أولًا: الآيات القرآنية:
لقد وردت آيات في الكتاب العزبز فيها الإشارة إلى أبا بكر الصديق ﵁ أحق الناس من هذه الأمة بخلافة سيد الأولين والآخرين وتلك الآيات هي:
١/ قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ١ ووجه الدلالة أن أبا بكر ﵁ داخل فيمن أمر الله - جل وعلا - عباده أن يسألوه أن يهديهم طريقهم وأن يسلك بهم سبيلهم وهم الذين أنعم الله عليهم وذكر منهم الصديقين في قوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ ٢ وقد أخبر المصطفى ﷺ أن أبا بكر ﵁ من الصديقين٣ فدل ذلك على أنه واحد منهم بل هو المقدم فيهم ولما كان أبو بكر ﵁ ممن طريقهم هو الصراط المستقيم فلا يبقى أي شك لدى العاقل في أنه أحق خلق الله من هذه الأمة بخلافة المصطفى ﷺ.
قال محمد بن عمر الرازي: " قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ
_________________
(١) ١ـ سورة الفاتحة آية/٦-٧. ٢ـ سورة النساء آية/٦٩. ٣ـ انظر صحيح البخاري ٢/٢٩٣.
[ ٢ / ٥٣٢ ]
الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ يدل على إمامة أبي بكر ﵁ لأنا ذكرنا أن تقدير الآية: اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم والله تعالى قد بين في آية أخرى أن الذين أنعم الله عليهم من هم؟ فقال: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ﴾ الآية ولا شك أن رأس الصديقين ورئيسهم أبو بكر الصديق ﵁ فكان معنى الآية أن الله أمرنا أن نطلب الهداية التي كان عليها أبو بكر الصديق وسائر الصديقيين ولو كان أبو بكر ظالمًا لما جاز الاقتداء به فثبت بما ذكرناه دلالة هذه الآية على إمامة أبي بكر ﵁"١.
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: "يؤخذ من هذه الآية الكريمة صحة إمامة أبي بكر الصديق ﵁ لأنه داخل فيمن أمرنا الله في السبع المثاني والقرآن العظيم - أعني الفاتحة - بأن نسأله أن يهدينا صراطهم فدل على أن صراطهم هو الصراط المستقيم وذلك في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ وقد بين الذين أنعم عليهم فعد منهم الصديقين وقد بين النبي ﷺ أن أبا بكر ﵁ من الصديقين فاتضح أنه داخل في الذين أنعم الله عليهم الذين أمرنا الله أن نسأله الهداية إلى صراطهم فلم يبق لبس في أبي بكر الصديق ﵁ على الصراط المستقيم وأن إمامته حق"٢.
٢/ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ٣.
هذه الصفات المذكورة في هذه الآية الكريمة أول من تنطبق عليه أبو بكر
_________________
(١) ١ـ التفسير الكبير للرازي ١/٢٦٠. ٢ـ أضواء البيان ١/٣٦. ٣ـ سورة المائدة آية/٥٤.
[ ٢ / ٥٣٣ ]
الصديق ﵁ وجيوشه من الصحابة الذين قاتلوا المرتدين فقد مدحهم الله بأكمل الصفات وأعلى المبرات ووجه دلالة الآية على خلافة الصديق أنه "كان في علم الله ﷾ ما يكون بعد وفاة رسول الله ﷺ من ارتداد قوم فوعد سبحانه ووعده صدق - أنه يأتي بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل ولا يخافون لومة لائم، فلما وجد ما كان في علمه في ارتداد من ارتد بعد وفاة رسول الله ﷺ وجد تصديق وعده بقيام أبي بكر الصديق ﵁ بقتالهم فجاهد بمن أطاعه من الصحابة من عصاه من الأعراب ولم يخف في الله لومة لائم حتى ظهر الحق وزهق الباطل وصار تصديق وعده بعد وفاة رسول الله ﷺ آية للعالمين ودلالة على صحة خلافة الصديق ﵁"١.
روى ابن جرير الطبري بإسناده إلى علي ﵁ أنه قال في قوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ قال: فسوف يأتي الله المرتدة في دورهم بقوم يحبهم ويحبونه بأبي بكر وأصحابه"٢ وروى الحافظ أبو بكر البيهقي بإسناده إلى الحسن البصري ﵀ أنه قال في قوله: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ قال: هم الذين قاتلوا مع أبي بكر أهل الردة من العرب حتى رجعوا إلى الإسلام بعد رسول الله ﷺ ثم قال: وكذلك قال عكرمة وقتادة والضحاك، وروينا عن عبد الله بن الأهتم أنه قال لعمر بن عبد العزيز: إن أبا بكر قام بعد رسول الله ﷺ فدعا إلى سنته ومضى على سبيله فارتدت العرب، أو من ارتد منهم فعرضوا أن يقيموا الصلاة ولا يؤتوا الزكاة فأبى أن يقبل منهم إلا ما كان رسول الله ﷺ قابلًا في حياته فانتزع السيوف من أغمادها وأوقد النيران في شعلها وركب بأهل حق الله أكتاف أهل الباطل حتى قررهم بالذي نفروا منه وأدخلهم من الباب الذي خرجوا
_________________
(١) ١ـ الاعتقاد للبيهقي ص/١٧٣-١٧٤. ٢ـ جامع البيان ٦/٢٨٥.
[ ٢ / ٥٣٤ ]
منه حتى قبضه الله"١.
فدلت الآية السابقة على خلافة الصديق حيث حصل في خلافته ما نطقت به الآية من ارتداد الكثير من العرب عن الإسلام بعد وفاة النبي ﷺ وجاهدهم أبو بكر ﵁ هو والصحابة الكرام ﵃ حتى رجعوا إلى الإسلام كما أخبر الله تعالى في الآية وهذا من الكائنات التي أخبر بها الرب - جل وعلا - قبل وقوعها.
٣/ قال تعالى: ﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ ٢ ففي هذه الآية الكريمة جعل الله أبا بكر في مقابلة الصحابة أجمع حيث خاطبهم بأنهم إن لم يعينوا رسوله ﷺ بالنفير معه للمقاتلة في سبيل الله فقد نصره بصاحبه أبي بكر ﵁ وأيده بجنود من الملائكة ثم بين - تعالى - أنه ثاني اثنين - ثالثهما رب العالمين وهذه الميزة الشريفة والمنزلة العظيمة اعتبرها أصحاب رسول الله ﷺ من صفاته العالية التي جعلته أحق الناس بالإمامة بعد النبي صلى الله عليه وسلم٣ لأنه لا أفضل في الأمة المحمدية من أبي بكر الذي هو ثاني اثنين قال ﵊ في شأنهما: "ما ظنك باثنين الله ثالثهما" ٤.
قال أبو عبد الله القرطبي: "قال بعض العلماء في قوله تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ ما يدل على أن الخليفة بعد النبي ﷺ أبو بكر الصديق ﵁ لأن الخليفة لا يكون إلا ثانيًا وسمعت شيخنا أبا العباس أحمد بن عمر يقول: إنما استحق الصديق أن يقال له ثاني اثنين لقيامه بعد النبي ﷺ بالأمر كقيام النبي ﷺ به أولا، وذلك أن النبي ﷺ لما مات ارتدت العرب
_________________
(١) ١ـ الاعتقاد ص/١٧٤. ٢ـ سورة التوية آية/٤٠. ٣ـ انظر صحيح البخاري ٤/٢٤٨، المصنف لابن أبي شيبة ١٥/٥٧٠. ٤ـ صحيح البخاري ٢/٢٨٨، صحيح مسلم ٤/١٨٥٤.
[ ٢ / ٥٣٥ ]
كلها ولم يبق الإسلام إلا بالمدينة وجواثًا١ فقام أبو بكر يدعو الناس إلى الإسلام ويقاتلهم على الدخول في الدين كما فعل النبي ﷺ فاستحق من هذه الجهة أن يقال في حقه ثاني اثنين"٢.
٤/ قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ ٣. الآية "ووجه دلالة الآية على أحقية الصديق بلإمامة بعد النبي ﷺ أن الهجرة فعل شاق على النفس ومخالف للطبع فمن أقدم عليه أولا صار قدوة لغيره في هذه الطاعة وكان ذلك مقويًا لقلب الرسول ﵊ وسببًا لزوال الوحشة عن خاطره وكذلك السبق في النصرة فإن الرسول ﵊ لما قدم المدينة فلا شك أن الذين سبقوا إلى النصرة والخدمة فازوا بمنصب عظيم وإذا ثبت هذا فإن أسبق الناس إلى الهجرة أبو بكر الصديق فإنه في خدمة المصطفى ﵊ وكان مصاحبًا له في كل مسكن وموضع فكان نصيبه من هذا المنصب أعلى من نصيب غيره وإذا ثبت هذا صار محكومًا عليه بأنه ﵁ ورضي هو عن الله وذلك في أعلى الدرجات من الفضل، وإذا ثبت هذا وجب أن يكون إمامًا حقًا بعد رسول الله ﷺ فصارت هذه الآية من أدل الدلائل على فضل أبي بكر وعمر ﵄ وعلى صحة إمامتهما"٤.
٥/ قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ ٥
_________________
(١) ١ـ جواثًا: قرية بالبحرين معروفة "انظر معجم البلدان" ٢/١٧٤، لسان العرب ٢/١٢٦. ٢ـ الجامع لأحكام القرآن ٨/١٤٧-١٤٨. ٣ـ سورة التوبة آية/١٠٠. ٤ـ انظر التفسير الكبير للفخر الرازي ١٦/١٦٨-١٦٩. ٥ـ سورة النور آية/٥٥.
[ ٢ / ٥٣٦ ]
"هذه الآية منطبقة على خلافة الصديق ﵁ وعلى خلافة الثلاثة بعده فلما وجدت هذه الصفة من الاستخلاف والتمكين في أمر أبي بكر وعمر وعثمان وعلي دل ذلك على أن خلافتهم حق"١.
قال الحافظ ابن كثير: "وقال بعض السلف خلافة أبي بكر وعمر ﵄ حق في كتاب الله ثم تلا هذه الآية"٢.
٦/ قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ ٣.
قال أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالى: "وقد دل الله على إمامة أبي بكر في سورة براءة فقال للقاعدين عن نصرة نبيه ﵇ والمتخلفين عن الخروج معه ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ ٤ وقال في سورة أخرى: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ يعني قوله: ﴿لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا﴾ ثم قال: ﴿كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ وقال: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا﴾ - يعني تعرضوا عن إجابة الداعي لكم إلى قتالهم - ﴿كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ ٥ والداعي لهم إلى ذلك غير النبي ﷺ الذي قال الله ﷿ له ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ وقال في سورة الفتح:
_________________
(١) ١ـ انظر تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٥/١٢١. ٢ـ المصدر السابق. ٣ـ سورة الفتح آية/١٦. ٤ـ سورة التوبة آية/٨٣. ٥ـ سورة الفتح آية/١٥-١٦.
[ ٢ / ٥٣٧ ]
﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ "فمنعهم عن الخروج مع نبيه ﵇ وجعل خروجهم معه تبديلًا لكلامه فوجب بذلك أن الداعي الذي يدعوهم إلى القتال داع يدعوهم بعد نبيه ﷺ"١.
وقد قال مجاهد في قوله: ﴿أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾: هم فارس والروم وبه قال الحسن البصري. وقال عطاء: هم فارس وهو أحد قولي ابن عباس ﵁، وفي رواية أخرى عنه أنهم بنو حنيفة يوم اليمامة فإن كانوا أهل اليمامة فقد قوتلوا في أيام أبي بكر: وهو الداعي إلى قتال مسيلمة وبني حنيفة من أهل اليمامة، وإن كانوا أهل فارس والروم٢ فقد قوتلوا في أيام أبي بكر وقاتلهم عمر من بعده وفرغ منهم وإذا وجبت إمامة عمر وجبت إمامة أبي بكر كما وجبت إمامة عمر لأنه العاقد له الإمامة فقد دل القرآن على إمامة الصديق والفاروق ﵄، وإذا وجبت إمامة أبي بكر بعد رسول الله ﷺ وجب أنه أفضل المسلمين ﵁"٣.
٧/ قال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ ٤.
وجه دلالة هذه الآية على خلافته ﵁ أن الله - جل وعلا - سماهم "صادقين" ومن شهد له الرب - جل وعلا - بالصدق فإنه لا يقع في الكذب ولا يتخذه خلقًا بحال وقد أطبق هؤلاء الموصوفون بالصدق على تسمية الصديق ﵁ "خليفة رسول الله"٥ ﷺ ومن هنا كانت الآية دالة على ثبوت خلافته ﵁.
_________________
(١) ١ـ الإبانة عن أصول الديانة ص/٦٧، وانظر مقالات الإسلاميين ٢/١٤٤، الاعتقاد للبيهقي ص/١٧٢-١٧٣. ٢ـ انظر جامع البيان للطبري ٢٦/٨٢-٨٤، الاعتقاد للبيهقي ص/١٧٣، تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٦/٣٤٠. ٣ـ الإبانة عن أصول الديانة ص/٦٧. ٤ـ سورة الحشر آية/٨. ٥ـ انظر الفصل في الملل والأهواء والنحل ٤/١٠٧، منهاج السنة ١/١٣٥.
[ ٢ / ٥٣٨ ]
ثانيًا: وأما الأحاديث النبوية التي جاء التنبيه فيها على خلافة أبي بكر ﵁ فكثيرة شهيرة متواترة ظاهرة الدلالة إما على وجه التصريح، أو الإشارة ولاشتهارها وتواترها صارت معلومة من الدين بالضرورة بحيث لا يسع أهل البدعة إنكارها ومن تلك الأحاديث:
١- ما رواه الشيخان في صحيحيهما عن جبير من مطعم قال: أتت امرأة النبي ﷺ فأمرها أن ترجع إليه قالت: أرأيت إن جئت ولم أجدك - كأنها تقول الموت - قال ﷺ: "إن لم تجديني فأتي أبا بكر" ١.
اشتمل هذا الحديث على إشارة واضحة في أن الذي يخلفه على الأمة هو أبو بكر الصديق ﵁.
قال أبو محمد بن حزم: "وهذا نص جلي على استخلاف أبي بكر"٢.
وقال الحافظ ابن حجر: "وفي الحديث أن مواعيد النبي ﷺ كانت على من يتولى الخلافة بعده تنجيزها وفيه رد على الشيعة في زعمهم أنه نص على استخلاف علي والعباس"٣.
٢- وروى مسلم ﵀ بإسناده إلى ابن أبي مليكة قال: سمعت عائشة وسئلت: من كان رسول الله ﷺ مستخلفًا لو استخلفه؟ قالت: أبو بكر. فقيل لها: ثم من بعد أبي بكر؟ قالت: عمر، ثم قيل لها: من بعد عمر؟ قالت: أبو عبيدة بن الجراح ثم انتهت إلى هذا"٤.
قال النووي: "هذا دليل لأهل السنة في تقديم أبي بكر ثم عمر للخلافة مع إجماع الصحابة وفيه دلالة لأهل السنة أن خلافة أبي بكر ليست بنص من
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٢/٢٨٩، صحيح مسلم ٤/١٨٥٦-١٨٥٧. ٢ـ الفصل في الملل والأهواء والنحل ٤/١٠٨. ٣ـ فتح الباري ٧/٢٤. ٤ـ صحيح مسلم ٤/١٨٥٦.
[ ٢ / ٥٣٩ ]
النبي ﷺ على خلافته صريحًا بل أجمعت الصحابة على عقد الخلافة له وتقديمه لفضيلته ولو كان هناك نص عليه أو على غيره لم تقع المنازعة من الأنصار وغيرهم أولا ولذكر حافظ النص ما معه ولرجعوا إليه لكن تنازعوا أولا ولم يكن هناك نص ثم اتفقوا على أبي بكر واستقر الأمر وأم ما تدعيه الشعية من النص على علي والوصية إليه فباطل لا أصل له باتفاق المسلمين والاتفاق على بطلان دعواهم من زمن علي وأول من كذبهم علي ﵁ بقوله: ما عندنا إلا ما في هذه الصحيفة الحديث١ ولو كان عنده نص لذكره ولم ينقل أنه ذكره في يوم من الأيام ولا أن احدًا ذكره له والله أعلم وأما قوله ﷺ للمرأة حين قالت: يا رسول الله أرأيت إن جئت فلم أجدك قال: "فإن لم تجديني فأتي أبا بكر " فليس فيه نص على خلافته وأمر بها، بل هو إخبار بالغيب الذي أعلمه الله تعالى به والله أعلم"٢.
٣- وروى الإمام أحمد وغيره عن حذيفة قال: كنا عند النبي ﷺ جلوسًا فقال: "إني لا أدري ما قدر بقائي فيكم فاقتدوا باللذين من بعدي" وأشار إلى أبي بكر وعمر "وتمسكوا بعهد عمار وما حدثكم ابن مسعود فصدقوه" ٣.
فقوله ﷺ: "اقتدوا باللذين من بعدي" أي: "بالخليفتين اللذين يقومان من بعدي وهما أبو بكر وعمر. وحث على الاقتداء بهما لحسن سيرتهما وصدق سريرتهما وفي الحديث إشارة لأمر الخلافة"٤.
٤- وروى الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "بينا أنا نائم أريت أني أنزع على حوضي أسقي الناس فجاءني أبو بكر فأخذ الدلو من يدي ليروحني فنزع دلوين وفي نزعه
_________________
(١) ١ـ انظر هذا الحديث في صحيح مسلم ٣/١٥٦٧. ٢ـ شرح النووي ١٥/١٥٤-١٥٥. ٣ـ المسند ٥/٣٨٥ - وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني ٣/٢٣٣-٢٣٦. ٤ـ انظر فيض القدير للمناوي ٢/٥٦، تحفة الأحوذي بشرح الترمذي ١٠/١٤٧.
[ ٢ / ٥٤٠ ]
ضعف والله يغفر له فجاء ابن الخطاب فأخذ منه فلم أر نزع رجل قط أقوى منه حتى تولى الناس والحوض ملآن يتفجر" ١.
هذا الحديث فيه إشارة ظاهرة إلى خلافة أبي بكر وعمر وصحة ولايتهما وبيان صفتها وانتفاع المسلمين بها.
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "رؤيا الأنبياء وحي وقوله: وفي نزعه ضعف قصر مدته وعجلة موته وشغله بالحرب لأهل الردة عن الافتتاح والتزيد الذي بلغه عمر في طول مدته"٢.
٥- وروى الشيخان في صحيحيهما من حديث عائشة قالت: قال لي رسول الله ﷺ في مرضه: "ادعي لي أبا بكر، وأخاك حتى أكتب كتابًا فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل: أنا أولى. ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر" ٣.
٦- وعند الإمام أحمد عنها ﵂ قالت: لما ثقل رسول الله ﷺ قال لعبد الرحمن بن أبي بكر: "ائتني بكتف ٤ أو لوح حتى أكتب لأبي بكر كتابًا لا يختلف عليه" فلما ذهب عبد الرحمن ليقوم قال: "أبى الله والمؤمنون أن يختلف عليك يا أبا بكر" ٥.
دل هذا الحديث دلالة ظاهرة على فضل الصديق ﵁ حيث أخبر النبي ﷺ بما سيقع في المستقبل بعد التحاقه بالرفيق الأعلى وأن المسلمين يأبون عقد الخلافة لغيره ﵁ وفي الحديث إشارة أنه سيحصل نزاع ووقع كل
_________________
(١) ١ـ صحح البخاري ٢/٢٩٠، صحيح مسلم ٤/١٨٦١-١٨٦٢ واللفظ له. ٢ـ الاعتقاد للبيهقي ص/١٧١. ٣ـ صحيح البخاري ٢/٢٤٧-٢٤٨، صحيح مسلم ٤/١٨٥٧ واللفظ له. ٤ـ الكتف: عظم عريض يكون في أصل كتف الحيوان من الناس والدواب كانوا يكتبون فيه لقلة القراطيس "النهاية" ٤/١٥٠. ٥ـ المسند ٦/٤٧.
[ ٢ / ٥٤١ ]
ذلك كما أخبر ﵊ ثم اجتمعوا على أبي بكر ﵁ قال أبو محمد بن حزم بعد أن ذكر هذا الحديث: "فهذا نص جلي على استخلافه ﵊ أبا بكر على ولاية الأمة بعده"١.
٧- وروى البخاري من حديث طويل عن أبي سعيد الخدري ﵁ وفيه أن النبي ﷺ قال: "إن أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر ولو كنت متخذًا خليلًا غير ربي لاتخذت أبا بكر ولكن أخوة الإسلام ومودته لا يبقين في المسجد باب إلا سد إلا باب أبي بكر" ٢.
وفي لفظ آخر للشيخين: "لا يبقين في المسجد خوخة٣ إلا سدت إلا خوخة أبي بكر" ٤ فأمره ﷺ بسد الأبواب جميعها إلا باب أبي بكر فيه إشارة قوية إلى أنه أول من يلي أمر الأمة بعد وفاته ﵊.
قال الحافظ ابن حجر: "قوله إلا باب أبي بكر" هو استثناء مفرغ والمعنى لا تبقوا بابًا غير مسدود إلا باب أبي بكر فاتركوه بغير سد قال الخطابي وابن بطال وغيرهما: في هذا الحديث اختصاص ظاهر لأبي بكر وفيه إشارة قوية إلى استحقاقه للخلافة ولا سيما وقد ثبت أن ذلك كان في آخر حياة النبي ﷺ في الوقت الذي أمرهم فيه أن لا يؤمهم إلا أبو بكر وقد ادعى بعضهم أن الباب كناية عن الخلافة والأمر بالسد كناية عن طلبها٥ كأنه قال: لا يطلبن أحد الخلافة إلا أبا بكر فإنه لا حرج عليه في طلبها وإلي هذا جنح ابن حبان فقال بعد أن أخرج هذا الحديث: "في هذا الحديث دليل على أنه الخليفة بعد النبي ﷺ لأنه حسم بقوله سدوا عني
_________________
(١) ١ـ الفصل في الملل والأهواء والنحل ٤/١٠٨. ٢ـ صحيح البخاري ٢/٢٨٨-٢٨٩. ٣ـ الخوخة: الباب الصغير بين البيتين أو الدارين "شرح النووي" ١٥/١٥١، النهاية لابن الأثير ٢/٨٦. ٤ـ صحيح البخاري ٢/٣٣١. ٥ـ الصحيح في تأويل الحديث أن سد الخوخات كان حسيًا وليس معنويًا ولذلك بادروا إلى سد الخوخات بالماء والطين والله أعلم.
[ ٢ / ٥٤٢ ]
كل خوخة في المسجد أطماع الناس كلهم على أن يكونوا خلفاء بعده"١.
٨- وروى الشيخان في صحيحيهما عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: مرض النبي ﷺ فاشتد مرضه فقال: "مروا أبا بكر فليصل بالناس" فقالت عائشة: إنه رجل رقيق إذا قام مقامك لم يستطع أن يصلي بالناس قال: "مروا أبا بكر فليصل بالناس" فعادت فقال: "مري أبا بكر فليصل بالناس، فإنكن صواحب يوسف" ٢ فأتاه الرسول فصلى بالناس في حياة النبي صلى الله عليه وسلم٣.
٩- وفي رواية أخرى عنها ﵂ أنها قالت: "إن رسول الله ﷺ قال في مرضه: "مروا أبا بكر يصلي بالناس" قالت عائشة: قلت: إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء، فمر عمر فليصل للناس فقالت عائشة: فقلت لحفصة: قولي له: إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء فمر عمر فليصل للناس ففعلت حفصة فقال رسول الله ﷺ: "مه إنكن صواحب يوسف مروا أبا بكر فليصل بالناس" فقالت حفصة لعائشة: "ما كنت لأصيب منك خيرًا"٤.
١٠- وروى مسلم في صحيحه بإسناده إلى عبيد الله بن عبد الله قال: دخلت على عائشة فقلت لها: ألا تحدثيني عن مرض رسول الله ﷺ قالت: بلى ثقل النبي ﷺ فقال: "أصلى الناس" قلنا: لا وهم ينتظرونك يا رسول الله قال: "ضعوا لي ماء في المخضب" ٥ ففعلنا فاغتسل ثم ذهب لينوء٦ فأغمي عليه ثم
_________________
(١) ١ـ فتح الباري ٧/١٤. ٢ـ قوله: فإنكن صواحب يوسف: أي في الظاهر على ما تردن وكثرة إلحاحكن في طلب ما تردنه وتملن إليه أهـ. شرح النووي ٤/١٤٠. ٣ـ صحيح البخاري ٢/١٢٤، صحيح مسلم ١/٣١٦. ٤ـ صحيح البخاري ٢/١٢٤، صحيح مسلم ١/٣١٣. ٥ـ المخضب: بالكسر شبه المركن وهي إجانة تغسل فيها الثياب "النهاية في غريب الحديث ٢/٣٩، شرح النووي ٤/١٣٦. ٦ـ ينوء: أي يقوم وينهض "شرح النووي" ٤/١٣٦.
[ ٢ / ٥٤٣ ]
أفاق فقال: "أصلى الناس" قلنا: لا وهم ينتظرونك يا رسول الله فقال: "ضعوا لي ماء في المخضب" ففعلنا فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمي عليه ثم أفاق فقال: "أصلى الناس" فقلنا: لا وهم ينتظرونك يا رسول الله قالت: والناس عكوف في المسجد ينتظرون رسول الله ﷺ لصلاة العشاء الآخرة قالت: فأرسل رسول الله ﷺ إلى أبي بكر أن يصلي بالناس فأتاه الرسول فقال: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تصلي بالناس فقال أبو بكر، وكان رجلًا رقيقًا: يا عمر صل بالناس قال: فقال عمر: أنت أحق بذلك قالت: فصلى بهم أبو بكر تلك الأيام ثم إن رسول الله ﷺ وجد من نفسه خفة فخرج بين رجلين أحدهما العباس لصلاة الظهر وأبو بكر يصلي بالناس فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر فأومأ إليه النبي ﷺ أن لا يتأخر وقال لهما: "أجلساني إلى جنبه" فأجلساه إلى جنب أبي بكر وكان أبو بكر يصلي وهو قائم بصلاة النبي ﷺ والناس يصلون بصلاة أبي بكر والنبي ﷺ قاعد قال عبيد الله: فدخلت على عبد الله بن عباس فقلت له: ألا أعرض عليك ما حدثتني عائشة عن مرض رسول الله ﷺ قال: هات فعرضت حديثها عليه فما أنكر منه شيئًا غير أنه قال: أسمت لك الرجل الذي كان مع العباس قلت: لا قال: هو علي"١.
هذا الحديث اشتمل على فوائد عظيمة منها: "فضيلة أبي بكر الصديق ﵁ وترجيحه على جميع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين وتفضيله، وتنبيه على أنه أحق بخلافة رسول الله ﷺ من غيره ومنها أن الإمام إذا عرض له عذر عن حضور الجماعة استخلف من يصلي بهم وأنه لا يستخلف إلا أفضلهم ومنها فضيلة عمر بعد أبي بكر ﵁ لأن أبا بكر ﵁ لم يعدل إلى غيره"٢.
_________________
(١) ١ـ صحيح مسلم ١/٣١١-٣١٢. ٢ـ شرح النووي ٤/١٣٧.
[ ٢ / ٥٤٤ ]
١١- وروى الشيخان من حديث أنس ﵁ أن أبا بكر كان يصلي لهم في وجع رسول الله ﷺ الذي توفي فيه حتى إذا كان يوم الاثنين وهم صفوف في الصلاة كشف رسول الله ﷺ ستر الحجرة فنظر إلينا وهو قائم كأن وجهه ورقة مصحف ثم تبسم رسول الله ﷺ ضاحكًا قال: فبهتنا ونحن في الصلاة من فرح بخروج رسول الله ﷺ ونكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف وظن أن رسول الله ﷺ خارج للصلاة فأشار إليهم رسول الله ﷺ بيده أن أتموا صلاتكم قال: ثم دخل رسول الله ﷺ فأرخى الستر قال: فتوفي رسول الله ﷺ من يومه ذلك"١.
١٢- وروى البخاري بإسناده إلى أنس ﵁ قال: "لم يخرج النبي ﷺ ثلاثًا فأقيمت الصلاة فذهب أبو بكريتقدم فقال نبي الله ﷺ بالحجاب فرفعه فلما وضح وجه النبي ﷺ ما نظرنا منظرًا كان أعجب إلينا من وجه النبي ﷺ حين وضح لنا فأومأ النبي ﷺ بيده إلى أبي بكر أن يتقدم وأرخى النبي ﷺ الحجاب فلم يقدر عليه حتى مات"٢ فهذه الأحاديث التي فيها تقديم الصديق ﵁ في الصلاة على اختلاف رواياتها واضحة الدلالة على أن أبا بكر ﵁ أفضل الصحابة على الإطلاق وأحقهم بالخلافة وأولاهم بالإمامة وقد فهم هذه الدلالة أصحاب رسول الله ﷺ.
١٣- فقد روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى عبد الله بن مسعود ﵁ قال: لما قبض رسول الله ﷺ قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير قال: فأتاهم عمر ﵁ فقال: يا معشر الأنصار، ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ قد أمر أبا بكر يؤم الناس فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر ﵁ فقالت الأنصار: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر"٣.
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٢/١٢٤، صحيح مسلم ١/٣١٥. ٢ـ صحيح البخاري ٢/١٢٤-١٢٥. ٣ـ المستدرك ٣/٦٧.
[ ٢ / ٥٤٥ ]
١٤- وروى ابن سعد بإسناده إلى الحسن قال: قال علي: لما قبض النبي ﷺ نظرنا في أمرنا فوجدنا النبي ﷺ قد قدم أبا بكر في الصلاة فرضينا لدنيانا من رضي رسول الله ﷺ لديننا فقدمنا أبا بكر"١.
وكما فهم أصحاب رسول الله ﷺ من تقديم الصديق في الصلاة أن ذلك إشارة إلى أنه أحق الناس بالإمامة بعد وفاته ﷺ كذلك فهم هذا الفهم من جاء بعدهم من أهل العلم، فقد قال أبو بكر المروذي٢: "قيل لأبي عبد الله - أحمد بن حنبل - قول النبي ﷺ: "يؤم القوم أقرؤهم" فلما مرض قال: "قدموا أبا بكر يصلي بالناس" وقد كان في القوم من هو أقرؤ من أبي بكر فقال أبو عبد الله: إنما أراد الخلافة٣.
وقال أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالى: "وتقديمه له أمر معلوم بالضرورة من دين الإسلام قال: وتقديمه له دليل على أنه أعلم الصحابة وأقرؤهم لما ثبت في الخبر المتفق على صحته بين العلماء: أن رسول الله ﷺ قال: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأكبرهم سنًا، فإن كانوا في السن سواء فأقدمهم إسلامًا" قال ابن كثير - وهذا من كلام الأشعري ﵀ مما ينبغي أن يكتب بماء الذهب ثم قد اجتمعت هذه الصفات كلها في الصديق ﵁ وأرضاه٤.
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي بعد أن ساق الأحاديث التي فيها تقديم أبي بكر الصديق في الصلاة: "فهذه الأخبار وما في معناها تدل على أن النبي
_________________
(١) ١ـ الطبقات ٣/١٨٣. ٢ـ هو أحمد بن محمد بن الحجاج بن عبد العزيز أبو بكر المروذي كان ﵀ مقدمًا في أصحاب أحمد لورعه وفضله وكان أحمد يأنس به وينبسط إليه وهو الذي تولى إغماض أحمد لما مات وغسله وروى عن الإمام أحمد مسائل كثيرة توفي سنة خمس وسبعين ومائتين هجرية "انظر ترجمته في طبقات الحنابلة" ١/٥٦-٦٣. ٣ـ المسند من مسائل الإمام أحمد للخلال ورقة ٤٣ وهو مخطوط يوجد في مكتبة مخطوطات الجامعة الإسلامية، وانظر مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص/١٦٠. ٤ـ البداية والنهاية ٥/٢٦٥.
[ ٢ / ٥٤٦ ]
ﷺ رأى أن يكون الخليفة من بعده أبو بكر الصديق فنبه أمته بما ذكر من فضيلته وسابقته وحسن أثره، ثم بما أمرهم به من الصلاة خلفه، ثم الاقتداء به وبعمر ابن الخطاب ﵄ على ذلك وإنما لم ينص عليه نصًا لا يحتمل غيره والله أعلم لأنه علم بإعلام الله إياه أن المسلمين يجتمعون عليه وأن خلافته تنعقد بإجماعهم على بيعته"أ. هـ١.
ولا يفوتنا أن نذكر في ختام هذا المبحث أن أهل السنة لهم قولان في إمامة أبي بكر الصديق ﵁ من حيث الإشارة إليها بالنص الخفي أو الجلي.
القول الأول:
منهم من قال: إن إمامة أبي بكر الصديق ﵁ ثابتة بالنص الخفي والإشارة وهذا القول ينسب إلى الحسن البصري رحمه الله تعالى وجماعة من أهل الحديث٢ وهو رواية عن الإمام أحمد بن حنبل٣ رحمة الله عليه واستدل أصحاب هذا القول بتقديم النبي ﷺ له في الصلاة وبأمره ﷺ بسد الأبواب إلا باب أبي بكر وقد تقدمت هذه الأحاديث قريبًا.
القول الثاني:
ومنهم من قال: إن خلافة أبي بكر ﵁ ثابتة بالنص الجلي وهذا قول طائفة من أهل الحديث٤ وبه قال أبو محمد بن حزم الظاهري٥ واستدل
_________________
(١) ١ـ الاعتقاد ص/١٧٢. ٢ـ انظر "الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم ٤/١٠٧، منهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية ١/١٣٤-١٣٥، تفسير القرآن العظيم لابن كثير ١/١٢٥، شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي ص/٥٣٣. ٣ـ انظر المعتقد في أصول الدين لأبي يعلى الفراء ص/٢٢٦، منهاج السنة ١/١٣٤. ٤ـ انظر الفصل في الملل والأهواء والنحل ٤/١٠٧، منهاج السنة ١/١٣٤-١٣٥، تفسير القرآن العظيم لابن كثير ١/١٢٥، شرح العقيدة الطحاوية ص/٥٣٣. ٥ـ الفصل في الملل والأهواء والنحل ٤/١٠٧.
[ ٢ / ٥٤٧ ]
هذا الفريق بحديث المرأة التي قال لها: "إن لم تجديني فأتي أبا بكر" وبقوله لعائشة ﵂: "ادعي لي أبا بكر وأخاك حتى أكتب كتابًا فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل أنا أولى ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر" وحديث رؤياه ﷺ:"أنه على حوض يسقي الناس فجاء أبو بكر فنزع الدلو من يده ليروحه" وكل هذه الأحاديث تقدم تخريجها قريبًا في هذا المبحث.
والقول الذي يطمئن إليه القلب وترتاح له النفس في خلافة أبي بكر ﵁ أن يقال: إن المصطفى ﷺ لم يأمر المسلمين بأن يكون الخليفة عليهم من بعده أبا بكر ﵁ وإنما دلهم عليها لإعلام الله - سبحانه - له بأن المسلمين سيختارونه لما له من الفضائل العالية التي ورد بها القرآن والسنة وفاق بها غيره من جميع الأمة المحمدية ﵁ وأرضاه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بعد ذكره للخلاف الوارد في خلافة الصديق هل ثبتت بالنص الجلي، أو الخفي: "والتحقيق أن النبي ﷺ دل المسلمين على استخلاف أبي بكر وأرشدهم إليه بأمور متعددة من أقواله وأفعاله وأخبر بخلافته إخبار راض بذلك حامد له وعزم على أن يكتب بذلك عهدًا ثم علم أن المسلمين يجتمعون عليه فترك الكتاب اكتفاء بذلك فلو كان التعيين مما يشتبه على الأمة لبينه رسول الله ﷺ بيانًا قاطعًا للعذر ولكن لما دلهم دلالات متعددة على أن أبا بكر هو المتعين وفهموا ذلك حصل المقصود ولهذا قال عمر بن الخطاب في خطبته التي خطبها بمحضر من المهاجرين والأنصار: وليس فيكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر، رواه البخاري ومسلم.." إلى أن قال - "فخلافة أبي بكر الصديق دلت النصوص الصحيحة على صحتها وثبوتها ورضا الله ورسوله ﷺ له بها وانعقدت بمبايعة المسلمين له واختيارهم إياه اختيارًا استندوا فيه إلى ما علموه من تفضيل الله ورسوله وأنه أحقهم بهذا الأمر عند الله ورسوله فصارت ثابتة بالنص والإجماع جميعًا لكن النص دل على
[ ٢ / ٥٤٨ ]
رضا الله ورسوله بها وأنها حق وأن الله أمر بها وقدرها وأن المؤمنين يختارونها وكان هذا أبلغ من مجرد العهد بها لأنه حينئذ كان يكون طريق ثبوتها مجرد العهد، وأما إذا كان المسلمون قد اختاروه من غير عهد ودلت النصوص على صوابهم فيما فعلوه ورضا الله ورسوله بذلك كان ذلك دليلًا على أن الصديق كان فيه من الفضائل التي بان بها عن غيره ما علم المسلمون به أنه أحقهم بالخلافة فإن ذلك لا يحتاج فيه إلى عهد خاص"١.
فهذا هو الرأي الراجح في هذه المسألة لأن النصوص متفقة على إثبات فضله الذي لا يلحقه فيه أحد، وإرشاد الأمة إلى أنه أحق الناس بنيابة الرسول ﷺ بعد وفاته فقد أخبر النبي ﷺ أن المسلمين سيجتمعون على خلافة أبي بكر لسابقته إلى الإسلام وفضله العظيم الذي لا يشاركه فيه أحد فخلافته ﵁ ورد في القرآن والسنة التنبيه والإشارة إليها والله أعلم.
_________________
(١) ١ـ منهاج السنة ١/١٣٩-١٤١ وانظر مجموع الفتاوى ٣٥/٤٧-٤٩.
[ ٢ / ٥٤٩ ]