لقد أجمع أصحاب رسول الله ﷺ وكذا من جاء بعدهم ممن سلك سبيلهم من أهل السنة والجماعة على أن عثمان بن عفان ﵁ أحق الناس بخلافة النبوة بعد عمر بن الخطاب ﵁ ولم يخالف أو يعارض في هذا أحد بل الجميع سلم له ذلك لكونه أفضل خلق الله على الإطلاق بعد الشيخين أبي بكر وعمر ﵄.
وقد نقل الإجماع على أحقية عثمان ﵁ بالخلافة بعد عمر ﵁ طائفة من أهل العلم بالحديث وغيرهم ومن تلك النقول:-
ما رواه ابن أبي شيبة بإسناده إلى حارثة بن مضرب قال: حججت في إمارة عمر فلم يكونوا يشكون أن الخلافة من بعده لعثمان"١.
وروى أبو نعيم الأصبهاني بإسناده إلى حذيفة ﵁ قال: إني لواقف مع عمر تمس ركبتي ركبته فقال: من ترى قومك يؤمرون قال: إن الناس قد أسندوا أمرهم إلى ابن عفان"٢.
ونقل الحافظ الذهبي عن شريك بن عبد الله القاضي أنه قال: قبض النبي ﷺ فاستخلف المسلمون أبا بكر فلو علموا أن فيهم أحدًا أفضل منه كانوا قد غشوا ثم استخلف أبو بكر عمر فقام بما قام به من الحق والعدل، فلما احتضر جعل الأمر شورى بين ستة، فاجتمعوا على عثمان، فلو علموا أن فيهم أفضل
_________________
(١) ١ـ المصنف ١٤/٥٨٨. ٢ـ كتاب الإمامة والرد على الرافضة ص/٣٠٦.
[ ٢ / ٦٦٥ ]
منه كانوا قد غشونا"١.
وقال الحافظ ابن حجر ﵀: "وأخرج يعقوب بن شيبة في مسنده من طريق صحيح إلى حذيفة قال: قال لي عمر من ترى قومك يؤمرون بعدي؟ قال: قلت: قد نظر الناس إلى عثمان وأشهروه لها"٢.
وقال أيضًا: وأخرج البغوي في معجمه وخيثمة في "فضائل الصحابة" بسند صحيح عن حارثة بن مضرب قال: حججت مع عمر فكان الحادي يحدو أن الأمير بعده عثمان بن عفان"٣.
وروى أبو نعيم الأصبهاني بإسناده إلى حارثة بن مضرب قال: حججت مع عمر أول خلافة عمر فلم يشك أن الخليفة بعده عثمان بن عفان ﵁"٤.
فهذه النقول فيها بيان واضح في أن أصحاب النبي ﷺ قد اشتهر بينهم أولوية عثمان بالخلافة وما زال عمر بن الخطاب ﵁ حيًا لما سبق من علمهم ببعض النصوص المشيرة إلى أن ترتيبه سيكون في خلافة النبوة بعد الفاروق ﵁ ولعلمهم أنه أفضل الناس على الإطلاق بعد أبي بكر وعمر ﵃ جميعًا.
فقد روى ابن سعد بإسناده إلى النزال بن سبرة ﵁ قال: قال عبد الله بن مسعود حين استخلف عثمان: استخلفنا خير من بقي ولم نأله "وفي رواية أخرى قال: "أمرنا خير من بقي ولم نأل"٥ ولما استشهد الفاروق ﵁ بايع المهاجرون والأنصار وأمراء الأجناد والمسلمون عثمان ﵁ ليكون الخليفة للمسلمين بعد عمر ﵁ ولم يتأخر منهم أحد عن بيعته.
_________________
(١) ١ـ ميزان الاعتدال ٢/٢٧٣. ٢ـ فتح الباري ١٣/١٩٨. ٣ـ فتح الباري ١٣/١٩٨. ٤ـ كتاب الإمامة والرد على الرافضة ص/٣٠٦. ٥ـ الطبقات الكبرى لابن سعد ٣/٦٣، وانظر كتاب الإمامة والرد على الرافضة لأبي نعيم ص/٣٠٧ وقوله: ولم نأل أي لم نقصر في اختيار الأفضل.
[ ٢ / ٦٦٦ ]
فقد روى البخاري رحمه الله تعالى بإسناده إلى المسور بن مخرمة في قصة بيعة عثمان ﵁ من حديث طويل وفيه: "أن عبد الرحمن أرسل إلى من كان حاضرًا من المهاجرين والأنصار، وأرسل إلى أمراء الأجناد - وكانوا وافوا تلك الحجة مع عمر - فلما اجتمعوا تشهد عبد الرحمن ثم قال: أما بعد يا علي إني قد نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان، فلا تجعلن على نفسك سبيلًا فقال: أبايعك على سنة الله وسنة رسوله والخليفتين من بعده: فبايعه عبد الرحمن وبايعه الناس: المهاجرون والأنصار وأمراء الأجناد والمسلمون"١.
وقال الحسن بن محمد الزعفراني سمعت الشافعي يقول: "أجمع الناس على خلافة أبي بكر واستخلف أبو بكر عمر، ثم جعل عمر الشورى إلى ستة على أن يولوها واحدًا فولوها عثمان ﵃ أجمعين"٢.
وقد نقل أبو حامد محمد المقدسي كلامًا عزاه للإمام الشافعي أنه قال: "واعلموا أن الإمام الحق بعد عمر ﵁ عثمان رضي الله تعالى عنه بجعل أهل الشورى اختيار الإمامة إلى عبد الرحمن بن عوف واختياره لعثمان ﵁ وإجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم وصوبوا رأيه فيما فعله وأقام الناس على محجة الحق وبسط العدل إلى أن استشهد ﵁"٣.
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه قال: "لم يجتمعوا على بيعة أحد ما اجتمعوا على بيعة عثمان"٤.
وقال أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالى: "وثبتت إمامة عثمان ﵁ بعد عمر بعقد من عقد له الإمامة من أصحاب الشورى الذين نص عليهم
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٤/٢٤٥-٢٤٦. ٢ـ مناقب الشافعي للبيهقي ١/٤٣٤-٤٣٥. ٣ـ الرد على الرافضة ص/٣١٩-٣٢٠. ٤ـ منهاج السنة ٣/١٦٦
[ ٢ / ٦٦٧ ]
عمر فاختاروه ورضوا بإمامته وأجمعوا على فضله وعدله"١.
وقال أبو نعيم الأصبهاني رحمه الله تعالى في صدد ذكره للإجماع على خلافة عثمان: "فاجتمع أهل الشورى ونظروا فيما أمرهم الله به من التوفيق وأبدوا أحسن النظر والحياطة والنصيحة للمسلمين وهم البقية من العشرة المشهود لهم بالجنة واختاروا بعد التشاور والاجتهاد في نصيحة الأمة والحياطة لهم عثمان بن عفان ﵁ لما خصه الله به من كمال الخصال الحميدة والسوابق الكريمة وما عرفوا من علمه الغزير وحلمه لم يختلف على ما اختاروه وتشاوروا فيه أحد ولا طعن فيما اتفقوا عليه طاعن فأسرعوا إلى بيعتة، ولم يتخلف عن بيعتة من تخلف عن أبي بكر ولا تسخطها متسخط بل اجتمعوا عليه راضين به مجيبين له"٢.
وقال أبو عثمان الصابوني مبينًا عقيدة السلف وأصحاب الحديث في ترتيب الخلافة بعد أن ذكر أنهم يقولون أولًا بخلافة الصديق ثم عمر قال: "ثم خلافة عثمان ﵁ بإجماع أهل الشورى الأصحاب كافة ورضاهم به حتى جعل الأمر إليه"٣.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وجميع المسلمين بايعوا عثمان بن عفان لم يتخلف عن بيعته أحد فلما بايعه ذوو الشوكة والقدرة صار إمامًا وإلا لو قدر أن عبد الرحمن بايعه ولم يبايعه علي ولا غيره من الصحابة أهل الشوكة لم يصر إمامًا ولكن عمر لما جعلها شورى في ستة عثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف ثم إنه خرج طلحة والزبير وسعد باختيارهم وبقي عثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف واتفق الثلاثة باختيارهم على أن عبد الرحمن بن عوف لا يتولى ويولي أحد الرجلين وأقام
_________________
(١) ١ـ الإبانة عن أصول الديانة ص/٦٨. ٢ـ كتاب الإمامة والرد على الرافضة ص/٢٩٩-٣٠٠. ٣ـ عقيدة السلف وأصحاب الحديث ضمن مجموعة الرسائل المنيرية ١/١٢٩.
[ ٢ / ٦٦٨ ]
عبد الرحمن ثلاثًا حلف أنه لم يغتمض فيها بكبير نوم يشاور السابقين الأولين والتابعين لهم بإحسان يشاور أمراء الأجناد، وكانوا قد حجوا مع عمر ذلك العام، فأشار عليه المسلمون بولاية عثمان وذكر أنهم كلهم قدموا عثمان فبايعوه لا عن رغبة أعطاهم إياها ولا عن رهبة أخافهم بها، ولهذا قال غير واحد من السلف والأئمة كأيوب السختياني وأحمد بن حنبل والدارقطني وغيرهم من قدم عليًا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار وهذا من الأدلة الدالة على أن عثمان أفضل لأنهم قدموه باختيارهم واشتوارهم"١.
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى حاكيًا لإجماع الصحابة على خلافة عثمان ﵁: "ويروى أن أهل الشورى جعلوا الأمر إلى عبد الرحمن ليجتهد للمسلمين في أفضلهم ليوليه فيذكر أنه سأل من يمكنه سؤاله من أهل الشورى، وغيرهم فلا يشير إلا بعثمان بن عفان حتى أنه قال لعليّ: أرأيت إن لم أولك بمن تشير بع علي؟ قال بعثمان، وقال لعثمان: أرأيت إن لم أولك بمن تشير به؟ قال: بعلي بن أبي طالب والظاهر أن هذا كان قبل أن ينحصر الأمر في ثلاثة، وينخلع عبد الرحمن منها لينظر الأفضل، والله عليه والإسلام ليجتهدن في أفضل الرجلين فيوليه، ثم نهض عبد الرحمن بن عوف ﵁ يستشير الناس فيهما ويجمع رأي المسلمين برأي رؤوس الناس وأقيادهم جميعًا وأشتاتًا، مثنى وفرادى، ومجتمعين سرًا وجهرًا حتى خلص إلى النساء المخدرات في حجابهن، وحتى سأل الولدان في المكاتب، وحتى سأل من يرد من الركبان والأعراب إلى المدينة في مدة ثلاثة أيام بلياليها، فلم يجد اثنين يختلفان في تقدم عثمان بن عفان فسعى في ذلك عبد الرحمن ثلاثة أيام بلياليها لا يغتمض بكثير نوم إلا صلاة ودعاء واستخارة وسؤالا من ذوي الرأي عنهم، فلم يجد أحدًا يعدل بعثمان بن عفان ﵁ فلما كانت الليلة يسفر صباحها عن اليوم
_________________
(١) ١ـ منهاج السنة ١/١٤٣.
[ ٢ / ٦٦٩ ]
الرابع من موت عمر بن الخطاب - جاء إلى منزل ابن اخته المسور بن مخرمة وأمره أن ينادي له عليًا وعثمان ﵄ فناداهما فحضرا إلى عبد الرحمن فأخبرهما أنه سأل الناس فلم يجد أحدًا يعدل بهما أحدًا ثم أخذ العهد على كل منهما أيضًا لئن ولاه ليعدلن، ولئن ولي عليه ليسمعن وليطعن - ثم خرج بهما إلى المسجد وقد لبس عبد الرحمن العمامة التي عممه بها رسول الله ﷺ وتقلد سيفًا، وبعث إلى وجوه الناس من المهاجرين والأنصار، ونودي في الناس عامة الصلاة جامعة فامتلأ المسجد بالناس حتى غص بالناس، وتراص الناس وتراصوا حتى لم يبق لعثمان موضع يجلس فيه إلا في أخريات الناس - وكان رجلًا حييًا ﵁ ثم صعد عبد الرحمن بن عوف منبر رسول الله ﷺ فوقف وقوفًا طويلًا ودعا دعاء طويلًا لم يسمعه الناس ثم تكلم فقال: أيها الناس إني سألتكم سرًا وجهرًا عن إمامكم فلم أجدكم تعدلون بأحد هذين الرجلين إما علي، وإما عثمان فقم إلي يا علي، فقام إليه فوقف تحت المنبر فأخذ عبد الرحمن بيده فقال: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه ﷺ وفعل أبي بكر وعمر؟ قال: اللهم لا. ولكن على جهدي من ذلك وطاقتي قال: فأرسل يده وقال: قم إلي يا عثمان، فأخذ بيده وقال: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه ﷺ وفعل أبي بكر وعمر؟ قال: اللهم نعم قال: فرفع رأسه إلى سقف المسجد ويده في يد عثمان وقال: اللهم اسمع واشهد، اللهم اسمع واشهد، اللهم اسمع واشهد، اللهم إني قد جعلت ما في رقبتي من ذلك في رقبة عثمان قال: وازدحم الناس يبايعون عثمان حتى غشوه تحت المنبر قال: فقعد عبد الرحمن مقعد النبي ﷺ وأجلس عثمان تحته على الدرجة الثانية، وجاء إليه الناس يبايعونه، وبايعه علي بن أبي طالب أولًا، ويقال ثانيًا"١.
فهذه النقول المتقدم ذكرها للإجماع عن هؤلاء الأئمة كلها تفيد إفادة
_________________
(١) ١ـ البداية والنهاية ٧/١٥٩-١٦١.
[ ٢ / ٦٧٠ ]
قطعية أن البيعة بالخلافة تمت لعثمان ﵁ بإجماع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ولم يخالف أو يعارض في ذلك أحد، وما يذكره كثير من المؤرخين كابن جرير وغيره عن رجال لا يعرفون١ أن عليًا تلكأ فقال: عبد الرحمن: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ٢ فرجع علي يشق الناس حتى بايع وهو يقول: خدعة وأيما خدعة ٣.
فهذا باطل من وجوه:
الوجه الأول: أن هذه القصة مخالفة لما ثبت في الحديث الصحيح وذلك أنه ثبت في صحيح البخاري في قصة البيعة والاتفاق على عثمان أن عليًا ﵁ بايع عثمان بعد عبد الرحمن بن عوف مباشرة ثم بايع الناس بعده وما جاء مخالفًا لهذا فهو مردود على قائله وناقليه.
الوجه الثاني: أخرج ابن سعد بإسناده إلى مولى عمر بن الخطاب عن أبيه عن جده قال: أنا رأيت عليًا بايع عثمان أول الناس، ثم تتابع الناس فبايعوا"٤.
الوجه الثالث: أن المظنون بالصحابة خلاف ما يتوهم كثير من الرافضة وأغبياء القصاص الذين لا تمييز عندهم بين صحيح الأخبار وضعيفها ومستقيمها وسقيمها وميادها وقويمها"٥.
فكل ما يذكر من أن عليًا ﵁ تلكأ عن بيعة عثمان أو تأخر عنها فهو مبني على خبر غير صحيح رجاله لا يعرفون قد يكون في الغالب من وضع الرافضة الذين أوبقوا أنفسهم ببغض الصحابة ﵃. فبيعة عثمان تمت بإجماع المسلمين كافة ولا مطعن فيها لأحد من أهل الزيغ.
_________________
(١) ١ـ انظر البداية والنهاية ٧/١٦١. ٢ـ سورة الفتح آية/١٠. ٣ـ تاريخ الأمم والملوك لابن جرير ٤/٢٣٨-٢٣٩.
(٢) الطبقات الكبرى لابن سعد ٣/٦٢.
(٣) البداية والنهاية ٧/١٦١.
[ ٢ / ٦٧١ ]