أهل السنة هم أعلم الناس بأحوال صاحبها ﷺ وأقواله وأفعاله، وأعظمهم حبة وموالاة لها ولأهلها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن أحق الناس بأن تكون هي الفرقة الناجية: أهل الحديث والسنة، الذين ليس لهم متبوع يتعصبون له إلا رسول الله ﷺ، وهم أعلم الناس بأقواله وأحواله، وأعظمهم تمييزا بين صحيحها وسقيمها، وأئمتهم فقهاء فيها، وأهل معرفة بمعانيها واتباع لها، تصديقا وعملا، وحبا وموالاة لمن والاها، ومعاداة لمن عاداها، الذين يردون المقالات المجملة إلى ما جاء به من الكتاب والحكمة"١.
وقال الإمام أبو نصر السجزي: "ولا خلاف بين العقلاء في أن سنة رسول الله ﷺ لا تعلم بالعقل، وإنما تعلم بالنقل"٢.
"فكل مدع للسنة يجب أن يطالب بالنقل الصحيح بما يقوله، فإن أتى بذلك علم صدقه وقبل قوله، وإن لم يتمكن من نقل ما يقوله عن السلف علم أنه محدث زائغ"٣.
ولا عجب في ذلك، فأهل السنة هم أصحاب الحديث، رواية ودراية، علما وعملا، ولذلك فإننا نجد -كما سبق- أن بعض أئمة السلف فسر الطائفة المنصورة
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى "٣/ ٣٤٧". ٢ الرد على من أنكر الحرف والصوت لأبي نصر السجزي ص٩٩. ٣ المرجع السابق ص١١١.
[ ٦٥ ]
والفرقة الناجية، أهل السنة والجماعة بأنهم أصحاب الحديث.
ويقول الإمام أحمد في بيان منهج الاتباع: "وليس في السنة قياس، ولا تضرب لها الأمثال، ولا تدرك بالعقول والأهواء، إنما هي الاتباع، وترك الهوى"١.
وقال شيخ الإسلام في هذا المعنى: "ثم من طريقة أهل السنة والجماعة اتباع آثار رسول الله ﷺ باطنا وظاهرا، واتباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، واتباع وصية رسول الله ﷺ حيث قال: "عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" ٢، ويعلمون أن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، ويؤثرون كلام اللخ على غيره من كلام أصناف الناس، ويقدمون هدي محمد ﷺ على هدي كل أحد، وبهذا سموا أهل الكتاب والسنة، وسموا أهل الجماعة؛ لأن الجماعة هي الاجتماع وضدها الفرقة"٣.
فمعيار الانتساب كما يقرره العلماء هو اتباع المنهج أصولا وفروعا، وكلما تحقق العبد بهذه الأصول والفروع علما وعملًا، ودعوة وتطبيقا، كان أولى بهذا الاسم وتلك النسبة الشريفة.
قال شيخ الإسلام: "قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠] فجعل التابعين لهم بإحسان مشاركين لهم فيما ذكر من الرضوان والجنة فمن اتبع السابقين الأولين كان منهم، وهم خير
_________________
(١) ١ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي "١/ ١٥٦". ٢ سبق تخريجه. ٣ مجموع الفتاوى "٣/ ١٥٧".
[ ٦٦ ]
الناس بعد الأنبياء، فإن أمة محمد ﷺ خير أمة أخرجت للناس، وأولئك خير أمة محمد ﷺ.. ولهذا كان معرفة أقوالهم في العلم والدين وأعمالهم، خيرًا وأنفع من معرفة أقوال المتأخرين وأعمالهم في جميع علوم الدين وأعماله فإنهم أفضل ممن بعدهم كما دل عليه الكتاب والسنة، فالاقتداء بهم خير من الاقتداء بمن بعدهم، ومعرفة إجماعهم ونزاعهم في العلم والدين، خير وأنفع من معرفة ما يذكر من إجماع غيرهم ونزاعهم، وذلك أن إجماعهم لا يكون إلا معصومًا، وإذا تنازعوا فلا يخرج الحق عنهم، فيمكن طلب الحق في بعض أقاويلهم، ولا يحكم بخطأ قول من أقاويلهم حتى يعرف دلالة الكتاب والسنة على خلافه "١.
وقال في وصف أهل السنة والجماعة: "وهم يزنون بهذه الأصول الثلاثة -أي: الكتاب والسنة وإجماع السلف- جميع ما عليه الناس من أقوال وأعمال باطنة أو ظاهرة، مما له تعلق بالدين"٢.
وهذا كلام جامع مانع في شأن المنهاج، حيث تتجلى فيه وبوضوح مصادر التلقي المعصومة عند أهل السنة، كما تبرز شمولية هذا المنهج لما عليه الناس في شأن الاعتقاد وشأن العبادات، وشأن العلم والعمل جميعا، لا فرق في ذلك بين عمل القلب وعمل الجوارح ما دام ذلك كله له تعلق بالدين.
وكما أنهم ﵃ أتبع الناس لرسول الله ﷺ، فإن من سنتهم الاقتداء بالصحابة المرضيين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
وقد تقدم قوله ﷺ: "عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي" ٣.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى "١٣/ ٢٣-٢٧". ٢ العقيدة الواسطية لابن تيمية ص٤٧. ٣ سبق تخريجه.
[ ٦٧ ]
وهذا معلم أصيل من معالم أصحاب الصراط السوي، ألا وهو اقتداء الآخر بالأول، واللاحق بالسابق، من أهل النجاة والسلامة والإحسان.
ولذا عبر بعض العلماء عن معنى الجماعة في الأحاديث، فقال: "هم الصحابة ومن تبعهم بإحسان"، كما قرر ذلك الشاطبي في أول كتابه الاعتصام، حيث قال: "الجماعة ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه والتابعون لهم بإحسان"١.
ومعنى القدوة في الصحابة أكده ابن مسعود ﵁ حين قال: "من كان منكم مستنا فيستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محد ﷺ، كانوا أفضل هذه الأمة، أبرها قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم ودينهم، فإنهم كانوا على الهدي المستقيم"٢.
وعلى هذا درج الصالحون من أسلافنا المباركين، يوصون بهذه الوصية الجامعة لخير الدنيا والآخرة.
فهذا ابن المبارك ﵀ يسأل عن الجماعة: من هم؟ فيقول: "أبو بكر وعمر" إشارة منه بأنهم القدوة لغيرهم من الأمة علما وعملا، وأنهم أفضل الأمة بعد نبيها ﷺ باتفاق، فيقال له: "قد مات أبو بكر وعمر"، فيقول: "فلان وفلان"، فيقال له: "قد مات فلان وفلان"، فقال ابن المبارك: "أبو حمزة السكري جماعة"، فوصف رجلا دينا عالما تتمثل فيه القدوة لأهل زمانه، وهذا المسلك في البيان عن الجماعة من ابن المبارك من قبيل إفراد فرد من العام بالذكر،
_________________
(١) ١ الاعتصام للشاطبي "١/ ٢٨". ٢ جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر "٢/ ٩٧"، وانظر: ذم التأويل لابن قدامة "ص/ ٣٢"، وتحريم النظر في كتب الكلام له أيضًا ص٤٤.
[ ٦٨ ]
وهذا لا يخصص العام بهذا الفرد كما تقرر ذلك قواعد الأصول، فليس معناه أنه لا يوجد أحد يدخل في معنى الجماعة زمن ابن المبارك إلا أبو حمزة السكري، وإنما أراد ﵀ التنبيه بالمثال ليتضح المقال، ويسهل الفهم على السائل.
فأراد ابن المبارك أن يفسر الجماعة بمن اجتمعت فيه صفات الاتباع للكتاب والسنة، وهذا تعريف بالمثال.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن التعريف بالمثال قد يسهل أكثر من التعريف بالحد المطابق"١.
وعلى هذا المنهج في بيان القدوة في أهل السنة، اقتفى أبو يعقوب -إسحاق بن راهويه- أثر ابن المبارك حين سئل عن السواد الأعظم: من هم؟ قال: "محمد بن أسلم وأصحابه ومن تبعهم"٢.
فذكر رجلا من أصحاب الحديث وعلماء السنة، قال عنه ابن القيم ﵀: "الإمام المتفق على إمامته، مع رتبته، أتبع الناس للسنة في زمانه، حتى قال ﵀: ما بلغني سنة عن رسول الله إلا عملت بها"٣.
"فمن كان من العلماء مستمسكا بالأثر، وسالكا طريق الأولين من الصحابة والتابعين، اعتبره بعض العلماء هو الجماعة، وأوجبوا على الأمة متابعته، وأنه الجماعة التي يجب لزومها؛ لأن العلماء يمثلون المنهج، وهم القدوة للأمة"٤.
ومن تأمل مقولات السلف السابقة، علم أن العبرة والاعتداد في حصول القدوة،
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى "١٣/ ٣٣٨". ٢ الاعتصام للشاطبي "٢/ ٢٦٧". ٣ إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان لابن القيم "١/ ٧٠". ٤ وجوب لزوم الجماعة وترك التفرق د. جمال بادي ص١٠٤.
[ ٦٩ ]
هو الاستمساك بالحق المدلول عليه بالكتاب والسنة، ومنهج الصحابة وسلف الأمة، وأن الكثرة والقلة لا تأثير لها.
فإن الله تعالى قال: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُور﴾ [سبأ: ١٣] .
وقال سبحانه عن إبراهيم ﵇: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠]، فسماه الحق تعالى أمة، مع أنه كان على الحق وحده.
وقال أبو شامة رحمه الله تعالى: "وحيث جاء الأمر بلزوم الجماعة فالمراد به: لزوم الحق واتباعه، وإن كان المتمسك بالحق قليلا والمخالف كثيرا؛ لأن الحق الذي كانت عليه الجماعة الأولى من النبي ﷺ وأصحابه ﵃، ولا ينظر إلى كثرة أهل الباطل بعدهم"١.
واستدل أبو شامة لما قاله بما أورده عن ابن مسعود قال: "إن جمهور الناس فارقوا الجماعة، وإن الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك"٢.
وقال نعيم بن حماد: "إذا فسدت الجماعة، فعليك بما كانت عليه الجماعة قبل أن تفسد، وإن كنت وحدك، فإنك أنت الجماعة حينئذ"٣.
ويؤكد ابن القيم هذا المعنى فيقول: "وقد شذ الناس كلهم زمن أحمد بن حنبل، إلا نفرا يسيرا، فكانوا هم الجماعة، وكانت القضاة حينئذ والمفتون والخليفة وأتباعه كلهم هم الشاذون، وكان الإمام أحمد وحده هو الجماعة"٤.
قال ابن القيم: "واعلم أن الإجماع والحجة والسواد الأعظم هو العالم صاحب
_________________
(١) ١ الباعث على إنكار البدع والحوادث لأبي شامة ص٢٢. ٢ المصدر السابق ص٢٢، وإعلام الموقعين لابن القيم "٣/ ٣٩٧"، وصححه الألباني في المشكاة "١/ ٦١". ٣ الباعث لأبي شامة ص٢٢، وإعلام الموقعين لابن القيم "٣/ ٣٩٧". ٤ إعلام الموقعين لابن القيم "٣/ ٣٩٧".
[ ٧٠ ]
الحق وإن كان وحده، وإن خالفه أهل الأرض.. الشاذ وما خالف الحق وإن كان الناس كلهم عليه، إلا واحدا منهم فهم الشاذون".
وأخيرا فإن أعظم دلالة على واقعية هذا المنهج وقابليته للتطبيق، وإن أيسر وسيلة للحمل على الاتباع والسلوك هو ظهور القدوة التي تمثل هذا المنهج، واستشعار الأجيال على ما بينها من تباعد زماني ومكاني صلة متينة ووشيجة من وشائج القربى بين السالف واللاحق، وتأسيا واقتداء بعمل وعمل وخلق من سبق بالفضل علمه، وبالكمال عمله، وبالتمام خلقه. أولئكم هم السلف الصالح رضوان الله عليهم جميعا.
[ ٧١ ]