* من كان الممسك للسماوات والأرض، حين كان ربها وخالقها مربوطا على خشبة الصليب، وقد شدّت يداه ورجلاه بالحبال، وسمرت اليد التي أتقنت العوالم، فهل بقيت السماوات والأرض خلوا من إلهها، وفاطرها، وقد جرى عليه هذا الأمر العظيم؟!!!
أم تقولون: استخلف على تدبيرها غيره، وهبط عن عرشه، لربط نفسه على خشبة الصليب، وليذوق حر المسامير، وليوجب اللعنة على نفسه، حيث ورد في كتابكم المقدس: «قد كتب ملعون
[ ٢٧ ]
كل من علق علي خشبة»، أم تقولون: كان هو المدبر لها في تلك الحال، فكيف وقد مات ودفن؟
ما الذي دلّكم على إلهية المسيح؟
* إن قلتم: إنما استدللنا على كونه إلهًا، بأنه لم يولد من البشر، ولو كان مخلوقا لكان مولودًا من البشر، فإن كان هذا الاستدلال صحيحًا، فآدم إله المسيح، وهو أحق بأن يكون إلهًا منه، لأنه لا أم له، ولا أب، والمسيح له أم، وحواء أيضًا اجعلوها إلهًا خامسًا، لأنها لا أم لها، وهي أعجب من خلق المسيح؟!! والله سبحانه قد نوَّع خلق آدم وبنيه، إظهارًا لقدرته، وأنه يفعل ما يشاء، فخلَق آدم لا من ذكر، ولا من أنثى، وخلَق زوجه حواء من ذكر لا من أنثى، وخلَق عبده المسيح من أنثى لا من ذكر، وخلَق سائر النوع من ذكر وأنثى.
* وإن قلتم: استدللنا على كونه إلها، بأنه أحيا الموتى، ولا يحييهم إلا الله، فاجعلوا موسى إلها آخر، فإنه أتى من ذلك بشيء، لم يأت المسيح بنظيره، ولا ما يقاربه، وهو جعل الخشبة حيوانا عظيما ثعبانا، فهذا أبلغ وأعجب من إعادة الحياة إلى جسم كانت فيه أولا، فإن قلتم: هذا غير إحياء الموتى، فهذا اليسع النبي أتى بإحياء الموتى، وأنتم تقرون بذلك، وكذلك إيليا النبي أيضًا أحيا صبيا
[ ٢٨ ]
بإذن الله، وهذا موسى قد أحيا بإذن الله السبعين الذين ماتوا من قومه، وفي كتبكم من ذلك كثير عن الأنبياء والحواريين، فهل صار أحد منهم إلها بذلك؟!!
* وإن قلتم: جعلناه إلهًا للعجائب التي ظهرت على يديه، فعجائب موسى أعجب وأعجب، وهذا إيليا النبي بارك على دقيق العجوز ودهنها، فلم ينفد ما في جرابها من الدقيق، وما في قارورتها من الدهن سبع سنين!! وإن جعلتموه إلها لكونه أطعم من الأرغفة اليسيرة آلافا من الناس، فهذا موسى قد أطعم أمته أربعين سنة من المن والسلوى!! وهذا محمد بن عبد الله قد أطعم العسكر كله من زاد يسير جدًا، حتى شبعوا، وملئوا أوعيتهم، وسقاهم كلهم من ماء يسير، لا يملأ اليد حتى ملئوا كل سقاء في العسكر، وهذا منقول عنه بالتواتر؟!
* وإن قلتم: جعلناه إلهًا، لأنه صاح بالبحر فسكنت أمواجه، فقد ضرب موسى البحر بعصاه، فانفلق اثني عشر طريقا، وقام الماء بين الطرق كالحيطان، وفجر من الحجر الصلد اثني عشر عينا سارحة!!
* وإن جعلتموه إلهًا لأنه أبرأ الأكمه والأبرص، فإحياء الموتى أعجب من ذلك، وآيات موسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم
[ ٢٩ ]
أجمعين أعجب من ذلك!!
* وإن جعلتموه إلهًا لأنه ادعى ذلك، فلا يخلو إما أن يكون الأمر كما تقولون عنه، أو يكون إنما ادعى العبودية والافتقار، وأنه مربوب، مصنوع، مخلوق، فإن كان كما ادعيتم عليه فهو أخو المسيح الدجال، وليس بمؤمن، ولا صادق فضلا عن أن يكون نبيا كريما، وجزاؤه جهنم وبئس المصير، كما قال تعالى: ﴿وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [سورة الأنبياء: ٢٩].
وكل من ادعى الإلهية من دون الله، فهو من أعظم أعداء الله كفرعون، ونمرود، وأمثالهما من أعداء الله، فأخرجتم المسيح - ﵇ - عن كرامة الله، ونبوته، ورسالته، وجعلتموه من أعظم أعداء الله، ولهذا كنتم أشد الناس عداوة للمسيح في صورة محب موال!!
ولو كان إلها لم يقتل، فضلا عن أن يصلب، ويسمر، ويبصق في وجهه!!
* وإن كان المسيح إنما ادعى أنه عبد، ونبي، ورسول كما شهدت به الأناجيل كلها، ودل عليه العقل، والفطرة، وشهدتم
[ ٣٠ ]
أنتم له بالإلهية - وهذا هو الواقع - فلم تأتوا على إلهيته ببيّنة غير تكذيبه في دعواه، وقد ذكرتم عنه في أناجيلكم في مواضع عديدة ما يصرح بعبوديته، وأنه مربوب، مخلوق، وأنه ابن البشر، وأنه لم يدع غير النبوة والرسالة، فكذبتموه في ذلك كله، وصدقتم من كذب على الله وعليه!!
* وإن قلتم: إنما جعلناه إلهًا؛ لأنه أخبر بما يكون بعده من الأمور، فكذلك عامة الأنبياء.
* وإن قلتم: إنما جعلناه إلهًا، لأنه سمّى نفسه ابن الله في غير موضع من الإنجيل كقوله: «إني ذاهب إلى أبي»، «وإني سائل أبي» ونحو ذلك، وابن الإله إله، قيل: فاجعلوا أنفسكم كلكم آلهة في غير موضع إنه سماه «أباه، وأباهم»، كقوله: «اذهب إلى أبي وأبيكم»، وفيه: «ولا تسبوا أباكم على الأرض، فإن أباكم الذي في السماء وحده»، وهذا كثير في الإنجيل، وهو يدل على أن الأب عندهم الرب!!
* وإن جعلتموه إلهًا، لأن تلاميذه ادعوا ذلك له، وهم أعلم الناس به، كذبتم أناجيلكم التي بأيديكم، فكلها صريحة أظهر صراحة، بأنهم ما ادعوا له إلا ما ادعاه لنفسه من أنه عبد وهذا كثير جدا في الإنجيل!!
[ ٣١ ]
* وإن قلتم: إنما جعلناه إلها لأنه صعد إلى السماء، فهذا أخنوخ وإلياس قد صعدا إلى السماء، وهما حيان مكرمان، لم تشكهما شوكة ولا طمع فيهما طامع، والمسلمون مجمعون على أن محمد ﷺ صعد إلى السماء، وهو عبد، وهذه الملائكة تصعد إلى السماء، وهذه أرواح المؤمنين تصعد إلى السماء بعد مفارقتها الأبدان ولا تخرج بذلك عن العبودية، وهل كان الصعود إلى السماء مخرج عن العبودية بوجه من الوجوه؟!!
* وإن جعلتموه إلهًا لأنه صنع من الطين صورة طائر، ثم نفخ فيها، فصارت لحمًا، ودمًا، وطائرًا حقيقة، ولا يفعل هذا إلا الله، قيل: فاجعلوا موسى بن عمران إله الآلهة، فإنه ألقى عصا فصارت ثعبانًا عظيمًا، ثم أمسكها بيده، فصارت عصا كما كانت!!