المبحث الأول: فضل أبي بكر الصديق ﵁
ينبغي للمسلم أن يعتقد اعتقادًا جازمًا أن أفضل البشر بعد الأنبياء هو صديق هذه الأمة المحمدية وهو أبو بكر عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي التميمي يجتمع نسبه مع نسب النبي ﷺ في مرة بن كعب وأم الصديق أم الخير سلمى بنت صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بنت عم أبيه وأبوه أبو قحافة عثمان بن عامر بن عمرو، وهما صحابيان رضوان الله عليهما أجمعين١.
لقب بالصديق لسبقه إلى تصديق النبي ﷺ قال الحافظ وروى الطبراني من حديث عليّ: "أنه كان يحلف أن الله أنزل اسم أبي بكر من السماء الصديق"٢. وقيل: كان ابتداء تسميته بالصديق صبيحة الإسراء فقد روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى عائشة ﵂ قالت: لما أسري بالنبي ﷺ إلى المسجد الأقصى أصبح يتحدث الناس بذلك فارتد ناس ممن كان آمنوا به وصدقوه وسعوا بذلك إلى أبي بكر ﵁ فقالوا: هل لك إلى صاحبك يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح قال: نعم إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك أصدقه بخبر السماء في غدوة أو روحة فلذلك سمي أبو بكر الصديق"٣.
_________________
(١) ١ـ انظر الطبقات الكبرى لابن سعد ٣/١٦٩، السيرة النبوية لابن هشام ١/٢٤٩، الإصابة في تمييز الصحابة ٢/٣٣٣- ٣٣٥، فتح الباري ٧/٩، وانظر: صفة الصفوة ١/٢٣٥، حلية الأولياء ١/٢٨، تذكرة الحفاظ ١/٢، لوامح الأنوار البهية ٢/٣١١. ٢ـ فتح الباري ٧/٢ ثم قال: "ورجاله ثقات". ٣ـ المستدرك ٣/٦٢ ثم قال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي.
[ ١ / ٢١٩ ]
صحب النبي ﷺ قبل البعثة وسبق إلى الإيمان به واستمر معه طول إقامته بمكة ورافقه في الهجرة وفي الغار وفي المشاهد كلها إلى أن مات وكانت الراية معه يوم تبوك وحج بالناس ورسول الله ﷺ حي سنة تسع وكان خليفتة من بعده ولقبه المسملون خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم١ وقد دل على أنه أفضل الأمة بعد النبي ﷺ الكتاب والسنة وإجماع المسلمين، أما دلالة الكتاب فمن ذلك ما يلي:
١- قال تعالى: ﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ ٢. أجمع المسلمون على أن المراد بالصاحب المذكور في الآية هو أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه"٣.
أخرج ابن عساكر عن سفيان ابن عيينة قال: عاتب الله المسلمين كلهم في رسول الله ﷺ إلا أبا بكر وحده فإنه خرج من المعاتبة ثم قرأ: ﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ ٤.
قال ابن جرير رحمه الله تعالى: "وإنما عنى الله - جل ثناؤه - بقوله: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ رسول الله ﷺ وأبا بكر ﵁ لأنهما كانا اللذين خرجا هاربين من قريش إذ هموا بقتل رسول الله ﷺ واختفيا في الغار وقوله: ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ يقول: إذ رسول الله ﷺ وأبو بكر رحمة الله عليه في الغار والغار: النقب العظيم يكون في الجبل ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾ يقول: إذ يقول رسول الله ﷺ لصاحبه أبي بكر: ﴿لا تَحْزَنْ﴾ وذلك أنه خاف من الطلب أن
_________________
(١) ١ـ الإصابة ٢/٣٣٣ وانظر أعلام النبوة للماوردي ص/٢٨٤-٢٨٥، تهذيب الأسماء واللغات ٢/١٨٤. ٢ـ سورة التوبة آية / ٢٠. ٣ـ الإصابة ٢/٣٣٥، تاريخ الخلفاء للسيوطي ص/٤٨، تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي ١٠/١٥٤، شرح كتاب الفقه الأكبر لملا علي القاري ص/١٠١. ٤ـ الدر المنثور للسيوطي ٤/١٩٩، وكتابه تاريخ الخلفاء ص/٥٠.
[ ١ / ٢٢٠ ]
يعلموا بمكانهما فجزع من ذلك فقال له رسول الله ﷺ لا تحزن لأن الله معنا، والله ناصرنا فلن يعلم المشركون بنا ولن يصلوا إلينا"أ. هـ١.
وقال الحافظ ابن كثير: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ أي: عام الهجرة لما هم المشركون بقتله، أو حبسه، أو نفيه فخرج منهم هاربًا صحبة صديقه وصاحبه أبي بكر بن أبي قحافة فلجأ إلى غار ثور ثلاثة أيام ليرجع الطلب الذين خرجوا في آثارهم ثم يسيروا نحو المدينة فجعل أبو بكر ﵁ يجزع أن يطلع عليهم أحد فيخلص إلى الرسول ﵊ منهم أذى فجعل النبي ﷺ يسكنه ويثبته ويقول: "يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما" ٢ ولهذا قال تعالى: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ أي: تأييده ونصره عليه أي: على الرسول ﷺ في أشهر القولين وقيل: على أبي بكر وروي عن ابن عباس وغيره قالوا: لأن الرسول ﷺ لم تزل معه السكينة وهذا لا ينافي تجدد السكينة خاصة بتلك الحال"أ. هـ٣.
وقال أبو بكر بن العربي: بعد قوله ﷺ: "ما ظنك باثنين الله ثالثهما" وهذه مرتبة عظمى وفضيلة شماء لم يكن لبشر أن يخبر عن الله - سبحانه - أنه ثالث اثنين أحدهما أبو بكر، كما أنه قال: مخبرًا عن النبي ﷺ وأبي بكر ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ أ. هـ٤.
فالآية دلت دلالة واضحة على فضل أبي بكر ﵁ حيث جعله الله ثاني النبي ﷺ بقوله: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ وما ذلك إلا لأن الصديق بلغ النهاية في الفضل ﵁ وأرضاه.
_________________
(١) ١ـ جامع البيان ١٠/١٣٦، وانظر تفسير البغوي على حاشية الخازن ٣/٨١. ٢ـ صحيح البخاري ٢/٢٨٨، صحيح مسلم ٤/١٨٥٤. ٣ـ تفسير ابن كثير ٣/٤٠٢، وانظر تفسير البغوي على الخازن ٣/٨١-٨٢. ٤ـ أحكام القرآن لابن العربي ٢/٩٥١.
[ ١ / ٢٢١ ]
٢- وقال تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ ١.
روى ابن جرير بإسناده إلى علي ﵁ في قوله: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ قال: محمد ﷺ ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ قال: أبو بكر رضي الله عنه٢.
وهذه الآية أيضًا تضمنت فضيلة عظيمة ومنقبة عالية لأبي بكر ﵁ وهي أنه صاحب رسول الله ﷺ في تلك السفرة من مكة إلى المدينة وشهد الله له فيها بأنه صاحب نبيه ﵊.
٣- قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ ٣.
ذهب كثير من المفسرين منهم عبد الله بن عباس وابن مسعود وعبد الله ابن عمر ومجاهد والضحاك إلى أن المراد بصالح المؤمنين أبو بكر وعمر رضي الله عنهما٤.
٤- وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ ٥.
أخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ قال: الجنة٦.
وقد ذكر العلامة ابن جرير الطبري أن هذه الآية نزلت في أبي بكر
_________________
(١) ١ـ سورة الزمر آية/ ٣٤. ٢ـ جامع البيان ٢٤/٣، الدر المنثور في التفسير بالمأثور ٧/٢٢٨. ٣ـ سورة التحريم آية/٤. ٤ـ جامع البيان ٢٨/١٦٢-١٦٣، الجامع لأحكام القرآن ١٨/١٩٢، تفسير ابن كثير ٧/٥٦، الدر المنثور في التفسير بالمأثور ٨/٢٢٣-٢٢٤. ٥ـ سورة الليل آية/٥-٧. ٦ـ الدر المنثور ٨/٥٣٥.
[ ١ / ٢٢٢ ]
﵁ فقد روى بإسناده إلى عامر بن عبد الله بن الزبير قال: كان أبو بكر يعتق على الإسلام بمكة فكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن، فقال له ابوه: أي بني أراك تعتق أناسًا ضعفاء، فلو أنك تعتق رجالًا جلدًا يقومون معك، ويمنعونك ويدفعون عنك قال: أي أبت إنما أريد ما عند الله، قال فحدثني بعض أهل بيتي أن هذه الآية نزلت فيه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ ١.
٥- وقال تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ ٢.
هذه الآيات ذكر الكثير من المفسرين أنها نزلت في أبي بكر ﵁ وهذه الآيات فيها إخبار من الله تعالى أنه سيزحزح عن النار التقي النقي الأتقى الموضح بقوله: ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ أي: يصرف ماله في طاعة ربه ليزكي نفسه وماله وما وهبه الله من دين ودنيا ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾ أي: ليس بذله ماله في مكافأة من أسدى إليه معروفًا، فهو يعطي في مقابلة ذلك، وإنما دفعه ذلك ﴿ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى﴾ أي: طمعًا في أن يحصل له رؤيته في الدار الآخرة في روضات الجنات، ثم ختم - تعالى - الآيات بقوله: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ أي: ولسوف يرضى من اتصف بهذه الصفات٣.
قال الحافظ ابن كثير: "وقد ذكر غير واحد من المفسرين أن هذه الآيات نزلت في أبي بكر الصديق ﵁، حتى إن بعضهم حكى الإجماع من المفسرين على ذلك، ولا شك أنه دخل فيها وأولى الأمة بعمومها فإن لفظها لفظ العموم، وهو قوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى
_________________
(١) ١ـ جامع البيان ٣٠/٢٢١، والمستدرك للحاكم ٢/٥٢٥-٥٢٦. ٢ـ سورة الليل آية/١٧-٢١. ٣ـ تفسير ابن كثير ٧/٣١٠.
[ ١ / ٢٢٣ ]
وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾ ولكنه مقدم الأمة وسابقهم في جميع هذه الأوصاف وسائر الأوصاف الحميدة، فإنه كان صديقًا تقيًا كريمًا جوادًا بذالا لأمواله في طاعة موالاه ونصرة رسول الله ﷺ فكم من دراهم ودنانير بذلها ابتغاء وجه ربه الكريم، ولم يكن لأحد من الناس عنده منة يحتاج إلى أن يكافئه بها، ولكن كان فضله وإحسانه على السادات والرؤساء من سائر القبائل، ولهذا قال له عروة بن مسعود: وهو سيد ثقيف يوم صلح الحديبية أما والله لولا يد لك عندي لم أجزك بها لأجبتك وكان الصديق قد أغلظ له في المقالة، فإذا كان هذا حاله مع سادات العرب ورؤساء القبائل فكيف بمن عداهم ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ ١.
تلك هي بعض آيات القرآن الكريم الدالة على أن أبا بكر أفضل الخلق بعد النبي ﵊.
وأما الأحاديث الدالة على أفضيلته ﵁ فكثيرة جدًا ومنها ما يلي:
١- روى الشيخان في صحيحهما من حديث أنس بن مالك أن أبا بكر الصديق حدثه قال: نظرت إلى أقدام المشركين على رؤوسنا ونحن في الغار فقلت: يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى قدميه أبصرنا تحت قدميه فقال: "يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما" ٢.
هذا الحديث تضمن منقبة عظيمة ظاهرة لأبي بكر ﵁ وتلك المنقبة أنه ﵁ كان ثاني اثنين ثالثهما رب العالمين.
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: "وفيه فضيلة لأبي بكر ﵁ وهي من أجل مناقبه والفضيلة من أوجه منها هذا اللفظ ومنها بذله نفسه ومفارقته أهله وماله ورياسته في طاعة الله تعالى ورسوله وملازمة النبي ﷺ ومعاداة الناس فيه
_________________
(١) ١ـ تفسير القرآن العظيم ٧/٣١٠-٣١١. ٢ـ صحيح البخاري ٢/٢٨٨، صحيح مسلم ٤/١٨٥٤ واللفظ له.
[ ١ / ٢٢٤ ]
ومنها جعله نفسه وقاية عنه وغير ذلك"أ. هـ١.
٢- روى البخاري بإسناده إلى أبي سعيد الخدري ﵁ قال: خطب رسول الله ﷺ الناس وقال: "إن الله خير عبدًا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ذلك العبد ما عند الله" قال: فبكى أبو بكر فعجبنا لبكائه أن يخبر رسول الله عن عبد خير فكان رسول الله ﷺ هو المخيّر وكان أبو بكر أعلمنا فقال رسول الله ﷺ: "إن من أمن الناس عليّ في صحبته وماله أبو بكر ولو كنت متخذًا خليلًا٢ غير ربي لاتخذت أبا بكر ولكن أخوة الإسلام ومودته لا يبقين في المسجد باب إلا سد إلا باب أبي بكر" ٣.
وعند مسلم: "لا تبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر" ٤.
وهذا الحديث فيه فضيلة لأبي بكر حيث كان أعلم الصحابة ﵃ برسول الله ﷺ وبما يقول ﵊ فقد فهم أبو بكر ﵁ المراد بالعبد المخير وأنه الرسول ﷺ فبكى حزنًا على فراقه وانقطاع الوحي وغير ذلك من الخير المستمر الذي حصل ببعثته ﵊ للناس كافة على وجه الأرض.
قال الإمام النووي: قوله ﷺ: "إن أمنّ الناس علي في ماله وصحبته أبو بكر" قال العلماء: معناه أكثرهم جودًا وسماحة لنا بنفسه وماله وليس هو المن الذي هو الاعتداد بالصنيعة لأنه أذى مبطل للثواب ولأن المنة لله ولرسوله
_________________
(١) ١ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٥/١٥٠. ٢ـ قال في النهاية: "الخلة بالضم: الصداقة والمحبة التي تخللت القلب فصارت خلاله أي في باطنه والخليل: الصديق فعيل بمعنى مفاعل، وقد يكون بمعنى مفعول، وإنما قال ذلك لأن خلته كانت مقصورة على حب الله - تعالى - فليس فيها لغيره متسع ولا شركة من محاب الدنيا والآخرة وهذه حال شريفة لا ينالها أحد بكسب واجتهاد في الطباع غالبة، وإنما يخص الله بها من يشاء من عباده مثل سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه" أهـ ٢/٧٢. ٣ـ صحيح البخاري ٢/٢٨٨-٢٨٩، صحيح مسلم ٤/١٨٥٤. ٤ـ صحيح مسلم ٤/١٨٥٥.
[ ١ / ٢٢٥ ]
ﷺ في قبول ذلك وفي غيره"أ. هـ١.
وقال القرطبي: "هو من الامتنان، والمراد أن أبا بكر له من الحقوق ما لو كان لغيره نظيرها لامتن بها يؤيده قوله في رواية ابن عباس: "ليس أحد أمن عليّ" والله أعلم٢.
ومعنى قوله ﷺ: "لا تبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر" الخوخة: - بفتح الخاء - وهي الباب الصغير بين البيتين أو الدارين ونحوه. وفي هذا فضيلة وخصيصة ظاهرة لأبي بكر ﵁"٣.
٣- روى البخاري بإسناده إلى عبد الله بن عباس ﵄: عن النبي ﷺ قال: "لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر ولكن أخي وصاحبي" وفي رواية قال: "لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذته خليلًا ولكن أخوة الإسلام أفضل" ٤.
وعند مسلم من حديث ابن مسعود: "لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا ولكنه أخي وصاحبي، وقد اتخذ الله ﷿ صاحبكم خليلًا" ٥.
ففي هذا الحديث على اختلاف ألفاظه فضيلة ظاهرة لأبي بكر الصديق ﵁ فقد بين ﵊ أنه لو صلح له أن يتخذ أحدًا من الناس خليلًا لاتخذ أبا بكر دون سواه، وأنه ﵁ كان متأهلا لأن يتخذه النبي ﷺ خليلًا لولا المانع المذكور في الحديث. فهذه منقبة عظيمة للصديق ﵁ لم يشاركه فيها أحد.
_________________
(١) ١ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٥/١٥٠ وانظر فتح الباري ١/٥٥٩. ٢ـ ذكره عنه الحافظ في"الفتح" ١/٥٥٩. ٣ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٥/١٥١-١٥٢، فتح الباري ٧/١٤. ٤ـ صحيح البخاري ٢/٢٨٩. ٥ـ صحيح مسلم ٤/١٨٥٥.
[ ١ / ٢٢٦ ]
قال الحافظ عند قوله ﷺ في الحديث الذي قبل هذا: "ولكن أخوة الإسلام ومودته" أي: حاصلة ووقع في حديث ابن عباس ولكن أخوة الإسلام أفضل - وكذا أخرجه الطبراني من طريق عبيد الله بن تمام عن خالد الحذاء بلفظ "ولكن خلة الإسلام أفضل" وفيه إشكال فإن الخلة أفضل من أخوة الإسلام لأنها تستلزم ذلك وزيادة، فقيل المراد أن مودة الإسلام مع النبي ﷺ أفضل من مودته مع غيره، وقيل: أفضل بمعنى فاضل، ولا يعكر على ذلك اشتراك جميع الصحابة في هذه الفضيلة لأن رجحان أبي بكر عرف من غير ذلك وأخوة الإسلام ومودته متفاوتة بين المسلمين في نصر الدين وإعلاء كلمة الحق وتحصيل كثرة الثواب ولأبي بكر من ذلك أعظمه وأكثره والله أعلم"أ. هـ١.
٤- وروى الشيخان من حديث عمرو بن العاص ﵁ أن النبي ﷺ بعثه على جيش ذات السلاسل فأتيته فقلت: أي: الناس أحب إليك؟ قال: "عائشة" فقلت من الرجال؟ قال: "أبوها" قلت ثم من؟ قال: " ثم عمر بن الخطاب" فعد رجالًا٢.
هذا الحديث فيه تصريح بعظيم فضائل أبي بكر وعمر وعائشة ﵃ وفيه دلالة بينة لأهل السنة في تفضيل أبي بكر، ثم عمر على جميع الصحابة ﵃ أجمعين"٣.
فكون أبي بكر أحب الناس إلى النبي ﷺ يدل على أنه له فضلًا كثيرًا وأنه أفضل الناس بعد النبي ﷺ.
٥- ورويا أيضًا: من حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بينا راع في غنمه عدا عليه الذئب فأخذ منها شاة
_________________
(١) ١ـ فتح الباري ٧/١٣. ٢ـ صحيح البخاري ٢/٢٩٠، صحيح مسلم ٤/١٨٥٧- ١٨٥٨. ٣ـ انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ١٥/١٥٣-١٥٤.
[ ١ / ٢٢٧ ]
فطلبه الراعي فالتفت إليه الذئب فقال من لها يوم السبع يوم ليس لها راع غيري وبينا رجل يسوق بقرة قد حمل عليها فالتفتت إليه فكلمته فقالت إني لم أخلق لهذا ولكني خلقت للحرث" قال الناس - سبحان الله - فقال النبي ﷺ: "فأني أومن بذلك وأبو بكر وعمر بن الخطاب ﵄" ١.
وهذا الحديث فيه فضيلة ظاهرة لأبي بكر وعمر حيث أخبر ﵊ أنهما يؤمنان بذلك ولم يكونا في القوم عند حكاية النبي ﷺ ذلك.
قال الإمام النووي: عند قوله ﷺ: "فإني أومن به وأبو بكر وعمر" قال العلماء: "إنما قال ذلك: ثقة بهما لعلمه بصدق إيمانهما وقوة يقينهما وكمال معرفتهما لعظيم سلطان الله وكمال قدرته ففيه فضيلة ظاهرة لأبي بكر وعمر ﵄"أ. هـ٢.
وقال الحافظ: "ويحتمل أن يكون ﷺ قال ذلك لما اطلع عليه من غلبة صدق إيمانهما وقوة يقينهما، وهذا أليق بدخوله في مناقبهما"أ. هـ٣.
٦- روى الإمام البخاري من حديث عائشة ﵄ وهو حديث السقيفة الطويل وفيه أن أبا بكر قال للأنصار: "ولكنا الأمراء وأنتم الوزراء هم أوسط العرب دارًا، وأعربهم أحسانًا، فبايعوا عمر بن الخطاب أو أبا عبيدة بن الجراح فقال عمر بل نبايعك أنت فأنت سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله ﷺ فأخذ عمر بيده فبايعه وبايعه الناس الحديث"٤.
فعمر ﵁ بين بأن الصديق أفضل الناس وخيرهم بعد رسول الله ﷺ ولذلك قدموه في الخلافة لأنه الأحق والأفضل.
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٢/٢٩٠، صحيح مسلم ٤/١٤٥٨. ٢ـ شرح النووي ١٥/١٥٦. ٣ـ فتح الباري ٧/٢٧. ٤ـ صحيح البخاري ٢/٢٩١.
[ ١ / ٢٢٨ ]
٧- وروى أيضًا: بإسناده إلى محمد بن الحنيفية قال: قلت: لأبي: أي الناس خير بعد رسول الله ﷺ قال: أبو بكر قلت: ثم من؟ قال: عمر وخشيت أن يقول عثمان قلت: ثم أنت قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين.١
قال الحافظ: "قوله وخشيت أن يقول عثمان قلت: ثم أنت قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين" في رواية محمد بن سوقة "ثم عجلت للحداثة فقلت: ثم أنتم يا أبت فقال: أبوك رجل من المسلمين" زاد في رواية الحسن بن محمد "لي ما لهم وعليّ ما عليهم" وهذا قاله عليّ تواضعًا مع معرفته حين المسألة المذكورة أنه خير الناس يومئذ لأن ذلك كان بعد قتل عثمان: وأما خشية محمد بن الحنفية أن يقول عثمان فلأن محمدًا كان يعتقد أن أباه أفضل فخشي أن عليًا يقول عثمان على سبيل التواضع منه والهضم لنفسه فيضطرب حال اعتقاده ولا سيما وهو في سنن الحداثة كما أشار إليه في الرواية المذكورة"٢.
٨- وروى البزار - كما في مجمع الزوائد - عن شقيق قال: قيل لعلي ألا تستخلف قال ما استخلف رسول الله ﷺ فأستخلف عليكم وإن يرد الله ﵎ بالناس خيرًا فسيجمعهم على خيرهم كما جمعهم بعد نبيهم على خيرهم"٣.
٩- وروى الإمام أحمد بإسناده إلى عليّ ﵁ أنه قال لأبي جحيفة: يا أبا جحيفة ألا أخبرك بأفضل هذه الأمة بعد نبيها قال: قلت: بلى ولم أكن أرى أن أحدًا أفضل منه قال: أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وبعد أبي بكر عمر وبعدهما آخر ثالث ولم يسمه٤.
فقد صرح الإمام عليّ ﵁ بأن الصديق خير الناس وأفضلهم بعد الرسول ﷺ.
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٢/٢٩١. ٢ـ فتح الباري ٧/٣٣. ٣ـ مجمع الزوائد ٩/٤٧ ثم قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح غير إسماعيل بن الحارث وهو ثقة. ٤ـ مسند الإمام أحمد ١/١٠٦.
[ ١ / ٢٢٩ ]
١٠- وروى البخاري بإسناده إلى عمار بن ياسر قال: "رأيت رسول الله ﷺ وما معه إلا خمسة أعبد وامرأتان وأبو بكر"١.
وهذا الحديث تضمن منقبة عظيمة وفضيلة خاصة لأبي بكر الصديق ﵁ حيث لم يسبقه أحد من الرجال الأحرار للدخول في الإسلام فدل هذا على أنه أفضل الخلق بعد النبي ﷺ.
١١- وروى أيضًا بإسناده إلى ابن عمر ﵄ قال: "كنا نخير بين الناس في زمن النبي ﷺ فنخير أبا بكر، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان ﵃"٢.
هذا الحديث دل على أن أفضلية أبي بكر كانت ثابتة في أيامه ﵊ وأنه أفضل الناس بعد النبي ﷺ.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: "قوله: "كنا نخير بين الناس في زمان رسول الله ﷺ أي: نقول: فلان خير من فلان" وفي رواية عبيد الله بن عمر في مناقب عثمان "كنا لا نعدل بأبي بكر أحدًا، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نترك أصحاب رسول الله ﷺ فلا نفاضل بينهم"٣ وقوله: "لا نعدل بأبي بكر" أي: لا نجعل له مثلًا ولأبي داود من طريق سالم عن ابن عمر: "كنا نقول ورسول الله ﷺ حي: أفضل أمة النبي ﷺ بعده أبو بكر ثم عمر ثم عثمان"٤ زاد الطبراني في رواية "فيسمع رسول الله ﷺ ذلك فلا ينكره" وفي الحديث تقديم عثمان بعد أبي بكر وعمر كما هو المشهور عند جمهور أهل النسة"٥.
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٢/٢٨٩. ٢ـ صحيح البخاري ٢/٢٨٩. ٣ـ المصدر نفسه ٢/٢٩٧. ٤ـ سنن أبي داود ٢/٥١١. ٥ـ فتح الباري ٧/١٦.
[ ١ / ٢٣٠ ]
وقال أبو سليمان الخطابي بعد حديث ابن عمر: "كنا في زمن النبي ﷺ لا نعدل بأبي بكر أحدًا، ثم عمر، ثم عثمان ﵃، ثم نترك أصحاب رسول الله ﷺ لا نفاضل بينهم" وجه ذلك والله أعلم أنه أراد به الشيوخ الذين كان رسول الله ﷺ إذا حزبه أمر شاورهم فيه، وكان عليّ رضوان الله عليه في زمان رسول الله حديث السن ولم يرد ابن عمر الإزراء بعلي ﵁ ولا تأخيره ودفعه على الفضيلة بعد عثمان وفضله مشهور لا ينكره ابن عمر ولا غيره من الصحابة"أ. هـ١.
فقول ابن عمر: "ثم نترك أصحاب رسول الله ﷺ فلا نفاضل بينهم" لا يلزم منه أنهم تركوا التفاضل حينذاك ولا يلزم منه أن لا يكونوا اعتقدوا بعد ذلك تفضيل علي على من سواه"٢.
فالحديث دل على أن أبا بكر أفضل الخلق بعد الرسول ﷺ كما هو مذهب أهل السنة والجماعة:
١٢- وروى أيضًا: بإسناده إلى أبي الدرداء ﵁ قال: كنت جالسًا عند النبي ﷺ إذ أقبل أبو بكر آخذًا بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبتيه فقال النبي ﷺ: "أما صاحبكم فقد غامر فسلم" وقال: يا رسول الله إنه كان بيني وبين ابن الخطاب شيء فأسرعت إليه ثم ندمت فسألته أن يغفر لي فأبى علي فأقبلت إليك فقال: "يغفر الله لك يا أبا بكر ثلاثًا" ثم إن عمر ندم فأتى منزل أبي بكر فسأل: أثم أبو بكر فقالوا: لا، فأتى إلى النبي ﷺ فسلم عليه فجعل وجه النبي ﷺ يتمعر٣ حتى أشفق أبو بكر فجثا على ركبتيه فقال: يا رسول الله والله أنا كنت أظلم مرتين فقال النبي ﷺ: "إن الله بعثني إليكم فقلتم: كذبت وقال أبو بكر: صدق وواساني بنفسه وماله فهل أنتم تاركوا لي صاحبي" مرتين فما أوذي بعدها٤. هذا
_________________
(١) ١ـ معالم السنن ٤/٣٠٢. ٢ـ انظر: فتح الباري ٧/١٧. ٣ـ قال في النهاية ٤/٣٤٢: "فتمعر وجهه" أي: تغير وأصله قلة النضارة وعدم إشراق اللون"أهـ. ٤ـ صحيح البخاري ٢/٢٨٩-٢٩٠.
[ ١ / ٢٣١ ]
الحديث فيه بيان فضل أبي بكر، فقد غضب النبي ﷺ على الفاروق ﵁ حين حصل بينه وبين الصديق شيء فشعر الصديق أنه المخطئ على عمر فطلب من الصديق أن يعفو عنه ويغفر له فأبى عليه فذهب إلى النبي ﷺ وذكر له ما حصل فاستغفر له النبي ﷺ، ثم إن الفاروق ندم على عدم مغفرته للصديق فأخذ في البحث عنه فلم يجده في منزله فذهب إلى النبي ﷺ فوجده عنده فما أن وصل إلى النبي ﷺ إلا وقد رأى تغير وجه النبي ﷺ غضبًا حتى أشفق الصديق من ذلك لئلا يصيب الفاروق من ذلك شيء وأخبر النبي ﷺ أنه هو الذي بدأ فأخذ النبي ﷺ في بيان فضله ومناقبه ومنزلته عنده فقال لهم: "إن الله بعثني إليكم فقلتم: كذبت وقال أبو بكر: صدق وواساني بنفسه وماله فهل أنتم تاركو لي صاحبي" مرتين فما أوذي بعدها لما أظهره النبي ﷺ لهم من تعظيمه لأبي بكر ﵁.
قال الحافظ: "وفي الحديث من الفوائد فضل أبي بكر على جميع الصحابة وأن الفاضل لا ينبغي له أن يغاضب من هو أفضل منه وفيه جواز مدح المرء في وجهه ومحله إذا أمن عليه الافتتان والاغترار"أ. هـ١.
١٣- وروى الإمام مسلم بإسناده إلى أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "من أصبح منكم اليوم صائمًا؟ " قال أبو بكر: أنا، قال: "فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ " قال أبو بكر: أنا، قال: "فمن أطعم منكم اليوم مسكينًا؟ " قال أبو بكر: أنا، قال:" فمن عاد منكم اليوم مريضًا؟ " قال أبو بكر: أنا، فقال رسول الله ﷺ: "ما اجتمعن في امرء إلا دخل الجنة" ٢.
هذا الحديث اشتمل على فضائل ظاهرة للصديق ﵁، فإنه كان سباقًا إلى فعل الخيرات التي تقرب العبد من الجنة وتزحزحه من النار. قال النووي: قوله ﷺ: "من أصبح منكم اليوم صائمًا" قال أبو بكر أنا إلى قوله ﷺ
_________________
(١) ١ـ فتح الباري ٧/٢٦. ٢ـ صحيح مسلم ٤/١٨٥٧.
[ ١ / ٢٣٢ ]
"ما اجتمعن في امريء إلا دخل الجنة" قال القاضي معناه: "دخل الجنة بلا محاسبة ولا مجازاة على قبيح الأعمال وإلا فمجرد الإيمان يقتضي دخول الجنة بفضل الله تعالى"١.
١٤- وروى البخاري بإسناده إلى عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: "من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة" فقال أبو بكر: إن أحد شقي ثوبي يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه، فقال رسول الله ﷺ: "إنك لست تصنع ذلك خيلاء " قال موسى: فقلت لسالم: أذكر عبد الله "من جر إزاره" قال: "لم أسمعه إلا ثوبه"٢ هذا الحديث تضمن فضيلة لأبي بكر وهو قوله له ﷺ: "إنك لست تصنع ذلك خيلاء" حيث شهد له المصطفى ﷺ بما ينافي ما يكره ﵁ وأرضاه.
١٥- وروى أيضًا: بإسناده إلى أنس بن مالك ﵁ حدثهم أن النبي ﷺ صعد أحدًا وأبو بكر وعمر وعثمان فرجف بهم فقال: "اثبت أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان" ٣ دل هذا الحديث على منقبة عظيمة لأبي بكر ﵁ وهي "وصديق" فقد لقبه النبي ﷺ بهذا اللقب الشريف ومنزلة الصديقين بينها الله تعالى بقوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ ٤.
فقد بين تعالى أن الصديقين في المرتبة الثانية بعد الأنبياء وفي مقدمتهم الصديق الأعظم أبو بكر ﵁.
١٦- وروى أيضًا: بإسناده إلى ابن عباس ﵄ قال: إني لواقف في قوم فدعوا الله لعمر بن الخطاب وقد وضع على سريره إذا رجل من
_________________
(١) ١ـ شرح النووي ١٥/١٥٦. ٢ـ صحيح البخاري ٢/٢٩٠. ٣ـ صحيح البخاري ٢/٢٩٣. ٤ـ سورة النساء آية/٦٩.
[ ١ / ٢٣٣ ]
خلفي قد وضع مرفقه على منكبي يقول: رحمك الله إن كنت لأرجو أن يجعلك الله مع صاحبيك لأني كثيرًا ما كنت أسمع رسول الله ﷺ يقول: " كنت وأبو بكر وعمر، وفعلت وأبو بكر وعمر وانطلقت وأبو بكر وعمر" فإن كنت لأرجو أن يجعلك الله معهما فالتفت فإذا هو علي بن أبي طالب١.
فهذا الحديث تضمن فضيلة الشيخين معًا والغرض منه دلالته على منقبة لأبي بكر الصديق وهي فضيلة على عمر وغيره لأنه كان المقدم عند النبي ﷺ في كل شيء حتى في ذكره عنده ﵊.
١٧- وروى البخاري أيضًا: بإسناده إلى أبي موسى الأشعري ﵁ أنه توضأ في بيته، ثم خرج فقلت: لألزمن رسول الله ﷺ ولأكونن معه يومي هذا قال: فجاء المسجد فسأل عن النبي ﷺ فقالوا: خرج ووجه ههنا فخرجت على إثره أسأل عنه حتى دخل بئر أريس فجلست عند الباب وبابها من جريد حتى قضى رسول الله ﷺ حاجته فتوضأ فقمت إليه فإذا هو جالس على بئر أريس وتوسط قفها٢ وكشف عن ساقيه ودلاهما في البئر فسلمت عليه، ثم انصرفت فجلست عند الباب فقلت: لأكونن بواب رسول الله ﷺ اليوم فجاء أبو بكر فدفع الباب فقلت: من هذا؟ فقال: أبو بكر فقلت: على رسلك، ثم ذهبت فقلت: يا رسول الله هذا أبو بكر يستأذن فقال: "ائذن له وبشره بالجنة" فأقبلت حتى قلت: لأبي بكر ادخل ورسول الله ﷺ يبشرك بالجنة فدخل أبو بكر فجلس عن يمين رسول الله ﷺ معه في القف ودلى رجليه في البئر كما صنع النبي ﷺ وكشف عن ساقيه، ثم رجعت فجلست وقد تركت أخي يتوضأ ويلحقني فقلت: إن يرد الله بفلان خيرًا يريد أخاه يأت به فإذا إنسان يحرك الباب فقلت: من هذا؟ فقال: عمر بن الخطاب فقلت: على رسلك ثم جئت إلى رسول الله فسلمت
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٢/٢٩٣. ٢ـ القف: قال في النهاية ٤/٩١: "قف البئر: هو الدكة التي تجعل حولها وأصل القف ما غلظ من الأرض وارتفع".
[ ١ / ٢٣٤ ]
عليه فقلت: هذا عمر بن الخطاب يستأذن فقال: "ائذن له وبشره بالجنة" فجئت فقلت له: ادخل وبشرك رسول الله ﷺ بالجنة فدخل فجلس مع رسول الله ﷺ في القف عن يساره ودلى رجليه في البئر، ثم رجعت فجلست فقلت: إن يرد الله بفلان خيرًا يأت به فجاء إنسان يحرك الباب فقلت: من هذا؟ فقال: عثمان بن عفان فقلت: على رسلك فجئت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته فقال: "ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه" فجئته فقلت له: ادخل وبشرك رسول الله ﷺ بالجنة على بلوى تصيبك فدخل فوجد القف قد ملئ فجلس وجاهه من الشق الآخر قال شريك: قال سعيد بن المسيب فأولتها قبورهم"١.
هذا الحديث فيه التصريح بفضل الثلاثة أبي بكر وعمر وعثمان ودل على أن أبا بكر أفضلهم لسبقه بالبشارة بالجنة ولجلوسه على يمين المصطفى ﵊.
١٨- وروى البخاري أيضًا في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أنفق زوجين من شيء من الأشياء في سبيل الله دعي من أبواب - يعني الجنة - يا عبد الله هذا خير فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الصيام وباب الريان " فقال أبو بكر: ما على هذا الذي يدعى من تلك الأبواب من ضرورة وقال: هل يدعى منها كلها أحد يا رسول الله قال: "نعم وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر" ٢.
هذا الحديث دل على فضيلة ومنقبة عالية للصديق ﵁ تضمنها قوله ﷺ: "وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر" ورجاء النبي ﷺ واقع محقق
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٢/٢٩٢. ٢ـ المصدر نفسه ٢/٢٩٠.
[ ١ / ٢٣٥ ]
وفي هذا دلالة واضحة على فضل أبي بكر بعد النبي ﷺ.
قال العلامة ابن القيم موضحًا منقبة الصديق في هذا الحديث: "لما سمت همة الصديق إلى تكميل مراتب الإيمان وطمعت نفسه أن يدعى من تلك الأبواب كلها سأل رسول الله ﷺ هل يحصل ذلك لأحد من الناس ليسعى في العمل الذي ينال به ذلك فخبره بحصوله وبشره بأنه من أهله وكأنه قال: هل تكمل لأحد هذه المراتب فيدعى يوم القيامة من أبوابها كلها؟ فلله ما أعلى هذه الهمة وأكبر هذه النفس"أ. هـ١.
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى قوله: "فقال أبو بكر: ما على هذا الذي يدعى من تلك الأبواب من ضرورة" زاد في الصيام "فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها" وفي الحديث إشعار بقلة من يدعى من تلك الأبواب كلها وفيه إشارة إلى أن المراد ما يتطوع به من الأعمال المذكورة لا واجباتها لكثرة من يجتمع له العمل بالواجبات كلها بخلاف التطوعات فقل من يجتمع له العمل بجميع أنواع التطوعات، ثم من يجتمع له ذلك إنما يدعى من جميع الأبواب على سبيل التكريم له، وإلا فدخوله إنما يكون من باب واحد ولعله باب العمل الذي يكون أغلب عليه قوله: "وأرجو أن تكون منهم" قال العلماء: الرجاء من الله ومن نبيه واقع وبهذا التقرير يدخل الحديث في فضائل أبي بكر ووقع في حديث ابن عباس عند ابن حبان في نحو هذا الحديث التصريح بالوقوع لأبي بكر ولفظه "قال: أجل وأنت هو يا أبا بكر"أ. هـ٢.
١٩- ومن مناقبه ﵁ ما تميز به فوق ما حازه من الفضائل الكثيرة قيامه بالدعوة إلى الله تعالى في بداية الإسلام في وقت لم يجرؤ فيه أحد سواه على الدعوة وقد أسلم على يديه كثير من الصحابة ﵃ وكان لهم قدم صدق في الإسلام ومن هؤلاء عثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله،
_________________
(١) ١ـ حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح ص/٧٥-٧٦. ٢ـ فتح الباري ٧/٢٨-٢٩.
[ ١ / ٢٣٦ ]
والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف وعثمان بن مظعون وغيرهم كثير ﵃ أجمعين١.
وبعد أن تولى الخلافة بعد النبي ﷺ سعى جاهدًا في إرساء العقيدة الإسلامية في نفوس الناس وعقد الألوية لمحاربة المرتدين وإرجاعهم إلى دين الإسلام حيث ارتد كثير من الناس عن هذا الدين الحنيف، وبعضهم أراد أن يمنع الزكاة، والبعض الآخر ادعى النبوة فعمت فتنة الردة كثيرًا من البلاد٢.
روى البيهقي ﵀ بإسناده إلى أبي هريرة ﵁ أنه قال: والذي لا إله إلا هو لولا أن أبا بكر استخلف ما عبد الله ثم قال الثانية ثم قال الثالثة ثم قيل له: مه يا أبا هريرة فقال: إن رسول الله ﷺ وجه أسامة بن زيد في سبع مائة إلى الشام فلما نزل بذي خشب٣ قبض النبي صل قبض النبي ﷺ وارتدت العرب حول المدينة واجتمع إليه أصحاب رسول الله ﷺ فقالوا: يا أبا بكر رد هؤلاء توجه هؤلاء إلى الروم وقد ارتدت العرب حول المدينة فقال: والذي لا إله إلا هو لو جرت الكلاب بأرجل أزواج رسول الله ﷺ ما رددت جيشًا وجهه رسول الله ﷺ ولا حللت لواء عقده رسول الله ﷺ فوجه أسامة فجعل لا يمر بقبيل يريدون الارتداد إلا قالوا: لولا أن لهؤلاء قوة ما خرج مثل هؤلاء من عندهم ولكن ندعهم حتى يلقوا الروم فلقوا الروم فهزموهم وقتلوهم ورجعوا سالمين فثبتوا على الإسلام٤.
فقد وفق الله الصديق أن وقف موقفًا عظيمًا يذكر به في الآخرين أمام تلك الردة التي عمت معظم البلاد وأصر إلا على قتالهم حتى يرجعوا إلى الإسلام وكان منفردًا بهذا الرأي حتى شرح الله صدر الفاروق لذلك وعرف أنه الحق فبارك الله خطاه حتى رفع راية التوحيد في كل البلاد التي مرض أهلها بالردة،
_________________
(١) ١ـ انظر السيرة النبوية لابن هشام ١/٢٥٩. ٢ـ انظر تاريخ الأمم والملوك ٣/٢٤٩ وما بعدها وانظر: الكامل لابن الأثير ٢/٣٤٢، البداية والنهاية ٦/٣٥٠. ٣ـ ذي خشب: واد على مسيرة ليلة من المدينة "معجم البلدان" ٢/٣٧٢. ٤ـ الاعتقاد للبيهقي ص/١٧٤-١٧٥.
[ ١ / ٢٣٧ ]
ثم شرع بعد ذلك في نشر الإسلام في البلدان التي لم يصلها نور الإسلام وسعادته حتى لقي ربه ﵎.
٢٠- ومما تميز به عن غيره من صحابة رسول الله ﷺ أن المصطفى ﵊ انتقل إلى الرفيق الأعلى وهو بالسنح١ فأصاب الناس الذهول والحيرة والاضطراب أما الصديق فقد رزقه الله قوة النفس والثبات فكان أصبر الصحابة وأثبتهم عند وفاة النبي ﷺ حيث جاء: "فكشف عن رسول الله ﷺ فقبله فقال: بأبي أنت وأمي طبت حيًا وميتًا، والذي نفسي بيده لا يذيقك الله الموتتين أبدًا، ثم خرج إلى الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال: ألا من كان يعبد محمدًا ﷺ فإن محمدًا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت وقال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ ٢ وقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ ٣ قال فنشج الناس يبكون " الحديث٤.
وما إن سمع الصحابة ﵃ هذه الخطبة من صديق هذه الأمة إلا ورجعوا إلى الرشد والصواب وانكشف ما بهم من الحيرة والذهول ولذلك كان أفضلهم على الإطلاق.
تلك هي طائفة من الأحاديث التي اشتملت على المناقب التي دلت على أن الصديق حاز الأفضلية على سائر الناس بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
وأما دلالة الإجماع على أفضلية الصديق ﵁:
_________________
(١) ١ـ السنح: إحدى محال المدينة كان بها منزل أبي بكر الصديق ﵁ وكان بين السنح ومنزل النبي ﷺ قدر ميل "انظر: معجم البلدان لياقوت الحموي" ٣/٢٦٥. ٢ـ سورة الزمر آية/٣٠. ٣ـ سورة آل عمران آية/١٤٤. ٤ـ صحيح البخاري ٢/٢٩١.
[ ١ / ٢٣٨ ]
فقد أجمع الصحابة ﵃ ومن جاء بعدهم من أهل السنة والجماعة على أن أفضل الصحابة والناس بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أبو بكر، ثم عمر ثم عثمان ثم عليّ ثم سائر العشرة ثم باقي أهل بدر، ثم باقي أهل أحد، ثم باقي أهل بيعة الرضوان ثم باقي الصحابة هكذا إجماع أهل الحق، فأبو بكر أفضل هذه الأمة بعد نبيها ﷺ لا ينازع في ذلك إلا زائغ١ وقد نقل الإجماع على أن أفضل الناس بعد الأنبياء هو أبو بكر الصديق جماعة من أهل العلم منهم:
- أبو طالب العشاري٢ والإمام الشافعي والنووي وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن حجر والبيهقي:
فقد روى أبو طالب العشاري بإسناده إلى عمار بن ياسر ﵁ أنه قال: من فضل على أبي بكر وعمر أحدًا من أصحاب النبي ﷺ فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار وطعن على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم٣.
- وقال الإمام الشافعي فيما رواه عنه البيهقي بإسناده: "ما اختلف أحد من الصحابة والتابعين في تفضيل أبي بكر وعمر وتقديمهما على جميع الصحابة وإنما اختلف من اختلف منهم في عليّ وعثمان ونحن لا نخطئ واحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ فيما فعلوا"٤.
- وقال الحافظ ابن حجر: "ونقل البيهقي في "الاعتقاد" بسنده إلى
_________________
(١) ١ـ انظر لوامع الأنوار البهية للسفاريني ٢/٣١٢، أصول الدين لأبي منصور البغدادي ص/٣٠٤، الفرق بين الفرق ص/٣٥٩، تاريخ الخلفاء ص/٤٤. ٢ـ هو محمد بن علي بن الفتح المعروف بابن العشاري روى عن الدارقطني وطبقته وهو فقيه حنبلي، ولد سنة ستين وثلاثمائة، وتوفي سنة إحدى وخمسين وأربعمائة " انظر ترجمته في طبقات الحنابلة" ٢/١٩١-١٩٤، شذرات الذهب ٣/٢٨٩. ٣ـ فضائل أبي بكر للعشاري ص/٨. ٤ـ كتاب الاعتقاد ص/١٩٢.
[ ١ / ٢٣٩ ]
أبي ثور عن الشافعي أنه قال: أجمع الصحابة وأتباعهم على أفضلية أبي بكر، ثم عمر ثم عثمان، ثم عليّ"١.
- وقال النووي رحمه الله تعالى: "اتفق أهل السنة على أن أفضلهم أبو بكر ثم عمر"٢.
- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وقد اتفق أهل السنة والجماعة على ما تواتر عن علي بن أبي طالب أنه قال: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر"٣.
- وقال ابن حجر الهيثمي: "واعلم أن الذي أطبق عليه عظماء الملة وعلماء الأمة أن أفضل هذه الأمة أبو بكر الصديق ثم عمر ﵄"٤.
- وهؤلاء الأعلام الذين نقلوا هذا الإجماع إنما هو بناء على ما قاله أئمة أهل السنة والجماعة فقد قال الإمام أبو حنيفة كما في شرح "الفقه الأكبر": ونقر بأن أفضل هذه الأمة بعد نبيها محمد عليه أفضل الصلاة والسلام أبو بكر ثم عمر ثم عثمان، ثم عليّ ﵃ أجمعين"أ. هـ٥.
- وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عن الإمام مالك بن أنس أنه قال: لما سأله الرشيد عن منزلة الشيخين من النبي ﷺ فقال: "منزلتهما منه في حياته كمنزلتهما منه بعد مماته - ثم قال - وكثرة الاختصاص والصحبة مع كمال المودة والائتلاف والمحبة والمشاركة في العلم يقضي بأنهما أحق من غيرهما وهذا ظاهر بين لمن له خبرة بأحوال القوم"٦ ومعلوم أن أبا بكر كانت منزلته
_________________
(١) ١ـ فتح الباري ٧/١٧ وانظر الاعتقاد للبيهقي ص/١٩٢. ٢ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٥/١٤٨. ٣ـ الوصية الكبرى ص/٣٢. ٤ـ الصواعق المحرقة في الرد على أهل البدع والزندقة ص/٥٧. ٥ـ ص/١٠٨. ٦ـ مجموع الفتاوى ٤/٤٠٣.
[ ١ / ٢٤٠ ]
عند النبي ﷺ أعلا منزلة وكان أفضل الصحابة وكان الصحابة يعتقدون أنه خير الناس والنبي يعلم ذلك ويقرهم عليه كما تقدم قريبًا في حديث ابن عمر.
- وروى الإمام البيهقي مسندًا إلى محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال: سمعت محمد بن إدريس الشافعي يقول: "أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي ﵃".
وقال أيضًا رحمه الله تعالى: "اضطر الناس بعد رسول الله ﷺ إلى أبي بكر فلم يجدوا تحت أديم السماء خيرًا من أبي بكر من أجل ذلك استعملوه على رقاب الناس"١.
وقال الإمام أحمد رحمة الله عليه: "وخير الأمة بعد النبي ﷺ أبو بكر، وعمر بعد أبي بكر، وعثمان بعد عمر، وعلي بعد عثمان ووقف قوم على عثمان وهم خلفاء راشدون مهديون"٢.
- وقال عبدوس بن مالك العطار: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: "خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر الصديق"٣.
- وقال أبو الحسن الأشعري مبينًا مذهب أهل السنة وعقيدتهم في السلف: "ويعرفون حق السلف الذين اختارهم الله - سبحانه - لصحبة نبيه ﷺ ويأخذون بفضائلهم ويقدمون أبا بكر ثم عمر، ثم عثمان، ثم عليًا رضوان الله عليهم ويقرون أنهم الخلفاء الراشدون المهديون أفضل الناس كلهم بعد النبي صلى الله عليه وسلم٤.
وقال ابن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى: "وأفضل أمته ﷺ: أبو بكر
_________________
(١) ١ـ هذان القولان أوردهما عن الشافعي الإمام البيهقي في كتاب "مناقب الشافعي" ١/٤٣٣-٤٣٤. ٢ـ طبقات الحنابلة ١/٣٠. ٣ـ مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ١/١٦٠. ٤ـ مقالات الإسلاميين ١/٣٤٨.
[ ١ / ٢٤١ ]
الصديق ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم علي المرتضى ﵃"١.
- وقال الإمام الذهبي: "أفضل الأمة وخليفة رسول الله ﷺ ومؤنسه في الغار وصديقه الأكبر عبد الله بن أبي قحافة عثمان القرشي التيمي"أ. هـ٢.
- وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: "وأفضل الصحابة بل أفضل الخلق بعد الأنبياء ﵈ أبو بكر عبد الله بن عثمان أبو قحافة التيمي، ثم من بعده عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان، ثم علي بن أبي طالب ﵃ أجمعين"أ. هـ٣.
تلك هي عقيدة أهل السنة والجماعة في أبي بكر الصديق "وهي الإيمان والمعرفة بأن خير الخلق وأفضلهم وأعظمهم منزلة عند الله ﷿ بعد النبيين والمرسلين أبو بكر الصديق عبد الله بن عثمان بن أبي قحافة ﵁"٤.
وهذا هو المذهب الحق الذي يلزم كل مسلم أن يعتقده ويلتزمه ويتمسك به. وبالله التوفيق.
_________________
(١) ١ـ لمعة الاعتقاد ص/٢٥. ٢ـ تذكرة الحفاظ ١/٢. ٣ـ الباعث الحثيث ص/١٨٣. ٤ـ انظر: كتاب الشرح والإبانة على أصول السنة والديانة" لعبيد لله محمد بن بطة العكبري" ص/٢٥٧، شرح الطحاوية ص/٥٢٨.
[ ١ / ٢٤٢ ]