﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾
نود هنا أن نذكر البشائر التي بشرت بها التوراة وكذلك الإنجيل بنبوة نبينا محمد - ﵌ - رغم التحريف الطاريء عليهما، فالتوراة التي بين أيدي الناس اليوم محرفة مغيرة؛ يدلك على ذلك هذا الاختلاف الذي تجده في أمور كثيرة بين نسخها وطبعاتها، فهناك ثلاث نسخ للتوراة: العبرانية، واليونانية، والسامرية، وكل قوم يدعون أن نسختهم هي الصحيحة، وهناك فروق واضحة بين طبعات التوراة وترجماتها.
وقد أدى هذا التحريف إلى ذهاب كثير من البشارات أو طمس معالمها، ومع ذلك فقد بقي من هذه البشارات شيء كثير، ولا تخفى هذه البشارات على من يتأملها، ويعرضها على سيرة رسول الله - ﵌ - متجردا من الهوى.
لقد صرح بعض هذه البشارات باسم محمد - ﵌ - وقد اطلع بعض العلماء المسلمين على هذه النصوص، ولكن التحريف المستمر لهذا الكتاب أتى على هذه النصوص، فمن ذلك:
* في بعض الأحيان يذكر مكان مبعث النبي - ﵌ - ففي (سفر التثنية الإصحاح: ٣٣): «أقبل الرب من سيناء * وأشرق لهم من
[ ٤٥ ]
ساعير* وتجلى من جبل فاران».
وسيناء هي الموضع الذي كلم الله فيه موسى، وساعير الموضع الذي أوحى الله فيه لعيسى، وفاران هي جبال مكة حيث أوحى الله لمحمد - ﵌ - وكون جبال فاران هي مكة، دلت عليه نصوص من التوراة، وقد جمع الله هذه الأماكن المقدسة في قوله: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾.
وفي إنجيل يوحنا (الإصحاح ١١: ١٤): «إن كنتم تحبوني فاحفظوا وصاياي، وأنا اطلب من الآب فيعطيكم معزيا آخر ليمكث معكم إلى الأبد»، وفي اللغات الأجنبية: «فيعطيكم باركليتوس ليمكث معكم إلى الأبد»، والمعنى الحرفي لكلمة «باركليتوس» اليونانية هو أحمد، وهو من أسماء الرسول - ﵌ -، وفي (إنجيل يوحنا ١٥: ٢٦): «ومتى جاء المعزي الذي أرسله أنا إليكم من الأب روح الحق الذي من عند الآب ينبثق فهو يشهد لي»؛ لأن النبي محمدًا - ﵌ - شهد للمسيح بالنبوة والرسالة، وروح الحق كناية عن الرسول محمد - ﵌ -.
والمعاني الواردة في هذه الترجمة الحديثة ليست دقيقة، لأن أصلها باليونانية، وهي اللغة التي ترجمت منها هذه الأناجيل، مكتوبة «بيركليتوس» وفي التراجم العربية المطبوعة سنة، سنة
[ ٤٦ ]
١٨٣٤، سنة ١٨٤٤، في لندن تجدها «فارقليط» وهي أقرب إلى العبارة اليونانية المشار إليها.
أما ترجمتها إلى «المعزي» فهو من التحريف الذي ذم الله أهل الكتاب به ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٦]، ويلاحَظ أن هناك جملة قبل الجملة الواردة في عدد (٢٦) من هذا الإصحاح سقطت من الطبعات الحديثة، لكنها واردة في الطبعات القديمة للإنجيل، ونص هذه الجملة: «فلو جاع هذا المنحما الذي يرسله الله إليكم» ومعنى «المنحما» الحرفي باللغة السريانية محمد.
وقد سأل الدكتور عبد الوهاب النجار - مؤلف كتاب (قصص الأنبياء) - الدكتور كارلو نلينو المستشرق الإيطالي عن كلمة
«بيركليتوس» الواردة في الإنجيل، فأجابه بقوله: «إن القُسُس يقولون: إن هذه الكلمة معناها: «المعزي».
فقال له: «إني أسأل الدكتور كارلو نلينو الحاصل على الدكتوراة في الآداب اللغة اليونانية القديمة، ولستُ أسأل قسيسًا».
فقال الدكتور كارلو نلينو: «إن معناها الذي له حمْدٌ كثير».
فسأله أيضًا: «هل ذلك يوافق (أفعل التفضيل من حَمَدَ؟)».
فقال الدكتور كارلو نلينو: «نعم».
وهذا ماجاء في القرآن على لسان المسيح - ﵇ -: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ
[ ٤٧ ]
يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف:٦].
* إن اعتكاف محمد - ﵌ - وتعبده في غار حراء واستجابته لبدء التنزيل وحيًا عن طريق جبريل الملاك إنما هو إنجاز لنبؤة في (سفر أشعياء: ٢٩ - ١٢) هذا نصها: «أو يدفع الكتاب لمن لا يعرف الكتابة ويقال له: اقرأ هذا، فيقول: لا أعرف الكتابة»، الكتاب: القرآن، قال تعالى عن النبي الأمي: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [سورة الأعراف: ١٥٨].
«أو يدفع الكتاب لمن لا يعرف الكتابة» الترجمة الصحيحة: «ما أنا بقاريء»، تلك الكلمات التي تكلم بها محمد - ﵌ - مرتين للملاك جبريل عندما قال له: «اقرأ»، واعلم أنه لم تكن هناك نسخة عربية للتوراة أو الإنجيل في القرن السادس الميلادي عندما عاش محمد - ﵌ - ودعا إلى سبيل الله! أضف إلى ذلك أنه كان أميًا لا يعرف القراءة ولا الكتابة، وما علمه أحد كلمة بل كان معلمه خالقه لقوله سبحانه: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [سورة النجم: ٣ - ٤].
[ ٤٨ ]