قال الله ﷿ مادحا نبيه ﷺ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، وقال ﷺ:
"إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" ١، وقد ندبنا الله ﷿ إلى الاقتداء برسوله ﷺ، فقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١] .
إن أهل السنة والجماعة هم حملة ميراث النبوة في جانبيها العلمي والعملي، ولا شك أن أبرز الجوانب العملية في الهدي النبوي هو الجانب الأخلاقي، ولذلك فإن أخلاق النبوة -من الرحمة، ومحبة الخير للناس، واحتمال أذاهم، والصبر على دعوتهم، هي المنبع الذي يستقي منه أهل السنة خصائصهم السلوكية والأخلاقية، والتي لا تقل أهمية في منظور الحق عن ميراث العلم والهدى الذي اختص به الله هذه الفرقة الناجية بفضله ورحمته.
قال شيخ الإسلام: "الرسول ﷺ بعثه الله تعالى هدى ورحمة للعالمين، فإنه كما أرسله بالعلم والهدى والبراهين العقلية والسمعية، فإنه أرسله بالإحسان إلى الناس، والرحمة لهم بلا عوض، وبالصبر على أذاهم واحتماله، فبعثه بالعلم والكرم والحلم، عليم هاد، كريم محسن، حليم صفوح فهو يعلم، ويهدي، ويصلح القلوب، ويدلها على صلاحها في الدنيا والآخرة بلا عوض. وهذا نعت الرسل كلهم وهذه سبيل من اتبعه وكذلك نعت أمته بقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، قال أبو هريرة: كنتم خير الناس للناس: تأتون بهم في السلاسل حتى تدخلوهم الجنة، فيجاهدون ويبذلون أنفسهم وأموالهم، لمنفعة الخلق وصلاحهم، وهم يكرهون ذلك
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد "٨٧٢٩"، والبخاري في الأدب المفرد "٢٧٣"، والتاريخ الكبير "٨٣٥"، والحاكم في المستدرك "١٣"، والبيهقي في السنن الكبرى "١٠/ ١٩١، ١٩٢"، من حديث أبي هريرة ﵁، وصححه الحاكم، وابن بد البر في التمهيد "٢٤/ ٣٣٣، ٣٣٤"، والألباني في صحيح الجامع "٢٣٤٩". قال فضل الله الجيلاني: "لا يكون دين من الأديان خاليا من مكارم الأخلاق، لكن لم تكن الأخلاق الكريمة مجموعة كلها في دين من الأديان السابقة حتى جمع الله في دين الإسلام كل ما كان من أخلاق حسنة في أي دين، فهذا معنى: $"أتمم مكارم الأخلاق".. أي: أبلغ نهايتها" باختصار من فضل الله الصمد شرح الأدب المفرد "١/ ٢٧١".
[ ٧٩ ]
لجهلهم، كما قال أحمد في خطبته: الحمد الله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس، وأقبح أثر الناس عليهم، إلى آخر كلامه وهو ﷾ يحب معالي الأخلاق ويكره سفاسفها، وهو يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات، ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات. وقد قيل أيضا: وقد يحب الشجاعة ولو على تقل الحيات، ويحب السماحة ولو بكف من تمرات"١.
وقال أيضا: "يأمرون بالصبر عند البلاء والشكر عند الرخاء، والرضا بمر القضاء، ويدعون إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ويعتقدون معنى قوله ﷺ: "أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا" ٢، ويندبون إلى أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك، ويأمرون ببر الوالدين، وصلة الأرحام، وحسن الجوار، والإحسان إلى اليتامى، والمساكين وابن السبيل، والرفق بالمملوك، وينهون عن الفخر والخيلاء والبغي، والاستطالة عى الخلق بحق أو بغير حق، ويأمرون بمعالي الأخلاق وينهون عن سفاسفها، وكل ما يقولونه، أو يفعلونه من هذا أو غيره، فإنما هم فيه متبعون للكتاب والسنة"٣.
وقد تميز أهل السنة بهذه الخصلة الجميلة -كرم الخلق وحسن الهدي والسمت، وحرصوا عليها أشد الحرص.
قال ابن سيرين: "كانوا يتعلمون الهدي كما يتعلمون العلم"٤.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى "١٦/ ٣١٣-٣١٧". ٢ أخرجه أحمد "٧٣٥٤"، والدارمي "٢٧٩٢"، والترمذي "١١٦٢"، من حديث أبي هريرة ﵁. وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح"، وصححه الألباني في صحيح الجامع "١٢٣٠". ٣ مجموع الفتاوى "٣/ ١٥٨". ٤ الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي "١/ ٧٩".
[ ٨٠ ]
وقال حبيب بن الشهيد لابنه: "يا بني ائت الفقهاء والعلماء، وتعلم منهم، وخذ من أدبهم وأخلاقهم، وهديهم، فإن ذاك أحب إلي لك من كثير من الحديث"١.
فاقتدى السلف الصالح ﵃ برسول الله ﷺ، وتخلقوا بأخلاقه، وامتثلوا ما أمرهم به، وانتهوا عما نهاهم عنه، وكانوا كما قال الله ﷿: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] .
قال الإمام مالك ﵀: "بلغني أن النصارى كانوا إذا رأوا الصحابة الذين فتحوا الشام قالوا: والله لهؤلاء خير من الحواريين فيما بلغنا"٢.
وقال الحسن البصري: "إن كان الرجل ليخرج في أدب نفسه السنتين ثم السنتين"٣.
وقيل للشافعي: كيف شهوتك للأدب؟ فقال: أسمع بالحرف منه مما لم أسمعه، فتود أعضائي أن لها أسماعا فتنعم به، قيل: وكيف طلبك له؟ قال: طلب المرأة المضلة ولدها وليس لها غيره٤.
وذكر الذهبي أن مجلس الإمام أحمد -﵀- خمسة آلاف، خمسمائة يكتبون، والباقون يستمدون من سمته وخلقه وأدبه٥.
_________________
(١) ١ المصدر السابق "١/ ٨٠". ٢ تفسير ابن كثير "٤/ ٢٠٥". ٣ تذكرة السامع والمتكلم ص٢. ٤ سير أعلام النبلاء "١١/ ٣١٦". ٥ سير أعلام النبلاء "١١/ ٣١٦".
[ ٨١ ]