إن أهل السنة هم أهل الحق، فكل من دان بهذا الحق فهو من أهل السنة، في أي مكان وجد، وفي أي زمان كان.
ويشهد لذلك ما سبق عن الأوزاعي، قال: "كتب إلي قتادة من البصرة: إن كانت الدار فرقت بيننا وبينك، فإن ألفة الإسلام بين أهلها جامعة"١.
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: "ولا يلزم أن يكونوا -أي: الطائفة المنصورة-
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء للذهبي "٧/ ١٢١".
[ ٥١ ]
مجتمعين، بل قد يكونون متفرقين في أقطار الأرض"١.
وقد كان صحابة رسول الله ﷺ، والتابعون وأئمة الدين من بعدهم، مفرقين في الأمصار، لا يجمعهم مكان واحد، ومع ذلك كانوا جميعا من أهل السنة، بل أئمة أهل السنة وأعلامهم.
وأما الأحاديث التي حددت وجودهم بالشام٢ فقد يجاب عليها بما يلي:
١- قد يراد بها -والله أعلم- فترة تاريخية معينة، هي التي تكون قبل قيام الساعة، حيث تدل النصوص الكثيرة على أن معظم الأحداث المتعلقة بالمهدي وعيسى بن مريم، ونحو ذلك من أشراط الساعة، إنما يتكون بالشام.
٢- كما يحتمل أن يكون المقصود قتالهم للروم المذكور في الأحاديث، ثم للدجال، حتى يأتيهم أمر الله وهم بالشام، فيكون قوله ﷺ: "وهم بالشام"، أي: حال إتيان أمر الله.
٣- وهذا كله على فرض صحة هذه الأحاديث، فكيف وأسانيدها لا تصح، والأصح والأشهر من الأحاديث بدون تقييد، وأعلى ما ورد في الشام قول معاذ: "وهم بالشام"، وفي رواية له: "وهم أهل الشام" ونحو هذا، وأكثر الرواة لم يذكروا هذه الزيادة في الحديث، ورواية الجماعة أولى بالصواب، وقد سبق هنا استغراب أي نعيم لهذه الزيادة.
_________________
(١) ١شرح النووي على صحيح "١٣/ ٦٧". ٢ من ذلك: ما روي من قول مالك بن يخامر عن معاذ: "وهم بالشام"، أخرجه أبو عوانة "٧٥٠٢"، وأبو يعلى "٧٣٨٣"، واللالكائي "١٦٦"، وأبو نعيم في الحلية "٥/ ١٥٩". وقال أبو نعيم: "غريب من حديث عمير، تفرد به عنه ابن جابر، وهذه الزيادة من قبل معاذ لا تحفظ إلا في هذا الحديث". وروي من وجه آخر عن معاذ قال: "وهم أهل الشام". وانظر: تاريخ دمشق لابن عساكر "١/ ٢٦١-٢٦٩". ورواه البخاري في التاريخ الكبير في ترجمة حسان بن وبرة عن أبي هريرة ﵁ عن النبي صلى لله عليه وسلم: $"لا تزال عصابة بدمشق ظاهرين" "٣/ ٣٥ رقم ١٤٧"، وحسان لم يوثقه معتبر، وهو حيان بالياء بدل السين انظر: الإصابة لابن حجر "٢/ ١٨٨"، ونحو ذلك من الأحاديث.
[ ٥٢ ]
وأهل السنة كما أنه لا يجمعهم مكان واحد، فإنهم لا يخلو عنهم زمان حتى قيام الساعة.
فقد صحت البشارة عن رسول الله ﷺ باستمرار وجود الطائفة المنصورة -أهل السنة والجماعة- من هذه الأمة إلى أن يأتي أمر الله، لا يضرهم خلاف المخالف، ولا خذلان الخاذل.
وجاء ذلك في أحاديث كثيرة عن جمع من الصحابة، حتى لقد صرح عدد من العلماء المعتبرين بتواتر هذا الحديث، كشيخ الإسلام ابن تيمية، والسيوطي، والزبيدي، والكتاني، وغيرهم١.
ومن هذه الأحاديث.
ما جاء عن المغيرة بن شعبة ﵁، عن النبي ﷺ، قال: "لا يزال ناس من أمتي ظاهرين، حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرين" ٢.
وعن جابر بن سمرة ﵁، عن النبي ﷺ، أنه قال: "لن يبرح هذا الدين قائمًا، يقاتل عليه عصابة من المسلمين، حتى تقوم الساعة" ٣.
وعن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق، ظاهرين، إلى يوم القيامة" ٤.
فهذه الأحاديث وما ماثلها توضح أن أهل السنة -الطائفة المنصورة- سيستمر بقاؤهم إلى يوم القيامة، فلن يخلو عنهم زمان حتى يأتيهم أمر الله ﷿.
_________________
(١) ١ قد سبقت الإشارة إلى ذلك في الفصل الأول ص٣٩. ٢ رواه البخاري "٣٦٤٠"، ومسلم "١٩٢١" من حديث المغيرة بن شعبة ﵁. ٣ رواه مسلم "١٩٢٢" من حديث جابر بن سمرة ﵁. ٤ سبق تخريجه.
[ ٥٣ ]
والمقصود أن بقاءهم يكون حتى يرسل الله ريحا طيبة -وهي أمر الله-، فتقبض روح كل مؤمن ومؤمنة، ويكون ذلك قبيل قيام الساعة، ويكون ذلك قبيل قيام الساعة، ويكون التعبير بقوله: "إلى قيام الساعة". معناه: إلى قرب قيامها.
قال الإمام النووي ﵀: "فأطلق في هذا الحديث بقاءهم إلى قيام الساعة، على أشراطها ودنوها المتناهي في القرب"١.
وقال رحمه الله تعالى: "وذكرنا هناك -أي في كتاب الإيمان- الجمع بين الأحاديث الواردة في هذا المعنى، وأن المراد بقوله ﷺ: "حتى يأتي أمر الله" من الريح التي تأتي فتأخذ روح كل مؤمن ومؤمنة، وأن المراد رواية من روى: "حتى تقوم الساعة"، أي: تقرب الساعة، وهو خروج الريح"٢.
_________________
(١) ١ شرح النووي على صحيح مسلم "٢/ ١٣٢". ٢ المرجع السابق "١٣/ ٦٦".
[ ٥٤ ]