المبحث الأول: تحريم سبهم بنص الكتاب العزيز
إن سب أصحاب رسول الله ﷺ محرم بنص الكتاب العزيز وهو ما تعتقده وتدين به الفرقة الناجية من هذه الأمة، وقد جاءت الإشارة إلى تحريم سبهم في غير ما آية من كتاب الله - جل وعلا - من ذلك:
١- قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ الآية.
ووجه دلالة الآية على تحريم سبهم أن الله تعالى رضي عنهم رضى مطلقًا، فرضي عن السابقين من غير اشتراط إحسان ولم يرض عن التابعين إلا أن يتبعوهم بإحسان والرضى من الله صفة قديمة فلا يرضى إلا عن عبد علم أنه يوافيه على موجبات الرضى، ومن ﵁ لم يسخط عليه أبدًا، وقد بين تعالى في آخر هذه الآية أن هؤلاء الذين ﵃ هم من أهل الثواب في الآخرة يموتون على الإيمان الذي به يستحقون ذلك حيث قال: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ١
ولذا لما كان هؤلاء الأخيار بهذه المنزلة العظيمة والمكانة الرفيعة أمر الله من جاء بعدهم أن يستغفروا لهم ويدعوا الله ألا يجعل في قلوبهم غلًا لهم، ومن هنا علم إن الاستغفار وطهارة القلب من الغل لهم أمر يحبه الله ويرضاه، ويثني على فاعله كما أنه قد أمر بذلك رسول الله ﷺ في قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ـ سورة التوبة آية/١٠٠. ٢ـ سورة محمد آية/١٩.
[ ٢ / ٨٣١ ]
وقال تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ ١، ومحبة الشيء كراهته لضده، فيكون الله يكره السب لهم، الذي هو ضد الاستغفار، والبغض لهم الذي هو ضد الطهارة، وهذا معنى قول عائشة ﵂: "أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي ﷺ فسبوهم"٢.
٢- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ ٣.
هذه الآية تضمنت التهديد والوعيد بالطرد والإبعاد من رحمة الله والعذاب المهين لمن آذاه - جل وعلا - بمخالفة أوامره وارتكاب زواجره وإصراره على ذلك٤ وإيذاء رسوله "يشمل كل أذية قولية أو فعلية من سب وشتم أو تنقص له أو لدينه، أو ما يعود إليه بالأذى"٥ ومما يؤذيه ﷺ سب أصحابه وقد أخبر ﷺ أن إيذاءهم إيذاء له، ومن آذاه فقد آذى الله٦ وأي أذية للصحابة أبلغ من سبهم فالآية فيها إشارة قوية ظاهرة إلى أنه يحرم سبهم ﵃.
٣- قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ ٧.
وهذه الآية فيها التحذير من إيذاء المؤمنين والمؤمنات بما ينسب إليهم مما هم منه براء لم يعملوه، ولم يفعلوه، والبهت الكبير أن يحكي أو ينقل عن المؤمنين
_________________
(١) ١ـ سورة آل عمران آية/١٥٩. ٢ـ انظر الصارم المسلول على شاتم الرسول ص/٥٧٢-٥٧٥، وحديث عائشة في صحيح مسلم ٤/٢٣١٧. ٣ـ سورة الأحزاب آية/٥٧. ٤ـ تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٥/٥١٤. ٥ـ تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ٦/١٢١. ٦ـ انظر المسند للإمام أحمد ٤/٨٧. ٧ـ سورة الأحزاب آية/٥٨.
[ ٢ / ٨٣٢ ]
والمؤمنات ما لم يفعلوه على سبيل العيب والتنقص لهم١.
ووجه دلالة الآية على تحريم سب الصحابة ﵃ أنهم في صدارة المؤمنين فإنهم المواجهون بالخطاب في كل آية مفتتحة بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ٢، ومثل قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ٣ في جميع القرآن فالآية دلت على تحريم سب الصحابة لأن لفظ المؤمنين أول ما ينطلق عليهم لأن الصدارة في المؤمنين لهم ﵃ وسبهم والنيل منهم من أعظم الأذى، وأن من نال منهم بذلك فقد آذى خيار المؤمنين بما لم يكتسبوا وأن من اتخذ شتمهم والنيل منهم دينًا له فإن الوعيد المذكور في الآية يصيبه.
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى عند هذه الآية: "ومن أكثر من يدخل في هذا الوعيد الكفرة بالله ورسوله، ثم الرافضة الذين ينتقصون الصحابة ويعيبونهم بما قد برأهم الله منه، ويصفونهم بنقيض ما أخبر الله عنهم، فإن الله ﷿ قد أخبر أنه قد رضي عن المهاجرين والأنصار ومدحهم وهؤلاء الجهلة الأغبياء يسبونهم ويتنقصونهم ويذكرون عنهم ما لم يكن ولا فعلوه أبدًا فهم في الحقيقة منكسوا القلوب يذمون الممدوحين ويمدحون المذمومين"٤أ. هـ.
وكما هو معلوم "أن سب آحاد المؤمنين موجب للتعزير بحسب حالته وعلو مرتبته، فتعزير من سب الصحابة أبلغ وتعزير من سب العلماء وأهل الدين أعظم من غيرهم"٥.
٤- قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ
_________________
(١) ١ـ تفسير القرآن العظيم ٥/٥١٤-٥١٥. ٢ـ سورة البقرة آية/١٠٤. ٣ـ سورة الكهف آية/١٠٧. ٤ـ تفسير القرآن العظيم ٥/٥١٥. ٥ـ تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ٦/١٢١.
[ ٢ / ٨٣٣ ]
ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ ١ الآية.
ووجه دلالة الآية على تحريم سب الصحابة ﵃ أنه لا يسبهم شخص إلا لما وجد في قلبه من الغيظ عليهم، وقد بين تعالى في هذه الآية إنما يغاظ بهم الكفار، فدلت على تحريم سبهم، والتعرض لهم بما وقع بينهم على وجه العيب لهم.
قال أبو عبد الله القرطبي: روى أبو عروة الزبيري من ولد الزبير: كنا عند مالك بن أنس، فذكروا رجلًا ينتقص أصحاب رسول الله ﷺ، فقرأ مالك هذه الآية: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ حتى بلغ ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾، فقال مالك: من أصبح من الناس في قلبه غيظ على أحد من أصحاب رسول الله ﷺ فقد أصابته هذه الآية - ثم قال ـ: "لقد أحسن مالك في مقالته وأصاب في تأويله فمن نقص واحدًا منهم أو طعن عليه في روايته فقد رد على الله رب العالمين وأبطل شرائع المسلمين، ثم ذكر طائفة من الآيات التي تضمنت الثناء عليهم والشهادة لهم بالصدق والفلاح، ثم قال عقبها: "وهذا كله مع علمه ﵎ بحالهم ومآل أمرهم"٢.أ. هـ
فهذه الآية اشتملت على تحريم سب الصحابة لأن سبهم، إنما يصدر ممن امتلأ قلبه غيظًا عليهم، لا محل فيه للإيمان٣ نعوذ بالله من الخذلان.
٥- قوله تعالى: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ـ سورة الفتح آية/٢٩. ٢ـ الجامع لأحكام القرآن ١٦/٢٩٦، وانظر قول مالك في شرح السنة للبغوي ١/٢٢٩. ٣ـ انظر ما قاله مالك فيمن يسب الصحابة في تفسير ابن كثير ٥/٣٦٥. ٤ـ سورة الحجرات آية/١٢.
[ ٢ / ٨٣٤ ]
وهذه الآية الكريمة تضمنت النهي لجميع العباد عن أن يقول بعضهم في بعض بظهر الغيب ما يكره المقول فيه، ذلك أن يقال له في وجهه والغيبة قد فسرها الشارع كما جاء في الحديث الذي رواه أبو داود وغيره من حديث أبي هريرة ﵁، قال: قيل يا رسول الله ما الغيبة؟، قال ﷺ: " ذكرك أخاك بما يكره "، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟، قال ﷺ: "إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته" ١.
وبتفسير الشارع للغيبة في هذا الحديث يتبين وجه دلالة الآية على تحريم سب الصحابة وذلك أن سبهم وازدراءهم والتنقص من مكانتهم الرفيعة التي أنزلهم الله فيها إنما هو من البهت لهم بما ليس فيهم، فكل من عابهم وطعن فيهم أو في أحد منهم كل ذلك من البهتان المبين ومن الوقوع في أعراضهم الذي يعد من أربى الربا عند الله - جل وعلا ـ، فقد روى ابن أبي حاتم بإسناده إلى عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: "أي الربا أربى عند الله"؟، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "أربى الربا عند الله استحلال عرض امريء مسلم"، ثم قرأ ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ ٢.
فإذا كان الكلام في عرض أي مسلم كان من أربى الربا عند الله ﷿ فما الشأن بالاستطالة والسب على أصحاب رسول الله ﷺ الذين هم في مقدمة عباد الله المتقين وعباده الصالحين، ولا يشك مسلم في أن النيل منهم بالقول السيء من سب وغيره أنه انتهاك لحرمة أمر الله ﷿ باحترام الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.
_________________
(١) ١ـ سنن أبي داود ٢/٥٦٧، سنن الترمذي ٣/٢٢٠-٢٢١، وقال: حسن صحيح. ٢ـ ذكره الحافظ ابن كثير في تفسيره ٥/٥١٥، وأورده السيوطي في الدر المنثور ٦/٦٥٨.
[ ٢ / ٨٣٥ ]
٦- قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ ١.
ووجه دلالة الآية على تحريم سب الصحابة يتضح بما قاله السلف في تفسير هذه الآية، فقد قال عبد الله بن عباس ﵁ بعد أن سئل عن قوله: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾، قال: طعان، "لمزة"، قال: مغتاب٢.
وقال مجاهد: الهمزة الطعان في الناس، واللمزة الذي يأكل لحوم الناس٣.
وقال قتادة: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ قال: يأكل لحوم الناس ويطعن عليهم"٤.
وقال أبو العالية: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ قال: تهمزه في وجهه وتلمزه من خلفه٥.
..، فهذه التفاسير لهذه الآية عن هؤلاء الأئمة من السلف تدل على تحريم اغتياب عموم المؤمنين وهي تنطبق على من أطلقوا ألسنتهم بالوقوع في الصحابة من الرافضة وغيرهم فهم الهمازون لهم بالقول بحيث يزدرونهم وينتقصونهم بالسب والشتم وينسبون إليهم ما لم يقولوه وما لم يفعلوه، ولا شك أن العذاب الذي توعد الله به في هذه الآية سيصيب كل من اتخذ الطعن فيهم ديدنه إن لم يتب ويقلع عن ذلك ويجعل لسانه رطبًا بذكرهم بالجميل والترضي عنهم والترحم عليهم والاستغفار لهم كما جاء الأمر به لكل من جاء بعدهم من أهل الإيمان، والحاصل مما تقدم ذكره أن تحريم سب الصحابة جاءت الإشارة إليه في القرآن الكريم وأن الواجب على كل مسلم أن يعتقد أن الله تعالى حرم سبهم وازدراءهم وعيبهم بما جرى بينهم وأن يحذر طريقة الروافض الذين لم يراعوا لهم حرمة ولم يقدروهم حق قدرهم وأن من سلك طريقهم ألقى نفسه في المهالك التي لا نجاة منها إلا بالرجوع إلى طريقة أهل الحق من أهل السنة والجماعة والتوبة مما أسلفه من جناية في حق الصحابة الكرام ﵃ أجمعين.
_________________
(١) ١ـ سورة الهمزة آية/١. ٢ـ الدر المنثور ٨/٦٢٤. ٣ـ المصدر السابق. ٤ـ الدر المنثور ٨/٦٢٤. ٥ـ المصدر السابق.
[ ٢ / ٨٣٦ ]