بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمدُ لله ولي الفضل والِإحسان، المانّ علينا بنعمةِ الِإيمان.
والصلاة والكلامُ الأَتَمَّانِ الأَكْملانِ على سَيِّدِنا ومَوْلاَنا مُحَمَّدٍ سَيِّدِ وَلَدِ عَدْنان، وعلى آلِه أُولي العِرفان، وأَصْحابِهِ وأَحِبَّائِهِ الخلاَّن، وعلى وَرَثَةِ أَسْرَارِهِ مِنَ الِإخوان، وعلى التَّابعين لَهُم بإِحْسان.
أَمَّا بَعْدُ:
فَهذِهِ نُبْذَةٌ لَطِيفَةٌ ضَمَّنْتُها ذِكْرَ شُعَبِ الِإيمانِ، سَأَلني في جَمْعِها بَعضُ أُولي البَصيرَةِ والِإيقَانِ، وسَمَّيْتُها:
"عِقْد الجُمان في بَيَانِ شُعَبِ الِإيمان"
وعلى الله تَوَكُّلي وَهُوَ المُسْتَعانُ.
فاعْلَمْ أَنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا في بَيانِ شُعَبِ الِإيمانِ اختلافًا واسِعًا، ورَكِبُوا في تَفْصيلِها مَهْيَعًا.
ومُجْمَلُ القولِ فيهِ مَا أَذْكُرُهُ في هَذِهِ النُّبْذَةِ، ومَا عَداهُ عائِد إِلَيْهِ. وهُوَ أَنَّ تِلْكَ الشُعَبِ -عَلى كَثْرَتِها- تَرْجِعُ إِلى أُصولٍ ثَلاَثَةٍ: إِيْمانٍ باللهِ، وإيْمانٍ بالمَعَاشِ، وإِيْمانٍ بالمعَادِ.
[ ٤٧ ]
فالأَوَّلُ على قِسْمَيْنِ:
١ - إِيمانٍ بما يَتَعَلَّقُ بذاتِ اللهِ تَعَالَى وصِفَاتِهِ: فكالِإيمان بوجودِ الصَّانِعِ جَلَّ جَلاَلُهُ، وبِتَوْحِيدِهِ، وبِالحياةِ، وَبِالْعِلْمِ، والِإرَادةِ، والقُدْرَةِ، والسَّمْعِ، والبَصَرِ، والكَلاَمِ (١).
٢ - وإيمانٍ بمَا يَتَعَلَّقُ بِفِعْل الله تعالى وحُكْمِهِ: فكالِإيمانِ بملائِكَتِهِ، ورُسلِهِ، وكُتُبِهِ، وبِحُدُوثِ العَالَمِ، والقَدَرِ خَيْرِهِ وشَرِّهِ.
وأما الثاني -وَهُوَ الِإيْمانُ بالمَعَاش- فَعَلَى قِسْمَيْنِ أَيْضًا:
١ - ما يَتَعَلَّقُ بالنَّفْسِ، وتُسمَّى نَفْسَانِيَّة. وهي: إِمَّا باطِنِيَّة أَوْ ظَاهِرِيَّة.
والبَاطِنِيَّةُ: إِما تَحْلِيَة أَوْ تَخْلِيَّة.
فالتَّحْلِيَةُ:
كالتَّوْبةِ، والخَوْفِ، والرَّجاءِ، والحَياءِ، والشُّكْرِ، والوَفاءِ، والصَّبْرِ، والِإخلاصِ، والمَحَبَّة، والتَوَكُّلِ، والرِّضَا بالقَضَاءِ.
والتَّخْلِيَةُ:
فَكَحُبِّ المَالِ، والجاهِ، والدُّنيا، والحِقْدِ، والحَسَدِ، والرِّياءِ، والنِّفاقِ، والعُجْبِ.
وأَمَّا الظَّاهِرِيَّةُ، فَعَلى قِسْمَيْنِ: قَوْلِيَّةٍ وفِعْلِيَّةٍ.
_________________
(١) أقول: ويجب الِإيمان بكل ما أثبته الله لنفسه وأثبته له نبيّه - ﷺ - من الصفات؛ فالصفات ليست محصورة في هذه السبع التي ذكرها المصنف رحمه الله تعالى.
[ ٤٨ ]
فالقَوْليَّةُ:
كالتَّلَفُّظِ بالشَهَادَتَيْنِ، وصِدْقِ اللَّهجَةِ، وتِلاوَة القُرْآنِ، وتَعَلُّمِ الشَّرَائعِ وتَعْليمِها.
والفِعْلِيَّةُ:
كالطَّهَارَةِ، وستْرِ العَوْرَةِ، وإِقَامَةِ الصَّلاَةِ، وإِيتاءِ الزَّكَاةِ، والقِيامِ بأَمْرِ الجَنَائِزِ، والصِّيَامِ، والحَجِّ، والوَفَاءِ بالنَّذْرِ، وتَعليم الِإيمانِ، وَأَدَاءِ الكَفَاراتِ.
٢ - وأَمَّا ما يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِ النَّفْسِ، فعلى قِسْمَيْنِ: مَنزليةٍ وَمَدَنِيَّةٍ.
فالمَنْزِلِيَّةُ:
التَعَفُّفُ عَنِ السَّفَاحِ، وعَقْدُ النكَاحِ، والقيامِ بِحقُوقِهِ، وبِرُّ الوالِدَيْنِ، وتَرْبِيَةُ الأَوْلادِ، وصِلَةُ الرحمِ، وطاعَةُ السَّاداتِ، والِإحْسانُ إلى المماليكِ.
والمدنيةُ:
فالقيامُ بالِإمارةِ واتِّباع الجَماعةِ، ومُطاوَعَةُ أُولي الأَمْرِ، والمُعَاوَنَةُ على البِرِّ والتَّقْوى، وإِحْياءُ مَعَالمِ الدِّين، والأَمْرُ بالمَعْرُوف، والنَّهْيُ عَنِ المُنكَرِ، وحِفْظُ الدِّين بالقَتْلِ والقِتَال؛ وحِفْظُ النَّفْسِ بالكَفِّ عَنِ الجِنايَاتِ، وإِقامة حُدود الجراح؛ وحِفْظُ العَقْلِ بالمنعْ عن المُسْكرات والمخبثات، وحِفْظُ المالِ بِطَلَبِ الحُقوقِ وأَدائِها، وحِفْظُ الأَعْراضِ بإقامَةِ حُدُودِ الزِّنا والقَذْفِ والتَّعْزيرِ، ورَفْعُ الضَّرَرِ عن المُسْلمين.
وأَمَّا الِإيمانُ بالمَعَادِ وَهُوَ القِسْمُ الثَّالِثُ: فكَالِإيمانِ بالبَعْثِ والوقوف بينَ يدي الله تعالى، والحسابِ،
[ ٤٩ ]
والميزانِ، والصراط، والشفاعةِ، والجَنَّةِ وما يَتَعلَّقُ بها، والنَّارِ ومَا يَتَعَلَّقُ بِها.
فهذا الذي ذَكَرْتُهُ هو خُلاصةُ ما ذَكَرَهُ الِإمامُ أَبو بكرٍ أَحْمَدُ بْنُ الحُسَيْنِ البَيْهَقِيُّ، والِإمامُ أَبُو مُحَمَّدٍ عبد الجليل بن موسى بنِ عبد الجليل الأنصاريُّ الأَوْسِيُّ معروفٌ بالقصري، في كتابيهما المَوْسُومَيْنِ بـ "شُعَبِ الِإيمانِ"، فَمَنْ أَرَادَ تَفْصِيلَ ما أَوْدَعناهُ في هذه النُّبْذَةِ فليطالع الكتابَيْنِ المَذْكورَيْنِ يَظْفَرُ بالمُرَادِ ويعتلي سالف المعالي وقُبَّة الِإسعاد.
وهو الله لا إله غيره، ولا خيرَ إلاَّ خيرُه، وصلى الله على سيدنا محمَّد وآله وصحبه وسَلَّم.
فرغ منها مؤلفها الفقيرُ إلى الله تعالى السيد محمَّد بن محمَّد بن محمَّد بن محمَّد الشهير بالمرتضى الحُسَينيّ، الواسطيّ، الزَّبيديّ، الحنفيّ، سادس محرم سنة ١١٧٩ هـ بالداوودية من مصر، حامِدًا الله،
ومُصَلِّيًّا، ومُسَلِّمًا، ومُسْتَغْفِرًا.
* * *
[ ٥٠ ]