أجمع أهل السنة والجماعة على أن الصحابة جميعهم عدول بلا استثناء من لابس الفتن وغيرها ولا يفرقون بينهم الكل عدول إحسانًا للظن بهم ونظرًا لما أكرمهم الله به من شرف الصحبة لنبيه ﵊ ولما لهم من المآثر الجليلة من مناصرتهم للرسول ﷺ والهجرة إليه والجهاد بين يديه والمحافظة على أمور الدين والقيام بحدوده فشهاداتهم ورواياتهم مقبولة دون تكلف بحث عن أسباب عدالتهم بإجماع من يعتد بقوله.
وقد نقل الإجماع على عدالتهم جم غفير من أهل العلم، ومن تلك النقول:
١- قال الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى بعد أن ذكر الأدلة من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ التي دلت على عدالة الصحابة وأنهم كلهم عدول، قال: "هذا مذهب كافة العلماء ومن يعتد بقوله من الفقهاء"١.
٢- قال أبو عمر بن عبد البر: "ونحن وإن كان الصحابة ﵃ قد كفينا البحث عن أحوالهم لإجماع أهل الحق من المسلمين وهم أهل السنة والجماعة على أنهم كلهم عدول فواجب الوقوف على أسمائهم"٢.
٣- حكى الإجماع على عدالتهم إمام الحرمين وعلل حصول الإجماع على عدالتهم بقوله: "ولعل السبب فيه أنهم نقلة الشريعة، فلو ثبت توقف في
_________________
(١) ١ـ الكفاية ص/٦٧. ٢ـ الاستيعاب على حاشية الإصابة ١/٨.
[ ٢ / ٨١١ ]
رواياتهم لانحصرت الشريعة على عصر الرسول ﷺ ولما استرسلت على سائر الأعصار"١.
٤- وقال الغزالي: "والذي عليه سلف الأمة وجماهير الخلق أن عدالتهم معلومة بتعديل الله ﷿ إياهم وثنائه عليهم في كتابه، فهو معتقدنا فيهم، إلا أن يثبت بطريق قاطع ارتكاب واحد لفسق مع علمه به وذلك مما لا يثبت فلا حاجة لهم إلى التعديل - ثم ذكر بعض ما دل على عدالتهم من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ثم قال: "فأي تعديل أصح من تعديل علام الغيوب - سبحانه - وتعديل رسوله ﷺ كيف ولو لم يرد الثناء لكان فيما اشتهر وتواتر من حالهم في الهجرة والجهاد وبذل المهج والأموال وقتل الآباء والأهل في موالاة رسول الله ﷺ ونصرته كفاية في القطع بعدالتهم"٢.
٥- ذكر ابن الصلاح أن الإجماع على عدالة الصحابة خصيصة فريدة تميزوا بها عن غيرهم، فقد قال: "للصحابة بأسرهم خصيصة وهي أنه لا يسأل عن عدالة أحد منهم، بل ذلك أمر مفروغ منه لكونهم على الإطلاق معدلين بنصوص الكتاب والسنة وإجماع من يعتد به في الإجماع من الأمة".
وقال أيضًا: "إن الأمة مجمعة على تعديل جميع الصحابة ومن لابس الفتن منهم، فكذلك بإجماع العلماء الذين يعتد بهم في الإجماع إحسانًا للظن بهم ونظرًا إلى ما تمهد لهم من المآثر، وكأن الله ﷾ أتاح الإجماع على ذلك لكونهم نقلة الشريعة والله أعلم"٣.
٦- قال الإمام النووي رحمه الله تعالى بعد أن ذكر أن الحروب التي وقعت بينهم كانت عن اجتهاد وأن جميعهم معذورون ﵃ فيما حصل بينهم قال: "ولهذا اتفق أهل الحق ومن يعتد به في الإجماع على قبول شهاداتهم
_________________
(١) ١ـ فتح المغيب شرح ألفية الحديث ٣/١١٢، وذكره السيوطي في تدريب الراوي ٢/٢١٤. ٢ـ المستصفى ١/١٦٤. ٣ـ مقدمة ابن الصلاح ص/١٤٦-١٤٧.
[ ٢ / ٨١٢ ]
ورواياتهم وكمال عدالتهم ﵃"١.
وقال في التقريب: "الصحابة كلهم عدول من لابس الفتن وغيرهم بإجماع من يعتد به"٢.
٧- وقال الحافظ ابن كثير: "والصحابة كلهم عدول عند أهل السنة والجماعة لما أثنى الله عليهم في كتابه العزيز، وبما نطقت به السنة النبوية في المدح لهم في جميع أخلاقهم وأفعالهم وما بذلوه من الأموال والأرواح بين يدي رسول الله ﷺ رغبة فيما عند الله من الثواب الجزيل والجزاء الجميل"٣.
٨- وقال العراقي في شرح ألفيته بعد ذكره لبعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الدالة على عدالة الصحابة: "إن جميع الأمة مجمعة على تعديل من لم يلابس الفتن منهم، وأما من لابس الفتن منهم وذلك من حين مقتل عثمان فأجمع من يعتد به أيضًا: في الإجماع على تعدليهم إحسانًا للظن بهم وحملًا لهم في ذلك على الاجتهاد"٤.
٩- قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى مبينًا أن أهل السنة مجمعون على عدالة الصحابة فقال: "اتفق أهل السنة على أن الجميع عدول، ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة"٥.
١٠- وقال السخاوي: "وهم ﵃ باتفاق أهل السنة عدول كلهم مطلقًا كبيرهم وصغيرهم لابس الفتنة أم لا وجوبًا لحسن الظن، ونظرًا إلى ما تمهد لهم من المآثر من امتثال أوامره بعده ﷺ وفتحهم الأقاليم وتبليغهم عنه الكتاب والسنة وهدايتهم الناس ومواظبتهم على الصلاة والزكاة وأنواع القربات
_________________
(١) ١ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٥/١٤٩. ٢ـ تقريب النواوي مع شرحه تدريب الراوي ٢/٢١٤. ٣ـ الباعث الحثيث ص/١٨١-١٨٢. ٤ـ شرح ألفية الحديث المسماة بالتبصرة والتذكرة ٣/١٣-١٤. ٥ـ الإصابة ١/١٧.
[ ٢ / ٨١٣ ]
مع الشجاعة والبراعة والكرم والإيثار والأخلاق الحميدة التي لم تكن في أمة من الأمم المتقدمة"١.
وقال الألوسي رحمه الله تعالى: "اعلم أن أهل السنة - إلا من شذ - أجمعوا على أن جميع الصحابة عدول يجب على الأمة تعظيمهم، فقد أخلصوا الأعمال من الرياء نفلًا وفرضًا واجتهدوا في طاعة مولاهم ليرضى وغضوا أبصارهم عن الشهوات غضًا، فإذا أبصرتهم رأيت قلوبًا صحيحة وأجسادًا مرضى، وعيونًا قد ألفت السهر، فما تكاد تطعم غمضًا بادروا أعمارهم لعلمهم أنها ساعات تنقضي ولله در من قال فيهم شعرًا:
لله در أناس أخلصوا عملًا على اليقين ودانوا بالذي أمروا
أولاهم - نعمًا فازداد شكرهم ثم ابتلاهم فأرضوه بما صبروا
وفوا له ثم وافوه بما عملوا سيوفيهم يومًا إذا نشروا٢
فهذه النقول المباركة للإجماع من هؤلاء الأئمة كلها فيها بيان واضح ودليل قاطع على أن ثبوت عدالة الصحابة عمومًا أمر مفروغ منه ومسلم فلا يبقى لأحد شك ولا ارتياب بعد تعديل الله ورسوله وإجماع الأمة على ذلك وهناك مذاهب ذهب أصحابها إلى القول بخلاف هذا الإجماع وأصحابها ممن لا يعتد بقولهم ولا عبرة بخلافهم وهي لا تستحق أن تذكر وإنما تذكر لبيان بطلانها ومجانبتها للحق والصواب، وتلك المذاهب هي:
١- مذهب الشيعة الرافضة:
الشيعة الرافضة يعتقدون أن الصحابة الكرام ﵃ ليسوا بعدول بل يعتقدون ضلال كل من لم يعتقد أن النبي ﷺ نص على أن الخليفة من بعده بلا فصل هو علي ﵁، ويعتقدون أن جميع الناس هلكوا وارتدوا بعد
_________________
(١) ١ـ فتح المغيب شرح ألفية الحديث ٣/١٠٨. ٢ـ الأحوبة العراقية على الأسئلة اللاهورية ص/١٠.
[ ٢ / ٨١٤ ]
أن قبض النبي ﷺ إلا نفرًا يسيرًا منهم يعدون بالأصابع، وسبب تكفيرهم لهم أنهم يزعمون أنهم بايعوا بالخلافة غير علي ﵁، ولم يعملوا بالنص عليه ومعتقدهم هذا طافحة به كتبهم.
فقد روى محمد بن محمد بن النعمان العكبري البغدادي الملقب بالشيخ المفيد في كتابه الاختصاص عن الحارث بن المغيرة، قال: سمعت عبد الملك بن أعين يسأل أبا عبد الله ﵇، فلم يزل يسأله حتى قال: فهلك الناس إذًا، فقال: أي والله يا ابن أعين هلك الناس أجمعون، قلت أهل الشرق والغرب؟ قال: إنها فتحت على الضلال أي والله هلكوا إلا ثلاثة نفر سلمان الفارسي وأبو ذر والمقداد ولحقهم عمار وأبو ساسان الأنصاري١ وحذيفة وأبو عمرة٢ فصاروا سبعة.
وفي رواية بعدها أنه قال: ارتد الناس بعد النبي ﷺ إلا ثلاثة نفر: المقداد بن الأسود وأبو در الغفاري وسلمان الفارسي، ثم إن الناس عرفوا ولحقوا بعد٣.
ولا شك أن من اعتقد كفر الصحابة وارتدادهم أنه كافر لأنه لم يبق له أي علاقة في الدين لأن الكتاب والسنة إنما تلقاهما من جاء بعد الصحابة من الصحابة فمن اعتقد هذا المعتقد في خيار الخلق بعد النبيين والمرسلين ماذا بقي له من الدين؟ وبناء على ذلك المعتقد الفاسد الذي يعتقده الشيعة الرافضة في الصحابة ﵃، يكون من البعيد جدًا أن يقولوا بعدالة الصحابة بعد أن وصفوهم بالضلال والارتداد عن الإسلام، وهذا المذهب يحكم ببطلانه وضلال
_________________
(١) ١ـ هو الصحابي الجليل بشير بن عمر الأنصاري النجاري. انظر ترجمته في الاستيعاب ١/١٥٧، الإصابة ٤/١٤١. ٢ـ هو حصين بن المنذر بن الحارث الرقاشي. انظر ترجمته في تهذيب التهذيب ٢/٣٩٥. ٣ـ الروايتان في كتاب "الاختصاص" للمفيد ص/٦، وانظر كتاب "الروضة" من الكافي للكليني، حديث رقم ٣٥٦.
[ ٢ / ٨١٥ ]
أهله كل من ألقى السمع لما ذكر الله في كتابه وذكره رسوله ﷺ، وما قام عليه إجماع أهل الحق ممن يعتد بقوله من بيان مكانة الصحابة الكرام ﵃ وكل ما قدمنا في المبحث الثاني من هذا الفصل من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية كلها تقضي بفساد هذا المذهب وخبث قائليه وسوء ما تنطوي عليه سرائرهم في أصحاب رسول الله ﷺ والناظر بعين البصيرة في شبههم التي يبنون عليها معتقدهم هذا يجد أنها من زخرف القول تارة يقولونها من عند أنفسهم، وتارة ينسبونها إلى أهل البيت وهم ﵃ بريئون من هذا المعتقد ويتبرءون من كل من استطال بلسانه على الصحابة بالسباب والشتائم، فقد كان موقف أهل بيت النبوة من الصحابة الكرام هو أنهم كانوا في مقدمة العاملين بقوله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًاّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ١. وكانوا ينكرون على من يزعم التشيع لهم ولا يعمل بما دلت عليه هذه الآية ويدعون عليهم ويطردونهم من مجالسهم ويتوعدونهم بالخروج من الإسلام.
فقد ذكر القرطبي: أن محمد بن علي بن الحسين ﵃ روى عن أبيه، أن نفرًا من أهل العراق جاءوا إليه فسبوا أبا بكر وعمر ﵄ ثم عثمان ﵁، فأكثروا، فقال لهم: أمن المهاجرين الأولين أنتم؟ قالوا: لا. فقال: أفمن الذين تبؤوا الدار والإيمان من قبلهم؟ فقالوا: لا فقال: قد تبرأتم من هذين الفريقين، أنا أشهد انكم لستم من الذين قال الله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًاّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ قوموا فعل الله بكم وفعل.
_________________
(١) ١ـ سورة الحشر آية/١٠.
[ ٢ / ٨١٦ ]
وذكر أيضًا: عن جعفر بن محمد بن علي عن أبيه عن جده علي بن الحسين ﵁ أنه جاءه رجل فقال له: يا ابن بنت رسول الله ما تقول في عثمان، فقال له: يا أخي أنت من قوم قال الله فيهم: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ الآية، قال: لا، قال: فوالله لئن لم تكن من أهل الآية فأنت من قوم قال الله فيهم: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالأِيمَانَ﴾ الآية. قال: لا، قال: فوالله لئن لم تكن من أهل الآية الثالثة لتخرجن من الإسلام وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ﴾ ١.
فمذهب الشيعة الرافضة في أصحاب رسول الله ﷺ مذهب باطل بنص كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ وإجماع الأمة حيث دلت هذه الأدلة كلها على عدالة جميع الصحابة صغيرهم وكبيرهم ذكرانًا وإناثًا.
٢- مذهب المعتزلة:
أما مذهب المعتزلة فقد اضطربت آراؤهم في عدالة الصحابة إلى ثلاثة أقوال وإليك هذه الأقوال الثلاثة مع اقتران كل قول ببيان بطلانه:
القول الأول: ذهب جمهورهم إلى أن الصحابة كلهم عدول إلا من قاتل عليًا، فالجمهور منهم صوبوا عليًا في حروبه وخطئوا من قاتله فنسبوا طلحة والزبير وعائشة ومعاوية إلى الخطأ٢ وانتفاء العدالة عنهم وأسوق الرد على هذا القول ببعض ما قرره أهل العلم من أهل السنة والجماعة فيما يجب على المسلم اعتقاده حيال ما جرى بين الصحابة من الشجار:
فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وكذلك نؤمن بالإمساك عما شجر بينهم ونعلم أن بعض المنقول في ذلك كذب وهم كانوا مجتهدين إما مصيبين لهم أجران، أو مثابين على عملهم الصالح مغفور لهم خطؤهم وما كان لهم من
_________________
(١) ١ـ الجامع لأحكام القرآن ١٨/٣١-٣٢، والآية رقم ١٠ من سورة الحشر. ٢ـ مقالات الإسلاميين ٢/١٤٥، الفرق بين الفرق ص/١٢٠-١٢١.
[ ٢ / ٨١٧ ]
السيئات - وقد سبق لهم من الله الحسنى - فإن الله يغفرها لهم، إما بتوبة أو بحسنات ماحية، أو مصائب مكفرة أو غير ذلك، فإنهم خير قرون هذه الأمة وهذه خير أمة أخرجت للناس، ونعلم مع ذلك أن علي بن أبي طالب ﵁ كان أفضل وأقرب إلى الحق من معاوية وممن قاتله معه لما ثبت عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين تقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق "١، وفي هذا الحديث دليل على أنه مع كل طائفة حق، وأن عليًا ﵁ أقرب إلى الحق"أ. هـ٢.
وقال الحافظ ابن كثير مبينًا فساد معتقد المعتزلة في عدالة الصحابة "وقول المعتزلة الصحابة عدول إلا من قاتل عليًا قول باطل مرذول ومردود وقد ثبت في صحيح البخاري عن رسول الله ﷺ أنه قال عن ابن بنته الحسن بن علي وكان معه على المنبر: "إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين" ٣ وظهر مصداق ذلك في نزول الحسن لمعاوية عن الأمر بعد موت أبيه علي واجتمعت الكلمة على معاوية وسمي "عام الجماعة" وذلك سنة أربعين من الهجرة، فسمي الجميع "مسلمين" وقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ ٤ فسماهم مؤمنين مع الاقتتال"٥.
وممن بين بطلان هذا القول الشوكاني رحمه الله تعالى، فإنه قال في صدد عرضه للأقوال في عدالة الصحابة: "القول الرابع: أنهم كلهم عدول إلا من قاتل عليًا وبه قال جماعة من المعتزلة والشيعة، ويجاب عنه بأن تمسكهم بما تمسكوا
_________________
(١) ١ـ انظر الحديث في صحيح مسلم ٢/٧٤٥. ٢ـ مجموع الفتاوى ٣/٤٠٦-٤٠٧. ٣ـ صحيح البخاري ٢/١١٤. ٤ـ سورة الحجرات آية/٩. ٥ـ الباعث الحثيث ص/١٨٢.
[ ٢ / ٨١٨ ]
به من الشبه يدل على أنهم لم يقدموا على ذلك جراءة على الله، وتهاونًا بدينه، وجناب الصحبة أمر عظيم، فمن انتهك أعراض بعضهم فقد وقع في هوة لا ينجو منها سالمًا، وقد كان في أهل الشام صحابة صالحون عرضت لهم شبه لولا عروضها لم يدخلوا في تلك الحروب ولا غمسوا فيها أيديهم، وقد عدلوا تعديلًا عامًا بالكتاب والسنة فوجب علينا البقاء على عموم التعديل والتأويل لما يقتضي خلافه"١.
فهذا القول الذي قاله جمهور المعتزلة من نفي العدالة عمن قاتل عليًا من الصحابة قول باطل لأن الحروب التي جرت بينهم كانت لكل طائفة منهم شبهة اعتقدت تصويب نفسها بسببها فكلهم عدول ﵃ ولم يخرج بشيء من تلك الحروب أحد من العدالة، لأنهم مجتهدون اختلفوا في مسائل من محل الاجتهاد، كما يختلف المجتهدون بعدهم في مسائل من الدماء وغيرها ولا يلزم من ذلك نقص أحد منهم ﵃"٢.
القول الثاني: قول واصل بن عطاء:
فقد ذهب إلى أن أحد الفريقين المتخاصمين من الصحابة في موقعتي الجمل وصفين كان مخطئًا لا بعينه كالمتلاعنين، فإن أحدهما فاسق لا محالة "وأقل درجات الفريقين أنه غير مقبول الشهادة كما لا تقبل شهادة المتلاعنين"٣.
وبناء على معتقده هذا فإنه لم يحكم بشهادة رجلين أحدهما من أصحاب علي والآخر من أصحاب الجمل فقد قال: "لو شهدت عندي عائشة وعلي وطلحة على باقة بقل لم أحكم بشهادتهم"٤.
_________________
(١) ١ـ إرشاد الفحول ص/٧٠. ٢ـ انظر الرد على الرافضة لأبي محمد المقدسي ص/٣١٦-٣١٧. ٣ـ انظر الملل والنحل للشهرستاني ١/٤٩. ٤ـ ميزان الاعتدال للذهبي ٤/٣٢٩، وانظر الفرق بين الفرق ص/١٢٠، الملل والنحل للشهرستاني ١/٤٩.
[ ٢ / ٨١٩ ]
وقال بقبول شهادة رجلين من أصحاب علي وشهادة رجلين من أصحاب طلحة والزبير١ إذ قد يكون أحد الفريقين عدلًا وعلي صواب وهذا الرأي قال به وتبناه ضرار بن عمرو وأبو الهذيل ومعمر بن عياد السلمي حيث قالوا جميعًا: "نحن نتولى كل واحد من الفريقين على انفراد"٢.
وهذا القول كما هو واضح أصحابه قد شكوا في عدالة علي وطلحة والزبير وهو قول ظاهر البطلان وهو أحقر من أن يرد عليه لأن عدالة علي وطلحة والزبير وغيرهم من الصحابة ثابتة بتعديل الله ورسوله إياهم، وبإجماع من قوله معتبر من أهل السنة والجماعة وكفى بعلي وطلحة والزبير شرفًا ورفعة أنهم من أصحاب الجنة بشهادة النبي ﷺ لهم بذلك، وإضافة إلى تلك المنزلة الرفيعة دخولهم في أهل بيعة الرضوان الذين عدلهم الله وزكاهم من فوق سبع سموات بقوله - جل وعلا - ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ ٣ فأي تعديل وأي شرف أعظم لمن كان من جملة هؤلاء، فمن تجرأ على تجريح هؤلاء فهو الجدير بالجرح وهو الأولى به، ومن قال بكفرهم فهو الكافر وهو من الذين ضلوا عن سواء السبيل.
القول الثالث: قول عمرو بن عبيد:
أما عمرو بن عبيد فإنه تقدم خطوة أخرى على من تقدم ذكره من المعتزلة فإنه يعتقد أن الطرفين المتحاربين في موقعتي الجمل وصفين قد فسقوا جميعًا، وقال: "لا أقبل شهادة الجماعة منهم سواء كانوا من أحد الفريقين أو كان بعضهم من حزب علي وبعضهم من حزب الجمل"٤.
وبلغ به الإزراء بهم والتنقص
_________________
(١) ١ـ انظر الفرق بين الفرق ص/١٢٠، ص/٣٢٠. ٢ـ مقالات الإسلاميين ٢/١٤٥. ٣ـ سورة الفتح آية/١٨. ٤ـ انظر الفرق بين الفرق ص/١٢١، التبصير في الدين ص٦٩، الملل والنحل للشهرستاني ١/٤٩.
[ ٢ / ٨٢٠ ]
منهم إلى أن قال: "لو شهد عندي علي وطلحة والزبير وعثمان على شراك نعل ما أجزت شهادتهم"١.
وهذه الكلمة الخبيثة التي خرجت منه تنبيء عما يكنه لهم من الكراهية وما عود عليه لسانه من سبهم وشتمهم وهذه الكلمة لا يجرؤ أن ينطق بها من كان قلبه مثقال درة من إيمان.
وقد ذكر الشوكاني رحمه الله تعالى مذهب عمرو بن عبيد وتولى الرد عليه حيث قال: "القول الثالث: إنهم كلهم عدول قبل الفتن لا بعدها فلا يجب البحث عنهم، وأما بعدها فلا يقبل الداخلون فيها مطلقًا - أي من الطرفين - لأن الفاسق من الفريقين غير معين وبه قال عمرو بن عبيد من المعتزلة، ثم قال ﵀ مبينًا بطلان هذا القول ـ: "وهذا القول في غاية الضعف لاستلزامه إهدار غالب السنة فإن المعتزلين لتلك الحروب هم طائفة يسيرة بالنسبة إلى الداخلين فيها، وفيه أيضًا: أن الباغي غير معين من الفريقين وهو معين بالدليل الصحيح، وأيضًا التمسك بما تمسكت به كل طائفة يخرجها من إطلاق اسم البغي عليها على تسليم أن الباغي من الفريقين غير معين"أ. هـ٢.
ويرد عليه أيضًا: أن الواجب على كل مسلم "أن يحمل كل ما جرى بينهم من الفتن على أحسن حال وإن كان ذلك إنما لما أدى إليه اجتهاد كل فريق من اعتقاده أن الواجب ما صار إليه، وأنه أوفق للدين وأصلح للمسلمين وعلى هذا "فإما أن يكون كل مجتهد مصيبًا، أو أن المصيب واحد والآخر مخطيء في اجتهاده، وعلى كلا التقديرين فالشهادة والرواية من الفريقين لا تكون مردودة"٣.
_________________
(١) ١ـ ميزان الاعتدال ٣/٢٧٥. ٢ـ إرشاد الفحول ص/٧٠. ٣ـ الإحكام في أصول الأحكام للآمدي: ١/٢٧٤.
[ ٢ / ٨٢١ ]
فقول عمرو بن عبيد في عدالة الصحابة قول ظاهر البطلان ومردود عليه.
المذهب الثالث:
أن حكمهم في العدالة حكم من بعدهم في لزوم البحث عن عدالتهم عند الرواية١، وقد عزا هذا القول السخاوي والشوكاني إلى أبي الحسين بن القطان٢ من علماء الشافعية.
وشبهته أنه قال: "فوحشي قتل حمزة وله صحبة. والوليد شرب الخمر فمن ظهر عليه خلاف العدالة لم يقع عليه اسم الصحبة والوليد ليس بصحابي لأن الصحابة إنما هم الذين كانوا على طريقته"٣.
وهذا الشبهة حكم عليها السخاوي بأنها ساقطة إذ الكل أصحابه باتفاق وقتل وحشي لحمزة كان قبل إسلامه ثم أسلم، وليس ذلك مما يقدح به فالإسلام يجب ما قبله وأما قوله: والوليد ليس بصحابي - إلخ كلامه - فلم يقل قائل من أهل العلم إن ارتكاب المعصية يخرج من كان صحابيًا عن صحبته وقد كف النبي ﷺ من لعن بعضهم بقوله: "لا تلعنوه فوالله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله" ٤. كما كف عمر عن حاطب ﵁ لما قال له النبي ﷺ: " إنه شهد بدرًا وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" ٥ لا سيما وهم مخلصون في التوبة فيما لعله صدر منهم، والحدود كفارات، بل قيل في الوليد بخصوصه: إن بعض أهل الكوفة
_________________
(١) ١ـ المصدر السابق ١/٢٧٤، شرح مختصر المنتهى ٢/٦٧. ٢ـ هو أحمد بن محمد بن القطان البغدادي من كبار الشافعية له مصنفات في أصول الفقه وفروعه، توفي سنة تسع وخمسين وثلاثمائة. انظر ترجمته في تاريخ بغداد ٤/٣٦٥، تهذيب الأسماء واللغات للنووي ٢/٢١٤-٢١٥. ٣ـ انظر فتح المغيب شرح ألفية الحديث للسخاوي ٣/١١٢، وإرشاد الفحول للشوكاني ص/٦٩. ٤ـ صحيح البخاري ٣/١٧٢، من حديث عمر ﵁. ٥ـ صحيح البخاري ٣/٧، صحيح مسلم ٤/١٩٤٢، من حديث علي ﵁.
[ ٢ / ٨٢٢ ]
تعصبوا عليه فشهدوا عليه بغير الحق وبالجملة فترك الخوض في هذا ونحوه متعين"١.
فقول أبي الحسين القطان قول لا يعتد به إذ هو في هذه المسألة أحد الأقوال التي جانبت الصواب.
المذهب الرابع: أن العدالة لا تثبت إلا لمن لازم النبي ﷺ من أصحابه دون من رآه، أو زاره، أو وفد عليه لمدة قليلة وهذا قول المازري من علماء المالكية، فقد حكى عنه الحافظ ابن حجر أنه قال: "في شرح البرهان لسنا نعني بقولنا الصحابة عدول كل من رآه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يومًا ما أو زاره لمامًا أو اجتمع به لغرض وانصرف عن كثب وإنما نعني به الذين لازموه وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون"٢
ويرد على كلام المازري بأنه لم يوافق عليه بل اعترضه جماعة من الفضلاء - كما قال الحافظ ابن حجر - وذكر أن الشيخ صلاح الدين العلائي قال: "هو غريب يخرج كثيرًا من المشهورين بالصحبة والرواية عن الحكم بالعدالة كوائل بن حجر ومالك بن الحويرث وعثمان بن أبي العاص وغيرهم ممن وفد عليه ﷺ ولم يقم عنده إلا قليلًا وانصرف وكذلك من لم يعرف إلا برواية الحديث الواحد ولم يعرف مقدار إقامته من أعراب القبائل والقول بالتعميم هو الذي صرح به الجمهور وهو المعتبر والله ﷾ أعلم"أ. هـ٣.
فقول المازري هذا غير معتبر وهو قول ضعيف كما هو واضح "لاستلزامه إخراج جماعة من خيار الصحابة الذين أقاموا مع النبي ﷺ قليلًا ثم
_________________
(١) ١ـ فتح المغيب شرح ألفية الحديث ٣/١١٢-١١٣. ٢ـ الإصابة في تمييز الصحابة ١/١٩. ٣ـ الإصابة في تمييز الصحابة ١/١٩-٢٠، فتح المغيب شرح ألفية الحديث ٣/١١٣-١١٤.
[ ٢ / ٨٢٣ ]
انصرفوا١ منهم من ذكر في قول صلاح الدين العلائي.
فهذه هي المذاهب التي خالف فيها أصحابها إجماع أهل السنة والجماعة في مسألة عدالة الصحابة وهي كما رأينا مبنية على شبه واهية لا تزيدها إلا ضعفًا، فالواجب على المسلم أن يعتقد ما اعتقدته الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة من أن عموم الصحابة عدول ويحرم على كل إنسان ثلبهم بما يشينهم، ولا عبرة بخلاف من خالف في ذلك من الطوائف المخذولة أهل البدع والأهواء مثل الرافضة والمعتزلة والزنادقة وغيرهم ولا من سلك طريقهم في العصر الحديث من الكفرة المستشرقين الذين يزعمون أنهم يعتنون بالدراسات الإسلامية والبحث فيها هم ومن قلدهم من أبناء المسلمين الواقعين في حرمات الله باسم حرية البحث العلمي ويقولون إن كل إنسان له أن يقول ما شاء حتى ولو كان في ذلك اعتداء على حرمات المؤمنين وتكذيب القرآن الكريم وسنة سيد المرسلين تحت ستار حرية الرأي والبحث، وهذا الاتجاه مرفوض عند علماء المسلمين حيث إن للعلم قواعد وأصول وضوابط شرعية يلتزم بها المؤمن حتى يكون بحثه واجتهاده في نطاقها، أما حرية البحث التي فتن بها أهل الأهواء ممن ينتسبون إلى الإسلام وقلدوا فيها الأعداء وطبقوها حسب ما تلقوها، فليست من سنن المؤمنين ولا سبيل المسلمين، ولذلك كانت بحوثهم مناقضة للقواعد الشرعية والأحكام الإسلامية فالذين يجرحون الصحابة ويطعنون في عدالتهم إنما غرضهم من وراء ذلك هو التشكيك في الإسلام، وهدم قواعده التي قام عليها، وهذا ما فطن له أبو زرعة الرازي في القرن الثالث الهجري، فقد روى الخطيب البغدادي بإسناده إلى أبي زرعة الرازي أنه قال: "إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق وذلك أن الرسول عندنا حق والقرآن حق وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله ﷺ، وإنما يريدون أن يجرحوا
_________________
(١) ١ـ انظر إرشاد الفحول للشوكاني ص/٧٠.
[ ٢ / ٨٢٤ ]
شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة والجرح بهم أولى وهم زنادقة"١.
فقد صدق ﵀ فلا يتجرأ على تجريح الصحابة إلا مجروح فتح لنفسه بابًا يلج منه إلى الزندقة، فمن يرد السلامة لدينه فعليه أن يعتقد ما اعتقده أهل السنة والجماعة في عدالة الصحابة وهو أنهم كلهم عدول من لابس الفتن ومن لم يلابسها، وهذا هو المذهب الحق الذي يجب المصير إليه، وما أحسن ما قاله الإمام الذهبي رحمه الله تعالى في هذه المسألة حيث قال: "فأما الصحابة ﵃ فبساطهم مطوي وإن جرى ما جرى إذ على عدالتهم وقبول ما نقلوه العمل وبه ندين الله تعالى٢.
_________________
(١) ١ـ الكفاية ص/٦٧. ٢ـ الرواة المتكلم فيهم بما لا يوجب الرد ص/٤٦.
[ ٢ / ٨٢٥ ]