الجهاد في سبيل الله ذروة سنام الإسلام، ومن أعظم أصول الدين، وهو شريعة ماضية إلى يوم القيامة، ولا تزال الطائفة المنصورة قائمة به، تقالت في سبيل نصرة اهذا الدين، لا تتخلى عن هذا الأمر، حتى يقاتل آخرها المسيح الدجال.
وقد وردت هذه المعاني كلها عن رسول الله ﷺ.
فمما ورد في استمرار الجهاد وبقائه إلى يوم القيامة، ما رواه ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ: "الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة" ١، ورواه عروة بن أبي الجعد البارقي عن النبي ﷺ قال: "الخيل معقود في نواصيها إلى يوم القيامة: الأجر، والمغنم" ٢.
_________________
(١) ١ روه البخاري "٢٨٤٩"، ومسلم "١٨٧١" من حديث عبد الله بن عمر ﵄. ٢ رواه البخاري "٢٨٥٢"، ومسلم "١٨٧٣" من حديث عروة البارقي ﵁.
[ ٧٦ ]
قال الإمام أحمد ﵀: "وفقه هذا الحديث أن الجهاد مع كل إمام إلى يوم القيامة"١.
ومما ورد في حمل أهل السنة لراية الجهاد إلى يوم القيامة ما رواه جابر بن سمرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "لن يبرح هذا الدين قائما، يقاتل عليه عصابة من المسلمين، حتى تقوم الساعة" ٢.
وعن جابر بن عبد الله ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تزال طائفة من أمتي، يقاتلون على الحق، ظاهرين إلى يوم القيامة" ٣.
وعن عمران بن حصين ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق، ظاهرين على من ناوأهم، حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال" ٤.
فهذه الروايات -وغيرها- تبين أن الطائفة المنصورة أهل السنة والجماعة لا تقف عند حد جهاد الكلمة، ببيان الحق، والدعوة إليه بالحسنى، أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل من خصائصها أيضا القيام بواجب الجهاد في سبيل الله، وقتال أعداء الله من الكفار والمنافقين وغيرهم، وهم في جهاد مستمر مع أعداء الدين لا ينقطع بحال من الأحوال إلى يوم القيامة، حتى يقاتلوا المسيح الدجال.
وإذا كان هذا حالها، فإنها تنتقل من معركة إلى معركة، ومن ميدان إلى ميدان، تدال على أعدائها فتشكر، ويدالون عليها فتصبر، ولا يخطر ببالها اعتزال الميدان أو ترك الجهاد.
_________________
(١) ١ سنن الترمذي "٤/ ٢٠٢". ٢ رواه مسلم "١٩٢٢". ٣ سبق تخريجه. ٤ رواه أحمد "١٩٤١٩"، وأبو داود "٢٤٨٤"، ورواه الحاكم "٢٣٩٢" من حديث عمران بن حصين ﵁، وصححه الحاكم، والشيخ الألباني في صحيح الجامع "٧٢٩٤".
[ ٧٧ ]
وهذا لا يعارض ما وجد ويوجد في بعض الأمكنة والأزمنة من ترك الجهاد، مما أخبر به النبي ﷺ، وحذر منه، فوقع في الأمة كما أخبر.
فعن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم" ١.
فإننا كما نجد مصداق قول النبي ﷺ في واقع الأمة في الأزمنة المتأخرة، من الإخلاد إلى الأرض، وترك الجهاد، والرضى بالزرع، والتبايع بالربا، وتسلط الأعداء، ونزع المهابة، وإصابتها بالوهن، نجد أيضا مصداق ما أخبر به ﷺ من دوام الجهاد واستمراره، وبقاء طائفة من أمته يقاتلون على الحق ظاهرين.
فلا تكاد راية الجهاد تسقط من يد إلا وتتلقفها أيادي أخرى، مصداقا لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِم﴾ [المائدة: ٥٤] .
ومقتضى هذا الوعد ألا يزال في الأمة مؤمنون مجاهدون، باذلون، صابرون في سبيل الله لا يخافون لومة لائم، وهؤلا هم الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة.
_________________
(١) ١ رواه أبو داود "٣٤٦٢"، وأبو يعلى في مسنده برقم "٥٦٥٩"، والبيهقي في السنن الكبرى "١٠٤٨٤، وقد صححه ابن القيم في تعليقه عل مختصر سنن أبي داود، والشيخ الألباني في صحيح الجامع "٤٢٣".
[ ٧٨ ]