المبحث الأول: تعريف التشيع والرفض لغة واصطلاحًا
الشيعة في اللغة:
قال الجوهري ﵀: شيعة الرجل: أتباعه وأنصاره، يقال: شايعه كما يقال: والاه من الولي وتشيع الرجل أي: ادعى دعوى الشيعة وتشايع القوم من الشيعة وكل قوم أمرهم واحد يتبع بعضهم رأي بعض فهم شيع وقوله تعالى: ﴿كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾ ١ أي: بأمثالهم من الشيع الماضية"أ. هـ٢.
وقال العلامة ابن الجوزي: "الشيع: جمع شيعة وهي الطائفة المجتمعة على أمر، ويقال: هؤلاء شيعة فلان: أي: أتباعه"أ. هـ٣.
وجاء في لسان العرب: الشيعة: أتباع الرجل وأنصاره وجمعها شيع وأشياع، جمع الجمع ويقال: شايعه كمال يقال: والاه - إلى أن قال ـ: "وأصل الشيعة الفرقة من الناس ويقع على الواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث بلفظ واحد ومعنى واحد، وقد غلّب هذا الاسم على من يتولى عليًا وأهل بيته جميعًا٤
_________________
(١) ١ـ سورة سبأ آية/٥٤. ٢ـ الصحاح ٣/١٢٤٠، مختار الصحاح للرازي ص/٣٥٣، وانظر المفردات في غريب القرآن للراغب ص/٢٧١. ٣ـ نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر ص/٣٧٦. ٤ـ كل مسلم يجب عليه تولي أهل بيت رسول الله ﷺ وموالاتهم ومحبتهم، وقد كان القسط الأكبر والحظ الأوفر من هذا لأهل السنة والجماعة أما دعوى الشيعة في أنهم هم الذين اختصوا بموالاتهم دعوى بلا برهان ولكن يقال: إنهم اختصوا بالغلو المذموم نحوهم وبمعاداة من يحبهم أهل البيت وأهل البيت يحبون جميع أصحاب رسول الله ﷺ ولا يكنون أي عداوة لأحد منهم ﵃ جميعًا.
[ ٣ / ٨٨٩ ]
حتى صار لهم اسمًا خاصًا، فإذا قيل فلان من الشيعة عرف أنه منهم وفي مذهب الشيعة كذا أي: عندهم وأصل ذلك من المشايعة وهي المتابعة والمطاوعة"١.
وجاء في القاموس: "شيعة الرجل بالكسر أتباعه والفرقة على حده، ويقع على الواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث، وقد غلب هذا الاسم على من يتولى عليًا وأهل بيته حتى صار اسمًا خاصًا لهم والجمع أشياع وشيع كعنب"٢.
وجاء في المصباح المنير٣: "والشيعة الأتباع والأنصار، وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة، ثم صارت "الشيعة" نبزًا لجماعة مخصوصة والجمع "شيع" مثل سدرة وسدر، والأشياع جمع الجمع "وشيعت رمضان بست من شوال أتبعته بها"أ. هـ
فالشيعة: من حيث مدلولها اللغوي تعني: القوم والصحب والأتباع والأعوان وقد ورد هذا المعنى في بعض آيات القرآن الكريم كما في قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ ٤، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لإٍبْرَاهِيمَ﴾ ٥، فلفظ الشيعة في الآية الأولى تعني القوم، وفي الثانية: تشير إلى الأتباع الذين يوافقون على الرأي والمنهج ويشاركون فيهما.
تعريف الشيعة اصطلاحًا:
كلمة "شيعة" اتخذت معنى اصطلاحيًا مستقلًا حيث أطلقت على جماعة اعتقدوا أن الإمامة ليست من المصالح العامة التي ترجع إلى نظر الأمة ويتعين القائم بها
_________________
(١) ١ـ لسان العرب ٨/١٨٨-١٨٩. ٢ـ القاموس ٣/٤٩. ٣ـ ١/٣٢٩. ٤ـ سورة القصص آية/١٥. ٥ـ سورة الصافات آية/٨٣.
[ ٣ / ٨٩٠ ]
بتعيينهم، بل إنها ركن الدين وقاعدة الإسلام، ولا يجوز لنبي إغفالها ولا تفويضها إلى الأمة، بل يجب عليه أن يعين الإمام للأمة"١.
فقد قال أبو الحسن الأشعري في صدد ذكره للشيعة: "وإنما قيل لهم الشيعة: لأنهم شايعوا عليًا رضوان الله عليه، ويقدمونه على سائر أصحاب رسول الله ﷺ"٢.
وقال أبو محمد بن حزم الظاهري مبينًا حد الشيعي: "ومن وافق الشيعة في أن عليًا ﵁ أفضل الناس بعد الرسول ﷺ وأحقهم بالإمامة وولده من بعده فهو شيعي"٣.
وقال الشهرستاني معرفًا للشيعة: "الشيعة هم الذين شايعوا عليًا ﵁ على الخصوص، وقالوا: بإمامته وخلافته نصًا ووصية إما جليًا، وإما خفيًا، واعتقدوا أن الإمامة لا تخرج من أولاده وإن خرجت فبظلم يكون من غيره أو بتقية من عنده"أ. هـ٤
وقال عبد الرحمن بن خلدون: "اعلم أن الشيعة لغة هم الصحب والأتباع ويطلق في عرف الفقهاء والمتكلمين من الخلف والسلف على أتباع علي وبنيه ﵃ ومذهبهم جميعًا متفقين عليه أن الإمامة ليست من المصالح العامة التي تفوض إلى نظر الأمة، ويتعين القائم بها بتعيينهم بل هي ركن الدين وقاعدة الإسلام ولا يجوز لنبي إغفاله ولا تفويضه إلى الأمة بل يجب عليه تعيين الإمام لهم ويكون معصومًا من الكبائر والصغائر وإن عليًا ﵁ هو الذي عينه صلوات الله وسلامه عليه بنصوص ينقلونها ويؤولونها على مقتضى مذهبهم لا يعرفها جهابذة السنة ولا نقلة الشريعة، بل أكثرها موضوع أو مطعون في
_________________
(١) ١ـ انظر مقدمة ابن خلدون ص/١٩٦-١٩٧. ٢ـ مقالات الإسلاميين ١/٦٥. ٣ـ الفصل في الملل والأهواء والنحل ٢/١١٣. ٤ـ الملل والنحل للشهرستاني ١/١٤٦.
[ ٣ / ٨٩١ ]
طريقه أو بعيد عن تأويلاتهم الفاسدة"١.
وقال الجرجاني: "الشيعة هم الذين شايعوا عليًا ﵁: قالوا: إنه الإمام بعد رسول الله ﷺ واعتقدوا أن الإمامة لا تخرج عنه وعن أولاده"أ. هـ٢
وقال الحافظ ابن حجر ﵀ معرفًا التشيع بقوله: "والتشيع محبة علي وتقديمه على الصحابة فمن قدمه على أبي بكر وعمر فهو غال في تشيعه ويطلق عليه رافضي، وإلا فشيعي، فإن انضاف إلى ذلك السب والتصريح بالبغض فغال في الرفض وإن اعتقد الرجعة إلى الدنيا فأشد في الغلو"٣.
فهذه ستة تعاريف من أهل العلم لبيان المقصود بالشيعة وهي تتقارب في مدلولها، فقد أوضحوا فيها أن الشيعة طائفة من الناس يعتقدون أفضلية علي ﵁ على سائر الصحابة وأحقيته هو وبنوه بالإمامة وأنها لا تخرج عنهم "إلا في حال التقية إذا خافوا بطش ظالم"٤ كما يزعمون.
تعريف الرافضة:
الرفض لغة: الترك وقد رفضه يرفضه رفضًا ورفضًا والشيء رفيض ومرفوض والروافض: جند تركوا قائدهم وانصرفوا والرافضة فرقة من الشيعة.
قال الأصمعي: "سموا بذلك لتركهم زيد بن علي ﵁"٥.
وجاء في المصباح المنير: "رفضته "رفضًا" من باب ضرب وفي لغة من
_________________
(١) ١ـ مقدمة ابن خلدون ص/١٩٦-١٩٧. ٢ـ كتاب التعريفات للجرجاني ص/١٢٩. ٣ـ هدي الساري مقدمة فتح الباري ص/٤٥٩. ٤ـ انظر الملل والنحل للشهرستاني ١/١٤٦. ٥ـ الصحاح للجوهري ٣/١٠٧٨، لسان العرب ٧/١٥٧.
[ ٣ / ٨٩٢ ]
باب "قتل" تركته والرافضة فرقة من شيعة الكوفة سموا بذلك لأنهم "رفضوا" أي: تركوا: زيد بن علي ﵇ حين نهاهم عن الطعن في الصحابة"١.
فالرفض في اللغة معناه الترك والتخلي عن الشيء.
وأما في الاصطلاح:
فالرفض يطلق على "قوم من الشيعة سموا بذلك لأنهم تركوا زيد بن علي".
قال الأصمعي: "كانوا بايعوه ثم قالوا له: ابرأ من الشيخين نقاتل معك، فأبى، وقال: كانا وزيري جدي فلا أبرأ منهما، فرفضوه وارفضوا عنه فسموا رافضة، وقالوا: الروافض ولم يقولوا الرفاض لأنهم عنوا الجماعة"٢.
قال عبد الله بن أحمد ﵀: قلت لأبي: "من الرافضي؟ قال: الذي يشتم ويسب أبا بكر وعمر"٣.
فالرافضة اصطلاحًا قوم من الشيعة ابتلوا بالنيل من أصحاب رسول الله ﷺ عمومًا والبراءة من الشيخين خصوصًا.
سبب تسميتهم بهذا الاسم:
قال الرازي: إنما سموا بالروافض لأن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب خرج على هشام بن عبد الملك فطعن عسكره على أبي بكر فمنعهم من ذلك، فرفضوه، ولم يبق معه إلا مائتا فارس، فقال لهم - أي زيد بن علي - رفضتموني، قالوا: نعم، فبقي عليهم هذا الاسم"٤.
_________________
(١) ١ـ المصباح ١/٢٣٢. ٢ـ لسان العرب ٧/١٥٧. ٣ـ مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص/١٦٥، السنة للخلال ص/٤٩٢. ٤ـ اعتقادات فرق المسلمين ص/٥٢.
[ ٣ / ٨٩٣ ]
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "الخلفاء الراشدون الأربعة" ابتلوا بمعادات بعض المنتسبين إلى الإسلام من أهل القبلة ولعنهم وبغضهم وتكفيرهم، فأبو بكر وعمر أبغضتهما الرافضة ولعنتهما دون غيرهم من الطوائف، ولهذا قيل للإمام أحمد: من الرافضي؟ قال: الذي يسب أبا بكر وعمر، وبهذا سميت الرافضة فإنهم رفضوا زيد بن علي لما تولى الخليفتين أبا بكر وعمر لبغضهم لهما، فالمبغض لهما هو الرافضي، وقيل: إنما سموا رافضة لرفضهم أبا بكر وعمر"أ. هـ١
وقال أيضًا ﵀: "ومن زمن خروج زيد افترقت الشيعة إلى رافضة وزيدية، فإنه لما سئل عن أبي بكر وعمر فترحم عليهما رفضه قوم، فقال لهم: رفضتموني، فسموا رافضة لرفضهم إياه، وسمي من لم يرفضه من الشيعة زيديًا لانتسابهم إليه"٢.
وقال الحافظ ابن كثير في صدد بيانه ما حدث سنة ثنتين وعشرين ومائة: "فيها كان مقتل زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وكان سبب ذلك: أنه لما أخذ البيعة ممن بايعه من أهل الكوفة أمرهم في أول هذه السنة بالخروج والتأهب له، فشرعوا في أخذ الأهبة لذلك، فانطلق رجل يقال له سليمان بن سراقة إلى يوسف بن عمر نائب العراق فأخبره - وهو بالحيرة يومئذ - خبر زيد بن علي هذا ومن معه من أهل الكوفة فبعث يوسف بن عمر يتطلبه ويلح في طلبه، فلما علمت الشيعة ذلك اجتمعوا عند زيد بن علي فقالوا له: ما قولك - يرحمك الله - في أبي بكر وعمر؟ فقال: غفر الله لهما ما سمعت أحدًا من أهل بيتي تبرأ منهما، وأنا لا أقول فيهما إلا خيرًا، قالوا: فلم تطلب إذًا بدم أهل البيت؟ فقال: إنا كنا أحق الناس بهذا الأمر ولكن القوم استأثروا علينا به
_________________
(١) ١ـ مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٤/٤٣٥. ٢ـ منهاج السنة ١/٨.
[ ٣ / ٨٩٤ ]
ودفعونا عنه، ولم يبلغ ذلك عندنا بهم كفرًا قد ولوا فعدلوا وعملوا بالكتاب والسنة، قالوا: فلم تقاتل هؤلاء إذًا؟ قال: إن هؤلاء ليسوا كأولئك، إن هؤلاء ظلموا الناس وظلموا أنفسهم، وإني أدعو إلى كتاب الله وسنة نبيه ﷺ وإحياء السنن وإماتة البدع، فإن تسمعوا يكن خيرًا لكم ولي وإن تأبوا فلست عليكم بوكيل، فرفضوه وانصرفوا عنه ونقضوا بيعته وتركوه، فلهذا سموا الرافضة من يؤمئذ"١.
وقال صاحب روضات الجنات: "فالروافض هم أولئك الذين رفضوا من أهل الكوفة صحبة زيد بن علي ﵁ حين منعهم من الطعن في الخلفاء الراشدين الذين سبقوا عليًا ﵃ جميعًا وتبرأوا منه حيث لم يتبرأ منهم"٢.
ومما تقدم تبين أن سبب تسميتهم بالرافضة أنهم رفضوا زيد بن علي بن الحسين بن علي حين نهاهم عن الطعن في الصحابة وذلك أنهم لما عرفوا أنه يتولى الشيخين ولا يبرأ منهما رفضوه فاستعمل هذا اللقب في كل من غلا في هذا المذهب وأجاز الطعن في الصحابة وقد أطلق عليهم هذا الاسم سنة اثنتين وعشرين ومائة هجرية" ٣.
_________________
(١) البداية والنهاية ٩/٣٧٠-٣٧١.
(٢) روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات لميرزا محمد الباقر ١/٣٢٤.
(٣) انظر تاريخ الأمم والملوك ٧/١٨٠-١٨١، الكامل لابن الأثير ٥/٢٤٢-٢٤٣، البداية والنهاية ٩/٣٧٠-٣٧١.
[ ٣ / ٨٩٥ ]