أهل السنة والجماعة هم أهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ هو من أعظم
أصول الدين، ولكنهم يقومون به على ما توجبه الشريعة، فيلتزمون في نفس
الوقت أصلًا آخر، وقاعدة أخرى عظيمة، هي الحفاظ على الجماعة، وتأليف
القلوب واجتماع الكلمة، ونبذ التفرق والاختلاف.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر على ما توجبه الشريعة، ويرون إقامة الحج والجهاد، والجمع والأعياد مع الأمراء -أبرارًا كانوا أو فجارًا-، ويحافظون على الجماعات، ويدينون بالنصيحة للأمة"١.
وقال ﵀: "من الأمر بالمعروف: الأمر بالائتلاف والاجتماع، والنهي عن الاختلاف والفرقة"٢.
_________________
(١) ١ المصدر السابق "٣/ ١٥٨". ٢ المصدر السابق "٣/ ٤٢١".
[ ٧٤ ]
فأهل السنة قد حملوا على عاتقهم مهمة مقاومة المنكر، وجهاد الدعاة إليه من المنافقين ومن آزرهم من الفاسقين، والعمل على إضعاف شأن أهل الريب والفساد، تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] .
فهم -من بين سائر الناس- قد نذروا أنفسهم لمحاربة المنكرات وأهلها، وإنكارها، وبيان حرمتها وخطرها، وأمر الناس بضدها من الخير والبر والمعروف.
وإذا كان الله ﷿ قد علق خيرية هذه الأمة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان به ﷾، كما في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، كما أنه سبحانه قد امتدح المؤمنين بقيامهم بهذا الواجب العظيم، كما ورد ذلك في قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: ٧١]، إذا كان ذلك كذلك، فلا شك أن أهل السنة والجماعة هم أصحاب القدح المعلى، والنصيب الأوفر في هذا الباب، إذ هم خير هذه الأمة وأفضلها.
ومن اطلع على سيرة أئمة أهل السنة وتاريخهم ظهر له هذا الأمر واضحا جليا، وعلم أن أهل السنة لا يتركون هذا الواجب حتى لو أصابهم الأذى في سبيل ذلك.
ومن ذلك ما روي أن محمد بن المنكدر، وأصحاب له كانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ونالهم في ذلك الأذى من السلطان١.
وكان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يخرج بتلاميذه، فيأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويدورون على الخمارات والحانات، فيكسرون أواني الخمور،
_________________
(١) ١ انظر: الجامع للقيرواني ص١٥٥.
[ ٧٥ ]
ويشققون الظروف، ويعزرون أهل الفواحش١. وقد قاموا بتأديب أهل الجبل المعروفين بالنصيرية، وألزموهم بأحكام الإسلام الظاهرة.
كما كان له ﵀ ولأتباعه دور عظيم في دفع التتار عن الشام، وهزيمتهم في وقعة "شقحب" وغيرها٢، وله موقفه العظيم المعروف مع السلطان حين تأخر عن المجيء إلى دمشق مع اقتراب التتر منها٣.
ولا يزال أعلام وأئمة أهل السنة على هذا الدرب سائرين، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، فهو جهاد الدعوة الدائم، ودورها الذي لا قيام للدين بدونه، ولا اعتصام بحبل الله إلا على هداه.
_________________
(١) ١ انظر: البداية والنهاية لابن كثير "١٤/ ١١". ٢ المصدر السابق "١٤/ ٨-١٠، ١٣-١٥، ٢١-٢٤". ٣ انظر: المصدر السابق، والذيل على طبقات الحنابلة لابن رجب "٢/ ٣٩٥-٣٩٦".
[ ٧٦ ]