سابعًا: أهل السنة يجمعون بين واجب الاتباع، وواجب الاجتماع على الأئمة وأهل الحل والعقد من الأمة:
لا يخفى أن التمسك بالسنة والمحافظة على الجماعة كلاهما مقصود للشارع، ولهذا كانت الفرقة الناجية من بين زحام الفرق الهالكة هم أهل السنة والجماعة، أهل السنة بتمسكهم بالحق واستقامتهم عليه ودعوة الناس إليه، وأهل الجماعة بلزومهم لجماعة المسلمين، والتزام الطاعة لأولي الأمر في غير معصية.
ولهذا أيضا أمرت الشريعة بالإنكار على أئمة الجور، وعدم تصديقهم على كذبهم، أو إعانتهم على ظلمهم، محافظة على السنة، وأمرت بعدم الخروج عليهم، والتزام الطاعة في غير معصية، محافظة على الجماعة.
لذا كان منهج أهل السنة والجماعة هو الموازنة بين هذين الأمرين: المحافظة على السنة، والمحافظة على الجماعة، فلا يؤدي التزامهم بالطاعة لأهل الحل والعقد إلى الجور على السنة أو إقرار ما يخالفها، أو كتمان الحق والتدليس على الأمة، بل بيان الحق، وبذل النصيحة، والإنكار على المخالف بما لا يؤدي إلى مفسدة أعظم.
[ ٧١ ]
ولا يعني التزامهم بالسنة وإنكارهم على المخالف الخروج عن الطاعة أو مفارقة الجماعة، بل الأمر بالمعروف والنهي مع لزوم الجماعة، والانقياد لها بالطاعة هو منهج أهل الحق، أهل السنة والجماعة.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "إن الطريقة الوسطى التي هي دين الإسلام المحض، جهاد من يستحق الجها -كهؤلاء القوم المسئول عنهم١- مع كل أمير وطائفة هي أولى بالإسلام منهم، إ ذا لم يكن جهادهم إلا كذلك، واجتناب إانة الطائفة التي يغزو معها على شيء من معاصي الله، بل يطيعهم في طاعة الله، ولا يطيعهم في معصية الله، إذ لا طاعة في لمخلوق في معصية الخالق.
وهذه طريقة خيار الأمة قديما وحديثا، وهي واجبة على كل مكلف، وهي متوسطة بين طريقة الحرورية وأمثالهم ممن يسلك مسلك الورع الفاسد الناشئ عن قلة العلم، وبين طريقة المرجئة، وأمثالهم ممن يسلك مسلك طاعة الأمراء مطلقا وإن لم يكونوا أبرارًا"٢.
وقد ضرب إمام أهل السنة -الإمام أحمد ﵀- أروع الأمثلة في تطبيق هذا المنهج العظيم، وذلك في فتنة القول بخلق القرآن.
فلم يؤد التزامه بالطاعة لأولي الأمر إلى الجور على السنة أو إقرار ما يخالفها، أو كتمان الحق والتدليس على الأمة، بل أعلن الحق، وأظهر السنة، ونصح لله ولرسوله ﷺ، ولأئمة المسلمين وعامتهم، وبذل نفسه رخيصة في سبيل ذلك.
ومن ناحية أخرى، لم يدفعه التزامه بالسنة والمحافظة عليها، والإنكار على المخالف إلى الخروج عن الجماعة أو الطاعة، بل رفض كل المحاولات التي قام بها
_________________
(١) ١ يعني: التتار. ٢ المرجع السابق "٢٨/ ٥٠٨".
[ ٧٢ ]
أصحابها ليحملوه على الخروج على السلطان، بل وأكثر من هذا أنه كان يدعو للإمام -الذي يذيقه ألوان العذاب- لينصره الله على أعدائه من الكفار.
[ ٧٣ ]