لقد انعقد إجماع الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة على أن عليًا ﵁ كان متعينًا للخلافة بعد عثمان ﵁ لفضله على من بقي من الصحابة، وأنه أقدمهم إسلامًا، وأوفرهم علمًا، وأقربهم بالنبي ﷺ نسبًا، وأشجعهم نفسًا، وأحبهم إلى الله ورسوله وأكثرهم مناقب، وأفضلهم سوابق وأرفعهم درجة وأشرفهم منزلة، وأشبههم برسول الله ﷺ هديًا وسمتًا فكان ﵁ متعينًا للخلافة دون غيره، وقد قام من بقي من أصحاب النبي ﷺ بالمدينة بعقد البيعة به بالخلافة بالإجماع فكان حينئذ إمامًا حقًا وجب على سائر الناس طاعته وحرم الخروج عليه ومخالفته وقد نقل الإجماع على خلافته كثير من أهل العلم: فقد نقل محمد بن سعد إجماع من له قدم صدق وسابقة في الدين ممن بقي من أصحاب النبي بالمدينة على بيعة علي ﵁ حيث قال: "وبويع لعلي بن أبي طالب ﵀ بالمدينة الغد من يوم قتل عثمان بالخلافة بايعه طلحة والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وعمار بن ياسر، وأسامة بن زيد، وسهل بن حنيف، وأبو أيوب الأنصاري ومحمد بن مسلمة وزيد بن ثابت، وخزيمة بن ثابت وجميع من كان بالمدينة من أصحاب رسول الله ﷺ وغيرهم"١.
كما نقل إجماع الصحابة ومن جاء بعدهم من أهل السنة والجماعة على بيعة علي ﵁ الإمام أحمد بن حنبل، وأبو الحسن الأشعري وأبو نعيم
_________________
(١) ١ـ الطبقات الكبرى لابن سعد ٣/٣١.
[ ٢ / ٦٨٨ ]
الأصبهاني وغيرهم من أهل العلم.
فقد روى الإمام أحمد بإسناده إلى محمد بن الحنفية قال: كنت مع علي وعثمان محصور قال: فأتاه رجل فقال: إن أمير المؤمنين مقتول، ثم جاء آخر فقال: إن أمير المؤمنين مقتول الساعة قال: فقام علي قال محمد: فأخذت بوسطه تخوفًا عليه فقال: خل لا أم لك قال فأتى علي الدار وقد قتل الرجل فأتى داره فدخلها وأغلق عليه بابه فأتاه الناس فضربوا عليه الباب فدخلوا عليه فقالوا: إن هذا الرجل قد قتل ولا بد للناس من خليفة ولا نعلم أحدًا أحق بها منك فقال لهم علي: لا تريدوني فإني لكم وزير خير مني لكم أمير فقالوا: لا والله ما نعلم أحدًا أحق بها منك قال: فإن أبيتم علي فإن بيعتي لا تكون سرًا ولكن أخرج إلى المسجد فمن شاء أن يبايعني بايعني قال: فخرج إلى المسجد فبايعه الناس"١.
وذكر ابن قدامة رحمه الله تعالى أن الإمام أحمد رحمه الله تعالى روى بإسناده عن عبد الرزاق عن محمد بن راشد عن عوف قال: كنت عند الحسن فكأن رجلًا انتقص أبا موسى باتباعه عليًا فغضب الحسن ثم قال: سبحان الله قتل أمير المؤمنين عثمان فاجتمع الناس على خيرهم فبايعوه أفيلام أبو موسى باتباعه"٢.
فقد نقل الإمام أحمد ﵀ في هاتين الروايتين أن الصحابة ﵃ أجمعوا على بيعة علي ﵁ وأن إجماعهم ﵃ كان على خيرهم وأفضلهم على الإطلاق وأحقهم بالخلافة بعد عثمان ﵁.
وقال أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالى: "ونثبت إمامة علي بعد عثمان ﵁ بعقد من عقد له من الصحابة من أهل الحل والعقد ولأنه لم يدع
_________________
(١) ١ـ فضائل الصحابة للإمام أحمد ٢/٥٧٣. ٢ـ منهاج القاصدين في فضل الخلفاء الراشدين ص/٧٧-٧٨ وانظر فضائل الصحابة للإمام أحمد ٢/٥٧٧.
[ ٢ / ٦٨٩ ]
أحد من أهل الشورى غيره في وقته وقد اجتمع على فضله وعدله، وأن امتناعه عن دعوى الأمر لنفسه في وقت الخلفاء قبله كان حقًا لعلمه أن ذلك ليس بوقت قيامه فلما كان لنفسه في غير وقت الخلفاء قبله كان حقًا لعلمه أن ذلك وقت قيامه، ثم لما صار الأمر إليه أظهر وأعلن ولم يقصر حتى مضى على السداد والرشاد، كما مضى من قبله من الخلفاء وأئمة العدل على السداد والرشاد متبعين لكتاب ربهم وسنة نبيهم هؤلاء الأربعة المجمع على عدلهم وفضلهم ﵃"١.
وقال أبو نعيم الأصبهاني مبينًا كيف تدارك أصحاب النبي ﷺ الموقف بعد استشهاد الخليفة الراشد عثمان بن عفان، ومبينًا المزايا العالية التي تميز بها علي ﵁ على باقي الصحابة وجعلته أهلًا لأن يختاروه خليفة للمسلمين فقال: "فلما اختلفت الصحابة كان على الذين سبقوا إلى الهجرة والسابقة والنصرة والغيرة في الإسلام الذين اتفقت الأمة على تقديمهم لفضلهم في أمر دينهم ودنياهم لا يتنازعون فيهم ولا يختلفون فيمن أولى بالأمر من الجماعة الذين شهد لهم رسول الله ﷺ بالجنة في العشرة ممن توفي وهو عنهم راض فسلم من بقي من العشرة الأمر لعلي ﵁ ولم ينكر أنه من أكمل الأمة ذكرًا وأرفعهم قدرًا لقديم سابقته وتقدمه في الفضل والعلم، وشهوده المشاهد الكريمة يحبه الله ورسوله، ويحب الله ورسوله ويحبه المؤمنون ويبغضه المنافقون لم يضع منه تقديم من تقدمه من أصحاب رسول الله ﷺ بل ازداد به ارتفاعًا لمعرفته بفضل من قدمه على نفسه إذ كان ذلك موجودًا في الأنبياء والرسل ﵈ قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ إلى قوله: ﴿مَا يُرِيدُ﴾ ٢ فلم يكن تفضيل بعضهم على بعض بالذي يضع ممن هو دونه فكل الرسل صفوة الله ـ
_________________
(١) ١ـ الإبانة عن أصول الديانة ص/٧٨، وانظر مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين ١/٣٤٦. ٢ـ سورة البقرة آية/٢٥٣.
[ ٢ / ٦٩٠ ]
﷿ وخيرته من خلقه، فتولى أمر المسلمين عادلًا زاهدًا آخذًا في سيرته بمنهاج الرسول ﵊ وأصحابه ﵃ حتى قبضه الله ﷿ شهيدًا هاديًا مهديًا سلك بهم السبيل المستبين والصراط المستقيم"١.
وقال أبو منصور البغدادي: "أجمع أهل الحق والعدل على صحة إمامة علي ﵁ وقت انتصابه لها بعد قتل عثمان ﵁"٢.
وقال الزهري رحمه الله تعالى بعد ذكره لما قام به أبو الحسن من الوفاء بالعهد لإخوانه الثلاثة الخلفاء السابقين قبله قال: "وكان قد وفى بعهد عثمان حتى قتل وكان أفضل من بقي من الصحابة فلم يكن أحد أحق بالخلافة منه، ثم لم يستبد بها مع كونه أحق الناس بها حتى جرت له بيعة وبايعه مع سائر الناس من بقي من أصحاب الشورى"٣.
وقال عبد الملك الجويني في صدد ذكره للطريق التي تمت بها خلافة عمر وعثمان وعلي وأنه لا يعبأ بقول من يقول: إن إمامة علي لم يحصل عليها إجماع فقال: "وأما عمر وعثمان وعلي رضوان الله عليهم فسبيل إثبات إمامتهم واستجماعهم لشرائط الإمامة كسبيل إثبات إمامة أبي بكر، ومرجع كل قاطع في الإمامة إلى الخبر المتواتر والإجماع ولا اكتراث بقول من يقول: لم يحصل إجماع على إمامة علي ﵁ فإن الإمامة لم تجحد له وإنما هاجت الفتن لأمور أخر"٤.
وقال أبو عبد الله بن بطة رحمه الله تعالى حاكيًا لثبوت الإجماع على خلافة أبي الحسن ﵁ حيث قال: "كانت بيعة علي ﵀ بيعة اجتماع
_________________
(١) ١ـ كتاب الإمامة والرد على الرافضة ص/٣٦٠-٣٦١. ٢ـ كتاب أصول الدين ص/٢٨٦-٢٨٧. ٣ـ الاعتقاد ص/١٩٣. ٤ـ كتاب الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد ص/٣٦٢-٣٦٣.
[ ٢ / ٦٩١ ]
ورحمة لم يدع إلى نفسه ولم يجبرهم على بيعته بسيفه ولم يغلبهم بعشيرته ولقد شرف الخلافة بنفسه وزانها بشرفه وكساها حلة البهاء بعدله ورفعها بعلو قدره ولقد أباها فأجبروه وتقاعس عنها فأكرهوه"١.
فقد بين رحمه الله تعالى أن بيعة علي ﵁ كانت بالإجماع وأن حصول الإجماع عليها من قبل أهل الحل والعقد كان رحمة من الله بالأمة المحمدية، كما بين ﵀ أن عليًا ﵁ زين الخلافة ولم تزينه، ورفعها ولم ترفعه وهكذا كان من تقدمه من الخلفاء ﵃ زينوا الخلافة وجملوا الأمة المحمدية، وأتموا الدين وأظهروه، وأسسوا الإسلام وأشهروه ﵃ أجمعين.
وقال الغزالي: "وقد أجمعوا على تقديم أبي بكر، ثم نص أبو بكر على عمر، ثم أجمعوا بعده على عثمان، ثم على علي ﵃، وليس يظن منهم الخيانة في دين الله - تعالى - لغرض من الأغراض وكان إجماعهم على ذلك من أحسن ما يستدل به على مراتبهم في الفضل، ومن هذا اعتقد أهل السنة هذا الترتيب في الفضل، ثم بحثوا عن الأخبار فوجدوا فيها ما عرف مستند الصحابة وأهل الإجماع في هذا الترتيب"٢.
وقال أبو بكر بن العربي في معرض سياقه لحادثة قتل عثمان ظلمًا وعدوانًا على أيدي الخارجين عليه الظلمة المعتدين قال: "فلما قضى الله من أمره ما قضى ومضى في قدره ما مضى علم أن الحق لا يترك الناس سدى، وأن الخلق بعده مفتقرون إلى خليفة مفروض عليهم النظر فيه ولم يكن بعد الثلاثة كالرابع قدرًا وعلمًا وتقى ودينًا فانعقدت له البيعة ولولا الإسراع بعقد البيعة لعلي لجري
_________________
(١) ١ـ ذكره عنه العلامة ابن قدامة في كتابه منهاج القاصدين في فضل الخلفاء الراشدين ص/٧٧ وانظر لوامع الأنوار البهية للسفاريني ٢/٣٤٦. ٢ـ الاقتصاد في الاعتقاد ص/١٥٤.
[ ٢ / ٦٩٢ ]
على من بها من الأوباش ما لا يرقع خرقه ولكن عزم عليه المهاجرون والأنصار ورأى ذلك فرضًا عليه فانقاد إليه"١.
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: أن أصحاب رسول الله ﷺ أجمعوا على بيعة عثمان بعد عمر ﵃ جميعًا كما بين كذلك أن أهل السنة والجماعة أجمعوا عامة على تقديم الصديق، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي ﵃.
فقد قال ﵀: "واتفق أصحاب رسول الله ﷺ على بيعة عثمان بعد عمر وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة" فكان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ آخر الخلفاء الراشدين المهديين " وقد اتفق عامة أهل السنة من العلماء والعباد والأمراء والأجناد على أن يقولوا: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي"٢.
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: "وكانت بيعة علي بالخلافة عقب قتل عثمان في أوائل ذي الحجة سنة خمس وثلاثين فبايعه المهاجرون والأنصار وكل من حضر وكتب بيعته إلى الآفاق فأذعنوا كلهم إلا معاوية في أهل الشام فكان بينهم بعد ما كان"٣.
والذي نستفيده من هذه النقول المتقدمة للإجماع أن خلافة علي ﵁ محل إجماع على حقيتها وصحتها في وقت زمنها وذلك بعد قتل عثمان ﵁ حيث لم يبق على الأرض أحق بها منه ﵁ فقد جاءته ﵁ على قدر في وقتها ومحلها، وقد جاء في بعض هذه النقول للإجماع النص على
_________________
(١) ١ـ العواصم من القواصم ص/١٤٢. ٢ـ الوصية الكبرى ص/٣٣. ٣ـ فتح الباري ٧/٧٢.
[ ٢ / ٦٩٣ ]
مبايعة طلحة والزبير ﵄ لعلي ﵁ وهذا فيه رد لبعض الروايات التي ذكرها بعض المؤرخين من أنهما بايعا مكرهين فقد جاء في بعض تلك الروايات أن طلحة ﵁ قال: "بايعت واللج على قفي"١.
وقد رد العلامة ابن العربي على هذا بقوله: "اخترع هذا الحديث من أراد أن يجعل في "القفا" لغة "قفي" كما يجعل في "الهوى": "هوى" وتلك لغة هذيل لا قريش٢ فكانت كذبه لم تدبر"٣.
بل قد جاء في بعض الروايات أن طلحة ﵁ كان أول من بايع عليًا حتى قال حبيب بن ذؤيت: بايع عليًا يد شلاء لا يتم هذا الأمر٤ "وأهل الكوفة يقولون: أول من بايعه الأشتر"٥.
وقد رد القاضي أبو بكر ابن العربي على قول القائل في طلحة "يد شلاء" بقوله: "أما قولهم: "يد شلاء" لو صح فلا متعلق لهم فيه فإن يدًا شلبت في وقاية رسول الله ﷺ يتم لها كل أمر ويتوقى بها من كل مكروه وقد تم الأمر على وجهه ونفذ القدر بعد ذلك على حكمه وجهل المبتدع ذلك فاخترع ما هو حجة عليه"٦.
وهذا الرد من ابن العربي على ما قيل في يد طلحة ﵁ يستحق أن يكتب بماء الذهب لأنه لو كانت يد طلحة هي الأولى في البيعة لكانت أكثر بركة ونفعًا لأنها يد ذبت عن رسول الله ﷺ المشركين يوم أحد، أما يد الأشتر
_________________
(١) ١ـ العواصم من القواصم لابن العربي ص/١٤٤ وانظر تاريخ الأمم والملوك ٤/٤٣١-٤٣٥ وانظر أيضًا الكامل في التاريخ لابن الاثير ٣/١٩٣، النهاية في غريب الحديث ٤/٢٣٤، البداية والنهاية ٧/٢٤٧. ٢ـ بل إنها أبعد عن لغة قريش من لهجة هذيل فقد ذكر العلامة ابن الأثير في كتابه "النهاية في غريب الحديث ٤/٢٣٤ أنها لغة طيء. ٣ـ العواصم من القواصم ص/١٤٤. ٤ـ تاريخ الأمم والملوك ٤/٤٢٨، الكامل لابن الأثير ٣/١٩١. ٥ـ تاريخ الأمم والملوك ٤/٤٣٣، البداية والنهاية ٧/٢٤٧. ٦ـ العواصم من القواصم ص/١٤٤-١٤٥.
[ ٢ / ٦٩٤ ]
اللئيم فإنها كانت لا تزال رطبة من دم الإمام الشهيد المبشر بالجنة عثمان ﵁، فدعوى أن طلحة والزبير بايعا مكرهين دعوى غير صحيحة بل الثابت أنه لما قتل عثمان ﵁ طلب جمهور الصحابة ﵃ من علي أن يتولى أمر المسلمين فكان يفر منهم في حيطان المدينة١ وأيضًا: لما توفي عمر ﵁ جعل الأمر شورى في ستة منهم طلحة والزبير واتفقوا على أن الأمر دائر بين عثمان وعلي فاتفقوا على تقديم عثمان وبعد استشهاده ﵁ كان صاحب الحق هو علي ﵁.
وقد اعترض بعض الناس على الإجماع على خلافة علي ﵁ من وجوه:
١- تخلف عنه من الصحابة جماعة منهم سعد بن أبي وقاص، ومحمد بن مسلمة وابن عمر وأسامة بن زيد وسواهم من نظرائهم٢.
٢- إنما بايعوه على أن يقتل قتلة عثمان٣.
٣- أن أهل الشام معاوية ومن معه لم يبايعوه بل قاتلوه.
وهذه الاعتراضات لا تأثير لها على الإجماع المذكور، ولا توجب معارضته وذلك أنها مردودة من وجوه:
الوجه الأول: أن دعوى أن جماعة من الصحابة تخلفوا عن بيعته دعوى غير صحيحية إذ أن بيعته لم يتخلف عنها وأما نصرته فتخلف عنها قوم منهم من ذكر لأنها كانت مسألة اجتهادية فاجتهد كل واحد وأعمل نظره وأصاب قدره"٤.
_________________
(١) ١ـ انظر تاريخ الأمم والملوك ٤/٤٣٢، البداية والنهاية ٧/٢٤٦. ٢ـ العواصم من القواصم ص/١٤٦-١٤٧. ٣ـ المصدر السابق ص/١٤٥. ٤ـ العواصم من القواصم ص/١٤٧، وانظر كتاب "التمهيد" للباقلاني ص/٢٣٣-٢٣٤.
[ ٢ / ٦٩٥ ]
الوجه الثاني: أن عقد الخلافة ونصب إمام واجب لا بد منه، ووقف ذلك على حضور جميع الأمة واتفاقهم مستحيل أو متعذر فلا يجوز اشتراطه لإفضاء ذلك إلى انتفاء الواجب ووقوع الفساد اللازم من انتفائه"١.
الوجه الثالث: أن الإجماع حصل على بيعة أبي بكر بمبايعة الفاروق وأبي عبيدة ومن حضرهم من الأنصار مع غيبة علي وعثمان وغيرهما من الصحابة وكذلك حصل الإجماع على خلافة علي بمبايعة عمار ومن حضر من البدريين وغيرهم من الصحابة ولا يضر هذا الإجماع من غاب عن البيعة أو لم يبايعه من غيرهم ﵃ جميعًا.
قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: "والله ما كانت بيعة علي إلا كبيعة أبي بكر وعمر ﵃"٢.
الوجه الرابع: دعوى أنه إنما بويع على أن يقتل قتلة عثمان "هذا لا يصح في شرط البيعة. وإنما يبايعونه على الحكم بالحق وهو أن يحضر الطالب للدم، ويحضر المطلوب وتقع الدعوى ويكون الجواب وتقوم البينة ويقع الحكم"٣ بعد ذلك.
الوجه الخامس: أن معاوية ﵁ لم يقاتل عليًا على الخلافة ولم ينكر إمامته وإنما كان يقاتل من أجل إقامة الحد الشرعي على الذين اشتركوا في قتل عثمان مع ظنه أنه مصيب في اجتهاده ولكنه كان مخطئًا في اجتهاده ذلك فله أجر الاجتهاد فقط.
قال عبد الملك الجويني: "ومعاوية وإن قاتل عليًا فإنه لا ينكر إمامته ولا يدعيها لنفسه وإنما كان يطلب قتلة عثمان ﵁ ظانًا أنه مصيب ولكنه
_________________
(١) ١ـ منهاج القاصدين في فضل الخلفاء الراشدين ص/٧٦-٧٧. ٢ـ انظر المصدر السابق ص/٧٧. ٣ـ العواصم من القواصم ص/١٤٥-١٤٦.
[ ٢ / ٦٩٦ ]
كان مخطئًا"١.
فخلافة علي ﵁ ثابتة بالنص والإجماع ولا تأثير لأي اعتراض يورد على الإجماع فيجب على كل مسلم أن يعتقد اعتقادًا جازمًا أن عليًا ﵁ رابع الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين الذين أمرنا بالتمسك بسنتهم والاقتداء بهم وترتيبهم في الإمامة كترتيبهم في الفضل أولًا أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي ﵃ أجمعين وهذا معتقد الفرقة الناجية من أهل السنة والجماعة فقد روى البيهقي بإسناده إلى الإمام الشافعي رحمه الله تعالى أنه قال: "في الخلافة والتفضيل نبدأ بأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃"٢ وروى أيضًا بإسناده إلى الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه قيل له: "إلى ما تذهب في الخلافة قال: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي فقيل له: كأنك تذهب إلى حديث سفينة قال: أذهب إلى حديث سفينة وإلى شيء آخر رأيت عليًا في زمن أبي بكر وعمر وعثمان لم يتسم بأمير المؤمنين ولم يقم الجمع والحدود ثم رأيته بعد قتل عثمان قد فعل ذلك فعلمت أنه قد وجب له في ذلك الوقت ما لم يكن له قبل ذلك"٣.
وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة رحمه الله تعالى: "خير الناس بعد رسول الله ﷺ وأولاهم بالخلافة أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين ثم علي بن أبي طالب ﵀ ورضوانه عليهم أجمعين"٤.
وقال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: "ونثبت الخلافة بعد رسول الله ﷺ أولًا لأبي بكر الصديق ﵁ تفضيلًا له وتقديمًا على جميع الأمة ثم لعمر بن الخطاب ﵁، ثم لعثمان ﵁، ثم لعلي بن
_________________
(١) ١ـ لمع الأدلة في عقيدة أهل السنة ص/١١٥ مخطوط نقلًا عن كتاب "أباطيل يجب أن تمحى من التاريخ" ص/١١٥. ٢ـ الاعتقاد ص/١٦٨-١٦٩. ٣ـ المصدر السابق. ٤ـ ذكره عنه البيهقي بالإسناد في كتابه "الاعتقاد" ص/١٩٦-١٩٧.
[ ٢ / ٦٩٧ ]
أبي طالب ﵁ وهم الخلفاء الراشدون والأئمة والمهديون"١.
وقال أبو بكر الباقلاني رحمه الله تعالى موضحًا الدليل على ترتيب الخلافة الراشدة: "والدليل على إثبات الإمامة للخلفاء الأربعة ﵃ على الترتيب الذي بيناه: أن الصحابة ﵃ كانوا أعلام الدين ومصابيح أهل اليقين شاهدوا التنزيل وعرفوا التأويل، وشهد لهم النبي ﷺ بأنهم خير القرون فقال: "خير القرون قرني" ٢.
فلما قدموا هؤلاء الأربعة على غيرهم ورتبوهم على الترتيب المذكور علمنا أنهم ﵃ لم يقدموا أحدًا شهيا منهم، وإنما قدموا من قدموه لاعتقادهم كونه أفضل وأصلح للإمامة من غيره في وقت توليه قال الشريف الأجل الإمام جمال الإسلام: ووقع لي أنا دليل من نص الكتاب في ترتيبهم على هذه الرتبة: أنه لا يجوز أن يكون غير ذلك هو قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ٣.
ووعده حق، وخبره صدق لا يقع بخلاف مخبره فلا بد من أن يتم ما وعدهم به، وأخبر أن يكون لهم، ولا يصح إلا على هذا الترتيب لأنه لو قدم علي ﵇ لم تصر الخلافة فيها إلى أحد من الثلاثة لأن عليًا ﵇ مات بعد الثلاثة وكذلك لو قدم عثمان ﵁ لم تصر الخلافة إلى أبي بكر وعمر لأن عثمان مات بعد موتهما، ولو قدم عمر لم تصر الخلافة إلى أبي بكر لأن عمر مات بعده والله تعالى أخبر ووعد أنها تصير إليهم فلم يصح أن تقع إلا على الوجه الذي وقعت ولله الحمد على الهداية والتوفيق"٤.
_________________
(١) ١ـ شرح العقيدة الطحاوية ص/٥٣٣-٥٤٥. ٢ـ انظر صحيح البخاري ٢/٢٨٨، صحيح مسلم ٤/١٩٦٣. ٣ـ سورة النور آية/٥٥. ٤ـ الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به ص/٦٦-٧٦.
[ ٢ / ٦٩٨ ]
فهذه الأقوال عن هؤلاء الأئمة كلها فيها البيان الشافي لعقيدة الفرقة الناجية في ترتيب الخلافة الراشدة كما علم مما تقدم في هذا المبحث من نقول للإجماع أن عليًا ﵁ رابع الخلفاء الراشدين باتفاق أهل الحل والعقد وأنه قد اتفق على بيعته عامة من حضر المدينة من البدريين والأنصار كاجتماع أهل السقيفة على بيعة أبي بكر ﵁ وبناء على ما تقدم فإن الذي لا يسعه في عقيدة ترتيب الخلافة ما وسع الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة فإنه رافضي مقيت.
[ ٢ / ٦٩٩ ]