأحكم، لا كما يدعيه المخالفون، باختلاف نحلهم ومذاهبهم، فتارة يقول أهل السياسة والملك: إنهم لم يمهدوا قواعد الحكم والسياسة والتدبير لانشغالهم بالعلم والعبادة، وتارة يدعي أهل التصوف أنهم ما حققوا المقامات، والأحوال لانشغالهم بالجهاد والقتال وهكذا.
والحق أن "كل هؤلاء محجوبون عن معرفة مقادير السلف، وعمق علومهم، وقلة تكلفهم، وكمال بصائرهم، وتالله ما امتاز عنهم المتأخرون إلا بالتكليف والاشتغال بالأطراف التي كانت همة القوم مراعاة أصولها، وضبط قواعدها، وشد معاقدها، وهممهم مشمرة إلى المطالب العالية في كل شيء، فالمتأخرون في شأن، والقوم في شأن آخر، وقد جعل الله لكل شيء قدرًا"٢.
وقال ابن رجب -﵀: "فمن عرف قدر السلف، عرف أن سكوتهم عما سكتوا عنه من ضروب الكلام، وكثرة الجدل والخصام، والزيادة في البيان على مقدار
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى "١٧/ ٣٥٣". ٢ شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز "١/ ١٩، ٢٠".
[ ٢٩٢ ]
الحاجة؛ لم يك عيا، ولا جهلًا ولا قصورًا، وإنما كان ورعًا وخشية لله، واشتغالًا عما لا ينفع بما ينفع"١.
وفي تحديد مفهوم السلف، قال سبحانه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠]، فالسلف اسم يجمع الصحابة فمن بعدهم ممن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وفي الصحيح: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم " ٢.
وهذه الخيرية خيرية علم وإيمان وعمل، ولقد حكى ابن تيمية -﵀- الإجماع على خيرية القرن الأول، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم وأنهم أفضل من الخلف في كل فضيلة٣.
ولقد اعتصم أهل السنة والجماعة بحجية فهم السلف الصالح من الصحابة والتابعين، فعصمهم هذا من التفرق والضلال، فقالوا بما قال به السلف، وسكتوا عما سكتوا عنه، ووسعهم ما وسع السلف.
أما أهل الضلال والابتداع، فمذهبهم الطعن في الصحابة، وتنكب طريق السلف، قال الإمام أحمد -﵀: "إذا رأيت الرجل يذكر أحدًا من الصحابة بسوء، فاتهمه على الإسلام"٤.
_________________
(١) ١ فضل علم السلف على علم الخلف لابن رجب ص٥٨. ٢ صحيح البخاري "٢٦٥٢"، ومسلم "٢٥٣٣" من حديث عبد الله بن مسعود -﵁. ٣ مجموع الفتاوى "٤/ ١٥٧، ١٥٨". ٤ الصارم المسلول لابن تيمية "٣/ ١٠٥٨".
[ ٢٩٣ ]
فالصحابة يكفرهم الرافضة تارة، والخوارج أخرى، والمعتزلة يقول قائلهم وهو عمرو بن عبيد -عليه من الله ما يستحق: "لو شهد عندي علي وطلحة والزبير وعثمان، على شراك نعل ما أجزت شهاتهم! "١.
وصدق أبو حاتم الرازي -﵀- حين قال: "علامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر"٢.
ورضي الله عنه أبي زرعة الرازي حيث قال: "إذا رأيت الرجل ينتقض أحدًا من أصحاب رسول الله -ﷺ- فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول -ﷺ- عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن، والسنن أصحاب رسول الله -ﷺ-، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا، ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقة"٣.
_________________
(١) ١ الاعتصام للشاطبي "١/ ١١٩". ٢ شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي "١/ ١٧٩". ٣ الكفاية للخطيب ص٩٧.
[ ٢٩٤ ]