إن خلافة الفاروق ﵁ لم يختلف فيها اثنان فإنه لما عهد الصديق ﵁ بالخلافة من بعده لعمر ﵁ أجمع أصحاب رسول الله ﷺ على قبول ذلك العهد ولم يعارض في ذلك منهم أحد بل أقروا بذلك وسمعوا له وأطاعوا وكذلك التابعون لهم بإحسان من أهل السنة والجماعة أجمعوا على صحة خلافة الفاروق ﵁ واعتقدوا اعتقادًا جازمًا أنه ﵁ أحق الناس بالخلافة بعد أبي بكر ﵁.
وقد نقل إجماع الصحابة ﵃ ومن بعدهم على خلافة عمر طائفة من أهل العلم الذين يعتمد عليهم في النقل.
فقد تقدم معنا قريبًا ما رواه ابن سعد وغيره في صيغة عهد الصديق بالخلافة لعمر ﵁ وفيه أن الصديق ﵁ أمر عثمان أن يخرج بالكتاب "مختومًا ومعه عمر بن الخطاب وأسيد بن سعيد القرظي فقال عثمان للناس: أتبايعون لمن في هذا الكتاب؟ فقالوا: نعم، وقال بعضهم: قد علمنا قال ابن سعد: علي القائل: وهو عمر فأقروا بذلك جميعًا ورضوا به وبايعوا"١.
وروى ابن الأثير بإسناده إلى يسار المدني قال: لما ثقل أبو بكر أشرف على الناس من كوة فقال: يا أيها الناس إني قد عهدت عهدًا أفترضون به؟ فقال الناس: قد رضينا يا خليفة رسول الله ﷺ فقال علي: لا نرضى إلا أن يكون
_________________
(١) ١ـ الطبقات الكبرى لابن سعد ٣/١٩٩، وانظر كتاب الإمامة والرد على الرافضة لأبي نعيم ص/٢٧٦ الكامل في التاريخ لابن الأثير ٢/٤٢٥
[ ٢ / ٦٤٢ ]
عمر بن الخطاب"١.
فكان ما توقعوه لأنهم كانوا ﵃ يعلمون أنه لا أحد أفضل من عمر ﵁ بعد أبي بكر ولذلك أقروا جميعًا بعهد الصديق ورضوا به، ثم بايعوه. وروى ابن جرير بإسناده إلى أبي السفر سعيد بن محمد قال: أشرف أبو بكر على الناس من كنيفة٢ وأسماء بنت عميس ممسكته وهو يقول: أترضون بمن أستخلف عليكم؟ فإني والله ما ألوت من جهد الرأي، ولا وليت ذا قرابة، وإني قد استخلفت عمر بن الخطاب، فاسمعوا له وأطيعوا فقالوا: سمعنا وأطعنا"٣.
وروى أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي بإسناده إلى عبد الله بن عباس ﵄ قال: دخلت على عمر حين طعن. فقلت: أبشر بالجنة يا أمير المؤمنين أسلمت حين كفر الناس، وجاهدت مع رسول الله ﷺ حين خذله الناس، وقبض رسول الله ﷺ وهو عنك راض ولم يختلف في خلافتك اثنان، وقتلت شهيدًا فقال: أعد علي فأعدت عليه فقال: والله الذي لا إله غيره لو أن لي ما على الأرض من صفراء وبيضاء لافتديت به من هول المطلع"٤.
وقال أبو نعيم الأصبهاني رحمه الله تعالى مبينًا الإجماع على خلافة الفاروق ﵁: لما علم الصديق ﵁ من فضل عمر ﵁ ونصيحته وقوته على ما يقلده وما كان يعينه عليه في أيامه من المعونة التامة لم يكن يسعه في ذات الله ونصيحته لعباد الله - تعالى - أن يعدل هذا الأمر عنه إلى غيره، ولما كان يعلم من أمر شأن الصحابة ﵃ أنهم يعرفون منه
_________________
(١) ١ـ أسد الغابة ٤/١٦٩، وانظر تاريخ الأمم والملوك ٣/٤٢٨. ٢ـ قال ابن الأثير: وفي حديث أبي بكر حين استخلف عمر أنه أشرف من كنيف فكلمهم أي: من سترة وكل ما ستر من بناء أو حظيرة فهو كنيف "النهاية في غريب الحديث" ٤/٢٠٥. ٣ـ تاريخ الأمم والملوك ٣/٤٢٨. ٤ـ الاعتقاد ص/١٨٨.
[ ٢ / ٦٤٣ ]
ما عرفه ولا يشكل عليهم شيء من أمره فوض إليه ذلك فرضي المسلمون له ذلك وسلموه، ولو خالطهم في أمره ارتياب أو شبهة لأنكروه ولم يتابعوه كاتباعهم أبا بكر ﵁ فيما فرض الله عليه الاجتماع وأن إمامته وخلافته ثبتت على الوجه الذي ثبت للصديق، وإنما كان كالدليل لهم على الأفضل والأكمل فتبعوه على ذلك مستسلمين له راضين به"١.
وقال أبو عثمان الصابوني رحمه الله تعالى بعد ذكره خلافة الصديق باختيار الصحابة وإجماعهم عليه قال: "ثم خلافة عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه باستخلاف أبي بكر ﵁ إياه واتفاق الصحابة عليه بعده وإنجاز الله - سبحانه - بمكانه في إعلاء الإسلام وإعظام شأنه وعده"٢.
وقال النووي في معرض ذكره لإجماع الصحابة على تنفيذ عهد الصديق بالخلافة لعمر حيث قال: "أجمعوا على اختيار أبي بكر وعلى تنفيذ عهده إلى عمر"٣.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وأما عمر فإن أبا بكر عهد إليه وبايعه المسلمون بعد موت أبي بكر فصار إمامًا لما حصلت له القدرة والسلطان بمبايعتهم"٤.
وقال شارح الطحاوية: "ونثبت الخلافة بعد أبي بكر ﵁ لعمر ﵁ وذلك بتفويض أبي بكر الخلافة إليه، واتفاق الأمة بعده عليه"٥.
وقال أبو حامد محمد المقدسي بعد ذكره لطائفة من الأدلة على ثبوت خلافة
_________________
(١) ١ـ كتاب الإمامة والرد على الرافضة ص/٢٧٤. ٢ـ عقيدة السلف وأصحاب الحديث ضمن مجموعة الرسائل المنيرية ١/١٢٩. ٣ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٢/٢٠٦. ٤ـ منهاج السنة ١/١٤٢. ٥ـ شرح الطحاوية ص/٥٣٩.
[ ٢ / ٦٤٤ ]
أبي بكر: "وإذ قد صحت إمامة أبي بكر ﵁ فطاعته فرض في استخلاف عمر ﵁ بما ذكرناه، وبإجماع المسلمين عليها"١.
وقال الملا علي القاري ذاكرًا للإجماع على فضل عمر وحقية خلافته فقال: "وقد أجمعوا على فضيلته وحقية خلافته"٢.
ومن هذه النقول التي تقدم ذكرها تبين أن خلافة عمر ﵁ تمت بإجماع أصحاب رسول الله ﷺ حيث تلقوا عهد أبي بكر ﵁ بالخلافة لعمر بالقبول والتسليم ولم يعارض في ذلك أحد وكذا أجمعت الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة على ما أجمع عليه أصحاب رسول الله ﷺ ولم يخالفهم إلا من لا يعتد بخلافه ممن ابتلي ببغض أصحاب رسول الله ﷺ كالشيعة الرافضة ومن جرى في ركابهم ممن فتن بهم فإن اعترض معترض على إجماع الصحابة المتقدم ذكره بما رواه ابن سعد وغيره من أن بعض الصحابة سمعوا بدخول عبد الرحمن بن عوف وعثمان على أبي بكر فقال له قائل منهم: ما أنت قائل لربك إذا سألك عن استخلاف عمر علينا؟ وقد نرى غلظته؟ فقال أبو بكر: أجلسوني أبا لله تخوفني؟ خاب من تزود من أمركم بظلم، أقول: اللهم استخلفت عليهم خير أهلك أبلغ عني ما قلت لك من وراءك"٣ والجواب عن هذا أن هذا الإنكار الصادر إن صح من هذا القائل ليس عن جهالة لتفضيل عمر بعد أبي بكر واستحقاقه للخلافة، وإنما كان خوفًا من خشونته وغلظته لا اتهامًا له في قوته وأمانته"٤.
فالذي يجب على المسلم أن يعتقد اعتقادًا جازمًا لا مرية فيه أن أحق
_________________
(١) ١ـ الرد على الرافضة ص/٢٨٣-٢٨٤. ٢ـ شرح الفقه الأكبر ص/٩٨. ٣ـ الطبقات الكبرى ٣/١٩٩، الكامل في التاريخ ٢/٤٢٥، وانظر كتاب الإمامة والرد على الرافضة لأبي نعيم ص/٢٧٦. ٤ـ انظر كتاب الإمامة والرد على الرافضة ص/٢٧٦.
[ ٢ / ٦٤٥ ]
خلق الله تعالى بالخلافة بعد أبي بكر ﵁ هو عمر بن الخطاب ﵁ لفضله وعهد أبي بكر إليه وإجماع المسلمين كافة على صحة خلافته وحقيتها.
[ ٢ / ٦٤٦ ]