إن البحث في نشأة الفكر الإرجائي يستلزم منا بالضرورة أن ندحض بالحجج الصريحة ما ذهب إليه بعض الناس، من القول بأن أصل المرجئة هو تلك الطائفة من أصحاب رسول الله ﷺ التي لم تخض فيما خاض فيه غيرها من الفتن، وفضلت الاعتزال والإمساك عن الدخول في تلك المأساة الكبرى.
وهذا الزعم تبناه قديمًا بعض رؤوس الضلالة من المتكلمين وأعداء الصحابة، كالرافضة والخوارج، ولكنه ظل قولًا مهلهلًا مندثرا، حتى بعثه المستشرقون وأتباعهم من المستغربين، فدرج على ألسنة المؤرخين والدارسين للفرق وتداولوه حتى أصبح كأنه حقيقة مسلمة، وأرجعوا الفضل في اكتشافها إلى "المنهج العلمي" الذي انتهجه المستشرقون!!
والمسألة بالنسبة لنا بدهية معلومة من الدين بالضرورة؛ فالكلام في أصحاب محمد ﷺ دين، والدين لا يؤخذ عن المسلم الفاسق، ولا اعتبار لرأيه فيه، فضلًا عن المبتدع الضال؛ كالكعبي (١)، والجاحظ (٢)، فضلًا عن الكافر الحاقد كعامة المستشرقين.
والله تعالى قد قال في الفاسقين: «ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا»، والحكم على أصحاب محمد ﷺ أعظم من مجرد الشهادة، لأنه دين واعتقاد، وإذا كان من شريعتنا رد شهادة المسلم الفاسق في دعاوى الحقوق الدنيوية، فما بالك بمن يتجرأ على خيار الأمة وأفضل البشر بعد الأنبياء من الصليبيين واليهود!
لقد مقت سلف الأمة عمرو بن عبيد، وضللوه وبدعوه من أجل طعنه في المقتتلين من الصحابة، هذا مع ما هو مشهور عنه من الزهد والتعبد ومجانبة
_________________
(١) انظر: التوحيد للماتريدي، ص ٣١٨، تحقيق: فتح الله خليف حيث نسب بعضهم للإرجاء والجبر
(٢) انظر رسالته في "النابتة"، ضمن رسائله التي نشرها عبد السلام هارون، وقد نشر الرسالة لأول مرة "فان فلوتن" الآتي ذكره، وعليها اعتمد، ثم تبعه المستغربون.
[ ١٦٩ ]
السلاطين، فكيف يلتفت المسلم إلى آراء أهل الكتاب الذين تغلي مراجل قلوبهم بالحقد على الإسلام، وتنفث ألسنتهم السم الزعاف عليه، وما تخفي صدورهم أعظم؟!
فماذا نتوقع من "جولد زيهر" اليهودي إلا مثلما ذهب إليه سلفه عبد الله بن سبأ أو أعظم، وماذا نظن بـ "فان فلوتن، وكريمر وويلهاوسن (١)، ونيكلسون " وأضرابهم أن يقولوا، والحرب الصليبية لم تتوقف لحظة واحدة، ولن تتوقف حتى تكون الملحمة مع الروم بأرض الشام بين يدي الساعة كما صح عن الصادق المصدوق؟
وإن من يقبل كلام هؤلاء - بل يجله ويعظمه - يلزمه أن يقبل كلام عبد الله بن سبأ، وحمدان قرمط، وابن الراوندي، وميمون القداح، وابن النغريلة، وإلا فإنه متناقض، أو مخدوع بالمسحة العلمية الحيادية التي يزعمها هؤلاء المستشرقون.
وما كان لنا أن نأبه بآراء المستشرقين ونشغل بردها لا في هذه القضية ولا في ما هو دونها، فنحن لا نتوقع منهم إلا هذا ومثله، فقد تبين لي من قراءة كافية في كتبهم أنهم قوم بهت - كما وصف عبد الله بن سلام ﵁ أجدادهم اليهود - وأنهم لو كان الافتراء على الإسلام في السماء لاتخذوا إليه سلما، ولو كان في الأرض لابتغوا إليه نفقًا.
ولكن اقتداء كثير من الكتاب المنتسبين إلى الإسلام بهم ومتابعتهم لرأيهم، واستناد هؤلاء وأولئك إلى آراء مخطئة أو أقاويل بدعية جعل تبيان هذه القضية أمرًا ضروريًا.
فقد نقل عنهم واقتدى بهم علماء شريعة مشهورون، ومتخصصون في العقيدة بارزون، ومؤرخون وأدباء لهم مكانتهم، وذلك مثل الشيخ محمد أبو زهرة، والدكتور على سامي النشار، والدكتور مصطفى حلمي، والدكتور نعمان القاضي فضلا عن أحمد أمين وطه حسين وسهير القلماوي وشاكر مصطفى وأمثالهم وأتباعهم (٢) .
ويعجب الباحث أيما عجب حين يجد علماء وأساتذة ومؤرخين عربًا مسلمين يعتمدون اعتمادًا كليًا على الكتيّب - بل المقال - الضحل السقيم الذي كتبه فان فلوتن
_________________
(١) ويُكتب "فلهوزن"
(٢) ستأتي النقول عنهم في المبحث الثاني.
[ ١٧٠ ]
بعنوان "السيطرة العربية" أو "الاستعمار العربي"، والذي ترجموه مخففًا باسم "السيادة العربية"!!
وإنني لأجزم يقينًا - ولو حلف غيري ما عددته حانثًا - هؤلاء الأساتذة لو قدر لأحدهم أن يناقش ما كتبه فلوتن باعتباره رسالة أو بحثًا لأحد الطلبة الأزهريين، لما منحه أدنى درجة علمية، ولأوسعه نقدًا وذمًا كما هو الحال في كثير من الرسائل العلمية التي هي أعلى مستوى في ذلك.
فهل كون الكاتب مستشرقًا يجعل ما كتبه مقبولًا، بل حجة ينقل عنها الأساتذة المتخصصون؟! والأنكى من ذلك أن يعارض به كلام المؤرخين المسلمين، حتى في مسألة تاريخية بحتة، كتحديد وفاة الحارث بن سريج!!
ويبدو لي أن بعض المستشرقين العرب مثل أحمد أمين وزميله طه حسين وعبد الحميد العبادي قد تنبهوا لما قد يثار عن هذه المسألة، فما أن وجدوا نصًا للنووي يشعر بما يريدون حتى ألحقوه في هامش الكتاب (١)، وكأنما هو أصل مستندهم أو بعضه.
وبصرف النظر عن الحقد والتعصب لدى المستشرقين، نقول: إن سبب انحراف منهجهم ومن اتبعهم في هذا الموضوع هو القياس الفاسد؛ فلما كانت الخلافة الإسلامية عندهم لا تختلف عن أية حكومة مذهبية، وكان أصحاب رسول الله ﷺ مجرد أشخاص لا يختلفون عن سائر الناس في المطامع والكيد السياسي، فإن الخلاف الذي وقع بينهم لا يعدو في أنظار هؤلاء أن يكون "أزمة صراع على السلطة"، من ذلك النوع الذي تشهده الحكومات الأوربية منذ انقراض عصر الملكيات التقليدية!
أما التزكية الإيمانية والتربية النبوية فأثرها عند هؤلاء محدود أو معدوم، وإليك رأي مؤلفي فجر الإسلام حين يتساءلون: "إلى أي حد تأثر العرب بالإسلام؟ "، "وهل انمحت تعاليم الجاهلية ونزعات الجاهلية بمجرد دخولهم في الإسلام؟ الحق أن ليس كذلك، وتاريخ الأديان والآراء يأبى ذلك كل الإباء، فالنزاع بين القديم والجديد،
_________________
(١) فجر الإسلام (١/٣٣٥)، والثلاثة مشتركون في السلسلة، كما ذكروه في المقدمة.
[ ١٧١ ]
والدين الموروث والحديث يستمر طويلًا، ويحل الجديد محل القديم تدريجيًا، وقل أن يتلاشى بتاتًا" (١) .
ولذلك تم تصنيف الفرق الإسلامية وفقًا لتصنيف الأحزاب السياسية والدينية الأوروبية، وابتدأوا ذلك منذ وفاة الرسول ﷺ، بل وفي حياته!!
فجعلوا في الأمة يمينًا ويسارًا ووسطًا، وفي كل من اليسار واليمين متطرفون ومعتدلون إلخ، وكذلك قسموها إلى ديموقراطيين وثيوقراطيين ودكتاتوريين إلخ.
ولسنا في مقام تفصيل المهازل الساخرة التي أدى إليها تطبيق هذا القياس الفاسد، والخلافات التي لا يقوم أي منها على أساس موضوعي؛ مثل أن يجعل أحدهم الشيعة من اليسار المتطرف، والآخر يجعلها من اليمين المعتدل، ويجعل الخوارج بالعكس وهكذا.
ولكن الذي يهمنا هنا هو أن هذا التصنيف أدى إلى اعتبار الطائفة الممسكة عن الفتنة - من أصحاب النبي ﷺ - هي مجرد طائفة سياسية محايدة، ومن ثم جرى طرد القياس على كل طائفة شابهتها في الموقف أو بعضه، ثم إنهم لما رأوا أن لبعض هذه الفرق - التي تنتمي في أصل تصنيفهم إلى الوسط المحايد، كالمعتزلة وثورة الحارث بن سريج - آثارًا إيجابية في عالمي السياسة والفكر، كان لابد لهم من التعسف والتكلف، فقالوا: إن المرجئة تحولت من تيار الوسط إلى تيار اليسار بفعل التناقضات السياسية.. أو ما أشبه هذا من التعليلات!
فليس مهمًّا لديهم أن تنقلب حقائق التاريخ، فتصبح المعتزلة مرجئة، وتصبح المرجئة حركة ثورية يسارية، وإنما المهم أن تظل معاييرهم الاعتباطية هي الأصل الذي لا ينقلب ولا ينتقض!!
وها هو ذا ما جاء في كتاب "فجر الإسلام" الذي يمثل خلاصة آراء المستشرقين، والذي نقل عنه أكثر من بعده، ومنهم أبو زهرة:
"إن الشيعة والخوارج كانا أول أمرهما حزبين سياسيين (٢) تكونا حول الخلافة، وإن رأي الخوارج فيها رأي ديمقراطي، ورأي الشيعة رأي ثيوقراطي، أما المرجئة فكانت حزبًا سياسيًا محايدًا.
_________________
(١) ص ٩٤، وفي ص ٩٨ يطعنون في إسلام كل من أسلم يوم الفتح، وفي إسلام سكان البوادي جملة، فإذا كان الأمر كذلك وكان تأثر الصفوة من أهل المدينة كما ذكروا ص ٩٤، فماذا صنع الإسلام ونبيه ﷺ إذن؟
(٢) انظر "مبحث الخوارج الآتي"، ص ٢٣٩.
[ ١٧٢ ]
ونواة هذه الطائفة كانت بين الصحابة في الصدر الأول، فإننا نرى أن جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ امتنعوا أن يدخلوا في النزاع الذي كان في آخر عهد عثمان - مثل أبي بكرة، وعبد الله بن عمر، وعمران بن حصين".
ثم ساق حديث أبي بكرة الآتي، وقال: "هذه النزعة إلى عدم الدخول في الحروب بين المسلمين بعضهم وبعض هي الأساس الذي بني عليه مذهب الإرجاء، ولكنه لم يتكون كمذهب - كما رأينا إلا بعد ظهور الخوارج والشيعة.
وبعد أن كان مذهبًا سياسيًا أصبح - بعد - يبحث في أمور لاهوتية، وكانت نتيجة بحثهم تتفق ورأيهم السياسي "!!
وفي الحاشية يعلق على ذلك قائلًا: "يقول النووي على مسلم: إن القضايا كانت مشتبهة، حتى أن جماعة من الصحابة تحيروا فيها، فاعتزلوا الطائفتين ولم يقاتلوا، ولم يتيقنوا الصواب" (١) .
ونحن قد سبق أن بيّنّا أن الممسكين عن الفتنة أقسام مختلفة، وهنا لا بد من بيان حقيقة موقف الصحابة ﵃، وخطأ من نسب إليهم الإرجاء، سواء أكان إرجاء شك وحيرة أم اعتقاد وبدعة، والأمر في حقيقته يرجع إلى مسألة فقهية، وهي حكم قتال الفتنة الذي جرى بين الصحابة، وحكم قتال الفتنة بين المسلمين عامة.
ومع إيماننا بأن الأولى هو الكف عما شجر بين الصحابة ﵃، فإنه لا حرج في عرض مواقفهم على النصوص الشرعية التي أمر الله تعالى بالرد إليها في كل نزاع، لا سيما وهي - ولله الحمد - تدل على صحة ما يعتقده أهل السنة والجماعة فيهم، وخاصة أهل الحديث، كأحمد وسفيان، بخلاف ما ذهب إليه أهل الرأي وكثير من الفقهاء المتأخرين، مع ما في هذا من مصالح، كأخذ العبرة، ونفي التهمة تفصيلًا بعد نفيها إجمالًا فنقول:
إن النووي ﵀ شافعي المذهب، وكثير من متأخري الشافعية يرون تصويب علي ﵁ وتخطئة من حاربه أو توقف عن الحرب معه، ولكن النووي رجل محدث، وقد رأى من صحة أحاديث النهي عن القتال في الفتنة وكثرتها ما لم يستطع
_________________
(١) فجر الإسلام، ص ٢٣٣- ٢٣٥، وأبو زهرة (١/١٣٣) .
[ ١٧٣ ]
معه الجزم بتخطئة من قعد عن نصرة عليّ - أعني الممسكين عن الخوض في الفتنة - فأراد التوفيق والتأويل، فاعتذر عن هؤلاء بأنهم لم يتبين لهم الصواب مع علي أم مقاتليه؟ ووضع في اعتباره أن القول بترك قتال المسلمين مطلقًا يؤدي إلى جرأة المفسدين وتطاول المجرمين - وهي العلة التي يذكرها الفقهاء المتأخرون كثيرًا (١) - فجعل الإمساك عن ذلك مخصوصًا بهذه الحالة وحدها.
واعتذر عن العمل بالأحاديث بقوله: "تتأول الأحاديث على من لم يظهر له المحق، أو على طائفتين ظالمتين لا تأويل لواحدة منهما" (٢) .
وهذا الذي ذهب إليه هو وغيره من الفقهاء يتبين صوابه أو خطؤه باستعراض مواقف الممسكين عن الفتنة واحدًا واحدًا:
١ - فهذا أسامة بن يزيد - على عظيم صلته بعلي ﵄ - يقول عنه مولاه حرملة: "أرسلني أسامة إلى علي، وقال: إنه سيسألك الآن فيقول: ما خلف صاحبك (٣)؟ فقل له: يقول لك: لو كنت في شدق الأسد لأحببت أن أكون معك فيه، ولكن هذا أمر لم أره" (٤) .
فأسامة يفرق بين العلاقة الحميمة وبين أمر لم يجد له في الشرع مخرجًا، ولو رآه جائزًا لما تردد عنه.
وينقل الحافظ عن ابن بطال: أن أصل موقف أسامة هذا هو ما نذره على نفسه يوم أن قتل الرجل الذي قال لا إله إلا الله - أنه لا يقاتل مسلمًا أبدًا (٥) .
٢ - وهذا أبو موسى الأشعري، وصاحبه أبو مسعود الأنصاري، يعيبان على عمار مشاركته في القتال - وقد كان مع علي - قال شقيق بن سلمة: "كنت جالسًا مع أبي مسعود وأبي موسى وعمار، فقال أبو مسعود: ما من أصحابك أحد إلا لو شئت لقلت فيه غيرك، وما رأينا منك شيئًا منذ صحبت النبي ﷺ أعيب عندي من استسراعك في هذا الأمر.
_________________
(١) انظر: الفتح (١٣/٣١)، فقد نقل عن الطبري وجمهور الفقهاء ما يشبه كلام النووي.
(٢) شرح النووي على مسلم (١٨/١٠)، ومعلوم أن الاحتمال الأخير لا ينطبق على الصحابة، وأن الذين قالوا: إن الطائفتين فاسقتان كلاهما، هم المبتدعة كعمرو ابن عبيد!!
(٣) أي ما الذي جعله يتخلف عنا؟
(٤) البخاري (١٣/٦١) .
(٥) الفتح (١٣/٦٨)
[ ١٧٤ ]
قال عمار: يا أبا مسعود ما رأيت منك ولا من صاحبك هذا شيئًا منذ صحبتما النبي ﷺ أعيب عندي من إبطائكما في هذا الأمر" (١) .
قال الحافظ: " كان أبو مسعود على رأي موسى في الكف عن القتال؛ تمسكًا بالأحاديث الواردة في هذا الأمر" (٢)، فليس هناك اشتباه، بل القضية من الوضوح بحيث يعيبان عمارًا!!
٣ - وأما عبد الله بن عمر، فيتخذ هذا موقفًا مطردًا، فهو لم يشترك في أي قتال بين المسلمين قط، لا زمن علي ولا فيما بعد، لأنه يراه كله قتال فتنة.
روى البخاري: "أن رجلًا جاءه، فقال: يا أبا عبد الرحمن، ألا تسمع ما ذكر الله في كتابه: «وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا» إلى آخر الآية، فما يمنعك ألا تقاتل كما ذكر الله في كتابه؟
فقال: يا ابن أخي، أعير بهذه الآية ولا أقاتل، أحب إليّ من أن أعيّر بهذه الآية التي يقول الله تعالى: «ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا» إلى آخرها.
قال: فإن الله يقول: «وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة» .
قال ان عمر: قد فعلنا على عهد رسول الله ﷺ؛ إذ كان الإسلام قليلا، فكان الرجل يفتن في دينه، إما يقتلوه وإما يوثقوه حتى كثر الإسلام، فلم تكن فتنة" (٣) .
٤ - وأما أبو بكرة ﵁، فإنه لم يقتصر على كف اليد، بل نهى غيره وأنكر عليه المشاركة في القتال، فقد روى الشيخان عن الحسن البصري أن الأحنف ابن قيس أخبره أنه خرج بسلاحه يريد القتال في الفتنة - وكان ذلك يوم الجمل، وقصده القتال مع علي ﵁ - فلقيه أبو بكرة ﵁ فصده عن ذلك، وقال: يا أحنف ارجع، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار" (٤) .
_________________
(١) الفتح (١٣/٥٤)
(٢) المصدر السابق (٣/٥٩)
(٣) البخاري (٨/٣٠٩) .
(٤) وهذا اللفظ لمسلم (١٣/٣١) .
[ ١٧٥ ]
وليس هذا صنيع الحائر المتشكك، بل هو موقف الواثق المستيقن، وسيأتي حديثه الآخر قريبا.
٥ - وهناك من المعتزلين للفتنة من كان وضوح أمرها لديه بحيث إنه احتاط لنفسه من شرها بمجرد انفجارها، فهذا سلمة بن الأكوع ﵁ لما قتل عثمان ﵁ خرج إلى الربذة، وتزوج هناك امرأة وولدت له أولادًا، فلم يزل بها حتى قبل أن يموت بليال نزل المدينة (١) .
فقد تغرب ﵁ حوالي أربعين سنة (منذ مقتل عثمان سنة ٣٥ إلى وفاته سنة ٧٤)، ثم مات في دار الهجرة كرامة من الله له.
٦ - وممن أحجم عن الفتنة، وحدث الناس بخبر رسول الله ﷺ عنها أبو هريرة ﵁، فقد حدث عن النبي ﷺ هو وأبو بكرة أنه قال: "ستكون فتن، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من تشرف لها تستشرفه، فمن وجد منها ملجأ أو معاذًا فليعذ به" (٢) .
وهذا لفظ البخاري عن أبي هريرة، ولمسلم عن أبي بكرة زيادة أوضح: "ألا فإذا نزلت - أو: وقعت - فمن كان له إبل فليلحق بإبله، ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه " (٣) الحديث.
ويتضح من هذه النصوص:
أولًا: أن الصحابة الذين اعتزلوا الفتن يعتمدون على أصل شرعي ثابت بنصوص صريحة عن النبي ﷺ، وبعضها أوامر عينية في حق المخاطبين بها - وبعضها لم نذكره -.
ثانيًا: أن من كمال فقه الصحابة ﵃ التفريق بين صحة إمامة علي وبين وجوب القتال معه، بل صحة قتاله، إذ لا يلزم من كونه إمامًا حقًا أن يكون قتاله لأهل الجمل وصفين حقًا بإطلاق على ما سنبينه.
_________________
(١) الفتح (١٣/٤٠) .
(٢) المصدر السابق (١٣/٣٠) .
(٣) رقم (٢٨٨٧) .
[ ١٧٦ ]
على أن هؤلاء ليسوا هم كل من اعتزل الفتنة، بل اعتزلها من هو أجل منهم مثل سعد بن أبي وقاص، فإنه لم يكن على ظهر الأرض يوم صفين أفضل منه سوى علي وسعيد بن زيد، أحد العشرة، وهنالك من هو مثلهم، كزيد بن ثابت، ومحمد بن مسلمة، وعبد الله بن مغفل ﵃ (١) .
ومنهم أبو برزة الأسلمي ﵁، الذي صدع أيام الفتنة بين ابن الزبير والأمويين والخوارج: "إني احتسبت عند الله أني أصبحت ساخطًا على أحياء قريش" الحديث، وذلك لأنه "كان يرى الانعزال في الفتنة وترك الدخول في كل شيء من قتال المسلمين" (٢) .
وبالجملة، هذا هو مذهب أهل الحديث عامة، ومن تأمله ظهر له قوة دلائله النصية، وصدق نتائجه الواقعية، فقد صرح به إمام أهل السنة والجماعة الإمام أحمد بن حنبل، وبنى عليه موقفه في رفض الخروج على الدولة العباسية (٣) .
روى عنه الخلال أنه قال: ابن عمر وسعد ومن كف عن تلك الفتنة، أليس هو عند بعض الناس أحمد! هذا عليّ لم يضبط الناس، فكيف اليوم والناس على هذا الحال السيف لا يعجبني (٤) .
وقال أبو بكر المروزي: سمعت أبا عبد الله - وقد ذكر عنده عبد الله بن مغفل - فقال: لم يتلبس بشيء من الفتن! وذكر رجل آخر فقال: رحمة الله مات مستورا قبل أن يبتلى بشيء من الدماء (٥) .
وممن صح النقل عنه من أهل الحديث سفيان الثوري ﵀، وله كلمة عظيمة في هذا، قال: نأخذ بقول عمر ﵁ في الجماعة، وبقول ابنه في الفرقة (٦) .
_________________
(١) جمعت أسماء هؤلاء وغيرهم من تتبعي لأحاديث الفتن، ولو أن أحدا استقصى ذلك لكان عملا مشكورا.
(٢) البخاري (١٣/٦٨)،والكلام للحافظ ص ٧٣
(٣) وقد ظهر صدق هذا الموقف حين رجع المتوكل إلى السنة، وانقلبت الدولة على رؤوس المبتدعة تنكيلا، وهذا جزاء الصبر وبركة اتباع النصوص، فللسيف موضعه وللحجة موضعها، والنصوص هي الحكم، ويعطي الله البصيرة من يشاء من عباده، فينزل النصوص على الواقع، ويصيب مناط الحكم. هذا ويلاحظ من كلام الإمام أن المسألة اجتهادية مصلحية؛ لا يترتب على الخلاف فيها تبديع وتضليل، وهكذا كان موقفه من أحمد بن نصر الخزاعي ﵀.
(٤) الخلال، كتاب الإيمان للإمام أحمد، لوحة ١٢ من المسند الجامع.
(٥) المرجع السابق نفسه.
(٦) المصدر السابق، ولعل مراده بقول عمر: الشورى والاختيار، وبقول ابنه: الكف عن القتال، ومبايعة من استقرت له الأمور، ولو كان مفضولا.
[ ١٧٧ ]
وكان - ﵀ - يصرح قائلًا: لو أدركت عليًا ما خرجت معه!!
قال يحيى بن آدم: فذكرت قوله للحسن بن صالح فقال: قل له: يحكى هذا عنك؟ فقال سفيان: ناد به عني على المنار (١) .
وعلى هذا المذهب كذلك الإمام البخاري صاحب الصحيح، فإن تراجم أبواب كتاب الفتن من صحيحه تنطق بذلك، وعلى منواله كتب مسلم وغيره من المصنفين في هذا الموضوع.
وقد رجح هذا المذهب وانتصر له شيخ الإسلام ابن تيمية في مواضع من كتبه، ومختصر أدلته على ذلك:
١ - النصوص الكثيرة التي استند إليها الممسكون عن الفتنة، ومنها ما سبق إيراده.
٢ - ثناء النبي ﷺ على الحسن، لأن الله أصلح به ما بين المسلمين وحقنت الدماء، في حين أنه لم يثن على قتال أبيه لأهل الشام، بل غاية ما وصف به أنه أدنى منهم إلى الحق، بخلاف قتاله للخوارج، فقد أثنى عليه نصًا، كما أن عليًا نفسه فرح واستبشر بقتال الخوارج، وتألم وتكدر بقتال أهل الشام.
٣ - أن الممسكين عن الفتنة هم من أكابر الصحابة رضوان الله عليهم وأفاضلهم، وقد ذكرنا بعضهم قريبًا.
٤ - أن العبرة بالنتائج والعاقبة، ولا شك أن نتيجة الاقتتال كانت مؤلمة جدًا في حين كانت السلامة في الإمساك، ولهذا ندم بعض من شارك، كما في البخاري عن شقيق بن سلمة حين سئل هل شهدت صفين؟ قال: نعم، وبئست صفين (٢) .
بل نقل شيخ الإسلام عن علي نفسه أنه قال، لله در مقام قامه سعد بن مالك وعبد الله بن عمر، إن كان برًا إن أجره لعظيم، وإن كان إثمًا إن خطأه ليسير (٣) .
٥ - أنه لا حجة في استدلال المخالفين بقتال الفئة الباغية، وذلك أن الله تعالى إنما أمر بقتال الباغية، وسماها باغية إذا رفضت الصلح ولم يأمر بقتالها ابتداء، وللصلح أبواب كثيرة، ولو بالتنازل عن بعض الحق أو كثير منه.
_________________
(١) المصدر السابق.
(٢) ١٣/٢٨٢) .
(٣) مجموع الفتاوى (٤/٤٤٠) .
[ ١٧٨ ]
٦ - أنه قد كان في الإمكان اتخاذ وسائل غير السيف لتهدئة الأحوال وجمع الكلمة، ومنها ما أشار به ابن عباس على علي بألا يعزل معاوية عن إمرة الشام، بل يبقيه في منصبه حتى يأخذ البيعة منه ومن أهل الشام، فإذا فعل ذلك وكانت المصلحة عزله يعزل، فإن رفض الطاعة يكون حينئذ باغيًا ناكثًا.
أما وهم لم يدخلوا في طاعة علي ابتداء، فإن هذا من أقوى استدلالات من يرى صواب موقفهم، لا سيما والثابت أن معاوية ﵁ لم ينازع عليًا الخلافة، وإنما اشترط لدخوله في طاعته تسليم قتلة عثمان (١) .
* ولذلك تفصيل لا مجال له هنا، وحسبنا الإشارة والتنبيه.
يبقى أن نرد قول من قال: إنه يلزم من هذا تشجيع المفسدين وقطاع الطرق، فنقول: إن قتال الفتنة - كما وقع بين الصحابة - شيء، وقتال الطرق والمفسدين شيء آخر، وقد قتل من الخوارج بالنهروان قرابة أربعة آلاف فما تألم لهم أحد، وقتل كعب بن سور يوم الجمل فتألمت لذلك الطائفتان جميعًا، فكيف بطلحة والزبير وعمار؟ فالمفسدون أقرب شيء إلى الخوارج، ولا يتحرج من قتالهم أحد، ولا يترتب عليه تمزيق صف المسلمين، بل فيه حفظ وحدتهم وأمنهم، وكذا دفع الصائل.
وأما أن يكون المرء عبد الله المقتول ولا يكون عبد الله القاتل فذلك مشروع في الفتنة بين المسلمين المختلفين اختلافًا اجتهاديًا مصلحيًا، والله اعلم.
والحاصل: أن هذا المذهب أقوى من مذهب من يرى أن الصواب مطلقًا هو القتال مع علي، وبالأولى هو أقوى ممن يرى أن الصواب هو القتال مع من حاربه وبذلك يتضح أنه أقوى المذاهب وأرجحها.
على أن الذي يهمنا هنا بخصوصه هو بيان خطأ أو ضلال من نسب هؤلاء الصحابة ﵃ إلى الإرجاء، زاعمًا أن الأمور اشتبهت عليهم فتبرءوا من الطائفتين كليهما، وأرجئوا الحكم عليهما بالإيمان - بالحق أو الباطل - إلى الله تعالى، فخلطوا بين هذا الموقف، وموقف بعض الخوارج، وموقف الشكاك الذين سبق الحديث عنهما.
وما أحسن ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في براءة الصحابة ﵃ من كل بدعة، قال: "إن الصحابة رضوان الله عليهم خير قرون هذه الأمة التي هي
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٣٥/٥٥- ٥٦، ٧٧- ٧٨)، (٤/٤٣٩- ٤٤٢)، ومواضع من منهاج السنة.
[ ١٧٩ ]
خير أمة أخرجت للناس، وهم تلقوا الدين عن النبي ﷺ بلا واسطة، ففهموا من مقاصده ﷺ، وعاينوا من أفعاله، وسمعوا منه شفاهًا ما لم يحصل لمن بعدهم.
وهم قد فارقوا جميع أهل الأرض وعادوهم، وهجروا جميع الطوائف وأديانهم، وجاهدوهم بأموالهم وأنفسهم ولهذا لم يطمع الشيطان أن ينال منهم من الإضلال والإغواء ممن بعدهم، ولم يكن منهم أحد من أهل البدع المشهورة، كالخوارج والروافض والقدرية والمرجئة والجهمية، بل كل هؤلاء إنما حدثوا فيمن بعدهم" (١) .
* نماذج من آراء المستشرقين ومقلديهم في الموضوع:
نعرض هنا نماذج من آراء المستشرقين ومن اتبعهم من المحدثين والمعاصرين عن نشأة الإرجاء وفكره، آخذين في الاعتبار ما أشرنا إليه من أن المؤاخذ في الحقيقة هم هؤلاء المقلدون، فإنهم لو استخدموا عقولهم وحاولوا الاستنباط بأنفسهم لكان لهم العذر أو بعض العذر إذا أخطئوا، أما وهم ينقلون ويصرحون بالنقل عن المستشرقين، ويتجاهلون تمامًا كلام علماء الإسلام الثقات وأئمة السنة المشهورين - هذا إن لم يطعنوا في آرائهم - فلا بد من بيان فساد منهجهم إحقاقًا للحق وعبرة لمن يدرس الفرق والعقيدة، كي لا يغتر بصنيعهم، ولهذا لم أر مناقشة كلام هؤلاء، مع أن بعضهم أساتذة متخصصون في علم الكلام، بل اقتصرت على عرض كلام المستشرقين لأنه الأصل!!
والمستشرقون الذين تعرضوا للموضوع كثير، وسنكتفي بأهمهم وطرف من مقلديهم:
١ - "فان فلوتن".
٢ - "يوليوس ويلهاوسن".
وهما من أخبث المستشرقين وأكثرهم أثرًا في المقلدين، ونحن ننقل من كلامهما ما يغني بنفسه عن التعليق عليه:
_________________
(١) الجواب الباهر، ص ٥٦- ٥٧، طبعة قصي محب الدين الخطيب.
[ ١٨٠ ]
فأما "فلوتن"، فإن كتيبه السقيم يقوم على فكرة واحدة، هي أن الفتوحات الإسلامية كانت بغرض الاستعمار - على الطريقة الأوروبية - ومن هنا فسر نشأة الفرق بأنها انتقام من الشعوب المستعمرة ضد مستعمريها!!
يقول: "لم يكن الغرض من الفتوحات الإسلامية هو إدماج شعب في شعب، أو العمل على نشر دعوة دينية معينة، وإنما هو احتلال بقوة السيف" (١) !!
ويقول: "وهكذا يصور لنا الاحتلال العربي بوجه عام شعبًا يعيش على حساب شعب آخر" (٢) .
ثم يقول - بعنوان نشأة الفرق الإسلامية -: "إن هذه الطوائف التي نشأت بين العرب في البلاد التي فتحوها، إنما كانت ترمي بادئ ذي بدء إلى غرض سياسي محض، رغم ظهورها بالمظهر الديني" (٣) .
وبعد أن ذكر - كعادة المستشرقين - أن الصراع على الخلافة هو الذي فرق المسلمين أحزابًا وشيعًا، أخذ في تفصيل هذه الأحزاب تفصيلًا، فقسمها على أربعة أحزاب:
١ - حزب بني أمية: ومقره بلاد الشام، كان يرى أن أمراء هذا البيت أحق الناس بالخلافة
٢ - حزب أهل المدينة!!: وهم أنصار النبي الذين كانوا - لارتباطهم باليمانيين العرب - يعتبرون أن وصول بني أمية إلى الحكم إنما هو انتصار لأعدائهم القدامى من مشركي مكة!!
٣ - حزب الشيعة: هم أنصار أهل البيت المتحمسون للدفاع عن حقوقهم في الخلافة، ولا سيما حق علي.
٤ - حزب الخوارج: وهم الجمهوريون، وهم الذين كانوا يقولون باختيار الخلفاء من بين الأكفاء أيًا كانت الطبقة التي ينتمون إليها (٤) !!.
_________________
(١) السيادة العربية، والشيعة، والإسرائيليات، (ثلاثة كتيبات أو مقالات)، ص ١٥ ترجمة حسن إبراهيم حسن وزميله.
(٢) المصدر السابق، ص ١٨.
(٣) ص ٦٩
(٤) ص ٦٩
[ ١٨١ ]
وفي حديثه عن المرجئة خاصة يقول - ضمن حديثه عن الثورات التي قامت بها الشعوب المفتوحة على المستعمرين -: "على أن بعضهم - أي الثوار - قد ذهب إلى أبعد من هذا - أي المطالبة بالعدالة الاجتماعية بزعمه - فضمنوا عقيدة التوحيد معنى أخلاقيًا ودينيًا عميقًا".
فما هو هذا المعنى الأخلاقي الذي لا تتضمنه عقيدة التوحيد، حتى أدخله فيها ثوار العجم من المرجئة؟
يشرحه قائلًا: "وقد عزي إلى جهم بن صفوان - أحد رؤوس المرجئة وكاتم السر للحارث بن سريج - هذه الكلمات: إن الإيمان عقد بالقلب وإن أعلن الكفر بلسانه بلا تقية، وعبد الأوثان أو لزم اليهودية أو النصرانية في دار الإسلام، وعبد الصليب وأعلن التثليث في دار الإسلام ومات على ذلك، فهو مؤمن كامل الإيمان عند الله ﷿، ومن أهل الجنة" (١) .
"وكان من الطبيعي أن تدفع مثل هذه العقيدة أصحابها إلى احتقار الفرائض العملية للإسلام، ووضعهم واجبات المرء نحو من يحيط به من الناس فوق آراء الفروض التي جاء بها القرآن"!! - يعني أن العدالة والمساواة بين الناس أهم من الالتزام بأحكام الدين -!!
ثم يقول: "ومن هذه الناحية كان الإرجاء في خراسان أشبه شيء بأثر عكسي أخلاقي لذلك الإسلام الشكلي؛ دين الحكومة العربية في ذلك الحين، تلك الحكومة التي أصرت على عدم المساواة بين جميع رعاياها في الدين، باتباعها النظام الجائر لجمع الضرائب وجباية المكوس (٢) ".
وأما "يوليوس ويلهاوسن" فيبدأ من النقطة نفسها، لكنه أكثر وقاحة (٣) حين ينسب ذلك للنبي ﷺ، فيقول - أخزاه الله -: "كان محمد قد بدأ خطواته وهو مقتنع بأن دينه في جوهره نفس الدين اليهودي والنصراني، فكان يتوقع أن يلقاه
_________________
(١) يلاحظ أن هذا الكلام الذي نسبه ابن حزم لجهم (وللأشعري) هو لازم قوله، وليس من قوله أن اليهود والنصارى يعتبرون مؤمنين من أهل الجنة، ولكنه هوى هذا المستشرق في الانتصار لبني دينه، وأنهم كانوا محرومين من هذه الروح الأخلاقية الجهمية!!
(٢) ص ٦٦، ويلاحظ أنه لا ينسب الظلم لبعض ولاة بني أمية، بل يجعله هدف الفتوح كلها كما سبق.
(٣) وأوقح منه من يعتمد على آرائه ممن ينتسب للإسلام، وقد جعلوا لكتابه من الأهمية أنهم ترجموه مرتين إحداهما سورية "يوسف العش"، والأخرى مصرية "أبو ريدة"، حتى يستدرك كل منهما ما قد يكون فات الأخرى من هذا الكلام العلمي الموضوعي!!
[ ١٨٢ ]
اليهود في المدينة وقد فتحوا ذراعهم لاستقباله، غير أنه خاب فأله منهم خيبة مريرة، وبما أنهم لم يعتبروا اليهودية معادية للإسلام، بل عدوها مخالفة له، فإنه هو من جهته جعل الإسلام يخالف اليهودية، بل يخالف النصرانية!! فحدد الصيغ والشعائر التي يتميز بها دينه، بحيث انفكت عن التعبير عن النقاط التي تجمع بين الإسلام وإخوانه من الأديان، بل وسعت شقة الخلاف".
وبعد أن ذكر أمثلة لذلك من الشعائر؛ كالجمعة والأذان وصيام عاشوراء ورمضان، قال: "وبينما كان يؤسس الإسلام!! على أسلوب يقضي على الطقوس اليهودية والنصرانية، كان يقربه في الوقت نفسه من العروبة، فهو ما فتئ يعتبر نفسه الرسول المرسل للعرب خاصة!! فبدل القبلة، وأعلن أن مكة هي الحرم المقدس بدلًا من القدس، وشرع الحج إلى الكعبة، بل شرع تقبيل الحجر المقدس، وقبل مركز العبادة الوثنية في الإسلام، وأدخل الأعياد الوثنية الشعبية ".
إلى أن يقول: "وهكذا فصل الإسلام عن اليهودية، وبدل بحيث يصبح دينًا عربيًا قوميًا (١) " ويذكر ما لا يطاق ذكره مما أسماه الإرهاب الذي أقامه النبي ﷺ ضد اليهودية، وأنه تعلل بحجج واهية ليمحو اليهود من الجزيرة، ويورث أملاكهم ومزارعهم إلى المهاجرين - الذين كانوا بزعمه يعتمدون على الغزو - لأنهم حرسه الخاص.. في كلام يكشف عن حقد يهودي أسود.
ومن هذا المنطلق يتحدث عن الإرجاء والمرجئة، فيجعلها إنسانية تطالب بالعدالة والمساواة للشعوب التي استعمرها الفاتحون المسلمون.
ويذكر أن الإسلام انقسم بسبب هذه المسألة قسمين: محافظ، وهو الذي يحترم الجماعة ويؤيد الوضع القائم، وثائر، ومن الثائر: المرجئة والخوارج والشيعة.
ويقول: "والمرجئة هم بالحق أكبر أهمية، وكان لهم بقيادة الحارث بن سريج أثر ضخم في التاريخ" (٢) !!
_________________
(١) الدولة العربية وسقوطها، ص ٢٣- ٢٤ ترجمة يوسف العش، دمشق، ١٣٧٦ هـ
(٢) ص ٣٩٤، وهذه المبالغة يعرف كذبها كل مطلع على التاريخ.
[ ١٨٣ ]
ويقول: "لو كان الحارث في الأزمنة الأولى ثوريًا تقيًا لعد خارجيًا، لكنه لم يلزم نفسه بالشروط القاسية التي يبني عليها الخوارج عقيدتهم، إنما ابتدأ مرجئًا، وكاتبه جهم بن صفوان أشهر عالم من علماء تلك الفرقة، واشترك هو بنفسه في الأحاديث والمناقشات المتصلة بالمذهب.
والإرجاء في الواقع سياسة في جمع الشمل، فالمسائل المختلف عليها استبعدت وتركت لحكم الله، لا سيما تلك المسألة الدائمة التي لا تحل، والتي تتصل بمن هو الإمام الحق الوحيد!! ومن ثم طرقت النقاط التي يمكن الوصول إلى اتفاق فيها على اختلاف نزعات المناوئين المتدينين، وكان ذلك احتجاجًا باسم حكم الدين على الطغيان الواقع، وباسم الشرع المقدس على سوء العدالة وعلى القوة" (١) .
ويستمر في كلام خلاصته: أن المرجئة حركة ثورية ضد طغيان المستعمرين الفاتحين، ولهذا وسعت مفهوم الإيمان ليقبل جميع الشعوب المضطهدة، لكي تكون يدًا واحدة على الشعب الفاتح.
وما قرره" فان فلوتن" و"ويلهاوسن" لخصه أحمد أمين وشريكاه، وهذبوه من الكلمات الصريحة، وقدموه على أنه فكرة سليمة محايدة، وقد نقلنا بعض كلامهم.
وعن أحمد أمين نقل الشيخ أبو زهرة (٢)، ونعمان القاضي (٣)، وألبير نصري نادر (٤)، وعن أبي زهرة نقل كثير من الباحثين ثقة منهم في الشيخ.
بل قل من كتب عن الحارث بن سريج إلا وينقل عن فلوتن، حتى أساتذة التاريخ (٥) !!
_________________
(١) ص ٣٦٨
(٢) انظر: المذاهب الإسلامية (١/١٣٣)، والنقل يكاد يكون حرفيا، لكن بدون إشارة للمصدر.
(٣) انظر: ص ٢٧٢ - ٢٨٢ من كتابه: الفرق الإسلامية في الشعر الأموي، عدا ما صرح فيه بالنقل عن أحمد أمين.
(٤) الفرق الكلامية، فصل " نشأة المرجئة "، الطبعة الكاثوليكية، بيروت.
(٥) مثل الدكتور جمال الدين سرور في كتابه: الحياة السياسية في الدولة العربية الإسلامية، انظر: ص ١٦٦، وفاروق عمر، وسيأتي كلامه أعلى.
[ ١٨٤ ]
٣ - ومنهم المستشرق اليهودي الحاقد "جولد زيهر":
الذي يتميز بمهارة فائقة في الدس والتزوير والافتراء، وهو يذهب إلى أن المرجئة من أهل السنة والجماعة، وتبعه على ذلك مقلدون كثير، ورأيه هذا يبدو فيه العمق وبعد الهدف الخبيث أكثر من صاحبيه.
وعلى هذا سار "فاروق عمر"؛ الذي ينقل عنه - مقرًا مؤيدًا -: "لم يكن مذهب أهل السنة والجماعة في بدايته إلا فكرة غامضة مرنة تتسع لكثير من الجماعات، وبعد المحنة التي عركت الأمة الإسلامية أثناء الحرب الأهلية الأولى وما جرى في أعقابها، بانت الخصائص الأولى لمذهب أهل السنة، حيث انقسم المسلمون إلى فئتين تمثل الأولى" دين عثمان"، وتمثل الثانية" دين مروان" " (١) .
والعجيب أن هذا المؤرخ العربي - مع إقراره بهذه الفكرة وبالقسمة المضحكة التي قسمها "جولد زيهر" - ينقل أيضًا وجهة نظر "فلوتن" في موضع آخر مؤيدًا لها، ناسيًا اختلاف نظرة كل من المستشرقين ومرماه البعيد، فيقول: "ولعل أبيات ثابت قطنة تشير إلى أن المرجئة ستظهر رأيها بوضوح في أعمال الجور والتعسف والفساد، ويؤكد "فان فلوتن" أن المرجئة كانوا لا يتحرجون عن قتال أية حكومة تقر مثل تلك المظالم" (٢) .
وعلى هذا الرأي سار المؤرخ البعثي "شاكر مصطفى"، فهو أيضًا يعتبر المرجئة ضمن الاتجاهات التي تشكل ما يسمى: "السنة والجماعة"، ويسميهم المرجئة أهل الاعتزال الأول، ويصف هذه الاتجاهات قائلًا:
"والصفة التي تجمع هؤلاء جميعًا بعضهم إلى بعض هي الوقوف بجانب الخلفاء الأمويين سياسيًا في الأزمات، أو المهادنة لهم، والاحتفاظ بالرأي الديني في حيز الفكر، وعدم نقله إلى العمل الثوري" (٣) .
ولا يخفى تناقض هذا مع ما قرره الآخرون من أن المرجئة حركة ثورية لها أثر ضخم في التاريخ.
_________________
(١) العباسيون الأوائل، ص ٦٠.
(٢) المصدر السابق، ص ١١٧.
(٣) دولة بني أمية (٢/٤٩) .
[ ١٨٥ ]
وعليه أيضًا سار الدكتور نعمان القاضي، حيث قال: "والمرجئة يشكلون كتلة المسلمين التي رضيت حكم بني أمية، مخالفين في ذلك الشيعة والخوارج، متفقين إلى حد ما مع طائفة المحافظين من أهل السنة، وإن كانوا كما يرى" فون كريمر" قد ألانوا من شدة عقائد هؤلاء السنيين باعتقادهم أنه لا يخلد مسلم في النار" (١) .
وتطبيقًا لذلك ذكر الدكتور في الصفحة نفسها اسم سعيد بن جبير ﵁ مع الحارث بن سريج، أي ضمن المرجئة الذين ثاروا على بني أمية، هذا مع غض النظر عن أن الثورة تتنافى مع الرضا الذي ذكر آنفًا فهو تخليط مركب.
ومن أهم النتائج المترتبة على هذا: قول هؤلاء بأن المرجئة انتهت بظهور دولة بني العباس، سواء أكان السبب هو أن العباسيين يعتبرونها موالية للأمويين، كما يرى أحمد أمين ونعمان القاضي (٢)، ولذلك دمروها، أم على الرأي الأخبث الذي ذهب إليه شاكر مصطفي وفاروق عمر وهو أن الدولة العباسية تبنت رسميًا مذهب "أهل الحديث" فانمحت هذه الفرقة فيهم، ويستدل أصحاب هذا الرأي بأن كتب الحديث إنما ألفت في العصر العباسي (٣) .
٤ - ومنهم المستشرق "فون كريمر":
وعنه نقل الدكتور القاضي - كما سبق آنفًا - أن المرجئة ألانت من شدة عقيدة أهل السنة والجماعة، باعتقادهم أنه لا يخلد مسلم في النار، ونحن نسأل الدكتور: وما هو مذهب أهل السنة والجماعة في ذلك؟!
على أن لكريمر رأيًا يدعو للسخرية، نقلته عن الكاتبة البعثية "زاهية قدرورة"، وهو أن الثورات التي قامت في العراق ضد بني أمية - ومنها ثورة المرجئة - لم تكن ثورات دينية، بل لذلك علة أخرى لم يفطن لها من المؤرخين إلا هذا المستشرق العبقري!!
_________________
(١) الفرق الإسلامية في الشعر الأموي، ص ٢٧٠.
(٢) المصدر السابق، ص ٣٠٤.
(٣) انظر: العباسيون الأوائل، ص ١١٧.
[ ١٨٦ ]
نقول: "ونحن نؤيد قول "فون كريمر" في أن هذه الثورات كانت ثورات العراقيين ضد السوريين، وذلك للعداء الموروث منذ الجاهلية بين العراق والشام، حيث كانت كل من دولة منهما حليفة لدولة معادية" (١) .
٥ - ومنهم المستشرق "نيكلسون":
صاحب كتاب "محاضرات في تاريخ العرب"، الذي يعتمد عليه الكثيرون، ونظرته للموضوع مماثلة لـ "فان فلوتن"، حيث يعلل لنشأة المرجئة وثورتها "ثورة الحارث بن سريج" بقاعدة عامة هي: "أن شعوب البلاد المفتوحة لم تدخل في الأخوة الإسلامية إلا نظريًا وظلت مضطهدة محتقرة بالنسبة للسلالة العربية" (٢) .
٦ - ومنهم المستشرق "بروكلمان":
الذي كان أكثر دهاء وخبثًا حين تستر بالعمل العلمي البحت "فهرسة المخطوطات" لينسب الإرجاء إلى عقيدة أهل السنة والجماعة، فهو يقول: "في أوائل الإسلام كان محور الجدل يدور أساسًا حول المعصية أتبطل الإيمان أم - كما يقول المرجئة - لا تبطله؟
وفي تاريخ دمشق لابن عساكر.. ذكر عقيدة للمرجئة كان يدرسها محمد بن عقاشة الكرماني.. في البصرة عن سيفان بن عيينة.. عن وكيع بن الجراح.. عن عبد الرازق بن همام.. عن أمية بن عثمان" (٣) .
لقد خان بروكلمان الأمانة العلمية حين أقحم كلمة المرجئة في نص مأثور من مصدر متداول مشهور، وخرج عن مهمته التي هي الوراقة والفهرسة، لينصب من نفسه حكمًا عقائديًا (٤) في الخلاف بين فرق لا تنتمي إلى دينه، ولكن الحقيقة أنه متى سنحت فرصة للدس على الإسلام فكل مستشرق - أيًا كان فنه - هو أستاذ متخصص!!
_________________
(١) الشعوبية وأثرها الاجتماعي والسياسي، ص ٦٠، ولعل هذا الرأي يريح في تفسير الخلاف المزمن بين جناحي حزب البعث في القطرين!!
(٢) نقلته عنه الكاتبة السابقة، ص ٦٢
(٣) تاريخ الأدب العربي (٤/٢٢) مع حذف مصادر تراجم المذكورين التي ذكر
(٤) مثل قوله عن عقيدة عبد الله بن أباض إنها وهابية مع قوله: "إنه لم يظهر المذهب الوهابي قبل منتصف القرن السادس الهجري"!! (١/٢٥٧)، (مع ملاحظة أن الصحيح وهبية لا وهابية ولعل الخطأ من المترجم) .
[ ١٨٧ ]
على أن المؤلم - كما أشرنا - هو متابعة المقلدين من المنتسبين للإسلام، كما فعل المستشرق التركي"فؤاد سيزكين" الذي تابع بروكلمان على الخطأ نفسه (١) .
وبالرجوع لتاريخ دمشق (٢) لن يجد القارئ هذه الكلمة، بل لا يحتاج الأمر لمراجعة، فهؤلاء المذكورون من جلة علماء السلف، ولو أن ابن عساكر نفسه نسبهم للإرجاء لكان هذا تهمة له هو.
ويقع بروكلمان في خطأ آخر فادح حين يقرر أن الإرجاء إنما نشأ في الشام، في حين بقيت العراق متمسكة بتعاليم القرآن الأصلية، ويرجع ذلك إلى أثر النصارى الذين كان لهم مكانة عظيمة عند حكام بني أمية (٣) !!
والحقيقة أنه لم ينفرد بذلك بل شاركه آخرون منهم "جولد زيهر"، وتبعهم مقلدون عرب في نسبة الإرجاء إلى بني أمية، وأصل هذا هو كتب الرافضة وبعض المعتزلة، وهو مخالف لما تواتر في أخبار المرجئة وأعلام رجالها من أنهم عراقيون (٤) - وسيأتي تفصيل ذلك - حتى لقد صرح بذلك الإمام الأوزاعي ﵀ قائلا: "وقد كان أهل الشام في غفلة عن هذه البدعة حتى قذفها إليهم بعض أهل العراق ممن دخل في تلك البدعة" (٥) .
على أنه لا يفوتنا أن نشير إلى أن بعض أتباع الأمويين كان لديهم إرجاء خاص بالملوك والخلفاء، وهو أن الله إذا ولى أحدًا خلافة المسلمين كفر سيئاته بحسناته (٦)، والظاهر أن هذا رد فعل لغلو الشيعة ضدهم.
_________________
(١) انظر: فصل العقائد من تاريخ التراث العربي.
(٢) انظر: تهذيب تاريخ دمشق (٣/١٣٤) ترجمة أمية بن عثمان.
(٣) ١/٢٥٦)
(٤) كما سيتبين جليا من الفصول والمباحث التالية.
(٥) الشريعة للآجري، ص ١٤٢، واللالكائي (٢/١٥٤)، لكن في رواية الأخير سقطا لو تنبه له المحقق الأخ الدكتور أحمد بن سعد بن حمدان لجزم بما ذكرنا ولم يتردد.
(٦) انظر: منهاج السنة (٣/١٧٧) . وهم يرون تبعا لذلك أن طاعة ولي الأمر مطلقة "أي رد فعل للخوارج والمعتزلة" لكن لم أجد أحدا نسب ذلك لأي من خلفاء بني أمية، فضلا عن معاوية ﵁ الذي لا يجوز أن يظن به ذلك، إلا ما قيل من أن عبد الملك بن مروان سأل الزهري: أحق أن الله إذا ولى أحدا كتب حسناته ولم يكتب سيئاته؟ فأنكر الزهري ذلك مستدلا بآيات سورة (ص): «يا داود إنا جعلناك خليفة » وقال: فالنبي الخليفة أفضل من الخليفة غير النبي!!
[ ١٨٨ ]
٧ - وهناك مستشرق آخر هو " نلِّينو":
التقط نصًا من الملطي في أصل تسمية المعتزلة، فخلط بين فرقة الاعتزال المعروفة، وبين الممسكين عن الفتنة المعتزلين لها من الصحابة وغيرهم، واعتبر كل من وقف على الحياد في الفتن معتزليًا فدخلت المرجئة فيهم بهذا الاعتبار، وقد سبق تفصيل القول في أقسام الممسكين عن الفتنة.
وهذا القول تابعه عبد الرحمن بدوي (١) وعلي سامي النشار (٢) .
والحديث عن المتأثرين بالمستشرقين وإيراد اسم الدكتور النشار يقتضي منا أن نقول فيه خلاصة ما انتهى إليه الاطلاع الكثير على آرائه:
وهو أن على كثرة كتاباته وسعتها وجودة عباراته هو أكثر الباحثين المحدثين اضطرابًا وتناقصًا وتخليطًا، وليس في إمكان الباحث أن يجد له رأيًا مستقرًا أو منهجًا مطردًا.
وإنما ذكرته لأهمية كتبه عند كثير من الناس، ولأنه أستاذ لكثير من المتخصصين في الدراسات الكلامية في مصر وغيرها، ومن أجلى شنائعه أنه يكفر معاوية ﵁ وأباه، ويعتمد على كتب الرافضة في النقل عن الراشدين وغيرهم، ويجعل أصل مذهب السلف في الصفات هو اليهود والصابئة!!
وسيأتي بعض آرائه في مواضعها.
_________________
(١) مذاهب الإسلاميين (١/٣٧) .
(٢) انظر تحقيقه لكتاب: فرق وطبقات المعتزلة، ص ٥- ٧، وهو الجزء الأول من كتابه المنية والأمل.
[ ١٨٩ ]