المبحث الأول: معنى العدالة في اللغة والاصطلاح
أولًا: معنى العدالة في اللغة:
جاء في الصحاح١ للجوهري: "العدل خلاف الجور، يقال: عدل عليه في القضية فهو عادل، وبسط الوالي عدله ومعدلته، وفلان من أهل المَعْدلة، أي: من أهل العدل، ورجل عدل، أي: رضا ومقنع في الشهادة، وهو في الأصل مصدر، وقوم عدل وعدول أيضًا: وهو جمع عدل وقد عدل الرجل بالضم عدالة.. إلى أن قال: وتعديل الشيء: تقويمه، يقال: عدلته فاعتدل، أي: قومته فاستقام".
وجاء في لسان العرب٢: "رجل عدل بين العدل والعدالة: وصف بالمصدر معناه ذو عدل، قال في موضعين: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ ٣، ويقال: رجل عدل ورجلان عدل، ورجال عدل، وامرأة عدل، ونسوة عدل، كل ذلك على معنى رجال ذوو عدل، ونسوة ذوات عدل، فهو لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث، فإن رأيته مجموعًا، أو مثنى أو مؤنثًا، فعلى أنه قد أجري مجرى الوصف الذي ليس بمصدر"أ. هـ.
وجاء في المصباح المنير: "وعدلت الشاهد نسبته إلى العدالة ووصفته بها و"عُدِّل" هو بالضم، عدالة وعدولة فهو "عدل"أي: مرضي يقنع به ويطلق "العدل" على الواحدة وغيره بلفظ واحد، وجاز أن يطابق في التثنية
_________________
(١) ١ـ ٥/١٧٦٠-١٧٦١، مختار الصحاح ص/٤١٥-٤١٦. ٢ـ ١١/٤٣٠. ٣ـ سورة الطلاق آية/٢.
[ ٢ / ٧٩٥ ]
والجمع فيجمع على عدول، قال ابن الأنباري: وأنشدنا أبو العباس:
وتعاقد العقد الوثيق وأشهدا من كل قوم مسلمين عدولًا
وربما طابق في التأنيث، وقيل: امرأة عدلة١.
وجاء في القاموس٢: "العدل ضد الجور، وما قام في النفوس أنه مستقيم كالعدالة والعدولة والمعدلة والمعدلة"أ. هـ.
فمن هذه التعاريف اللغوية تبين أن معنى العدالة في اللغة الاستقامة، وأن العدل هو الذي لم تظهر منه ريبة٣ وهو الذي يرضى الناس عنه، ويقبلون شهادته ويقنعون بها٤.
ثانيًا: تعريف العدالة في الاصطلاح:
أما تعريف العدالة في الاصطلاح فقد تنوعت فيها عبارات العلماء من محدثين وأصوليين وفقهاء:
١- روى الخطيب البغدادي بإسناده إلى القاضي أبي بكر محمد بن الطيب أنه قال: العدالة المطلوبة في صفة الشاهد والمخبر هي العدالة الراجعة إلى استقامة دينه، وسلامة مذهبه، وسلامته من الفسق، وما يجري مجراه مما اتفق على أنه مبطل العدالة من أفعال الجوارح والقلوب المنهي عنها٥.
٢- وعرفها الخطيب البغدادي بقوله: "العدل هو من عرف بأداء فرائضه ولزوم ما أمر به وتوقي ما نهى عنه، وتجنب الفواحش المسقطة وتحري الحق والواجب في أفعاله ومعاملته والتوقي في لفظه مما يثلم الدين والمروءة فمن
_________________
(١) ١ـ المصباح المنير ٢/٣٩٧. ٢ـ ٤/١٣. ٣ـ انظر لسان العرب ١١/٤٣١، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف ١١/٢٨٢. ٤ـ انظر المصباح ٢/٣٩٧. ٥ـ الكفاية ص/١٠٢.
[ ٢ / ٧٩٦ ]
كانت هذه حاله فهو الموصوف بأنه عدل في دينه ومعروف بالصدق في حديثه وليس يكفيه في ذلك اجتناب كبائر الذنوب التي يسمى فاعلها فاسقًا حتى يكون مع ذلك متوقيًا لما يقول كثير من الناس أنه لا يعلم أنه كبير١.
٣- وعرفها الغزالي بقوله: "والعدالة: عبارة عن استقامة السيرة والدين ويرجع حاصلها إلى هيئة راسخة في النفس تحمل على ملازمة التقوى والمروءة جميعًا حتى تحصل ثقة النفوس بصدقه فلا ثقة بقول من لا يخاف الله تعالى خوفًا وازعًا عن الكذب، ثم لا خلاف في أنه لا يشترط العصمة من جميع المعاصي ولا يكفي أيضًا: اجتناب الكبائر بل من الصغائر ما يرد به كسرقة بصلة وتطفيف في حبة قصدًا، وبالجملة كل ما يدل على ركاكة دينه إلى حد يستجريء على الكذب بالأغراض الدنيوية كيف وقد شرط في العدالة التوقي عن بعض المباحات القادحة في المروءة نحو الأكل في الطريق والبول في الشارع وصحبة الأراذل وإفراط المزح وضابط ذلك فيما جاوز محل الإجماع أن يرد إلى اجتهاد الحاكم فما دل عنده على جرأته على الكذب رد الشهادة به وما لا، فلا"٢.
٤- وعرفها ابن الحاجب٣ بقوله: العدالة: هي محافظة دينية تحمل على ملازمة التقوى والمروءة ليس معها بدعة، وتتحقق باجتناب الكبائر وترك الإصرار على الصغائر وبعض المباح كاللعب بالحمام والاجتماع مع الأراذل والحرف الدنية مما لا يليق به ولا ضرورة"٤.
٥- وعرفها الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بقوله: "المراد بالعدل من له
_________________
(١) ١ـ الكفاية ص/١٠٣. ٢ـ المستصفى للغزالي ١/١٥٧. ٣ـ هو عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس بن عمرو جمال الدين بن الحاجب فقيه مالكي من كبار العلماء بالعربية ولد في أسنا من صعيد مصر سنة سبعين وخمسمائة، وتوفي سنة ست وأربعين وستمائة هجرية. انظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء ٢٣/٢٦٤-٢٦٦، البداية والنهاية ١٣/١٦٨، الأعلام للزركلي ٤/٣٧٤، معجم المؤلفين ٦/٢٦٥. ٤ـ مختصر منتهى الأصولي مع شرح القاضي عضد الملة والدين ٢/٦٣.
[ ٢ / ٧٩٧ ]
ملكة تحمله على ملازمة التقوى والمروءة، والمراد بالتقوى: اجتناب الأعمال السيئة من شرك أو فسق أو بدعة"١.
٦- وعرفها أيضًا بتعريف آخر فقال: "والعدل والرضا عند الجمهور من يكون مسلمًا مكلفًا حرًا غير مرتكب كبيرة ولا مصر على صغيرة. زاد الشافعي: وأن يكون ذا مروءة"٢.
واشتراط الحرية فيه نظر.
٧- وذكر علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان المرداوي عدة تعريفات للعدالة في كتابه "الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف"٣ حيث قال: "العدالة: هي استواء أحواله في دينه واعتدال أقواله وأفعاله، وقيل: العدل من لم تظهر منه ريبة".
وذكر أبو محمد الجوزي في العدالة: "اجتناب الريبة وانتفاء التهمة". زاد في الرعاية: "وفعل ما يستحب وترك ما يكره"أ. هـ.
٨- وقال السيوطي في تعريف العدالة: "حدها الأصحاب: بأنها ملكة أي: هيئة راسخة في النفس تمنع من اقتراف كبيرة أو صغيرة دالة على الخسة أو مباح يخل بالمروءة وهذه أحسن عبارة في حدها وأضعفها قول من قال: اجتناب الكبائر والإصرار على الصغائر لأن مجرد الاجتناب من غير أن تكون عنده ملكة وقوة تردعه عن الوقوع فيما يهواه غير كاف في صدق العدالة، ولأن التعبير بالكبائر بلفظ الجمع يوهم أن ارتكاب الكبيرة الواحدة لا يضر وليس كذلك، ولأن الإصرار على الصغائر من جملة الكبائر فذكره في الحد تكرار"٤.
_________________
(١) ١ـ نزهة النظر شرح نخبة الفكر ص/٢٩، وانظر شرح تنقيح الفصول في اختصار المحصول في الأصول للقرافي ص/٣٦١. ٢ـ فتح الباري ٥/٢٥١-٢٥٢، وانظر تيسير التحرير ٣/٤٤. ٣ـ ١٢/٤٣. ٤ـ الأشباه والنظائر ص/٣٨٤-٣٨٥.
[ ٢ / ٧٩٨ ]
هذه تعريفات أهل العلم للعدالة في الاصطلاح، وهي وإن تنوعت عباراتها إلا أنها ترجع إلى معنى واحد وهو أن العدالة ملكة في النفس تحمل صاحبها على ملازمة التقوى والمروءة ولا تتحقق للإنسان إلا بفعل المأمور وترك المنهي وأن يبعد عما يخل بالمروءة، وأيضًا: لا تتحقق إلا بالإسلام، والبلوغ، والعقل، والسلامة من الفسق.
والمراد بالفسق: ارتكاب كبيرة من كبائر الذنوب والإصرار على صغيرة من الصغائر لأن الإصرار على فعل الصغائر يصيرها من الكبائر.
والمروءة التي يعبر عنها أهل العلم: هي الآداب النفسية التي تحمل صاحبها على الوقوف عند مكارم الأخلاق، ومحاسن العادات وما يخل بالمروءة يعود إلى سببين:
الأول: ارتكاب الصغائر من الذنوب التي تدل على الخسة كسرقة شيء حقير كبصلة أو تطفيف في حبة قصدًا.
الثاني: فعل بعض الأشياء المباحة التي ينتج عنها ذهاب كرامة الإنسان أو هيبته وتورث الاحتقار، وذلك مثل كثرة المزاح المذموم.
ولم تتحقق العدالة في أحد تحققها في أصحاب رسول الله ﷺ، فجميعهم ﵃ عدول تحققت فيهم صفة العدالة ومن صدر منه ما يدل على خلاف ذلك كالوقوع في معصية فسرعان ما يحصل منه التوجه إلى الله تعالى بالتوبة النصوح الماحية التي تحقق رجوعه وتغسل حوبته فرضي الله عنهم أجمعين.
[ ٢ / ٧٩٩ ]