المبحث الأول: استخلاف الفاروق بعهد من أبي بكر ﵄
إن طريقة تولية الفاروق ﵁ الخلافة بعد الصديق الأعظم ﵁ كانت باستخلاف أبي بكر إياه، وذلك أن أبا بكر ﵁ مرض قبل وفاته خمسة عشر يومًا ولما أحس بدنو أجله ﵁ عهد في أثناء هذا المرض بالأمر من بعده إلى عمر بن الخطاب وكان الذي كتب العهد عثمان بن عفان ﵁. وقرئ على المسلمين فأقروا به وسمعوا له وأطاعوا، ولم يعهد الصديق ﵁ بالخلافة لعمر ﵁ إلا بعد أن استشار نفرًا من فضلاء الصحابة فيه مع أن عمر ﵁ هو المعروف بصلابته في الدين، وأمانته وشدته على المنافقين إلى غير ذلك من الصفات الحميدة التي اتصف بها في ذات الله ﷿ ولكن الصديق ﵁ فعل هذا مبالغة في النصح للأمة المحمدية وقد ذكر أهل السير والتواريخ صيغة عهد الصديق بالخلافة للفاروق ﵁ فقد روى ابن سعد وغيره: أن أبا بكر الصديق لما استعز١ به دعا عبد الرحمن بن عوف فقال: أخبرني عن عمر بن الخطاب فقال عبد الرحمن: ما تسألني عن أمر إلا وأنت أعلم به مني فقال أبو بكر: وإن فقال عبد الرحمن: هو والله أفضل من رأيك فيه، ثم دعا عثمان بن عفان فقال: أخبرني عن عمر فقال: أنت أخبرنا به فقال: على ذلك يا أبا عبد الله فقال: عثمان: اللهم علمي به أن سريرته خير من علانيته وأنه ليس فينا مثله، فقال أبو بكر: يرحمك الله والله لو تركته ما عدوتك وشاور معهما
_________________
(١) ١ـ استعز به: أي: اشتد به المرض وأشرف على الموت يقال: عز يعز - بالفتح - إذا اشتد، واستعز به المرض وغيره، واستعز عليه إذا اشتد عليه وغلبه النهاية في غريب الحديث والأثر ٣/٢٢٨.
[ ٢ / ٦٢٩ ]
سعيد بن زيد أبا الأعور وأسيد بن الخضير وغيرهما من المهاجرين والأنصار فقال أسيد: اللهم أعلمه الخيرة بعدك يرضى للرضى ويسخط للسخط الذي يسر خير من الذي يعلن، ولم يل هذا الأمر أحد أقوى عليه منه، وسمع بعض أصحاب النبي ﷺ بدخول عبد الرحمن وعثمان على أبي بكر وخلوتهما به فدخلوا على أبي بكر فقال له قائل منهم: ما أنت قائل لربك إذ سألك عن استخلافك عمر علينا وقد ترى غلظته؟ فقال أبو بكر: أجلسوني فقال: أبا لله تخوفوني؟ خاب من تزود من أمركم بظلم، أقول: اللهم استخلفت عليهم خير أهلك أبلغ عني ما قلت لك من وراءك، ثم اضطجع ودعا عثمان بن عفان فقال: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة في آخر عهده بالدنيا خارجًا منها وعند أول عهده بالآخرة داخلًا فيها حيث يؤمن الكافر ويوقن الفاجر ويصدق الكاذب إني استخلفت عليكم بعدي عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا وإني لم آل الله ورسوله ودينه ونفسي وإياكم خيرًا، فإن عدل فذلك ظني به وعلمي فيه، وإن بدل فلكل امرئ ما اكتسب من الإثم والخير أردت ولا أعلم الغيب وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون والسلام عليكم ورحمة الله، ثم أمر بالكتاب فختمه، ثم قال بعضهم لما أملى أبو بكر صدر هذه الكتاب: بقي ذكر عمر فذهب به قبل أن يسمي أحدًا فكتب عثمان: إني قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب ثم أفاق أبو بكر فقال: اقرأ علي ما كتبت فقرأ عليه ذكر عمر فكبر أبو بكر وقال: أراك خفت إن أقبلت نفسي في غشيتي تلك يختلف الناس فجزاك الله عن الإسلام وأهله خيرًا، والله إن كنت لها لأهلًا، ثم أمره فخرج بالكتاب مختومًا ومعه عمر بن الخطاب وأسيد بن سعيد القرظي فقال عثمان للناس: أتبايعون لمن في هذا الكتاب؟ فقالوا: نعم، وقال بعضهم: قد علمنا به قال ابن سعد: علي القائل وهو عمر، فأقروا بذلك جميعًا ورضوا به وبايعوا، ثم دعا أبو بكر عمر خاليًا فأوصاه بما أوصاه به ثم خرج من عنده فرفع أبو بكر يديه مدًا فقال: اللهم إني لم أرد بذلك إلا صلاحهم وخفت عليهم
[ ٢ / ٦٣٠ ]
الفتنة فعملت فيهم بما أنت أعلم به واجتهدت لهم رأيي فوليت عليهم خيرهم وأقواهم عليهم وأحرصهم على ما أرشدهم وقد حضرني من أمرك ما حضر فاخلفني فيهم فهم عبادك ونواصيهم بيدك أصلح لهم وإليهم واجعله من خلفائك الراشدين يتبع هدي نبي الرحمة، وهدي الصالحين بعده وأصلح له رعيته"١.
وذكر أبو الفرج بن الجوزي عن الحسن بن أبي الحسن قال: لما ثقل أبو بكر واستبان له من نفسه جمع الناس إليه فقال: إنه قد نزل بي ما قد ترون ولا أظنني إلا ميت لما بي وقد أطلق الله أيمانكم من بيعتي وحل عنكم عقدتي، ورد عليكم أمركم، فأمروا عليكم من أحببتم، فإنكم إن أمرتم في حياة مني كان أجدر أن لا تختلفوا بعدي فقاموا في ذلك وخلوا عليه فلم تستقم لهم، فرجعوا إليه فقالوا: رأينا يا خليفة رسول الله ﷺ رأيك قال: فلعلكم تختلفون قالوا: لا قال: فعليكم عهد الله على الرضى قالوا: نعم. قال: فأمهلوني حتى أنظر لله ولدينه ولعباده فأرسل أبو بكر إلى عثمان بن عفان فقال: أشر علي برجل ووالله إنك عندي لها لأهل وموضع فقال: عمر فقال: اكتب فكتب حتى انتهى إلى الاسم فغشي عليه ثم أفاق، فقال: اكتب عمر٢ "ومن هذا السياق تبين واتضح أن تولية الفاروق ﵁ الخلافة كانت بعهد من الصديق ﵁ ولقد صدقت فراسة أبي بكر في عمر حين اجتهد في العهد بالخلافة من بعده له ﵁ فلقد قام بالخلافة أتم القيام حيث كان إمامًا ناصحًا لله ولرسوله ولدين الإسلام حيث كثرت في خلافته الفتوح واتسعت رقعة الدولة الإسلامية ونعمت الأمة الإسلامية بعدله ﵁ ولحسن اختيار الصديق ﵁ في أن يكون الفاروق هو الخليفة من بعده اعتبر من أشد الناس فراسة بسبب
_________________
(١) ١ـ الطبقات الكبرى لابن سعد ٣/١٩٩-٢٠٠، تاريخ الأمم والملوك للطبري ٣/٤٢٨-٤٢٩، كتاب الثقات لابن حبان ٢/١٩٠-١٩١، تاريخ عمر لأبي الفرج بن الجوزي ص/٦٦-٦٧، الكامل في التاريخ ٢/٤٢٥-٤٢٦. ٢ـ تاريخ عمر لابن الجوزي ص/٦٦-٦٧.
[ ٢ / ٦٣١ ]
ذلك فقد روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى عبد الله بن مسعود ﵁ قال: إن أفرس الناس ثلاثة العزيز حين تفرس في يوسف فقال لامرأته: أكرمي مثواه، والمرأة التي رأت موسى ﵇ فقالت: لأبيها: يا أبت استأجره، وأبو بكر حين استخلف عمر ﵄ قال الحاكم: فرضي الله عن ابن مسعود لقد أحسن في الجمع بينهم. بهذا الإسناد صحيح"١.
_________________
(١) ١ـ المستدرك للحاكم ٣/٩٠، وصححه الذهبي.ورواه أبو بكر الخلال في كتاب السنة ص/٢٧٧-٢٧٨.
[ ٢ / ٦٣٢ ]
المبحث الثاني: حقية خلافته ﵁
إن حقية خلافة الفاروق ﵁ مما لا يشك فيها مسلم لما هو معلوم عند كل ذي عقل وفهم أنه يلزم من حقية خلافة أبي بكر حقية خلافة عمر وقد قدمنا في الفصل الثاني من هذا الباب أن نصوص الكتاب والسنة والإجماع كلها دلت على حقية خلافة أبي بكر، وما دل على حقية خلافة الصديق ﵁ دل على حقية خلافة الفاروق ﵁ لأن الفرع يثبت له من حيث كونه فرعًا ما ثبت للأصل فحينئذ لا مطمع لأحد من الشيعة الرافضة في النزاع في حقية خلافة عمر لما قدمناه من الأدلة الواضحة القطعية على حقية خلافة مستخلفه، ولما سنذكره هنا من بعض النصوص التي فيها الإشارة إلى حقية خلافة الفاروق ﵁، وإذا ثبت حقية خلافة الصديق ﵁ قطعًا صار النزاع في حقية خلافة الفاروق عنادًا وجهلًا وغباوة وإنكارًا لما هو معلوم في الدين بالضرورة ومن اعتقد عدم حقية خلافة الفاروق ﵁ كالشيعة الرافضة إنما يعد من الجهلة الحمقى حقيق أن يعرض عنه وعن أكاذيبه وأباطيله، ولا يلتفت إليه ولا يعول في شيء من الأمور عليه، فخلافة الفاروق ﵁ حق بعد أبي بكر الصديق ﵁ وهذا معتقد الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة وقد وردت الإشارة إلى حقية خلافته في طائفة من النصوص القطعية الصحيحة منها:-
١- في نص القرآن دليل على صحة خلافة أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ وعلى وجوب الطاعة لهم وهو أن الله - تعالى - قال مخاطبًا لنبيه ﷺ في
[ ٢ / ٦٣٣ ]
الأعراب: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ ١ وكان نزول براءة التي فيها هذا الحكم بعد غزوة تبوك بلا شك٢ التي تخلف فيها الثلاثة المعذرون الذين تاب الله عليهم - في سورة براءة ولم يغز ﵊ بعد غزوة تبوك إلى أن مات ﷺ وقال تعالى أيضًا: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾ فبين أن العرب لا يغزون مع رسول الله ﷺ بعد تبوك لهذا، ثم عطف ﷾ عليهم أثر منعه إياهم من الغزو مع رسول الله ﷺ فقال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ ٣ فأخبر - تعالى - أنهم سيدعوهم غير النبي ﷺ إلى قوم يقاتلونهم أو يسلمون ووعدهم على طاعة من دعاهم إلى ذلك بجزيل الأجر العظيم وتوعدهم على عصيان الداعي لهم إلى ذلك العذاب الأليم.
قال أبو محمد بن حزم: وما دعا أولئك الأعراب أحد بعد رسول الله ﷺ إلى قوم يقاتلونهم أو يسلمون إلا أبو بكر وعمر وعثمان ﵃ فإن أبا بكر ﵁ دعاهم إلى قتال مرتدي العرب بني حنيفة وأصحاب الأسود وسجاح وطليحة والروم والفرس وغيرهم، ودعاهم عمر إلى قتال الروم والفرس وعثمان دعاهم إلى قتال الروم والفرس والترك٤ فوجب طاعة أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ بنص القرآن الذي لا يحتمل تأويلًا وإذ قد وجبت طاعتهم فقد صحت إمامتهم وخلافتهم ﵃"٥.
_________________
(١) ١ـ سورة التوبة آية/٨٣. ٢ـ انظر الدر المنثور في التفسير بالمأثور ٤/١١٩-١٢٢. ٣ـ سورة الفتح آية/ ١٦-١٧. ٤ـ انظر الاعتقاد للبيهقي ص/١٧٣. ٥ـ الفصل في الملل والأهواء والنحل ٤/١٠٩-١١٠.
[ ٢ / ٦٣٤ ]
٢- ما رواه الشيخان في صحيحيهما من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "أريت في المنام أني أنزع بدلو بكرة على قليب فجاء أبو بكر فنزع ذنوبًا أو ذنوبين نزعًا ضعيفًا والله يغفر له، ثم جاء عمر بن الخطاب فاستحالت غربًا فلم أر عبقريًا يفري فريه حتى روى الناس وضربوا بعطن" ١.
هذا الحديث تضمن الإشارة إلى خلافة الشيخين ﵄، كما تضمن الإشارة إلى حقية خلافة الفاروق ﵁، وإلى كثرة الفتوح وظهور الإسلام في زمنه فهذا المنام النبوي مثال واضح لما حصل لأبي بكر وعمر ﵄ في خلافتهما وحسن سيرتهما وظهور آثارهما وانتفاع الناس بهما وكل ذلك مأخوذ عن المصطفى ﷺ وآثار صحبته فقد كان ﵊ هو صاحب الأمر فقام به أكمل قيام حيث قرر قواعد الدين ومهد أموره وأوضح أصوله وفروعه ودخل الناس في دين الله أفواجًا وأنزل الله تعالى عليه قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾ ٢.
ولما التحق ﷺ بالرفيق الأعلى خلفه أبو بكر ﵁ على الأمة سنتين وأشهرًا وهو المراد بقوله ﷺ: "ذنوبًا أو ذنوبين" - وهذا شك من الراوي والمراد ذنوبان كما جاء التصريح بذلك في رواية أخرى٣ وقد حصل في خلافته ﵁ قتال المرتدين وقطع دابرهم واتساع رقعة الإسلام ولما توفي الصديق ﵁ خلفه عمر ﵁ فانتشر الإسلام في زمنه أكثر وتقرر لهم من أحكامه ما لم يقع مثله لطول ولايته واتساع بلاد الإسلام وكثرة الأموال من الغنائم وغيرها فالحديث اشتمل على حقية خلافة عمر ﵁ وصحتها وبيان صفتها وانتفاع المسلمين بها.
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٢/٢٩٤، صحيح مسلم ٤/١٨٦٠-١٨٦٢. ٢ـ سورة المائدة آية/٣. ٣ـ انظر صحيح مسلم ٤/١٨٦١.
[ ٢ / ٦٣٥ ]
٣- روى الإمام أحمد وغيره بإسناده إلى حذيفة ﵁ قال: كنا عند النبي ﷺ جلوسًا فقال: "إني لا أدري ما قدر بقائي فيكم فاقتدوا باللذين من بعدي وأشار إلى أبي بكر وعمر وتمسكوا بعهد عمار وما حدثكم ابن مسعود فصدقوه" ١.
دل هذا الحديث دلالة صريحة على حقية خلافة عمر ﵁ فقوله ﷺ: "اقتدوا باللذين" بفتح الذال - أي الخليفتين اللذين يقومان من بعدي أبو بكر وعمر، فأمره ﷺ بطاعتهما يتضمن الثناء عليهما لكونهما أهلًا لأن يطاعا فيما يأمران به وينهيان عنه المؤذن بحسن سيرتهما وصدق سريرتهما وإيماء لكونهما الخليفتين بعده وسبب الحث على الاقتداء بالسابقين الأولين ما فطروا عليه من الأخلاق المرضية والطبيعة القابلة للخير ولذلك كانوا أفضل الناس بعد الأنبياء وصار أفضل الخلق بعدهم من اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين"٢.
٤- روى الشيخان في صحيحيهما بإسناديهما إلى النبي ﷺ أنه قال: "بينا أنا نائم إذ رأيت قدحًا أتيت به فيه لبن فشربت منه حتى إني لأرى الري يجري في أظفاري، ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب قالوا: فما أولت ذلك يا رسول الله قال: العلم" ٣.
ففي هذا الحديث إشارة إلى حقية خلافة عمر ﵁ "والمراد بالعلم هنا العلم بسياسة الناس بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ واختص عمر بذلك لطول مدته بالنسية إلى أبي بكر - وباتفاق الناس على طاعته بالنسبة إلى عثمان فإن
_________________
(١) ١ـ المسند ٥/٣٨٥، ٤٠٢، سنن الترمذي ٥/٢٧١، ورواه الطحاوي في مشكل الآثار ٢/٨٣-٨٤، ابن سعد في الطبقات ٢/٣٣٤، وروا أبو نعيم في الحلية ٩/١٠٩، الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ١٢/٢٠، الحاكم في المستدرك ٢/٧٥ وأورده الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة ٣/٢٣٣-٢٣٦. ٢ـ انظر فيض القدير للمناوي ٢/٥٦. ٣ـ صحيح البخاري ٢/٢٩٤، صحيح مسلم ٤/١٨٥٩-١٨٦٠.
[ ٢ / ٦٣٦ ]
مدة أبي بكر كانت قصيرة فلم يكثر فيها الفتوح التي هي أعظم الأسباب في الاختلاف ومع ذلك فساس عمر فيها - مع طول مدته - الناس بحيث لم يخالفه أحد ثم ازدادت اتساعًا في خلافة عثمان فانتشرت الأقوال واختلفت الآراء، ولم يتفق له ما اتفق لعمر من طواعية الخلق له فنشأت من ثم الفتن إلى أن أفضى الأمر إلى قتله - واستخلف علي فما ازداد الأمر إلا اختلافًا، والفتن إلا انتشارًا"١. فالحديث فيه إشارة واضحة إلى حقية خلافة الفاروق ﵁.
٤- روى أبو داود وغيره من حديث الأشعث عن الحسن عن أبي بكرة أن النبي ﷺ قال ذات يوم: "من رأى منكم رؤيا؟ " فقال رجل: أنا رأيت كأن ميزانًا نزل من السماء فوزنت أنت وأبو بكر فرجحت أنت بأبي بكر، ووزن عمر وأبو بكر فرجح أبو بكر، ووزن عمر وعثمان فرجح عمر، ثم رفع الميزان فرأينا الكراهية في وجه رسول الله ﷺ"٢.
في هذا الحديث إشارة إلى ترتيب الثلاثة في الفضل فأفضلهم أبو بكر ثم عمر، ثم عثمان ﵃ جميعًا كما أن الحديث تضمن الإشارة إلى حقية خلافة عمر ﵁ وأنه يلي الخلافة بعد الصديق ﵁ وقوله له في الحديث: "فرأينا الكراهية في وجه رسول الله ﷺ" "وذلك لما علم ﷺ من أن تأويل رفع الميزان انحطاط رتبة الأمور وظهور الفتن بعد خلافة عمر"٣.
٦- وروى الشيخان في صحيحيهما من حديث ابن عباس ﵄ كان يحدث أن رجلًا أتى رسول الله ﷺ فقال: إني رأيت الليلة في المنام ظلة تنطف٤ السمن والعسل، فأرى الناس
_________________
(١) ١ـ فتح الباري ٧/٤٦. ٢ـ سنن أبي داود ٢/٥١٢، ورواه أحمد في المسند ٥/٤٤، ورواه الترمذي في سننه ٣/٣٦٩. ٣ـ انظر عون المعبود شرح سنن أبي داود ١٣/٣٨٧. ٤ـ أي: تقطر: النهاية في غريب الحديث ٥/٧٥.
[ ٢ / ٦٣٧ ]
يتكففون١ منها: فالمستكثر والمستقل وإذا سبب واصل من الأرض إلى السماء فأراك أخذت به فعلوت، ثم أخذ به رجل آخر فعلًا به، ثم أخذ به رجل آخر فانقطع ثم وصل. فقال أبو بكر: يا رسول بأبي أنت والله لتدعني فأعبرها، فقال النبي ﷺ: اعبرها قال: أما الظلة فالإسلام، وأما الذي ينطف من العسل والسمن فالقرآن حلاوته تنطف فالمستكثر من القرآن والمستقل، وأما السبب الواصل من السماء في الأرض فالحق الذي أنت عليه تأخذ به فيعليك الله ثم يأخذ به رجل فيعلو به، ثم يأخذ به رجل آخر فيعلو به ثم يأخذ به رجل فينقطع به، ثم يوصل له فيعلو به، فأخبرني يا رسول الله - بأبي أنت - أصبت أم أخطأت؟ قال النبي ﷺ: " أصبت بعضًا وأخطأت بعضًا" قال: فوالله يا رسول الله لتحدثني بالذي أخطأت. قال لا تقسم" ٢.
تضمن هذا الحديث الإشارة إلى حقية عمر ﵁ وأرضاه. ووجه ذلك أن قوله في الحديث: "ثم أخذ به رجل آخر فعلا به" هو أبو بكر ﵁ وقوله ثانيًا: ثم أخذ به رجل آخر فانقطع إشارة إلى خلافة الفاروق ﵁.
٧- روى أبو داود بإسناده إلى جابر بن عبد الله ﵁ أنه كان يحدث أن - رسول الله ﷺ قال: "أري الليلة رجل صالح أن أبا بكر نيط ٣ برسول الله ﷺ، ونيط عمر بأبي بكر، ونيط عثمان بعمر، قال جابر: فلما قمنا من عند رسول الله ﷺ قلنا: أما الرجل الصالح فرسول الله ﷺ، وأما تنوط بعضهم ببعض فهم ولاة هذا الأمر الذي بعث الله به نبيه ﷺ"٤.
دل هذا الحديث بالإشارة الواضحة إلى ترتيب الثلاثة في الخلافة وإلى حقية
_________________
(١) ١ـ أي: يأخذون منها بأكفهم انظر: النهاية في غريب الحديث ٤/١٩٠. ٢ـ صحيح البخاري ٤/٢١٩، صحيح مسلم ٤/١٧٧٧-١٧٧٨. ٣ـ أي: علق انظر النهاية في غريب الحديث ٥/١٤١. ٤ـ سنن أبي داود ٢/٥١٣.
[ ٢ / ٦٣٨ ]
١١- وروى الشيخان في صحيحيهما عن ابن أبي مليكة قال: سمعت ابن عباس يقول: وضع عمر بن الخطاب على سريره فتكنفه١ الناس يدعون ويثنون ويصلون عليه قبل أن يرفع وأنا فيهم قال: فلم يرعني إلا برجل قد أخذ بمنكبي من ورائي فالتفت إليه فإذا هو علي فترحم على عمر وقال: ما خلفت أحدًا أحب إلي أن ألقى الله بمثل عمله منك وايم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك وذاك أني كنت أكثر أسمع رسول الله ﷺ يقول: جئت أنا وأبو بكر وعمر ودخلت أنا وأبو بكر وعمر وخرجت أنا وأبو بكر وعمر فإن كنت لأرجو أو لأظن أن يجعلك الله معهما٢.
١٢- ومما دلَّ على حقية خلافته ﵁ اجتماع الصحابة على أنهم لا يقدمون إلا أفضلهم وأخيرهم مع قول أبي بكر وعلي ﵄ فيه.
فأما قول أبي بكر ﵁ فيه فهو قوله: "اللهم أمرت عليهم خير أهلك"٣. وأما قول علي ﵁ فيه فهو ما رواه البخاري عن محمد بن الحنفية وهو ابن علي بن أبي طالب قال: قلت لأبي: أي الناس خير بعد رسول الله ﷺ؟ قال أبو بكر قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر وخشيت أن يقول: عثمان قلت: ثم أنت؟ قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين"٤.
فهذه الأحاديث التي أوردناها في هذا المبحث كلها فيها الدلالة الواضحة على حقية خلافة عمر ﵁ وأرضاه.
قال السفاريني رحمه الله تعالى: "اعلم أن خلافة سيدنا عمر بن الخطاب أمير المؤمنين ﵁ مرتبة ولازمة لحقية خلافة الصديق الأعظم أبي بكر
_________________
(١) ١ـ أي: أحاطوا به. ٢ـ صحيح البخاري ٢/٢٩٤، صحيح مسلم ٤/١٨٥٨-١٨٥٩. ٣ـ كتاب الإمامة والرد على الرافضة لأبي نعيم ص/٢٧٦، وانظر الطبقات لابن سعد ٣/٢٧٤. ٤ـ صحيح البخاري ٢/٢٩١.
[ ٢ / ٦٤٠ ]
﵁ وقد قام الإجماع وإشارات الكتاب والسنة على حقية خلافته فما ثبت للأصل الذي هو الصديق من حقية الخلافة يثبت لفرعه الذي هو عمر بن الخطاب فيها فلا مطمع لأحد من فرق الضلال في الطعن والنزاع في حقية الخلافة وقد علم أهل العلم علمًا باتًا ضروريًا أن الصحابة الكرام أجمعوا على تولية الصديق الخلافة ومن شذ لا يقدح في ذلك من غير مرية"١.
_________________
(١) ١ـ لوامع الأنوار البهية ٢/٣٢٦.
[ ٢ / ٦٤١ ]