السنة لغة ١:
السيرة والطريقة: حسنة كانت أو قبيحة، وهي مأخوذة من السنن وهي الطريق.
قال ابن فارس: "سن -السين والنون أصل واحد مطرد، وهو جريان الشيء واطراده في سهولة، والأصل قولهم: سننت الماء على وجهي أسنه سنا، إذا أرسلته إرسالا".
"ومما اشتق منه السنة، وهي السيرة، وسنة رسول الله ﷺ سيرته. قال الهذيلي:
فلا تجزعن من سيرة أنت سرتها فأول راضٍ سنة من يسيرها٢
وقد ورد هذا المعنى في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٦]، أي: يهديكم سنن الذين من قبلكم، يعني طرائقهم الحميدة٣.
_________________
(١) ١ لسان العرب لابن منظور "٦/ ٣٩٥-٤٠٢"، والقاموس المحيط للفيروزابادي ص١٥٥٧-١٥٥٩، ومختار الصحاح للرازي ص١٣٣. ٢ معجم مقاييس اللغة لابن فارس "٣/ ٦٠-٦١". ٣ تفسير ابن كثير "١/ ٤٨٠".
[ ١٣ ]
وعن مجاهد في قوله تعالى: ﴿قَدَّمَتْ وَأَخَّرَت﴾ [الانفطار: ٥]، قال: "أخرت من سنة يعمل بها من بعده"١.
ومن ذلك الحديث: "من سن في الإسلام سنة حسنة ومن سن في الإسلام سنة سيئة" ٢.
قال ابن الأثير: "وقد تكرر في الحديث ذكر السنة، وما تصرف منها، والأصل فيه: الطريقة والسيرة"٣.
وهذا المعنى هو المراد هنا من معاني "السنة" اللغوية، وقد تطلق السنة ويراد بها:
- البيان:
كما قال تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ [الأحزاب: ٣٨، ٦٢] .
نصب "سنة" على إرادة الفعل، أي: سنن الله ذلك بمعنى بينه٤.
العادة الثابتة المستقرة:
كما في قوله تعالى: ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٧] .
فالسنة هنا تعني: العادة الثابتة التي تحكم الله بها وقضاها٥.
وهذا المعنى قريب من سابقه، وكلاهما يتفق مع التفسير السابق للسنة بالسيرة والطريقة.
وقيل: هي الصقل والتزيين٦، وقيل: التقوية٧، والذي يعنينا هنا هو المعنى
_________________
(١) ١ التاريخ الكبير لابن أبي خيثمة "٥٢٣". ٢ رواه مسلم "١٠١٧" من حديث جرير بن عبد الله ﵁. ٣ النهاية في غريب الحديث لابن الأثير "٢/ ٤٠٩"، ولسان العرب لابن منظور "٦/ ٣٩٩". ٤ لسان العرب لابن منظور "٣/ ٣٩٩". ٥ تفسير ابن كثير "٣/ ٥٤". ٦ انظر: لسان العرب لابن منظور "٦/ ٤٠٠"، والمعجم الوسيط إصدار مجمع اللغة العربية "١/ ٤٧٣". ٧ لسان العرب لابن منظور "٣/ ٣٩٦".
[ ١٤ ]
الأول، وهو موافق لبعض المعاني الاصطلاحية للسنة.
السنة اصطلاحًا:
ثم إن السنة -بعد ذلك- لها معان اصطلاحية متعددة بحسب الفن الذي ترد فيه، فالسنة عند الفقهاء غيرها عند المحدثين، غيرها عند الأصوليين.
لكن يعنينا هنا معناها عند علماء الاعتقاد، وهي عندهم على معنيين: الثاني منهما متفرع عن الأول، ومتأخر عنه.
فالأول هو الأصل في إطلاق السنة في اصطلاح السلف، وهو:
"ما كان عليه النبي ﷺ من العلم والعمل والهدي وكل ما جاء به مطلقا".
وهذا اصطلاح عام، فيشمل التوحيد وغيره، فالسنة بهذا الاعتبار تطلق على طريقة النبي ﷺ وأصحابه علما وعملا، اعتقادا وسلوكا، خلقا وأدبا، وهي السنة التي يجب اتباعها، ويحمد أهلها، ويذم من خالفها.
فهي على هذا المعنى مرادفة للدين والشريعة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "السنة هي الشريعة، وهي ما شرعه الله ورسوله من الدين"١.
وقال أيضا: "إن السنة التي يجب اتباعها ويحمد أهلها ويذم من خالفها هي سنة رسول الله ﷺ في أمور الاعتقاد، وأمور العبادات، وسائر أمور الديانات، وذلك إنما يعرف بمعرفة أحاديث النبي ﷺ الثابتة عنه، في أقواله وأفعاله، وما تركه من قول وعمل، ثم ما كان السابقون والتابعون لهم بإحسان"٢.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى "٤/ ٤٣٦". ٢ مجموع الفتاوى "٣/ ٣٧٨".
[ ١٥ ]
فالسنة هي: ما تلقاه الصحابة عن رسول الله ﷺ، من الشرع والدين، والهدي الظاهر والباطن، وتلقاه عنهم التابعون ثم تابعوهم، ثم أئمة الهدى العلماء العدول، المقتدون بهم، ومن سلك سبيلهم إلى يوم القيامة١.
ومن ذلك: قول الإمام مالك رحمه الله تعالى في وصف المدينة: "وهي دار الهجرة والسنة"٢.
وقال ابن رجب: "وعن سفيان الثوري، قال: استوصوا بأهل السنة خيرًا فإنهم غرباء٣، ومراد هؤلاء الأئمة بالسنة: طريقة النبي ﷺ التي كان عليها هو وأصحابه، السالمة من الشبهات والشهوات"٤.
ويشهد لهذا المعنى حديث أنس بن مالك ﵁، وفيه: "فمن رغب عن سنتي فليس مني" ٥.
فالإطلاق الأول للسنة هو ما كان عليه النبي ﷺ من العلم والعمل والهدي في أصول الدين وفروعه.
أما الإطلاق الثاني، فيقصد به "العقيدة الصحيحة الثابتة بالكتاب والسنة".
حيث أطلق السلف مصطلح "السنة" على أصول الدين، وفرائض الإسلام، وأمور الاعتقاد، والأحكام القطعية في الدين، وعلى هذا جرى الإمام أحمد وغيره من الأئمة في تصنيفهم كتب الاعتقاد باسم السنة.
_________________
(١) ١ انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية "٣/ ٣٥٨". ٢ التاريخ الكبير، لابن أبي خيثمة "١٣٥٢". ٣ رواه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة "١/ ٦٤". ٤ كشف الكربة في وصف حال أهل الغربة لابن رجب ص١٧، ١٨. ٥ رواه البخاري "٥٠٦٣"، ومسلم "١٤٠١" من حديث أنس ﵁.
[ ١٦ ]
وعليه فالسنة تطلق عندهم على: "ما سلم من الشبهات في الاعتقادات، خاصة في مسائل الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وكذلك في مسائل القدر، وفضائل الصحابة"١.
وقال ابن رجب: "وكثير من العلماء المتأخرين يخص السنة بما يتعلق بالاعتقاد؛ لأنها أصل الدين، والمخالف فيها على خطر عظيم"٢.
ويلاحظ في سبب هذا الإطلاق والاصطلاح الاعتقادي للفظ السنة، أن السنة من مصادر التلقي للعقيدة الصحيحة، وبها تثبت أحكام الاعتقاد.
فإذا قيل مذهب أهل السنة، فالمراد: معتقداتهم وأقوالهم في أصول الدين.
ومما يشهد لهذا المعنى قول سفيان بن عيينة: "السنة عشرة، فمن كن فيه فقد استكمل السنة، ومن ترك منها شيئا فقد ترك السنة: إثبات القدر، وتقديم أبي بكر وعمر، والحوض، والشفاعة، والميزان، والصراط، والإيمان قول وعمل، والقرآن كلام الله، وعذاب القبر، والبعث يوم القيامة، ولا تقطعوا بالشهادة على مسلم"٣.
وقول الشافعي: "القول في السنة التي أنا عليها، ورأيت عليها الذين رأيتهم مثل سفيان الثوري ومالك وغيرهما: الإقرار بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأن الله على عرشه في سمائه، يقرب من خلقه كيف شاء، وينزل إلى السماء الدنيا كيف شاء "٤.
وعلى هذا فالسنة تقابلها البدعة، وعليه يحمل قول ابن مسعود ﵁: "القصد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة"٥.
_________________
(١) ١ كشف الكربة في وصف أهل الغربة لابن رجب ص٢٦-٢٨. ٢ جامع العلوم والحكم لابن رجب "٢/ ١٢٠". ٣ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي "١/ ١٥٥، ١٥٦". ٤ العلو للعلي الغفار للذهبي ص١٢٠. ٥ رواه الدارمي "١/ ٨٣"، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة "١/ ٥٥"، والبيهقي في السنن الكبرى "٣/ ١٩"، وصححه الألباني في صلاة التراويح ص٦.
[ ١٧ ]
وقول ابن عباس: "النظر إلى الرج من أهل السنة يدعو إلى السنة، وينهى عن البدعة عبادة"١.
وقال أبو المليح: "وكان كتب عمر بن عبد العزيز راجيا السنة وإماتة البدعة"٢.
وقال ابن يونس: "امتحن أهل الموصل بالمعافى بن عمران فإن أحبوه فهم أهل سنة، وإن أبغضوه فهم أهل بدعة، كما يمتحن أهل الكوفة بيحيى"٣.
وقال الأوزاعي: "كان يقال: خمس كان عليها أصحاب محمد ﷺ والتابعون بإحسان: لزوم الجماعة، واتباع السنة، وعمارة المساجد، وتلاوة
القرآن، والجهاد في سبيل الله"٤.
وقال الإمام مالك رحمه الله تعالى: "إياكم وأصحاب الرأي، فإنهم أعداء أهل السنة"٥.
ومن هذا الباب ما يأتي بعد قليل عن ابن سيرين وغيره أثناء الكلام عن مصطلح أهل السنة باعتبار تركيبه الإضافي.
والسنة في هذا كله بمعنى الاعتقاد الصحيح المقابل لاعتقاد أهل البدع الباطل.
وكان السلف يفرقون في هذا المقام بين السنة والحديث، قال ابن مهدي: "الناس على وجوه، فمنهم من هو إمام في السنة، إمام في الحديث، ومنهم من هو إمام في الحديث، فأما من هو إمام في السنة وإمام في الحديث فسفيان الثوري"٦.
_________________
(١) ١ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي "١/ ٥٤". ٢ التاريخ الكبير، لابن أبي خيثمة "٤٦٢٨". ٣ رواه ابن مأبي خيثمة في التاريخ "٤٦٥٧"، ومن طريقه اللالكائي "١/ ٦٦". ٤ رواه ابن ماجه أبي خيثمة في التاريخ "٤٧٠٢"، ومن طريقه اللالكائي "١/ ٦٤". ٥ حلية الأولياء لأبي نعيم "٦/ ٣٢٧". ٦ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي "١/ ٦٣".
[ ١٨ ]
ولما سئل ابن الصلاح عن الفرق بين قولهم عن مالك إنه جمع بين السنة والحديث، فما الفرق بين السنة والحديث؟ أجاب ﵀: "السنة ههنا ضد البدعة، وقد يكون الإنسان من أهل الحديث وهو مبتدع، ومالك ﵀ جمع بين السنتين، فكان عالما بالسنة أي: الحديث، ومعتقدًا للسنة، أي كان مذهبه مذهب أهل الحق من غير بدعة، والله أعلم"١.
فلما ظهرت البدع، وانتشرت الفتن، ميز أهل السنة أنفسهم، ببقائهم على أصل الإسلام والشريعة، وخرجت عنهم الخوارج، واعتزلتهم المعتزلة، ورفضت الروافض، فتشتت أهل البدع وتفرقوا، ومكث أهل السنة على أصلهم الباقي على مر الزمان، وهو ما شرعه النبي ﷺ، وسنه لهم من السنة والجماعة.
ولما كان أكثر الاختلاف بينهم وبين غيرهم في أمور الاعتقاد صار مفهوم السنة يعني السير على طريقة الصحابة والتابعين بإحسان في أمور الاعتقاد خاصة، وأمور الدين عامة، ومن هنا نشأ المعنى الثاني للسنة.
_________________
(١) ١ فتاوى ابن الصلاح "١/ ٢١٣"، بتحقيق د. عبد المعطي أمين قلعجي.
[ ١٩ ]