١) إبراهيم بن رسول الله ﷺ:
تقدم معنا في الفصل الثالث من هذا الباب ذكر فضائل أبي السبطين علي بن أبي طالب ﵁ وفي هذا المبحث أذكر الفضل الوارد في حق غيره من أهل البيت الذكور ﵃ أجمعين. ولنبدأ هنا بذكر إبراهيم ابن المصطفى ﵊.
ولد إبراهيم ابن النبي ﷺ في ذي الحجة سنة ثمان من الهجرة وأمه مارية القبطية التي أهداها للنبي ﷺ المقوقس صاحب الإسكندرية ولما ولد بشر النبي ﷺ به أبو رافع مولاه فوهب له عبدًا ومات طفلًا قبل الفطام١.
وقد وردت أحاديث كثيرة فيها بيان فضله وسرور النبي ﷺ به ومن تلك الأحاديث:
١- ما رواه الإمام مسلم بإسناده إلى أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "ولد لي الليلة غلام فسميته باسم أبي إبراهيم" ٢.
٢- وروى أيضًا بإسناده إلى أنس بن مالك قال: "ما رأيت أحدًا كان أرحم بالعيال من رسول الله ﷺ قال: كان إبراهيم مسترضعًا له في عوالي٣ المدينة فكان ينطلق ونحن معه فيدخل البيت وإنه ليدخن وكان ظئره٤ قينا٥ فيأخذه فيقبله ثم يرجع قال عمرو: فلما توفي إبراهيم قال رسول الله ﷺ: "إن إبراهيم ابني وأنه مات في الثدي ٦ وإن له
_________________
(١) ١ـ انظر الطبقات الكبرى لابن سعد ١/١٣٤-١٣٥، الاستيعاب على حاشية الإصابة ١/٢٣-٢٧، زاد لمعاد ١/١٠٣-١٠٤، أسد الغابة ١/٣٨-٤٠. ٢ـ صحيح مسلم ٤/١٨٠٧. ٣ـ عوالي المدينة: هي القرى التي عند المدينة "شرح النووي" ١٥/٧٦. ٤ـ ظئره: أي زوج مرضعته. ٥ـ قينا: أي حداد والقين: هو الحداد والصائغ "النهاية لابن الأثير" ٤/١٣٥. ٦ـ معناه مات: وهو في سن رضاع الثدي، أو في حال تغذيه بلبن الثدي "شرح النووي" ١٥/٧٦.
[ ١ / ٣٤٩ ]
لظئرين ١ تكملان رضاعه ٢ في الجنة" ٣.
٣- وروى الإمام البخاري بإسناده إلى البراء بن عازب قال: لما مات إبراهيم ﵇ قال رسول الله ﷺ: "إن له مرضعًا في الجنة" ٤.
٤- وروى الإمام أحمد بإسناده إلى البراء قال: قال رسول الله ﷺ: "لإبراهيم مرضع في الجنة" ٥.
٥- وروى محمد بن سعد في الطبقات٦ بإسناده إلى البراء بن عازب قال: لما مات إبراهيم بن النبي ﷺ: قال رسول الله ﷺ: "أما إن له مرضعًا في الجنة".
ومعنى هذه الأحاديث أن له مرضعًا في الجنة تكمل إرضاعه لأن لما مات كان ابن ستة عشر شهرًا، أو ثمانية عشر شهرًا على اختلاف الروايتين٧.
فيرضع بقية السنتين فإنه تمام الرضاعة بنص القرآن "وهذا الإتمام لإرضاع إبراهيم ﵁ يكون عقب موته فيدخل الجنة متصلًا بموته فيتم فيها رضاعه كرامة له ولأبيه ﷺ "٨.
٦- وروى البخاري بإسناده إلى إسماعيل بن أبي خالد قال: قلت لابن أبي أوفى رأيت إبراهيم ابن النبي ﷺ؟ قال: مات صغيرًا، ولو قضى أن يكون
_________________
(١) ١ـ قال ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث: "فيه ذكر ابنه إبراهيم ﵇ فقال: إن له طئرًا في الجنة "الظئر: المرضع غير ولدها، ويقع على الذكر والأنثى"أهـ ٣/١٥٤. ٢ـ تكملان رضاعه "أي: تتمانه سنتين" شرح النووي على صحيح مسلم ١٥/٧٦. ٣ـ صحيح مسلم ٤/١٨٠٨. ٤ـ صحيح البخاري ٤/٨٠. ٥ـ المسند ٤/٢٨٤. ٦ـ ١/١٣٩. ٧ـ فتح الباري ١٠/٥٧٩، وانظر شرح النووي على صحيح مسلم ١٥/٧٦. ٨ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٥/٧٦.
[ ١ / ٣٥٠ ]
بعد محمد ﷺ نبي عاش ابنه ولكن لا نبي بعده١.
قال الحافظ هكذا جزم به عبد الله بن أبي أوفى ومثل هذا لا يقال بالرأي وقد توارد عليه جماعة:
فأخرج ابن ماجه من حديث ابن عباس قال: لما مات إبراهيم ابن النبي ﷺ قال: "إن له مرضعًا في الجنة لو عاش لكان صديقًا نبيًا ولأعتقت أخواله القبط" ٢.
وروى أحمد وابن منده من طريق السدي: "سألت أنسًا كم بلغ إبراهيم؟ قال: كان قد ملأ المهد ولو بقي لكان نبيًا، ولكن لم يكن ليبقى لأن نبيكم آخر الأنبياء".
ولفظ أحمد لو عاش إبراهيم ابن النبي لكان صديقًا نبيًا٣ فهذه عدة أحاديث صحيحة عن هؤلاء الصحابة أنهم أطلقوا ذلك فلا أدري ما الذي حمل النووي في ترجمة إبراهيم المذكور من كتاب تهذيب الأسماء واللغات على استنكار ذلك ومبالغته حيث قال: هو باطل وجسارة في الكلام على المغيبات ومجازفة وهجوم على عظيم من الزلل٤، ويحتمل أن يكون استحضر ذلك عن الصحابة المذكورين فرواه عن غيرهم ممن تأخر عنهم فقال ذلك وقد استنكر قبله ابن عبد البر في الاستيعاب الحديث المذكور فقال: هذا لا أدري ما هو وقد ولد لنوح من ليس بنبي وكما يلد غير النبي نبيًا فكذا يجوز عكسه٥ حتى نسب
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٤/٨٠. ٢ـ سنن ابن ماجه ١/٤٨٤ وقد تكلم أهل العلم في سند هذا الحديث من جهة إبراهيم بن عثمان فقد قال البخاري: سكتوا عنه وقال يحيى بن معين: ليس بثقة وقال النسائي والدوالابي: متروك الحديث وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث سكتوا عنه وتركوا حديثه، وقال الجوزجاني: ساقط وقال صالح جزره: ضعيف لا يكتب حديثه. "التهذيت" ١/١٤٤. ٣ـ المسند ٣/٢٨١. ٤ـ تهذيب الأسماء واللغات ١/١٠٣. ٥ـ الاستيعاب على حاشية الإصابة ١/٢٧.
[ ١ / ٣٥١ ]
قائله إلى المجازفة والخوض في الأمور المغيبة بغير علم إلى غير ذلك مع أن الذي نقل عن الصحابة المذكورين إنما أتوا فيه بقضية شرطية١.
ولما مات إبراهيم ﵁ حزن عليه النبي ﷺ حزنًا عظيمًا حتى ذرفت عيناه ﵊ بالدمع عليه فقد روى الإمام مسلم بإسناده إلى أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: "ولد لي الليلة غلام فسميته باسم أبي إبراهيم" ثم دفعه إلى أم سيف امرأة قين يقال له: أبو سيف فانطلق يأتيه واتبعته فانتهينا إلى أبي سيف وهو ينفخ بكيره قد امتلأ البيت دخانًا فأسرعت المشي بين يدي رسول الله ﷺ فقلت: يا أبا سيف أمسك جاء رسول الله ﷺ فأمسك فدعا النبي ﷺ بالصبي فضمه إليه وقال ما شاء الله أن يقول: فقال أنس: لقد رأيته وهو يكيد بنفسه٢ بين يدي رسول الله ﷺ فدمعت عينا رسول الله ﷺ فقال: "تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضي ربنا والله يا إبراهيم إنا بك لمحزنون" ٣.
والذي أخلص إليه مما تقدم في الأحاديث أنها اشتملت على بيان فضل إبراهيم ابن النبي ﷺ وبيان مكانته عند المصطفى ﵊، كما دلت على أنه جليل القدر رفيع المنزلة.
_________________
(١) ١ـ فتح الباري ١٠/٥٧٩. ٢ـ أي: يجود بها. ومعناه: وهو في النزع. ٣ـ صحيح مسلم ٤/١٨٠٧-١٨٥٠٨.
[ ١ / ٣٥٢ ]
٢) الحسن بن علي ﵁:
هو أبو محمد الحسن بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف الهاشمي، سبط رسول الله ﷺ، ابن بنته فاطمة الزهراء وريحانته، وأشبه خلق الله به في وجهه ولد للنصف من رمضان سنة ثلاث من الهجرة فحنكه رسول الله ﷺ بريقه وسماه حسنًا، وهو أكبر ولد أبويه، وقد كان رسول الله ﷺ يحبه حبًا شديدًا حتى كان يقبل زبيبته١ وهو وربما مص لسانه واعتنقه وداعبه، وربما جاء ورسول الله ﷺ ساجد في الصلاة فيركب على ظهره فيقره على ذلك ويطيل السجود من أجله وربما صعد إلى المنبر٢ "وكانت فاته ﵁ سنة خمسين من الهجرة بالمدنية النبوية"٣.
وقد وردت أحاديث كثيرة في بيان مناقبه ﵁ منها ما وردت فيه منقبة خاصة به، ومنها ما فيه منقبة مشتركة بينه وبين أخيه الحسين وكذلك الحسين ﵁ وردت له مناقب انفرد بها ومناقب أخرى اشترك فيها مع أخيه الحسن وسأبدأ بذكر طائفة من المناقب التي انفرد بها: كل واحد منهما، ثم أعقب ذلك بذكر طائفة من المناقب التي اشتركا فيها معًا ﵄، فمن المناقب التي انفرد بها الحسن ﵁:
١- ما رواه البخاري بإسناده إلى أبي هريرة ﵁ قال: عانق النبي ﷺ الحسن٤.
وروى البخاري بإسناده إلى أبي بكر ﵁ قال سمعت النبي
_________________
(١) ١ـ زبيبته: الزبيبة زبدة ترى في شدق الإنسان إذا أكثر الكلام، وقيل: قرحة سوداء تظهر على الجبين، انظر لسان العرب ١/٤٤٥. ٢ـ البداية والنهاية ٨/٣٦، وانظر الاستيعاب على حاشية الإصابة ١/٣٦٨-٣٧٧، صفة الصفوة ١/٧٥٨-٧٦، حلية الأولياء ٢/٣٥، الإصابة ١/٣٢٧-٣٣٠، سير أعلام النبلاء ٣/٢٤٥. ٣ـ صفة الصفوة ١/٧٦٢، الإصابة ١/٣٣٠، فتح الباري ٧/٩٥. ٤ـ صحيح البخاري ٢/٣٠٥.
[ ١ / ٣٥٣ ]
ﷺ على المنبر والحسن إلى جنبة ينظر إلى الناس مرة وإليه مرة ويقول: "ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين" ١.
هذا الحديث فيه منقبة للحسن ﵁ فقد أخبر النبي ﷺ بأنه سيد. قال ابن الأثير: "قيل أراد به الحليم لأنه قال في تمامه: " وإن الله يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين" ٢.
وجاء في تحفة الأحوذي: "فيه أن السيادة لا تختص بالأفضل بل هو الرئيس على القوم والجمع سادة وهو مشتق من السؤدد وقيل السواد لكونه يرأس على السواد العظيم من الناس: أي الأشخاص الكثيرة ولعل الله أن يصلح به بين فئتين تثنية فئة وهي الفرقة"٣.
ووصفه ﵊ للفئتين بالعظيمتين كما في رواية عند البخاري٤ "لأن المسلمين كانوا يومئذ فرقتين فرقة مع الحسن ﵁ وفرقة مع معاوية وهذه معجزة عظيمة من النبي ﷺ حيث أخبر بهذا فوقع مثل ما أخبر، وأصل القضية أن علي بن أبي طالب لما ضربه عبد الرحمن بن ملجم المرادي يوم الجمعة وليلة السبت وتوفي ليلة الأحد لإحدى عشرة ليلة بقيت من رمضان سنة أربعين من الهجرة وبويع لابنه الحسن بالخلافة في شهر رمضان من هذه السنة وأقام الحسن أيامًا مفكرًا في أمره ثم رأى اختلاف الناس فرقة من جهته وفرقة من جهة معاوية ولا يستقيم الأمر، ورأى النظر في إصلاح المسلمين وحقن دمائهم أولى من النظر في حقه سلم الخلافة لمعاوية في الخامس من ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين، وقيل من ربيع الآخر وقيل في غرة جمادى الأولى وكانت خلافته ستة أشهر إلا أيامًا وسمي هذا العام عام الجماعة وهذا الذي أخبر به النبي
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٢/٣٠٦. ٢ـ النهاية في غريب الحديث ٣/٤١٧. ٣ـ تحفة الأحوذي ١٠/٢٧٧. ٤ـ صحيح البخاري ٢/١١٤.
[ ١ / ٣٥٤ ]
ﷺ "لعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين" ١.
"فالحديث فيه علم من أعلام النبوة، ومنقبة للحسن بن علي فإنه ترك الملك لا لقلة ولا لذلة ولا لعلة بل لرغبته فيما عند الله لما رآه من حقن دماء المسلمين فراعى أمر الدين ومصلحة الأمة٢.
٣- وروى الشيخان في صحيحهما عن البراء بن عازب قال: رأيت الحسن بن علي على عاتق النبي ﷺ وهو يقول: "اللهم إني أحبه فأحبه" ٣.
٤- وروى البخاري بإسناده إلى أسامة بن زيد ﵄ عن النبي ﷺ أنه كان يأخذه والحسن ويقول: "اللهم إني أحبهما فأحبهما" ٤.
٥- وروى الإمام مسلم بإسناده إلى أبي هريرة قال: خرجت مع رسول الله ﷺ في طائفة من النهار لا يكلمني ولا أكلمه حتى جاء سوق بني قينقاع ثم انصرف حتى أتى خباء فاطمة فقال: "أثم لكع أثم لكع" يعني "حسنًا" فظننا أنه إنما تحبسه أمه لأن تغسله وتلبسه سخابا٥ "فلم يلبث أن جاء يسعى حتى اعتنق كل واحد منهما صاحبه"٦.
هذه الثلاثة الأحاديث فيها بيان لفضل الحسن بن علي كما تضمنت الحث على حبه ﵁ وأرضاه.
٦- وروى البخاري بإسناده إلى أنس ﵁ قال: لم
_________________
(١) ١ـ عمدة القاري ١٣/٢٨٢، وانظر تاريخ الأمم والملوك للطبري ٥/١٥٨، الكامل ٣/٤٠٤، سير أعلام النبلاء ٣/١٤٤-١٤٥، معالم السنن ٤/٣١١. ٢ـ فتح الباري ١٣/٦٦. ٣ـ صحيح البخاري ٢/٣٠٦، صحيح مسلم ٤/١٨٨٣. ٤ـ صحيح البخاري ٢/٣٠٦. ٥ـ سخابًا: جمعه سخب وهو قلادة من القرنفل والمسك والعود ونحوها من أخلاط الطيب يعمل على هيئة السبحة ويجعل قلادة للصبيان، النهاية في غريب الحديث ٢/٣٤٩. ٦ـ صحيح مسلم ٤/١٨٨٢-١٨٨٣.
[ ١ / ٣٥٥ ]
يكن أحد أشبه بالنبي ﷺ من الحسن بن علي١.
٧- وروى أيضًا بإسناده إلى عقبة بن الحارث قال: رأيت أبا بكر ﵁ وحمل الحسن وهو يقول: بأبي شبيه بالنبي ليس شبيها بعلي وعلي يضحك٢.
فكونه ﵁ شبه جده ﵊ في الخلق منقبة عظيمة له وفضيلة ظاهرة.
٨- وروى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى أبي هريرة ﵁ أنه لقى الحسن بن علي فقال رأيت رسول الله ﷺ قبل بطنك فاكشف الموضع الذي قبل رسول الله ﷺ حتى أقبله قال: وكشف فقبله"٣.
فتقبيل المصطفى ﵊ لأبي محمد الحسن بن علي ﵄ منقبة عظيمة، وفضيلة ظاهرة، ولذلك حرص أبو هريرة على أن يقبله في الموضع الذي قبله فيه النبي ﷺ لإظهار هذه المنقبة العظيمة.
٩- وروى أيضًا بإسناده إلى أبي سعيد المقبري قال: كنا مع أبي هريرة فجاء الحسن بن علي بن أبي طالب علينا فسلم فرددنا ﵇ ولم يعلم به أبو هريرة فقلنا له يا أبا هريرة هذا الحسن بن علي قد سلم علينا فلحقه وقال: وعليك السلام يا سيدي ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنه سيد"٤.
فإخبار النبي ﷺ بأن الحسن سيد مفخرة عظيمة وميزة شريفة له ﵁ وأرضاه.
١٠- وروى أيضًا بإسناده إلى أبي هريرة ﵁ قال لا أزال أحب هذا الرجل بعد ما رأيت رسول الله ﷺ يصنع ما يصنع رأيت الحسن في
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٢/٣٠٦. ٢ـ المصدر السابق. ٣ـ المستدرك ٣/١٦٨، ثم قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وأقره الذهبي. ٤ـ المصدر السابق ٣/١٦٩ ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
[ ١ / ٣٥٦ ]
حجر النبي ﷺ وهو يدخل أصابعه في لحية النبي والنبي ﷺ يدخل لسانه في فمه ثم قال: "اللهم إني أحبه فأحبه" ١.
١١- وروى الإمام أحمد بإسناده إلى معاوية ﵁ قال: "رأيت رسول الله ﷺ يمص لسانه أو قال شفتيه - يعني الحسن بن علي - وإنه لن يعذب لسان أو شفتان يمصهما رسول الله ﷺ"٢.
فإدخاله ﵊ لسانه في فم الحسن ﵁ ومص لسانه وإخباره بأنه يحبه ودعا الله تعالى أن يحبه منقبة عظيمة تدل على علو شأنه وبيان مكانته عند النبي ﷺ وقد كان الحسن ﵁ مكرمًا معززًا عند الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين الذين ولوا أمر الأمة بعد النبي ﷺ.
قال الحافظ ابن كثير: "وقد كان الصديق يجله ويعظمه ويكرمه ويحبه ويتفداه، وكذلك عمر بن الخطاب، فروى الواقدي عن موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التميمي عن أبيه أن عمر لما عمل الديوان فرض للحسن والحسين مع أهل بدر في خمسة آلاف خمسة آلاف، وكذلك كان عثمان بن عفان يكرم الحسن والحسين ويحبهما وقد كان الحسن بن علي يوم الدار وعثمان بن عفان محصور عنده ومعه السيف متقلدًا به يحاجف عن عثمان، فخشي عثمان عليه فأقسم عليه ليرجعن إلى منزلهم تطييبًا لقلب علي، وخوفًا عليه ﵃ وكان علي يكرم الحسن إكرامًا زائدًا ويعظمه ويبجله وقد قال له يومًا: يا بني ألا تخطب حتى أسمعك؟ فقال: إني أستحي أن أخطب وأنا أراك فذهب علي فجلس حيث لا يراه الحسن، ثم قام الحسن في الناس خطيبًا وعلي يسمع فأدى خطبة بليغة فصيحة فلما انصرف جعل علي يقول: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ
_________________
(١) ١ـ المستدرك ٣/١٦٩ ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. ٢ـ المسند مع الفتح الرباني ٢٣/١٦٧ وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/١٧٧ وقال أحمد ورجاله رجال الصحيح.
[ ١ / ٣٥٧ ]
سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ١.
وقد كان ابن عباس يأخذ الركاب للحسن والحسين إذا ركبا، ويرى هذا من النعيم عليه، وكانا إذا طافا بالبيت يكاد الناس يحطمونهما مما يزدحمون عليهما للسلام عليهما ﵄ وأرضاهما.
وكان ابن الزبير يقول: "والله ما قامت النساء عن مثل الحسن بن علي.
وقال غيره: كان الحسن إذا صلى الغداة في مسجد رسول الله ﷺ يجلس في مصلاه يذكر الله حتى يرتفع الشمس، ويجلس إليه من يجلس من سادات الناس يتحدثون عنده، ثم يقوم فيدخل على أمهات المؤمنين فيسلم عليهن وربما أتحفنه، ثم ينصرف إلى منزله"٢ تلك طائفة من مناقب الحسن بن علي التي انفرد بها ﵁ وكلها تدل على أنه جليل القدر رفيع المنزلة ﵁ وأرضاه.
_________________
(١) ١ـ سورة آل عمران آية/ ٣٤. ٢ـ البداية والنهاية ٨/٤٠.
[ ١ / ٣٥٨ ]
٣) الحسين بن علي ﵁:
هو أبو عبد الله الحسين بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم القرشي الهاشمي السبط الشهيد بكربلاء، ابن بنت رسول الله ﷺ فاطمة الزهراء وريحانته من الدنيا، عاصر النبي ﷺ وصحبه إلى أن توفي وهو عنه راض، ولكنه كان صغيرًا، ثم كان الصديق يكرمه ويعظمه، وكذلك عمر وعثمان وصحب أباه وروى عنه، وكان معظمًا موقرًا ولم يزل في طاعة أبيه حتى قتل، ولد بعد أخيه الحسن، وكان مولده سنة أربع للهجرة، ومات ﵁ قتلًا في يوم عاشوراء من شهر الله المحرم سنة إحدى وستين هجرية١ بكربلاء من أرض العراق وذلك لما مات معاوية بن أبي سفيان ﵁ واستخلف من بعده ابنه يزيد قام أهل الكوفة بمكاتبة الحسين بن علي ﵁ وذكروا له أنهم في طاعته فخرج إليهم الحسين فسبقه عبيد الله بن زياد إلى الكوفة فخذل غالب الناس عنه فتأخروا رغبة ورهبة، وقتل ابن عمه مسلم بن عقيل، وكان الحسين قد قدمه قبله ليبايع له الناس فجهز إليه ابن زياد عسكرًا فقاتلوه ﵁ إلى أن قتل هو وجماعة من أهل بيته٢.
وقد وردت أحاديث كثيرة في بيان مناقبه التي اختص بها وتفرد بها ومنها:
١- ما رواه البخاري بإسناده إلى أنس بن مالك ﵁ قال: أتي عبيد الله بن زياد برأس الحسين ﵇ فجعل في طست فجعل ينكت وقال في حسنة شيئًا فقال أنس: كان أشبههم برسول الله ﷺ وكان مخضوبًا بالوسمة٣.
_________________
(١) ١ـ البداية والنهاية لابن كثير ٨/١٦٢-١٦٣ وانظر الاستيعاب على حاشية الإصابة ١/٣٧٧-٣٨٣، سير أعلام النبلاء ٣/٢٨٠-٣٢١، الإصابة لابن حجر ١/٣٣١-٣٣٤، أسد الغابة ٢/١٨-٢٢. ٢ـ فتح الباري ٧/٩٥، تحفة الأحوذي ١٠/٢٧٢. ٣ـ صحيح البخاري ٢/٣٠٦.
[ ١ / ٣٥٩ ]
٢- وفي رواية أخرى عن أنس قال لما أتى عبيد الله بن زياد برأس الحسين جعل ينكت بالقضيب ثناياه يقول: لقد كان أحسبه قال جميلًا فقلت: والله لأسوءنك إني رأيت رسول الله ﷺ يلثم١ حيث يقع قضيبك قال فانقبض٢.
٣- وروى الطبراني كما في البداية والنهاية لابن كثير عن زيد بن أرقم أنه قال لابن زياد وهو ينكت بقضيبه بين ثنيتي الحسين "ارفع هذا القضيب عن هاتين الثنيتين، فوالله الذي لا إله إلا هو لقد رأيت شفتي رسول الله ﷺ على هاتين الثنيتين يقبلهما"٣.
هذه الثلاثة الأحاديث فيها بيان فضل الحسين ﵁ فقد كان ﵁ أشبه أهل البيت برسول الله ﷺ وقد تقدم في حق الحسن "أنه لم يكن أحد أشبه برسول الله ﷺ من الحسن بن علي فيحصل التعارض ولكن الحافظ ابن حجر جمع بيهما فقال ﵀: "ويمكن الجمع بأن يكون أنس قال ما وقع في رواية الزهري في حياة الحسن لأنه يومئذ كان أشد شبهًا بالنبي ﷺ من أخيه الحسين وأما ما وقع في رواية ابن سيرين فكان بعد ذلك كما هو ظاهر من سياقه أو المراد عن فضل الحسين عليه في الشبه من عدا الحسن ويحتمل أن يكون كل منهما كان أشد شبهًا في بعض أعضائه.
فقد روى الترمذي وابن حبان من طريق هانيء بن هانيء عن علي قال: الحسن أشبه رسول الله ﷺ ما بين الرأس إلى الصدر والحسين أشبه النبي ﷺ ما أسفل من ذلك٤ ووقع في رواية عبد الأعلى عن معمر عند الإسماعيلي وفي رواية الزهري هذه وكان أشبههم وجهًا بالنبي ﷺ وهو يؤيد حديث علي هذا والله
_________________
(١) ١ـ يلثم: أي يقبل. ٢ـ مجمع الزوائد ٩/١٩٥ ثم قال: رواه البزار والطبراني بأسانيد ورجاله وثقوا. ٣ـ البداية والنهاية ٨/٢٠٦. ٤ـ سنن الترمذي ٥/٣٢٥.
[ ١ / ٣٦٠ ]
أعلم"١.
٤- وروى الحاكم بإسناده إلى يعلى العامري ﵁ أنه خرج مع رسول الله ﷺ إلى طعام دعوا له قال: فاستقبل رسول الله ﷺ أمام القوم وحسين مع الغلمان يلعب فأراد رسول الله ﷺ أن يأخذه فطفق الصبي يفر هاهنا مرة وهاهنا مرة فجعل رسول الله يضاحكه حتى أخذه قال: فوضع إحدى يديه تحت قفاه والأخرى تحت ذقنه فوضع فاه على فيه يقبله فقال: "حسين مني وأنا من حسين أحب الله من أحب حسينًا حسين سبط من الأسباط" ٢.
جاء في تحفة الأحوذي: قال القاضي: "كأنه ﷺ علم بنور الوحي ما سيحدث بينه وبين القوم فخصه بالذكر وبين أنهما كالشيء الواحد في وجوب المحبة وحرمة التعرض والمحاربة، وأكد ذلك بقول: "أحب الله من أحب حسينًا" فإن محبته محبة الرسول ومحبة الرسول محبة الله٣.
فالحديث اشتمل على منقبة عالية للحسين ﵁ وأرضاه.
٥- وروى أيضًا بإسناده إلى أبي هريرة ﵁ قال: ما رأيت الحسين بن علي إلا فاضت عيني دموعًا وذاك أن رسول الله ﷺ خرج يومًا فوجدني في المسجد فأخذ بيدي واتكأ علي فانطلقت معه حتى جاء سوق بني قينقاع قال: وما كلمني فطاف ونظر ثم رجع ورجعت معه فجلس في المسجد واحتبى وقال لي: "ادع لي لكاع" فأتى حسين يشتد حتى وقع في حجرة ثم أدخل يده في لحية رسول الله ﷺ، فجعل رسول الله ﷺ يفتح فم الحسين فيدخل فاه في فيه ويقول: "اللهم إني أحبه فأحبه" ٤.
_________________
(١) ١ـ فتح الباري ٧/٩٧، وانظر البداية والنهاية ٨/٢٠٦. ٢ـ المستدرك ٣/١٧٧ ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. ٣ـ تحفة الأحوذي ١٠/٢٧٩. ٤ـ المستدرك ٣/١٧٨ ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
[ ١ / ٣٦١ ]
٦- وروى أبو يعلى بإسناده إلى جابر بن عبد الله ﵁ قال: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى الحسين بن علي فإني سمعت رسول الله ﷺ يقوله١.
تلك طائفة من الأحاديث التي تضمنت ذكر فضل الحسين بن علي ﵁ منفردًا وقد وردت أحاديث كثيرة تضمنت ذكر مناقب مشتركة بين الحسن والحسين ﵄ ومنها:
١- ما رواه البخاري بإسناده إلى ابن عمر وقد سأله رجل من أهل العراق عن المحرم يقتل الذباب فقال ﵁: أهل العراق يسألون عن الذباب وقد قتلوا ابن بنت رسول الله ﷺ. وقال النبي ﷺ: "هما ريحانتاي من الدنيا" ٢.
ففي هذا الحديث منقبة ظاهرة للحسن والحسين ﵄ حيث شبههما ﵊ بالريحان الذي له رائحة زكية، وشبههما النبي ﷺ بالريحان لأن الولد يشم ويقبل وقد جاء من حديث أنس عند الترمذي أنه ﵊ كان يقول لفاطمة أمهما ﵂: "ادعي لي ابني فيشمهما ويضمهما إليه" ٣.
قال الكرماني: شارحًا لقوله ﵊: "هما ريحانتاي من الدنيا" الريحان الرزق أو المشموم وتعقبه العيني بقوله: "لا وجه هنا أن يكون بمعنى الرزق على ما لا يخفى"٤ والأمر كما قرره العيني.
_________________
(١) ١ـ أورده الهيثمي في المجمع ٩/١٨٧ وقال: رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح غير الربيع بن سعد، وقيل ابن سعيد وهو ثقة. ٢ـ صحيح البخاري ٢/٣٠٦. ٣ـ سنن الترمذي ٥/٣٢٧ وقال عقبه: "هذا حديث حسن صحيح". ٤ـ عمدة القاري ١٦/٢٤٣.
[ ١ / ٣٦٢ ]
٢- وروى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى أبي هريرة ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ومعه الحسن والحسين هذا على عاتقه وهذا على عاتقه وهو يلثم١ هذا مرة وهذا مرة حتى انتهى إلينا فقال له رجل: يا رسول الله إنك تحبهما. فقال: "نعم من أحبهما فقد أحبني ومن أبغضهما فقد أبغضني" ٢.
٣- وروى أيضًا بإسناده إلى علي بن أبي طالب قال: لما ولدت فاطمة الحسن جاء النبي ﷺ فقال: "أروني ابني ما سميتموه" قال: قلت: سميته حربًا قال: "بل هو حسن" فلما ولدت الحسين جاء رسول الله ﷺ فقال: "أروني ابني ما سميتموه" قال: قلت: سميته حربًا فقال: "بل هو حسين"، ثم لما ولدت الثالث جاء رسول الله ﷺ قال: "أروني ابني ما سميتموه" قلت: سمتيه حربًا قال: "بل هو محسن" ٣.
فتسميته المصطفى ﵊ لهما بالحسنين منقبة وفضيلة لهما ﵄.
٤- وروى أبو عيسى الترمذي بإسناده إلى البراء بن عازب ﵁ أن رسول الله ﷺ أبصر حسنًا وحسينًا فقال: "اللهم إني أحبهما فأحبهما"٤.
هذا الحديث والحديثان المتقدمان عليه فيها بيان واضح من النبي ﷺ لفضل الحسن والحسين ﵄ كما تضمنت حث الأمة جميعًا على حبهما وبين ﵊ أن حبهما حب له ﵊ وبغضهما بغض له ﷺ ومن حل في قلبه بغض الرسول كان من الخاسرين.
٥- وروى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى ابن عمر ﵄ قال:
_________________
(١) ١ـ يلثم: أي يقبل فاه. ٢ـ المستدرك ٣/١٦٦ ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. ٣ـ المستدرك ٣/١٦٥ ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. ٤ـ سنن الترمذي ٥/٣٢٧ وقال عقبه: "هذا حديث حسن صحيح".
[ ١ / ٣٦٣ ]
قال رسول الله ﷺ: "الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وأبوهما خير منهما" ١.
هذا الحديث اشتمل على منقبتين عظيمتين للحسنين ﵄: الأولى: شهادة النبي ﷺ لهما بالجنة. الثانية: إخباره ﵊ بأنهما سيدا شباب أهل الجنة وهذا يعني: "أنهما أفضل من مات شابًا في سبيل الله من أصحاب الجنة ولم يرد به سن الشباب لأنهما ماتا وقد كهلا بل ما يفعله الشباب من المروءة كما يقال: فلان فتى وإن كان شيخًا يشير إلى قوته وفتوته أو أنهما سيدا أهل الجنة سوى الأنبياء والخلفاء الراشدين وذلك لأن أهل الجنة كلهم في سن واحد وهو الشباب وليس فيهم شيخ ولا كهل. قال الطيبي: "ويمكن أن يراد هما الآن سيدا شباب من هم من أهل الجنة من شبان هذا الزمان"٢.
٦- روى الإمام مسلم بإسناده إلى إياس عن أبيه قال: لقد قدت بنبي الله ﷺ والحسن والحسين بغلته الشهباء حتى أدخلتهم حجرة النبي ﷺ هذا قدامه وهذا خلفه"٣.
هذا الحديث فيه فضيلة ظاهرة للحسن والحسين ﵄ وهذه الفضيلة هي إركابه ﵊ إياهما حيث جعل أحدهما أمامه والآخر خلفه على بغلته الشهباء.
٧- وروى أيضًا بإسناده إلى عائشة ﵂ قالت: خرج النبي ﷺ غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود فجاء الحسن بن علي فأدخله ثم جاء الحسين فدخل معه ثم جاءت فاطمة فأدخلها ثم جاء علي فأدخله ثم قال:
_________________
(١) ١ـ المستدرك ٣/١٦٧ ثم قال: هذا حديث صحيح بهذه الزيادة ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. ٢ـ انظر تحفة الأحوذي ١٠/٢٧٣، عارضة الأحوذي لابن العربي ١٣/١٩٢. ٣ـ صحيح مسلم ٤/١٨٨٣.
[ ١ / ٣٦٤ ]
﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ ١.
وهذا الحديث اشتمل على ذكر فضيلة لعلي بن أبي طالب وابنيه الحسن والحسين وأمهما فاطمة ﵃ أجمعين وتلك المنقبة هي إدخاله إياهم ﵊ في الكساء الذي كان يرتديه، ثم أخبر أنهم من أهل البيت الذين أذهب عنهم الرجس وطهرهم منه تطهيرًا.
قال النووي رحمه الله تعالى: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ قيل: هو الشك. وقيل: العذاب. وقيل: الإثم قال الأزهري: الرجس اسم لكل مستقذر من عمل٢.
٨- وروى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى أبي هريرة ﵁ قال: كنا نصلي مع رسول الله ﷺ العشاء فكان يصلي فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره وإذا رفع رأسه أخذهما فوضعهما وضعًا رفيقًا فإذا عاد عادا فلما صلى جعل واحدًا هاهنا وواحدًا هاهنا فجئته فقلت: يا رسول الله ألا أذهب بهما إلى أمهما قال: "لا" فبرقت برقة فقال: "إلحقا بأمكما" فما زالا يمشيان في ضوئها حتى دخلا٣.
وهذا الحديث فيه إظهار فضل الحسن والحسين وبيان منزلتهما وعظم شأنهما.
٩- وروى أيضًا بإسناده إلى عبد الله بن شداد بن الهاد عن أبيه قال: خرج علينا رسول الله ﷺ في إحدى صلاتي العشي الظهر أو العصر وهو حامل أحد ابنيه الحسن أو الحسين فتقدم رسول الله ﷺ فوضعه عند قدمه اليمنى فسجد رسول الله ﷺ سجدة أطالها قال أبي فرفعت رأسي من بين الناس فإذا رسول الله
_________________
(١) ١ـ صحيح مسلم ٤/١٨٨٣. ٢ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٥/١٩٥. ٣ـ المستدرك ٣/١٦٧ ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
[ ١ / ٣٦٥ ]
ﷺ ساجد وإذا الغلام راكب على ظهره فعدت فسجدت فلما انصرف رسول الله ﷺ قال الناس: يا رسول الله لقد سجدت في صلاتك هذه سجدة ما كنت تسجدها أفشيء أمرت به أو كان يوحى إليك؟ قال: "كل ذلك لم يكن ولكن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته" ١.
١٠- وروى الترمذي بإسناده إلى أسامة بن زيد ﵁ قال: طرقت النبي ﷺ ذات ليلة في بعض الحاجة فخرج النبي ﷺ وهو مشتمل على شيء لا أدري ما هو فلما فرغت من حاجتي قلت: ما هذا الذي أنت مشتمل عليه فكشفه فإذا حسن وحسين على وركيه فقال: "هذان ابناي وابنا ابنتي اللهم إني أحبهما فأحبهما وأحب من يحبهما" ٢.
ومن مناقبهما التي أكرمهما الله بها أنهما ماتا شهيدين وهذا من إكرام الله - تعالى - لهما تكميلًا لكرامتهما ورفعا لدرجاتهما.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "ومن ذلك أن اليوم الذي هو يوم عاشوراء الذي أكرم الله فيه سبط نبيه وأحد سيدي شباب أهل الجنة بالشهادة على أيدي من قتله من الفجرة والأشقياء وكان ذلك مصيبة عظيمة من أعظم المصائب الواقعة في الإسلام ولا ريب أن ذلك إنما فعله الله كرامة للحسين ﵁، رفعًا لدرجته ومنزلته عند الله وتبليغًا له منازل الشهداء وإلحاقًا له بأهل بيته الذين ابتلوا بأصناف البلاء، ولم يكن الحسن والحسين حصل لهما من الابتلاء ما حصل لجدهما ولأمهما وعمهما لأنهما ولدا في عز الإسلام وتربيا في حجور المؤمنين فأتم الله نعمته عليهما بالشهادة أحدهما مسمومًا٣
_________________
(١) ١ـ المستدرك ٣/١٦٥-١٦٦ ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه وأقره الذهبي. ٢ـ سنن الترمذي في شرحه تحفة الأحوذي ١٠/٢٧٣-٢٧٤ وقال: هذا حديث حسن غريب. ٣ـ انظر الكامل لابن الأثير ٣/٤٦٠، البداية والنهاية ٨/٤٦، فتح الباري ٧/٩٥.
[ ١ / ٣٦٦ ]
والآخر مقتولًا١ لأن الله عنده من المنازل العالية في دار كرامته ما لا ينالهما إلا أهل البلاء"أ. هـ٢.
فأهل السنة يعتقدون أن الحسين ﵁ قتل مظلومًا وقتله كذلك فيه تكريم له ورفع لدرجته عند الله ﷿ كما يعتقدون أن قتله من أعظم المصائب التي وقعت في الإسلام وهم يلتزمون عند المصائب ما شرعه الله لهم من الاسترجاع وإن تقادم عهد المصيبة أما أعداء الصحابة والزاعمون أنهم شيعة أهل البيت فإنهم يعملون بخلاف ما أمرهم الله به فلا يسترجعون عند المصيبة وإنما يعملون المآتم في المصائب ويتخذون أوقاتها مآتم باستمرار وهذا ليس من دين الإسلام وهو: "أمر لم يفعله رسول الله ﷺ ولا أحد من السابقين الأولين ولا من التابعين لهم بإحسان ولا من عادة أهل البيت ولا غيرهم وقد شهد مقتل علي أهل بيته، وشهد مقتل الحسين من شهده من أهل بيته وقد مرت على ذلك سنون، وهم متمسكون بسنة رسول الله ﷺ لا يحدثون مأتمًا ولا نياحة، بل يصبرون ويسترجعون كما أمر الله ورسوله أو يفعلون ما لا بأس به من الحزن والبكاء عند قرب المصيبة"٣.
وهذا ما عليه الفرقة الناجية التي تعمل بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ والتي قلوبهم ممتلئة بحب أصحاب نبيه وأهل بيته رضوان الله عليهم أجمعين وكل ما تقدم ذكره من مناقب للحسن والحسين على سبيل الانفراد أو على سبيل الاشتراك بينهما كلها دلت على أنهما جليلا القدر عظيما المكانة فعلى المسلم أن يعتقد اعتقادًا جازمًا أنهما من أهل الفضل ومن صفوة الأمة المحمدية ﵄ وأرضاهما.
_________________
(١) ١ـ انظر تاريخ الأمم والملوك للطبري ٥/٤٠٠-٤٦٧، الكامل لابن الأثير ٤/٤٦-٩٣، البداية والنهاية ٨/١٨٦-٢٢٠. ٢ـ حقوق آل البيت ص/٤٤-٤٥، مجموع الفتاوى ٤/٥١١. ٣ـ حقوق آل البيت ص/٤٦.
[ ١ / ٣٦٧ ]
٤) حمزة بن عبد المطلب:
هو حمزة بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب الإمام البطل الضرغام أبو عمارة وأبو يعلى القرشي الهاشمي المكي ثم المدني البدري الشهيد عم رسول الله ﷺ وأخوه من الرضاعة أرضعتهما ثويبة مولاة أبي لهب وهو أسد الله وأسد رسوله، ولد قبل النبي ﷺ بسنتين، وقيل بأربع كان من فرسان قريش وسادتها وصناديدها المعدودين أسلم في السنة الثانية من البعثة وهاجر إلى المدينة وشهد بدرًا وأبلى فيها بلاء حسنًا واستشهد في معركة أحد في النصف من شوال من السنة الثالثة للهجرة وسماه المصطفى ﵊ سيد الشهداء وحزن عليه حزنًا شديدًا فرضي الله عنه وأرضاه"١.
وقد وردت أحاديث كثيرة فيها ذكر مناقبه التي دلت على عظيم شأنه، وجليل قدره، وعلى أنه ذو مكانة عالية في الدنيا والآخرة ومن تلك الأحاديث:
١- ما رواه محمد بن سعد في كتابه الطبقات٢ بإسناده إلى يزيد بن رومان قال: أول لواء عقده رسول الله ﷺ حين قدم المدينة لحمزة بن عبد المطلب بعثة سرية في ثلاثين راكبًا حتى بلغوا قريبًا من سيف البحر يعترض لعير قريش وهي منحدرة إلى مكة قد جاءت من الشام وفيها أبو جهل بن هشام في ثلاثمائة راكب فانصرف ولم يكن بينهم قتال.
ففي هذا منقبة عظيمة تشرف بها حمزة ﵁ وهي أن أول لواء عقده رسول الله ﷺ حين قدم المدينة كان لعمه حمزة بن عبد المطلب ﵁
_________________
(١) ١ـ الطبقات الكبرى لابن سعد ٣/٨-١٩، الجرح والتعديل ٣/٢١٢، صفة الصفوة ١/٣٧٠-٣٧٧، الاستيعاب على حاشية الإصابة ١/٢٧٠-٢٧٦، أسد الغابة ٢/٤٦-٥٠، تهذيب الأسماء واللغات ١/١٦٨-١٦٩، سير أعلام النبلاء ١/١٧١-١٨٤، الإصابة ١/٣٥٣. ٢ـ ٣/٩، المستدرك ٣/١٨٧.
[ ١ / ٣٦٨ ]
وقد كان الرسول ﵊ يجله ويكرمه ويقدره ويظهر له أنه ذو مكانة عنده.
٢- فقد روى الحاكم بإسناده إلى علي بن الحسين عن أبيه عن جده قال: جاء علي وحمزة إلى النبي ﷺ وقد اغتسلا فقال النبي ﷺ: "كيف صنعتما؟ " قال أحدهما: يا رسول الله سترته بالثوب وقال الآخر: فجعلت مثل ذلك فقال رسول الله ﷺ: "لو فعلتما غير ذلك لسترتكما" ١.
ففي هذا الحديث فضيلة ظاهرة لحمزة وعلي ﵄ وأرضاهما.
٣- وروى الإمام مسلم بإسناده إلى قيس بن عباد قال: سمعت أبا ذر يقسم قسمًا أن ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ ٢. إنها نزلت في الذين برزوا يوم بدر: حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث وعتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة"٣.
٤- وروى الحاكم بإسناده إلى علي ﵁ قال: نزلت ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ في الذين برزوا يوم بدر حمزة بن عبد المطلب وعلي وعبيدة بن الحارث وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة قال علي: وأنا أول من يجثو للخصومة على ركبتيه بين يدي الله يوم القيامة"٤.
فهذان الحديثان تضمنا ذكر فضيلة ظاهرة لحمزة بن عبد المطلب ﵁ إذ المراد بالذين اختصموا في الله - سبحانه - هم حزب الله، وحزب الشيطان، فحزب الله كان في مقدمتهم حمزة بن عبد المطلب، وأما حزب الشيطان فهم عتبة بن ربيعة وأخوه شيبة، وابنه الوليد فنصر الله حزبه، وخذل حزب الشيطان، فحمزة ﵁ كان في مقدمة الذين برزوا يوم بدر
_________________
(١) ١ـ المستدرك ٣/١٩٣، ثم قال عقبه: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. ٢ـ سورة الحج آية/ ١٩. ٣ـ صحيح مسلم ٤/٢٣٢٣. ٤ـ المستدرك ٣/٣٨٦-٣٨٧ ثم قال: لقد صح الحديث بهذه الروايات عن علي كما صح عن أبي ذر الغفاري وإن لم يخرجاه ووافقه الذهبي.
[ ١ / ٣٦٩ ]
لضرب المشركين بغية إعلاء كلمة الله ونصر الدين الحنيف.
٥- وروى الحاكم أيضًا بإسناده إلى جابر بن عبد الله ﵄ قال: "فقد رسول الله ﷺ يوم أحد حمزة حين فاء الناس من القتال قال: فقال رجل: رأيته عند تلك الشجرة وهو يقول: أنا أسد الله وأسد رسوله اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء لأبي سفيان وأصحابه وأعتذر إليك مما صنع هؤلاء من انهزامهم فسار رسول الله ﷺ نحوه فلما رأى جبهته بكى ولما رأى ما مثل به شهق ثم قال: "ألا كفن" فقال رجل من الأنصار فرمى بثوب قال جابر: فقال رسول الله ﷺ: "سيد الشهداء عند الله يوم القيامة حمزة"١.
٦- وروى أيضًا: بإسناده إلى سعد بن أبي وقاص قال: كان حمزة بن عبد المطلب يقاتل يوم أحد بين يدي رسول الله ﷺ ويقول: أنا أسد الله٢.
وهذان الحديثان فيهما بيان منقبتين عظيمتين لحمزة ﵁ وتلك المنقبتان هما: الأولى: قوة عزيمته وشجاعته الصارمة في مواطن القتال ضد أولياء الشيطان من المشركين والكافرين حتى أنه أطلق عليه أنه أسد الله وأسد رسوله.
الثانية: التي تفرد بها وامتاز بها عن غيره إخبار المصطفى ﵊ بأنه سيد الشهداء عند الله تعالى يوم القيامة.
٧- ومن مناقبه الشريفة ﵁ أنه جاهد في سبيل الله حق الجهاد حتى أنه في يوم أحد مثل به المشركون مثلة لم تكن لأحد سواه وذلك من شدة غيظ المشركين وحقدهم عليه إذ أنه واجههم في يوم بدر ويوم أحد مواجهة الشجاع المقدام فكانوا لا يطيقون الوقوف أمامه في ساعة القتال فإنه ما وقف
_________________
(١) ١ـ المستدرك ٣/١٩٩ وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. ٢ـ المستدرك ٣/١٩٤ وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
[ ١ / ٣٧٠ ]
أمامه فارس إلا كان كأمس الذاهب ولما استشهد في أحد على يد وحشي لم يكن عن مواجهة وإنما كمن له تحت الصخرة فرماه بحربته١ ولما سقط على الأرض شهيدًا فعل به المشركون ما فعلوا من التجديع والتمثيل، فقد روى الحاكم بإسناده إلى أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ مرّ بحمزة يوم أحد وقد جدع ومثل به وقال: "لولا أن صفية تجد لتركته حتى يحشره الله من بطون الطير والسباع" فكفنه في نمرة٢.
فهذا التجديع والمثلة التي حصلت لحمزة ﵁ كانت في ذات الله ﷿ ولذلك أكرمه الله بأن كان سيد الشهداء.
٨- وروى الحاكم بإسناده أيضًا: إلى ابن عباس ﵄ قال: نزلت هذه الآية في حمزة وأصحابه ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ٣ وهذا الحديث فيه بيان ما أكرم الله به حمزة وإخوانه الذين استشهدوا معه في موقعة أحد حيث جعلهم الله أحياء يرزقون عنده في الجنة ففي هذا منقبة عظيمة لشهداء أحد الذين في مقدمتهم سيد الشهداء حمزة رضي الله عن الجميع وأرضاهم وجعل الجنة مثواهم.
تلك طائفة من الأحاديث التي جاء التنويه فيها بفضل حمزة عم النبي ﷺ، فلقد دلت على أنه عظيم القدر عالي المكانة في الدنيا والآخرة ﵁ وأرضاه
_________________
(١) ١ـ انظر صحيح البخاري مع شرح فتح الباري ٧/٣٦٧. ٢ـ المستدرك ٣/١٩٦ ثم قال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وأقره الذهبي. ٣ـ المصدر السابق ٢/٣٨٧ ثم قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وأقره الذهبي، وانظر المصنف لابن أبي شيبة ١٢/١٠٧، فضائل الصحابة للنسائي ص/٩٢، الدر المنثور للسيوطي ٢/٣٧١.
[ ١ / ٣٧١ ]
٥) العباس بن عبد المطلب ﵁:
هو أبو الفضل بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي عم رسول الله ﷺ أمه نتيلة بنت جناب بن كلب - ولد قبل رسول الله ﷺ بسنتين، وهو من سادة قريش في الجاهلية والإسلام، وجد الخلفاء العباسيين، وكانت إليه في الجاهلية السقاية وعمارة المسجد الحرام، حضر مع النبي ﷺ بيعة العقبة مع الأنصار قبل أن يسلم وشهد بدرا مع الكفار مكرهًا فأسر، ثم افتدى نفسه وافتدى ابن أخيه عقيل بن أبي طالب ورجع إلى مكة، وأسلم وكتم إسلامه وكان يكتب لرسول الله ﷺ بأخبار قريش، وهاجر إلى المدينة قبل الفتح بقليل وشهد فتح مكة، وثبت يوم حنين، وكان عظيم المكانة عند النبي ﷺ يعترف له بسداد الرأي، وكان الفاروق ﵁ يستسقي به إذا قحطوا، توفي بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين للهجرة ودفن بالبقيع ﵁ وأرضاه١.
وقد وردت في بيان مناقبه أحاديث كثيرة كلها دلت على أنه عظيم المقام جليل القدر ومن تلك الأحاديث:
١- ما رواه أبو القاسم الطبراني بإسناده إلى أبي رافع ﵁ أنه بشر النبي ﷺ بإسلام العباس فأعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم٢.
فلقد فرح النبي ﷺ بإسلامه وأعتق أبا رافع لما بشره بإسلامه ففيه منقبة ظاهرة للعباس.
وروى الترمذي وغيره عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "إن العباس
_________________
(١) ١ـ طبقات ابن سعد ٤/٥-٣٣، الجرح والتعديل ٦/٢١٠، المستدرك ٣/٣٢١، الاستيعاب على حاشية الإصابة ٣/٩٤-١٠١، صفة الصفوة ١/٥٠٦-٥١٠، مجمع الزوائد ٩/٢٦٨، تهذيب التهذيب ٥/٢١٤-٢١٥، الإصابة ٢/٢٦٣، أسد الغابة ٣/١٠٩-١١٢. ٢ـ أورده الهيثمي في المجمع ٩/٢٦٨، وقال: رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن.
[ ١ / ٣٧٢ ]
مني وأنا منه" ١.
جاء في تحفة الأحوذي: قوله: "العباس مني وأنا منه" قال: في المرقاة: "أي من أقاربي، أو من أهل بيتي أو متصل بي"أ. هـ٢.
٣- ومن مناقبه ﵁ أنه كان سباقًا لأداء ما أوجب الله عليه من الفرائض فقد طلب من النبي ﷺ أن يرخص له بأداء زكاته قبل أن يحل وقتها.
فقد روى الحاكم بإسناده إلى علي ﵁ أن العباس بن عبد المطلب سأل رسول الله ﷺ عن تعجيل صدقته قبل أن تحل فرخص له في ذلك "٣.
٤- وروى الإمام مسلم بإسناده إلى أبي هريرة ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ عمر على الصدقة فقيل: منع ابن جميل وخالد بن الوليد والعباس عم رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ: "ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيرًا فأغناه الله وأما خالد فإنكم تظلمون خالدًا وقد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله وأما العباس فهي علي ومثلها معها" ثم قال: " يا عمر أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه" ٤.
٥- وروى الإمام أحمد وغيره إلى ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب "أن العباس بن عبد المطلب دخل على رسول الله ﷺ مغضبًا وأنا عنده فقال: "ما أغضبك؟ " قال: يا رسول الله مالنا ولقريش اذا تلاقوا بينهم تلاقوا بوجوه مبشرة؟ وإذا لقونا بغير ذلك قال: فغضب رسول الله ﷺ حتى احمر وجهه ثم قال: والذي نفسي بيده لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبكم لله ولرسوله"
_________________
(١) ١ـ سنن الترمذي ٥/٣١٧ وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب، المستدرك ٣/٣٢٥ وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، وأخرجه ابن سعد في الطبقات ٤/٢٤. ٢ـ تحفة الأحوذي ١٠/٢٦٥. ٣ـ المستدرك ٣/٣٣٢ وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. ٤ـ صحيح مسلم ٤/٦٧٦-٦٧٧.
[ ١ / ٣٧٣ ]
ثم قال: "يا أيها الناس من آذى عمي فقد آذاني فإنما عم الرجل صنو أبيه" ١.
هذه الأحاديث الثلاثة بين النبي ﷺ للأمة فيها فضل العباس بن عبد المطلب ومكانته منه ﵊.
قال ابن الأثير رحمه الله تعالى: "الصنو: المثل، وأصله أن تطلع نخلتان من عرق واحد يريد أن أصل العباس وأصل أبي واحد وهو مثل أبي أو مثلي وجمعه صنوان"٢.
وعلى هذا فمعنى قوله ﷺ: " وأن عم الرجل صنو أبيه" أي: مثله يعني أصلهما واحد فتعظيمه كتعظيمه وإيذاءه كإيذائه".
٦- ومن مناقبه العظيمة التي اختص بها وشرف بها ﵁ أن النبي ﷺ كان يجله إجلال الولد والده ويبالغ في إكرامه. فقد روى الحاكم بإسناده إلى عبد الله بن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ يجل العباس إجلال الولد والده خاصة خص الله العباس بها من بين الناس"٣.
٧- وروى الحاكم أيضًا بإسناده إلى جابر بن عبد الله ﵁ قال: كان العباس بالمدينة فطلبت الأنصار ثوبًا يلبسونه فلم يجدوا قميصًا يصلح عليه إلا قميص عبد الله بن أبيّ فكسوه إياه قال جابر: وكان العباس أسير رسول الله ﷺ يوم بدر وإنما أخرج كرهًا فحمل إلى المدينة فكساه عبد الله بن أبي قميصه فلذلك كفنه رسول الله ﷺ في قميصه مكافأة لما فعل بالعباس٤.
_________________
(١) ١ـ المسند ٤/١٦٥ والترمذي في سننه ٥/٣١٧-٣١٨ وقال: هذا حديث حسن صحيح، والحاكم في المستدرك ٣/٣٣٣. ٢ـ النهاية في غريب الحديث ٣/٥٧. ٣ـ المستدرك ٣/٣٢٤-٣٢٥ ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. ٤ـ المستدرك ٣/٣٣٠-٣٣١ ثم قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وأقره الذهبي.
[ ١ / ٣٧٤ ]
وهذا الحديث فيه بيان فضيلة ظاهرة للعباس ﵁ بإكرام النبي ﷺ له حيث أعطى ثوبه ﵊ كفنًا لعبد الله بن أبي مكافأة له على إعطائه قميصًا للعباس حين كان أسير رسول الله ﷺ يوم بدر.
٨- وروى أيضًا: بإسناده إلى أبي موسى الأشعري ﵁ أن العلاء بن الحضرمي بعث إلى رسول الله ﷺ من البحرين بثمانين ألفًا فما أتى رسول الله ﷺ مال أكثر منه لا قبلها ولا بعدها فأمر بها ونثرت على حصير ونودي بالصلاة فجاء رسول الله ﷺ يميل على المال قائمًا فجاء الناس وجعل يعطيهم وما كان يومئذ عدد ولا وزن وما كان إلا قبضًا فجاء العباس فقال: يا رسول الله إني أعطيت فدائي وفداء عقيل يوم بدر ولم يكن لعقيل مال أعطني من هذا المال فقال رسول الله ﷺ: "خذ" فحثى في خميصة كانت عليه ثم يذهب ينصرف فلم يستطع رفع رأسه إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ارفع علي فابتسم رسول الله ﷺ وهو يقول: أما أحد ما وعد الله فقد أنجز لي ولا أدري الأخرى" ﴿قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ هذا خير مما أخذ مني ولا أدري ما يصنع بالمغفرة ١.
في هذا الحديث فضيلة ظاهرة للعباس ﵁ وهي أنه ﵊ كان يحبه حبًا شديدًا فقد أعطى المصطفى ﵊ الصحابة من مال البحرين بيده ولما جاء العباس أمره النبي ﷺ أن يأخذ لنفسه بيده.
٩- ومن مناقبه العظيمة التي رفعت من شأنه وعلت من مكانته ثبوته الصادق حين حمى الوطيس وفر الناس يوم حنين. فقد روى مسلم في صحيحه بإسناده إلى العباس ﵁ قال: شهدت مع رسول الله ﷺ يوم حنين فلزمت أنا وأبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رسول الله ﷺ فلم نفارقه
_________________
(١) ١ـ المستدرك ٣/٣٢٩-٣٣٠ ثم قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وأقره الذهبي.
[ ١ / ٣٧٥ ]
ورسول الله ﷺ على بغلة له بيضاء أهداها له فروة الجذامي فلما التقى المسلمون والكفار ولى المسلمون مدبرين فطفق رسول الله ﷺ يركض بغلته قبل الكفار قال عباس: وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله ﷺ أكفها إرادة ألا تسرع وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ: "أي عباس ناد أصحاب السمرة" فقال عباس: "وكان رجلًا صيتًا" فقلت بأعلى صوتي أين أصحاب السمرة قال: فوالله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها فقالوا: يا لبيك يا لبيك قال: فاقتتلوا والكفار والدعوة في الأنصار يقولون: يا معشر الأنصار قال: ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج فقالوا: يا بني الحارث بن الخزرج يا بني الحارث بن الخزرج فنظر رسول الله ﷺ وهو يقول على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم فقال رسول الله ﷺ: "هذا حين حمي الوطيس" قال: ثم أخذ رسول الله ﷺ حصيات فرمى بهن في وجوه الكفار ثم قال: "انهزموا ورب محمد" قال: فذهبت أنظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى قال: فوالله ما هو إلا أن رماهم بحصياته فما زلت أرى حدهم كليلًا وأمرهم مدبرًا"١.
هذا الحديث اشتمل على بيان منقبة عظيمة لأبي الفضل ﵁ حيث أنه وقف موقف الشجاع المقدام لحرب المشركين من أجل إعلاء كلمة الحق ونصرة دين الإسلام فلقد ثبت في وقعة حنين من أول المعركة إلى آخرها مع المصطفى ﷺ ولذلك فصل المعركة وما دار فيها تفصيلًا كاملًا ﵁ وأرضاه.
١٠- لقد بين الفاروق ﵁ للأمة عامة فضل العباس بن عبد المطلب ومكانته من سيد الخلق ووضح ذلك وضوحًا كاملًا. فقد روى البخاري إلى أنس بن مالك ﵁ أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك
_________________
(١) ١ـ صحيح مسلم مع شرح النووي ١٢/١١٣-١١٧.
[ ١ / ٣٧٦ ]
بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا قال: فيسقون"١.
ففي هذا الأثر عن الفاروق ﵁ بيان لفضل العباس بن عبد المطلب، كما تضمن أيضًا فضل عمر لتواضعه للعباس ومعرفته بحقه.
والمراد بتوسل عمر ﵁ بالعباس بدعائه لا بذاته إذ التوسل بدعاء أهل الصلاح والفضل نوع من أنواع التوسل المشروع.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: "وقد بين الزبير بن بكار في الأنساب صفة ما دعا به العباس في هذه الواقعة والوقت الذي وقع فيه ذلك فأخرج بإسناد له أن العباس لما استسقى به عمر قال: اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب ولم يكشف إلا بتوبة وقد توجه القوم بي إليك لمكاني من نبيك وهذه أيدينا إليك بالذنوب ونواصينا إليك بالتوبة فأسقنا الغيث فأرخت السماء مثل الجبال حتى أخصبت الأرض وعاش الناس"٢.
تلك طائفة من الأحاديث التي تضمنت مناقب عالية للعباس ﵁ وكلها دلت على أنه عظيم المقام جليل القدر رفيع المنزلة ﵁ وأرضاه.
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ٢/٤٩٤. ٢ـ فتح الباري ٢/٤٩٧.
[ ١ / ٣٧٧ ]
٦) عبد الله بن عباس ﵁:
هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي أبو العباس الهاشمي ابن عم رسول الله ﷺ حبر هذه الأمة، ومفسر كتاب الله وترجمانه، كان يقال له: الحبر والبحر، وروى عن الرسول ﷺ شيئًا كثيرًا، وعن جماعة من الصحابة وأخذ عنه خلق من الصحابة وأمم من التابعين، وله مفردات ليست لغيره من الصحابة لاتساع علمه وكثرة فهمه وكمال عقله وسعة فضله ونبل أصله ﵁ وأرضاه، وأمه أم الفضل لبابة بنت الحارث الهلالية أخت ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين وهو ولد الخلفاء العباسيين هاجر مع أبيه قبل الفتح فاتفق لقياهما النبي ﷺ بالجحفة وهو ذاهب لفتح مكة فشهد الفتح وحنينًا والطائف عام ثمان، وقيل كان في سنة تسع وصحب النبي ﷺ حينئذ ولزمه وأخذ عنه وحفظ وضبط الأقوال والأفعال والأحوال وأخذ عن الصحابة علمًا عظيمًا ومع الفهم الثاقب والبلاغة والفصاحة، والجمال والملاحة والأصالة والبيان وكانت وفاته ﵁ سنة ثمان وستين بالطائف ﵁ وأرضاه وجعل الجنة مثواه١.
وقد وردت في بيان فضله أحاديث كثيرة صحيحة عن رسول الرحمن ﷺ ومن تلك الأحاديث:
١- ما رواه البخاري بإسناده إلى ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ دخل الخلاء فوضعت له وضوآ قال: "من صنع هذا؟ " فأخبر فقال: "اللهم فقه في الدين" ٢.
_________________
(١) ١ـ البداية والنهاية ٨/٣١٧-٣١٨، وانظر أنساب الأشراف ٣/٢٧، كتاب المعرفة والتاريخ ١/٢٤١، الجرح والتعديل ٥/١١٦، الاستيعاب على حاشية الإصابة ٢/٣٤٢، أسد الغابة ٣/١٩٢، حلية الأولياء ١/٣١٤-٣٢٨، صفة الصفوة ١/٧٤٦-٧٥٨، تهذيب التهذيب ٥/٢٧٦، الإصابة ٢/٣٢٢-٣٢٦. ٢ـ صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ١/٢٤٤.
[ ١ / ٣٧٨ ]
هذه الدعوة النبوية فيها منقبة ظاهرة لعبد الله بن عباس ﵄ وهي دعاؤه ﵊ له بالفقه في الدين. قال ابن المنير: "مناسبة الدعاء لابن عباس للتفقه على وضعه الماء من جهة أنه تردد بين ثلاث أمور:
إما أن يدخل إليه بالماء إلى الخلاء، أو يضعه على الباب ليتناوله من قرب، أو لا يفعل شيئًا. فرأى الثاني أوفق لأن في الأول تعرضًا للاطلاع والثالث يستدعي مشقة في طلب الماء والثاني أسهلها ففعله يدل على ذكائه فناسب أن يدعي له بالتفقه في الدين ليحصل به النفع وكذا كان١.
٢- وروى أيضًا بإسناده إلى ابن عباس قال: ضمني رسول الله ﷺ وقال: "اللهم علمه الكتاب" ٢.
وفي هذا الحديث فضيلة ظاهرة لابن عباس ﵁ وهي ضم النبي ﷺ إياه ودعوته له أن يعلمه الله الكتاب. "والمراد بالكتاب القرآن لأن العرف الشرعي عليه والمراد بالتعليم ما هو أعم من حفظه والتفهم فيه"٣.
٣- وروى مسلم بإسناده إلى ابن عباس أن رسول الله ﷺ أتى الخلاء فوضعت له وضوء فلما خرج قال: من وضع هذا" في رواية زهير: قالوا وفي رواية أبي بكر قلت: ابن عباس قال: "اللهم فقه" ٤.
قال النووي: "قوله ﷺ "اللهم فقه" فيه فضيلة الفقه واستحباب الدعاء بظهر الغيب واستحباب الدعاء لمن عمل عملًا خيرًا مع الإنسان وفيه إجابة دعاء النبي ﷺ له فكان من الفقه بالمحل الأعلى"أ. هـ٥.
_________________
(١) ١ـ فتح الباري ١/٢٤٤-٢٤٥. ٢ـ صحيح البخاري ١/٢٥، ورواه أحمد في المسند انظر "الفتح الرباني" ٢٢/٢٩٢. ٣ـ فتح الباري ١/١٧٠. ٤ـ صحيح مسلم ٤/١٩٢٧. ٥ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٦/٣٧.
[ ١ / ٣٧٩ ]
٤- وروى الإمام أحمد بإسناده إلى ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان في بيت ميمونة فوضعت له وضوآ من الليل قال: فقالت ميمونة: يا رسول الله وضع لك هذا عبد الله بن عباس فقال: " اللهم فقه في الدين وعلمه التأويل" ١.
٥- وروى أيضًا بإسناده إلى سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ وضع يده على كتفي أو على منكبي شك سعيد ثم قال: "اللهم فقه في الدين وعلمه التأويل" ٢.
٦- وروى محمد بن سعد بإسناده إلى ابن عباس قال: دعاني رسول الله ﷺ فمسح على ناصيتي وقال: "اللهم علمه الحكمة وتأويل الكتاب" ٣.
٧- وفي مسند الإمام أحمد عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم أعط ابن عباس الحكمة وعلمه التأويل" ٤.
٨- وبلفظ آخر عن عكرمة عن ابن عباس قال: مسح النبي ﷺ رأسي ودعا لي بالحكمة"٥.
٩- وروى الإمام الترمذي بإسناده إلى ابن عباس قال: "دعا لي
_________________
(١) ١ـ المسند مع الفتح الرباني ٢٢/٢٩٢. ٢ـ المصدر السابق فقد أورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٩/٢٧٦ وقال: رواه أحمد والطبراني بأسانيد ولأحمد طريقان رجالهما رجال الصحيح" أهـ ورواه الحاكم في المستدرك ٣/٥٣٤ وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. ٣ـ الطبقات ٢/٣٦٥. ٤ـ المسند مع الفتح الرباني ٢٢/٢٩٢. ٥ـ المصدر السابق وانظر البداية والنهاية لابن كثير ٨/٣٢٠ فقد قال ﵀ "تفرد به أحمد وقد روى هذا الحديث غير واحد عن عكرمة بنحو هذا ومنهم من أرسله عن عكرمة والمتصل هو الصحيح فقد رواه واحد من التابعين عن ابن عباس"أهـ.
[ ١ / ٣٨٠ ]
رسول الله ﷺ أن يؤتيني الله الحكم مرتين" ثم قال هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث عطاء وقد رواه عكرمة عن ابن عباس١.
ومعنى قوله: "أن يؤتيني الله الحكم مرتين" أي: العلم والفقه والقضاء بالعدل والظاهر أن المراد به هنا الفهم في القرآن٢.
١٠- وروى الإمام البخاري بإسناده إلى ابن عباس قال: ضمني النبي ﷺ إلى صدره وقال: "اللهم علمه الحكمة" ٣.
هذه الأحاديث المتقدمة فيها بيان فضل عبد الله بن عباس ﵁ وقد استجاب الله هذا الدعاء النبوي في ابن عباس فلقد كان إمامًا في العلم وعلمًا من أعلام الأمة المحمدية الذين نشر الله بهم أحكام دين الإسلام من أوامر ونواهي وحلال وحرام.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: "وهذه الدعوة مما تحقق إجابة النبي ﷺ فيها لما علم من حال ابن عباس في معرفة التفسير والفقه في الدين رضي الله تعالى عنه، وقد اختلف الشراح في المراد بالحكمة هنا فقيل: القرآن وقيل: العمل به، وقيل: السنة، وقيل: الإصابة في القول، وقيل: الخشية وقيل: الفهم عن الله، وقيل: العقل، وقيل: ما يشهد العقل بصحته، وقيل: نور يفرق به بين الإلهام والوسواس، وقيل: سرعة الجواب مع الإصابة وبعض هذه الأقوال ذكرها بعض أهل التفسير في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ ٤ والأقرب أن المراد بها في حديث ابن عباس الفهم في القرآن"أهـ٥.
_________________
(١) ١ـ سنن الترمذي ٥/٣٤٤. ٢ـ تحفة الأحوذي ١٠/٣٣٧. ٣ـ صحيح البخاري ٢/٣٠٦، سنن الترمذي ٥/٣٤٤. ٤ـ سورة لقمان آية/١٢. ٥ـ فتح الباري ١/١٧٠، ٧/١٠٠.
[ ١ / ٣٨١ ]
١١- وروى الإمام أحمد بإسناده إلى ابن عباس ﵄ قال: أتيت رسول الله ﷺ في آخر الليل فصليت خلفه فأخذ بيدي فجرني فجعلني حذاءه١ فلما أقبل على صلاته خنست٢ فصلى رسول الله ﷺ فلما انصرف قال لي: "ما شأني أجعلك حذائي فتخنس" فقلت: يا رسول الله أوينبغي لأحد أن يصلي حذاءك وأنت رسول الله الذي أعطاك الله قال: "فأعجبته فدعا الله لي أن يزيدني علمًا وفهمًا قال: ثم رأيت رسول الله ﷺ نام حتى سمعته ينفخ ثم أتاه بلال فقال: يا رسول الله الصلاة فقام فصلى ما أعاد وضوآ٣.
هذا الحديث فيه فضيلة ظاهرة لعبد الله بن عباس ﵁ فقد حظي بهذه الدعوة المباركة وهي الزيادة في العلم والفهم وقد كان كذلك ﵁ وأرضاه.
١٢- وروى الإمام مسلم بإسناده إلى ابن عباس ﵄ قال: كنت ألعب مع الصبيان فجاء رسول الله ﷺ فتواريت خلف باب قال: فجاء فحطأني حطأة٤ وقال: " اذهب وادع لي معاوية" الحديث٥.
وفي هذا الحديث منقبة لابن عباس ﵁ حيث جاءه النبي ﷺ وهو متوار خلف باب فضرب بيده الشريفة وهي مبسوطة بين كتفيه وأمره أن ينادي له معاوية ﵁.
١٣- وروى الإمام أحمد بإسناده إلى ابن عباس قال: كنت مع أبي عند رسول الله ﷺ وعنده رجل يناجيه فكان كالمعرض عن أبي فخرجنا من عنده فقال لي أبي: أي بني ألم تر إلى ابن عمك كالمعرض عني فقلت: يا أبتي إنه كان عنده رجل يناجيه قال فرجعنا إلى النبي ﷺ فقال أبي: يا رسول الله قلت لعبد الله
_________________
(١) ١ـ أي: بجواره. ٢ـ أي: تأخرت. ٣ـ المسند مع الفتح الرباني ٢٢/٢٩٣ وأورد الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٩/٢٨٤ ثم قال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح ورواه الحاكم في المستدرك ٣/٥٣٤ ثم قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وأقره الذهبي. ٤ـ فحطأني حطأة: أي: ضربه بيده مبسوطه بين كتفيه. ٥ـ صحيح مسلم ٤/٢٠١٠.
[ ١ / ٣٨٢ ]
كذا وكذا فأخبرني أنه كان عندك رجل يناجيك فهل كان عندك أحد فقال رسول الله ﷺ: "وهل رأيته يا عبد الله" قال: قلت: نعم قال: "فإن ذاك جبريل وهو الذي شغلني عنك" ١.
١٤- وروى أبو القاسم الطبراني كما في مجمع الزوائد٢ عن ابن عباس قال: بعث العباس بعبد الله إلى رسول الله ﷺ في حاجة فوجد معه رجل فرجع ولم يكلمه فقال: "رأيته؟ " قال: نعم قال: "ذاك جبريل أما إنه لن يموت حتى يذهب بصره ويؤتى علمًا". هذان الحديثان تضمنا منقبة ومفخرة عظيمة لعبد الله بن عباس ﵄ حيث أكرمه الله تعالى برؤية جبريل الأمين كما تضمن حديث الطبراني علمًا من أعلام النبوة حيث حصل لابن عباس ما أخبر به ﵊ من ذهاب بصره وإيتائه علمًا واسعًا وكذلك كان ﵁ وأرضاه.
ولقد بين فضله ومكانته العلمية فاروق هذه الأمة عمر بن الخطاب ﵁ فقد كان يدخله في مجلس كبار الصحابة من مشيخة بدر ﵃ وقد كان لهم أبناء في سنة ﵁ ولم يحظ بهذا التكريم سواه.
١٥- فقد روى الإمام البخاري بإسناده إلى ابن عباس قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر فكأن بعضهم وجد في نفسه فقال: لم تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله فقال عمر: إنه من حيث علمتم فدعا ذات يوم فأدخله معهم فما رؤيت إنه دعاني يومئذ إلا ليريهم قال: ما تقولون في قول الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ فقال بعضهم: أمرنا نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئًا فقال لي: أكذاك تقول يا ابن عباس فقلت: لا قال: فما تقول؟: قلت: هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه له قال: إذا جاء نصر الله والفتح
_________________
(١) ١ـ المسند مع الفتح الرباني ٢٢/٢٩٤ وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/٢٧٦ ثم قال: رواه أحمد والطبراني بأسانيد ورجالها رجال الصحيح. ٢ـ مجمع الزوائد ٩/٢٧٧ وقال الهيثمي: رواه الطبراني بأسانيد ورجاله ثقات.
[ ١ / ٣٨٣ ]
وذلك علامة أجلك. فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابًا فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول١.
١٦- وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: "وأخرج البغوي في معجم الصحابة من طريق زيد بن أسلم عن ابن عمر قال: كان عمر يدعو ابن عباس ويقربه ويقول: إني رأيت رسول الله ﷺ دعاك يومًا فمسح رأسك وقال: "اللهم فقه في الدين وعلمه التأويل"٢.
وتقريب عمر ﵁ لابن عباس وإدخاله مع أشياخ بدر من أجل أن يقرر عندهم جلالة قدره، وكبير منزلته في العلم والفهم.
١٧- وذكر الحافظ ابن كثير أن عمر ﵁ كان يقول: نعم ترجمان القرآن عبد الله بن عباس. وكان يقول إذا أقبل: جاء فتى الكهول، وذو اللسان السؤول، والقلب العقول٣.
١٨- وروى ابن سعد بإسناده إلى سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه قال: ما رأيت أحدًا أحضر فهمًا ولا ألب لبًا ولا أكثر علمًا ولا أوسع حلمًا من ابن عباس ولقد رأيت عمر يدعوه للمعضلات ثم يقول: عندك قد جاءتك معضلة ثم لا يجاوز قوله وإن حوله لأهل بدر من المهاجرين والأنصار٤.
١٩- وقال طلحة بن عبيد الله: لقد أعطي ابن عباس فهمًا ولقنًا وعلمًا ما كنت أرى عمر بن الخطاب يقدم عليه أحد.٥.
٢٠- وقال جابر بن عبد الله ﵁ حين بلغه موت ابن عباس: "مات أعلم الناس وأحلم الناس ولقد أصيبت به هذه الأمة مصيبة لا ترتق.
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٣/٢٢٢. ٢ـ فتح الباري ١/١٧٠. ٣ـ البداية والنهاية ٨/٣٢١. ٤ـ الطبقات ٢/٣٦٩. ٥ـ المصدر السابق ٢/٣٧٠.
[ ١ / ٣٨٤ ]
وقال رافع بن خديج: مات اليوم من كان يحتاج إليه من بين المشرق والمغرب١.
٢٢- وقال معاوية بن أبي سفيان ﵁ لعكرمة: مولاك والله أفقه من مات وعاش٢.
٢٣- وقال عبد الله بن عمر ﵁: "ابن عباس أعلم الناس بما أنزل الله على محمد ﷺ"٣
٢٤- وقال مجاهد: كان ابن عباس يسمى البحر لكثرة علمه. وقال محمد بن علي يوم مات ابن عباس: اليوم مات رباني هذه الأمة٤.
٢٥- وقال طاووس: كان ابن عباس قد بسق على الناس في العلم كما تبسق النخل السحوق٥ على الودي الصغار٦. ذلك هو عبد الله بن عباس وتلك طائفة من مناقبه التي دلت على علو شأنه وسمو منزلته وكلها دلت على أنه كان جليل القدر وأنه كان ذا مكانة عظيمة عند الرسول ﷺ وأصحابه ولقد اعترف بفضله ونبله كبار الصحابة ﵃، والتابعون لهم بإحسان. فرضي الله عنه وأرضاه.
_________________
(١) ١ـ المصدر السابق ٢/٣٧٢. ٢ـ الطبقات الكبرى ٢/٣٦٩-٣٧٠. ٣ـ البداية والنهاية ٨/٣٢٣. ٤ـ المستدرك ٣/٥٣٥، الطبقات ٢/٣٦٦. ٥ـ السحوق: هي النخلة الطويلة التي بعد ثمرها على المجتني "النهاية في غريب الحديث" ٢/٣٤٧. ٦ـ طبقات ابن سعد ٢/٣٧٠.
[ ١ / ٣٨٥ ]
٧) الفضل بن عباس بن عبد المطلب ﵁:
هو الفضل بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي ابن عم رسول الله ﷺ كان أكبر إخوانه وبه كان يكنى أبوه وأمه واسمها لبابة بنت الحارث الهلالية، غزا مع النبي ﷺ مكة وحنينًا وثبت معه يوم إذ وشهد معه حجة الوداع، وكان يكنى أبا العباس وأبا عبد الله، وقيل كان يكنى أبا محمد، مات في خلافة الصديق ﵁ وأرضاه١ وقد وردت له بعض المناقب ﵁، فمن مناقبه ﵁ أن النبي ﷺ زوجه وأمهر عنه:
١- فقد روى مسلم في حديث طويل بإسناده إلى الزهري أن عبد الله بن عبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب حدثه وفيه أن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث والفضل بن عباس انطلقا إلى النبي ﷺ يريدان منه أن يوليهما على بعض الصدقة قال أحدهما: "فلما صلى رسول الله الظهر سبقناه إلى الحجرة فقمنا عندها حتى جاء فأخذ بآذاننا ثم قال: "أخرجا ما تصرران" ثم دخل ودخلنا عليه وهو يومئذ عند زينب بنت جحش قال: "فتواكلنا الكلام، ثم تكلم أحدنا فقال: يا رسول الله أنت أبر الناس وأوصل الناس وقد بلغنا الحلم فجئنا لتأمرنا على بعض هذه الصدقات فنؤدي إليك كما يؤدي الناس ونصيب كما يصيبون قال: فسكت طويلًا حتى أردنا أن نكلمه قال: وجعلت زينب تلمع٢ علينا من وراء الحجاب أن لا تكلما قال: ثم قال: "إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد إنما هي أوساخ الناس" ٣ ادعوا لي محمية وكان على الخمس ونوفل بن الحارث بن
_________________
(١) ١ـ طبقات ابن سعد ٤/٤٥، التاريخ الكبير ٧/١١٤، التاريخ الصغير ١/٣٦، الجرح والتعديل ٧/٦٣، المستدرك ٣/٢٧٤، الاستعياب على حاشية الإصابة ٣/٢٠٢-٢٠٤، أسد الغابة ٣/١٨٣، الإصابة ٣/٢٠٨، تهذيب التهذيب ٨/٢٨٠. ٢ـ تلمع: أي: تشير بيدها "النهاية" ٤/٢٧١. ٣ـ أوساخ الناس: أي: أنها تطهير لأموالهم ونفوسهم كما قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ =
[ ١ / ٣٨٦ ]
عبد المطلب قال: فجاءه فقال لمحمية: "أنكح هذا الغلام ابنتك" للفضل بن عباس فأنكحه وقال لنوفل بن الحارث: "أنكح هذا الغلام ابنتك" "لي" فأنكحني: وقال لمحمية: أصدق عنهما من الخمس كذا وكذا "قال الزهري: ولم يسمه لي"١.
هذا الحديث فيه بيان منقبة عظيمة ظاهرة للفضل بن عباس ولعبد المطلب بن ربيعة حيث زوجهما النبي ﷺ وأصدق عنهما، كما دل الحديث على تحريم الصدقة على جميع بني هاشم وليس الحال كما ورد عن زيد بن أرقم أن الذين تحرم عليهم الصدقة هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس فهذا عبد المطلب بن ربيعة بين النبي ﷺ أنه ممن تحرم عليه الصدقة وليس هو من المذكورين الذين ذكرهم زيد بن أرقم ﵁ والذي يظهر من هذا أن زيدًا لم يرد حصر بني هاشم فيمن ذكرهم.
٢- ومن مناقب الفضل ﵁ أنه كان رديف النبي ﷺ من المزدلفة إلى منى٢.
٣- ومن مناقبه ﵁ ما أخرجه البغوي من طريق يزيد بن عبد الله بن قسيط عن عطاء عن ابن عباس عن أخيه الفضل قال: جاءني رسول الله ﷺ فقال: "خذ بيدي" وقد عصب رأسه فأخذت بيده فأقبل حتى جلس على المنبر فقال: "ناد في الناس" فصحت فيهم فاجتمعوا له فذكر الحديث٣.
ذلك هو الفضل بن عباس وتلك بعض مناقبه التي دلت على أنه من فضلاء الصحابة ﵁ وأرضاه.
_________________
(١) = وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ فهي كغسالة الأوساخ. ١ـ صحيح مسلم ٢/٧٥٢-٧٥٣. ٢ـ صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ٣/٤٠٤، صحيح مسلم ٢/٩٣١، المستدرك ٣/٢٧٥. ٣ـ أورده الحافظ ابن حجر في الإصابة ٣/٢٠٣.
[ ١ / ٣٨٧ ]
٨) جعفر بن أبي طالب ﵁:
هو جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عم رسول الله ﷺ وكان أكبر من أخيه علي بعشر سنين، وكان ﵁ من متقدمي الإسلام والسابقين إليه، وهاجر ﵁ إلى الحبشة وكانت له هناك مواقف مشهورة، ومقامات محمودة، وأجوبة سديدة، وأحوال رشيدة، وقدم المدينة يوم فتح خيبر، وفرح به النبي ﷺ فرحًا شديدًا فقام إليه واعتنقه وقبله بين عينيه١، ولما بعثه إلى مؤتة جعله نائبًا لزيد بن حارثة، ولما استشهد في غزوة مؤتة وجدوا فيه بضعًا وتسعين ما بين ضربة بسيف وطعنة برمح ورمية بسهم وهو في ذلك كله مقبل غير مدبر، وكانت قد قطعت يده اليمنى ثم اليسرى وهو ممسك للّواء فلما فقدهما احتضنه حتى قتل وهو كذلك، فيقال إن رجلًا من الروم ضربه بسيف فقطعه باثنتين رضي الله عن جعفر ولعن قاتله، وقد أخبر ﵊ بأنه شهيد، فهو ممن يقطع له بالجنة، وجاء في الأحاديث تسميته بذي الجناحين وكان يقال له بعد قتله - الطيار ـ، وكان كريمًا جوادًا ممدحًا، وكان لكرمه يقال له: أبا المساكين لإحسانه إليهم وكان استشهاده ﵁ في السنة الثامنة من الهجرة٢ ﵁ وأرضاه.
وقد وردت مناقبه ﵁ في كثير من الأحاديث الصحيحة ومن تلك الأحاديث:
١- ما رواه الإمام أحمد وغيره بإسناده إلى عبيد الله بن أسلم مولى النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ كان يقول لجعفر بن أبي طالب ﵁: "أشبهت
_________________
(١) ١ـ انظر مجمع الزوائد ٩/٢٧١-٢٧٢. ٢ـ البداية والنهاية ٤/٢٨٥ وانظر الجرح والتعديل ٢/٤٨٢، وحلية الأولياء ١/١١٤-١١٨، الاستيعاب على حاشية الإصابة ١/٢١١-٢١٤، وأسد الغابة ١/٣٨٦، تهذيب الأسماء واللغات ١/١٤٨-١٤٩، سير أعلام النبلاء ١/٢٠٦-٢١٧، الإصابة ١/٢٣٩-٢٤٠.
[ ١ / ٣٨٨ ]
خلقي وخلقي" ١.
هذا الحديث فيه منقبة عظيمة لجعفر بن أبي طالب من حيث أنه أشبه النبي ﷺ خلقًا وخُلقًا وأكرم بها من منقبة فقد قال - جل وعلا - مادحًا نبيه ﵊ ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ٢.
٢- روى الإمام مسلم بإسناده إلى أبي موسى قال: بلغنا مخرج رسول الله ﷺ ونحن باليمن فخرجنا مهاجرين إليه أنا وإخوان لي أنا أصغرهما أحدهما أبو بردة والآخر أبو رهم - إما قال بضعًا وإما قال ثلاثة وخمسين أو اثنين وخمسين رجلا من قومي - قال: فركبنا سفينة فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة فوافقنا جعفر بن أبي طالب وأصحابه عنده فقال جعفر: إن رسول الله ﷺ بعثنا هاهنا وأمرنا بالإقامة فأقيموا معنا فأقمنا معه حتى قدمنا جميعًا قال: فوافقنا رسول الله ﷺ حين افتتح خيبر فأسهم لنا، أو قال أعطانا منها وما قسم لأحد غاب عن فتح خيبر منها شيئًا إلا لمن شهد معه إلا لأصحاب سفينتنا مع جعفر وأصحابه قسم لهم معهم قال: فكان ناس من الناس يقولون لنا: - يعني لأهل السفينة - نحن سبقناكم بالهجرة.
قال: فدخلت أسماء بنت عميس وهي ممن قدم معنا على حفصة زوج النبي ﷺ زائرة وقد كانت هاجرت إلى النجاشي فيمن هاجر إليه فدخل عمر على حفصة وأسماء عندها فقال عمر حين رأى أسماء: من هذه؟ قالت أسماء بنت عميس: قال عمر الحبشية هذه؟ البحرية هذه؟ فقالت أسماء: نعم فقال عمر: سبقناكم بالهجرة فنحن أحق برسول الله ﷺ منكم فغضبت وقالت: كذبت٣ يا عمر كلا والله كنتم مع رسول الله ﷺ يطعم جائعكم، ويعظ
_________________
(١) ١ـ المسند مع الفتح الرباني ٢٢/٢١٤، صحيح البخاري مع فتح الباري ٧/٤٩٩ من رواية البراء ﵁. ٢ـ سورة القلم آية /٤. ٣ـ كذبت: هنا بمعنى أخطأت وليس المراد بها شتم الفاروق وسبه فالصحابة ﵃ كانوا أطهر الناس ألسنة من بذيء الكلام قال الحافظ رحمه الله تعالى: وأهل الحجاز يقولون "كذبت" في
[ ١ / ٣٨٩ ]
ما قلت لرسول الله ﷺ ونحن كنا نؤذى ونخاف وسأذكر ذلك لرسول الله ﷺ وأسأله ووالله لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد على ذلك قال: فلما جاء النبي ﷺ قالت: يا نبي الله إن عمر قال كذا وكذا فقال رسول الله ﷺ: "ليس بأحق بي منكم وله ولأصحابه هجرة واحدة ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان " الحديث٢.
هذا الحديث فيه بيان فضيلة عظيمة للذين هاجروا الهجرة الأولى إلى الحبشة فقد أكرمهم النبي ﷺ بالقسم من غنائم خيبر ولم يقسم لأحد غاب عن هذا الفتح سواهم، وأخبر أنهم أحق الصحابة به ﵊ وأن لهم أجر الهجرتين وفي مقدمتهم جميعًا جعفر بن أبي طالب ﵁ وعنهم أجمعين.
٣- وروى الإمام أحمد بإسناده إلى أبي هريرة ﵁ قال: ما احتذى النعال ولا انتعل ولا ركب المطايا ولا لبس الكور٣ من رجل بعد رسول الله ﷺ أفضل من جعفر بن أبي طالب٤.
قال الحافظ ابن كثير بعد إيراد هذا الحديث بسنده: "وهذا إسناد جيد إلى أبي هريرة وكأنه إنما يفضله في الكرم، فأما في الفضيلة الدينية فمعلوم أن الصديق والفاروق - بل وعثمان بن عفان - أفضل منه، وأما أخوه علي رضي الله
_________________
(١) موضع أخطأت" أهـ.فتح الباري ٧/٦٤. ١ـ البعداء البغضاء قال العلماء: البعداء في النسب البغضاء في الدين لأنهم كفار إلا النجاشي وكان يستخفي بإسلامه عن قومه ويوري لهم"أهـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٦/٦٥. ٢ـ صحيح مسلم ٤/١٩٤٦-١٩٤٧. ٣ـ الكور: رحل الناقة بأداته وهو كالسرج وآلته للفرس "النهاية في غريب الحديث" ٤/٢٠٨. ٤ـ المسند ٢/٢١٣-٢١٤ وفيه "يعني الجود والكرم" سنن الترمذي ٥/٣٢٠ وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب ورواه النسائي في فضائل الصحابة ص/٨٦، والحاكم في المستدرك ٣/٢٠٩ وقال: صحيح على شرط البخاري وأقره الذهبي.
[ ١ / ٣٩٠ ]
عنهما فالظاهر أنهما متكافئان أو علي أفضل منه"١.
ولا شك أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أفضل الخلق على الإطلاق بعد الخلفاء الثلاثة ولا يساويه أحد في فضله بعدهم ﵃ أجمعين.
٤- ومن مناقب جعفر ﵁ التي اشتهر بها أنه كان كثير العطف والحنو على المساكين وكان يحبهم ويسكن إليهم حتى إنه كان يكنى بأبي المساكين.
فقد روى الإمام البخاري بإسناده إلى أبي هريرة ﵁ أن الناس كانوا يقولون: أكثر أبو هريرة وإني كنت ألزم رسول الله ﷺ بشبع بطني حتى لا آكل الخمير ولا ألبس الحبير٢ ولا يخدمني فلان ولا فلانة وكنت ألصق بطني بالحصاء من الجوع وإن كنت لأستقرئ الرجل الآية هي معي كي ينقلب بي فيطعمني، وكان أخير الناس للمساكين جعفر بن أبي طالب كان ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته حتى إن كان ليخرج إلينا العكة٣ التي ليس فيها شيء فيشقها فنلعق ما فيها"٤.
ففي هذا بيان فضيلة لجعفر ﵁ وشهادة من أبي هريرة ﵁ بأنه كان أشفق الناس على المساكين.
قال الحافظ ابن حجر: "وهذا التقييد يحمل عليه المطلق الذي جاء عن عكرمة عن أبي هريرة قال: "ما احتذى النعال وما ركب المطايا بعد رسول الله ﷺ أفضل من جعفر بن أبي طالب"٥.
٥- ومن مناقبه ﵁ أن النبي ﷺ جعله نائبًا لزيد بن حارثة في غزوة مؤتة وأبلى فيها بلاء حسنًا. فقد روى الإمام البخاري بإسناده إلى ابن
_________________
(١) ١ـ البداية والنهاية ٤/٢٨٦. ٢ـ الحبير: قال في النهاية: "الحبير من البرود وما كان موشيًا مخططًا" ١/٣٢٨ وانظر فتح الباري ٧/٧٦. ٣ـ العكة: ظرف السمن. وقوله: ليس فيها شيء "مع قوله": فنعلق ما فيها "لا تنافي بينهما لأنه أراد بالنفي أي: لا شيء فيها يمكن إخراجه منها بغير قطعها، وبلإثبات ما يبقى في جوانبها" فتح الباري ٧/٧٦. ٤ـ صحيح البخاري مع الفتح ٧/٧٥. ٥ـ فتح الباري ٧/٧٦.
[ ١ / ٣٩١ ]
عمر ﵄ قال: أمر رسول الله ﷺ في غزوة - مؤتة - زيد بن حارثة فقال رسول الله ﷺ: "إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة" قال عبد الله: كنت فيهم في تلك الغزوة فالتمسنا جعفر بن أبي طالب فوجدناه في القتلى ووجدنا ما في جسده بضعًا وتسعين من طعنة ورمية.
وروى أيضًا بإسناده إلى نافع أن ابن عمر أخبره أنه وقف على جعفر يومئذ وهو قتيل فعددت به خمسين بين طعنة وضربة ليس منها شيء في دبره يعني في ظهره١.
هذان الحديثان ظاهرهما التعارض "ويجمع بأن العدد قد لا يكون له مفهوم أو بأن الزيادة باعتبار ما وجد فيه من رمي السهام، أو الخمسين مقيدة بكونها ليس فيها شيء في دبره أي: في ظهره، فقد يكون الباقي في بقية جسده ولا يستلزم ذلك أنه ولى دبره، وهو محمول على أن الرمي إنما جاء من جهة قفاه أو جانبيه ووقع في رواية البيهقي في "الدلائل" بضعًا وتسعين أو بضعًا وسبعين، وأشار إلى أن بضعًا وتسعين أثبت في قوله "ليس فيها شيء في دبره" بيان فرط شجاعة جعفر وإقدامه"أ. هـ٢.
٧- ومن مناقبه إخبار النبي ﷺ أنه مات شهيدًا في سبيل الله تعالى وشهد له بذلك.
فقد روى الإمام أحمد بإسناده إلى أبي قتادة فارس رسول الله ﷺ قال: بعث رسول الله ﷺ جيش الأمراء وقال: "عليكم زيد بن حارثة فإن أصيب زيد فجعفر فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة الأنصاري" فوثب جعفر فقال: بأبي أنت يا نبي الله وأمي ما كنت أرهب أن تستعمل علي زيدًا قال: "امضوا فإنك لا تدري أي ذلك خير" قال: فانطلق الجيش فلبسوا ما شاء الله ثم إن رسول الله ﷺ صعد المنبر وأمر أن ينادى الصلاة جامعة فقال رسول الله ﷺ: "ثاب خبر أو
_________________
(١) ١ـ الحديثان في صحيح البخاري ٣/٥٨. ٢ـ فتح الباري ٧/٥١٢، وانظر البداية والنهاية لابن كثير ٤/٢٧٤.
[ ١ / ٣٩٢ ]
ثاب خبر - شك عبد الرحمن - ألا أخبركم عن جيشكم هذا الغازي إنهم انطلقوا فلقوا العدو فأصيب زيد شهيدًا استغفروا له فاستغفر له الناس، ثم أخذ اللواء جعفر بن أبي طالب فشد على القوم حتى استشهد أشهد له بالشهادة فاستغفروا له، ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة فأثبت قدميه حتى قتل شهيدًا فاستغفروا له، ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد، ولم يكن من الأمراء هو أمر نفسه" فرفع رسول الله أصبعيه وقال: "اللهم هو سيف من سيوفك فانصره" وقال عبد الرحمن مرة: فانتصر به فيؤمئذ سمي خالد سيف الله، ثم قال النبي ﷺ: "انفروا فأمدوا إخوانكم ولا يتخلفن أحد فنفر الناس في حر شديد مشاة وركبانًا" ١.
قال الحافظ ابن كثير: "وقد أخبر عنه الرسول ﷺ بأنه شهيد فهو ممن يقطع له بالجنة "أ. هـ٢.
٨- ومن مناقبه ﵁ إخبار الرسول ﷺ عنه بأن له جناحين يطير بهما مع الملائكة.
روى البخاري بإسناده إلى ابن عمر ﵁ أنه كان إذا حيا ابن جعفر قال: السلام عليك يا ابن ذي الجناحين٣.
وفي هذا بيان فضيلة لجعفر ﵁ من حيث إطلاق ذي الجناحين عليه وهي منقبة عظيمة له ﵁. وتحية ابن عمر لابن جعفر بقوله: "السلام عليك يا ابن ذي الجناجين" كأنه يشير إلى حديث عبد الله بن جعفر وأبي هريرة ﵄.
فقد روى الطبراني بإسناده إلى عبد الله بن جعفر قال: قال لي رسول الله
_________________
(١) ١ـ المسند ٥/٢٩٩ وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٦/١٥٦ وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير خالد بن سمير وهو ثقة. ٢ـ البداية والنهاية ٤/٢٨٥. ٣ـ صحيح البخاري ٣/٥٨.
[ ١ / ٣٩٣ ]
ﷺ: "هنيئًا لك يا عبد الله بن جعفر أبوك يطير مع الملائكة في السماء ١.
وروى الحاكم بإسناده إلى أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "مرَّ بي جعفر الليلة في ملأ من الملائكة وهو مخضب الجناحين بالدم أبيض الفؤاد" ٢.
٩- ومن مناقبه ﵁ أنه كان ذا مكانة عظيمة عند النبي ﷺ ولذلك لما بلغه نبأ استشهاده حزن حزنًا عظيمًا عليه عرف ذلك في وجهه ﵊.
فقد روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى عائشة ﵂ قالت: لما أتى نعي جعفر عرفنا في وجه رسول الله ﷺ الحزن٣.
وجاء في صحيح البخاري أنه حزن على الأمراء الثلاثة الذين أمّرهم في غزوة مؤتة حزنًا عظيمًا حتى ظهر أثر الحزن عليه ﵊.
فقد روى الإمام البخاري بإسناده إلى عائشة ﵂ قالت: "لما جاء قتل ابن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة ﵃ جلس رسول الله ﷺ يعرف فيه الحزن" الحديث٤.
١٠- ومن مناقبه ﵁ أن النبي ﷺ اعتنى بأولاده عناية عظيمة بعد أن استشهد في غزوة مؤتة فقد قام بزيارتهم وتفقد أحوالهم ودعا لهم فقد روى الإمام أحمد بإسناده إلى عبد الله بن جعفر أن رسول الله ﷺ أمهل آل جعفر ثلاثًا أن يأتيهم ثم أتاهم فقال: "لا تبكوا على أخي بعد اليوم ادعوا لي ابن أخي" قال: فجيء بنا كأنا أفرخ فقال: "ادعوا إلى الحلاق" فجيء بالحلاق فحلق رؤوسنا ثم قال: "أما محمد فشبيه عمنا أبي طالب. وأما عبد الله فشبيه
_________________
(١) ١ـ مجمع الزوائد ٩/٢٧٣ وقال: رواه الطبراني وإسناده حسن وأورده الحافظ في فتح الباري ٧/٧٦ وقال: رواه الطبراني بإسناد حسن. ٢ـ المستدرك ٣/٢١٢ وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وأقره الذهبي. ٣ـ المستدرك ٣/٢٠٩ وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وأقره الذهبي. ٤ـ صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ٧/٥١٢.
[ ١ / ٣٩٤ ]
خلقي وخُلقي" ثم أخذ بيدي فأشلهما فقال: "اللهم اخلف جعفرًا في أهله وبارك لعبد الله في صفقة يمينه" قالها ثلاث مرار قال: فجاءت أمنا فذكرت له يتمنا وجعلت تفرح له١ فقال: "العيلة تخافين وأنا وليهم في الدنيا والآخرة"٢.
وروى الإمام مسلم بإسناده إلى عبد الله بن جعفر قال: كان رسول الله ﷺ إذا قدم من سفر تلقي بصبيان أهل بيته قال: وإنه قدم من سفر فسبق بي إليه فحملني بين يديه، ثم جيء بأحد ابني فاطمة فأردفه خلفه قال: فأدخلنا المدينة ثلاثة على دابة٣.
وروى الإمام أحمد بإسناده إلى عبد الله بن جعفر قال: لو رأيتني وقثم وعبيد الله ابنا عباس ونحن صبيان نلعب إذ مرَّ النبي ﷺ على دابة فقال: " ارفعوا هذا إليّ" قال: فحملني أمامه وقال لقثم: "ارفعوا هذا إلي" فجعله وراءه وكان عبيد الله أحب إلى عباس من قثم فما استحى من عمه أن حمل قثمًا وتركه قال: ثم مسح على رأسي ثلاثًا وقال كلما مسح: "اللهم أخلف جعفرًا في ولده" قال: قلت لعبد الله! ما فعل قثم قال: استشهد قال: قلت: الله ورسوله أعلم بالخير٤.
ذلك هو جعفر بن أبي طالب وتلك طائفة من مناقبه التي دلت على عظيم مكانته وعلو شأنه وأنه أوتي خيرًا كثيرًا وفضلًا عظيمًا ﵁ وأرضاه.
_________________
(١) ١ـ تفرح له أي: ذكرت له ﷺ يتم أولادها وثقل مؤونتهم وما ستلقاه من العناء في تربيتهم "انظر النهاية" ٣/٤٢٤. ٢ـ المسند مع الفتح الرباني ٢٢/٢١٣-٢١٤ وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٦/١٥٦-١٥٧ ثم قال: رواه أحمد والطبراني ورجالهما رجال الصحيح. ٣ـ صحيح مسلم ٤/١٨٨٥. ٤ـ المسند مع الفتح الرباني ٢٢/٢١٥ قال الحافظ ابن حجر في الإصابة: ٢/٢٨٠: أخرجه أحمد وغيرها.
[ ١ / ٣٩٥ ]
٩) عبد الله بن جعفر ﵁:
هو عبد الله بن جعفر بن أبي طالب بن عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم أبو جعفر القرشي الهاشمي١ وأمه أسماء بنت عميس الخثعمية أخت ميمونة بنت الحارث لأمها ولد بأرض الحبشة لما هاجر أبواه إليها وهو أول من ولد بها من المسلمين وحفظ عن النبي ﷺ وروى عنه ﵁ وأرضاه. وقد وردت له بعض المناقب دلت على عظيم شأنه وعلو مكانته.
١- فمن مناقبه ﵁ أنه كان ممن شمهلم شرف الهجرة من الحبشة إلى المدينة وأخبر النبي ﷺ أن للناس هجرة واحدة ولهم هجرتان فقد روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى أسماء بنت عميس ﵂ قالت: قال لي رسول الله ﷺ: "للناس هجرة ولكم هجرتان" ٢.
٢- ومن مناقبه ﵁ أنه كان من الذين شبهوا النبي ﷺ خَلقًا وخُلقًا ودعا له ولإخوانه عامة ودعا له خاصة أن يبارك له في تجارته.
فقد روى الإمام أحمد بإسناده إلى عبد الله بن جعفر أن النبي ﷺ أمهل آل جعفر ثلاثًا أن يأتيهم ثم أتاهم فقال: "لا تبكوا على أخي بعد اليوم ادعوا لي ابني أخي" قال: فجيء بنا كأنا أفرخ فقال: "ادعوا إلي الحلاق" فجيء بالحلاق فحلق رؤوسنا ثم قال: "أما محمد فشبيه عمنا أبي طالب وأما عبد الله فشبيه خلقي وخلقي" ثم أخذ بيدي فأشلهما فقال: "اللهم اخلف جعفرًا في أهله وبارك لعبد الله في صفقة يمينه" قالها ثلاث مرار الحديث٣.
وروى أبو يعلى والطبراني كما في "مجمع الزوائد"٤ عن عمرو بن حريث
_________________
(١) ١ـ انظر ترجمته في الاستيعاب على حاشية الإصابة ٢/٢٦٦-٢٦٧، أسد الغابة ٣/١٣٢-١٣٥، سير أعلام النبلاء ٣/٤٥٦-٤٦٢، البداية والنهاية ٩/٣٦، الإصابة ٢/٢٨٠-٢٨١. ٢ـ المستدرك ٣/٥٦٦ وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. ٣ـ المسند ١/٢٠٤، ورواه النسائي مختصرًا ٨/١٨٢. ٤ـ المجمع ٩/٢٨٦ ثم قال: رواه أبو يعلى والطبراني ورجالها ثقات
[ ١ / ٣٩٦ ]
أن رسول الله ﷺ مرّ بعبد الله بن جعفر وهو يبيع بيع الغلمان أو الصبيان قال: "اللهم بارك له في بيعه أو قال في صفقته".
٢- ومن مناقبه ﵁ إرداف المصطفى ﵊ له على دابته بين يديه وخلفه. فقد روى الإمام مسلم بإسناده إلى عبد الله بن جعفر قال: كان رسول الله ﷺ إذا قدم من سفر تلقي بصبيان أهل بيته قال: وإنه قدم من سفر فسبق بي إليه فحملني بين يديه ثم جيء بأحد ابني فاطمة فأردفه خلفه قال: فأدخلنا ثلاثة على دابة١.
وروى أيضًا بإسناده إلى عبد الله بن جعفر قال: أردفني رسول الله ﷺ ذات يوم خلفه فأسر إلي حديثًا لا أحدث به أحد من الناس٢.
ذلك هو عبد الله بن جعفر وتلك طائفة من مناقبه التي دلت على فضله وجلالة قدره ﵁ وأرضاه.
_________________
(١) ١ـ صحيح مسلم ٤/١٨٨٥. ٢ـ المصدر السابق ٤/١٨٨٦.
[ ١ / ٣٩٧ ]
١٠) أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب:
هو أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب بن عم رسول الله ﷺ قيل: اسمه المغيرة أسلم عام الفتح وحسن إسلامه، وكان قبل إسلامه من أشد الناس على رسول الله ﷺ وعلى دينه ومن تبعه وكان شاعرًا بارعًا هجا الإسلام وأهله، وهو الذي رد عليه حسان بن ثابت ﵁ في قصيدته التي مطلعها:
ألا أبلغ أبا سفيان عني مغلغلة فقد برح الخفاء
هجوت محمدًا وأوجبت عنه
وعند الله في ذلك الجزاء١
شهد أبو سفيان حنينًا وأبلى فيها بلاء حسنًا وكان ممن ثبت ولم يفر يومئذ ولم تفارق يده لجام بغلة رسول الله ﷺ حتى انصرف الناس إليه وكان يشبه النبي ﷺ وكان رسول الله ﷺ يحبه وشهد له بالجنة وكان يقول: " أرجو أن تكون خلفًا من حمزة" وهو معدود في فضلاء الصحابة٢.
قال الذهبي رحمه الله تعالى: "تلقى النبي ﷺ في الطريق قبل أن يدخل مكة مسلمًا فانزعج النبي ﷺ وأعرض عنه لأنه بدت منه أمور في أذية النبي ﷺ فتذلل للنبي ﷺ حتى رق له، ثم حسن إسلامه ولزم هو والعباس رسول الله ﷺ يوم حنين إذ فر الناس وأخذ بلجام البغلة وثبت معه وكان أخا النبي ﷺ من الرضاعة أرضعتهما حليمة٣.
وكانت وفاته ﵁ سنة عشرين للهجرة "وكان سبب وفاته أنه حج فلما حلق الحلاق رأسه قطع أثلولًا كان في رأسه فلم يزل مريضًا منه حتى مات بعد مقدمه من الحج بالمدينة سنة عشرين"٤.
_________________
(١) ١ـ انظر طبقات ابن سعد ٤/٤٩-٥٤، أسد الغابة ٥/٢١٥، المستدرك ٣/٢٥٥، سير أعلام النبلاء ١/٢٠٢، البداية ٧/١١٤. ٢ـ الاستيعاب على حاشية الإصابة ٤/٨٤. ٣ـ سير أعلام النبلاء ١/٢٠٣. ٤ـ الاستيعاب على حاشية الإصابة ٤/٨٥.
[ ١ / ٣٩٨ ]
وأبو سفيان هذا وردت له بعض المناقب دلت على جلالة قدره وهي:
١- ما رواه الطبراني بإسناده عن أبي حبة البدري قال: كان رسول الله ﷺ يوم حنين لا ينظر في ناحية إلا رأى أبا سفيان بن الحارث يقاتل فقال رسول الله ﷺ: "إن أبا سفيان خير أهلي أو من خير أهلي" ١.
هذا الحديث فيه فضيلة ظاهرة لأبي سفيان بن الحارث حيث بين النبي ﷺ أنه من خيار أهل البيت النبوي ﵃ أجمعين.
٢- وروى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى العباس بن عبد المطلب قال: شهدت مع رسول الله ﷺ يوم حنين فلقد رأيته وما معه إلا أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وهو آخذ بلجام بغلة رسول الله ﷺ وهو راكبها وأبو سفيان لا يألوا أن يسرع نحو المشركين٢.
وفي هذا الحديث بيان منقبة عظيمة لأبي سفيان ﵁ وهي فرط شجاعته وإقدامه لمناجزة أعداء الدين من المشركين والكافرين من أجل نصرة الإسلام ورفع رايته.
٣- وروى الحاكم أبو عبد الله بإسناده إلى عروة بن الزبير قال: أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ﵁ كان أحب قريش إلى رسول الله ﷺ وكان شديدًا عليه فلما أسلم كان أحب الناس إليه٣.
ففي قول عروة بيان ما حصل لأبي سفيان بن الحارث من المكانة عند النبي ﷺ بعد أن كان من أشد الناس عداوة له، فإنه صار بعد ذلك من أحب الناس إليه رضي الله عن أبي سفيان وأرضاه.
٤- وروى الحاكم أيضًا: بإسناده إلى عروة بن الزبير قال: قال رسول الله
_________________
(١) ١ـ أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/٢٧٤ وقال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط وإسناده حسن. ٢ـ المستدرك ٣/٢٥٥ ثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وأقره الذهبي. ٣ـ المصدر السابق ٣/٢٥٥ وهذا مرسل ولعله أخذه عن أبيه أو غيره من الصحابة.
[ ١ / ٣٩٩ ]
ﷺ: "سيد فتيان الجنة أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب" قال: حلقه الحلاق بمنى وفي رأسه ثألول فقطعه فمات فيرون أنه شهيد١.
فقول عروة هذا لا بد أنه سمعه من أصحاب رسول الله ﷺ ولا يمكن أن يقوله من تلقاء نفسه، والصحابة لا بد أنهم سمعوه من النبي ﷺ لأن هذا من باب الإخبار بالغيب لأنه متضمن الشهادة لمعين بالجنة، ولا يخبر بهذا إلا المصطفى ﵊.
ذلك هو أبو سفيان بن الحارث وتلك بعض مناقبه فقد كان من فضلاء الصحابة وأجلهم ورضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين.
_________________
(١) ١ـ المستدرك ٣/٢٥٥ وأورده الحافظ في "الإصابة" ٤/٦٠ وقال: "أخرجه الحاكم أبو أحمد من طريق حماد بن سلمة عن هشام عن عروة عن أبيه، قال قال رسول الله ﷺ: "أبو سفيان بن الحارث سيد فتيان أهل الجنة" ثم ساق كلام عروة بكامله ثم قال: "هذا مرسل رجاله ثقات"أهـ.
[ ١ / ٤٠٠ ]
١١) عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب:
هو عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف القرشي الهاشمي كان إسلامه قديمًا قبل دخول النبي ﷺ دار الأرقم وكان أسن من النبي ﷺ بعشر سنين هاجر إلى المدينة وشهد بدرًا، وعقد له رسول الله ﷺ أول راية وأمره على سرية قبل وقعة بدر ومات ﵁ عقب غزوة بدر إذ قطعت رجله فمات بالصفراء ﵁ وأرضاه١.
وقد وردت له بعض المناقب دلت على جليل قدره وعظيم مكانته:
١- فمن مناقبه ﵁ أن أول راية عقدها رسول الله ﷺ كانت له ﵁.
ذكر ابن إسحاق أن النبي ﷺ عقد لعبيدة بن الحارث راية وأرسله في سرية قبل وقعة بدر فكانت أول راية عقدت في الإسلام٢.
وأما الواقدي فذكر أن أول لواء عقده رسول الله ﷺ كان لحمزة٣.
قال الحافظ ابن حجر: "ويمكن الجمع على رأي من يغاير بين الراية واللواء والله أعلم"٤.
٢- ومن مناقبه ﵁ أنه كان أحد الذين برزوا يوم بدر فقد كان في حسب الله الذين قاتلوا في سبيل الله وهم حمزة وعلي وثالثهم عبيدة بن الحارث، وحزب الشيطان كان يمثله عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة.
فقد روى الشيخان وغيرهما عن قيس بن عباد قال: "سمعت أبا ذر يقسم قسمًا إن هذه الآية ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ ٥. نزلت في الذين
_________________
(١) ١ـ الاستيعاب على حاشية الإصابة ٢/٤٣٦-٤٣٨، الإصابة ٢/٤٤٢، أسد الغابة ٣/٣٥٦-٣٥٧. ٢ـ سيرة ابن هشام ١/٥٩٥. ٣ـ مغازي الواقدي ١/٩. ٤ـ الإصابة ٢/٤٤٢. ٥ـ سورة الحج آية/١٩.
[ ١ / ٤٠١ ]
برزوا يوم بدر: حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة١.
ففي هذا الحديث منقبة واضحة لعبيدة بن الحارث حيث إنه كان من الصحابة الذين أنزل الله فيهم قرآنًا يتلى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها: وأكرم بها من منقبة فإنها أكسبته منزلة عظيمة وميزة شريفة ﵁ وأرضاه.
وروى أبو داود بإسناده إلى حارثة بن مضرب عن عليّ قال: تقدم يعني عتبة بن ربيعة - وتبعه ابنه وأخوه فنادى من يبارز؟ فانتدب له شباب من الأنصار فقال من أنتم؟ فأخبروه فقال: لا حاجة لنا فيكم إنما أردنا بني عمنا فقال النبي ﷺ: "قم يا حمزة، قم يا عليّ قم يا عبيدة بن الحارث" فأقبل حمزة إلى عتبة، وأقبلت على شيبة، واختلف بين عبيدة والوليد ضربتان، فأسخن كل واحد منهما صاحبه، ثم ملنا على الوليد فقتلناه واحتملنا عبيدة"٢.
٣- ومن مناقبه ﵁ أن سبب وفاته ضربة بسيف في ساقه يوم بدر ضربه به عتبة بن ربيعة فكانت وفاته ﵁ في سبيل الله فقد روى الحاكم بإسناده إلى عبد الله بن عباس وذكر حديث المبارزة وأن عتبة بن ربيعة قتل عبيدة بن الحارث وبارز ضربه عتبة على ساقه فقطعها فحمله رسول الله ﷺ فمات بالصفراء منصرفه من بدر فدفنه هنالك٣.
ذلك هو عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب فقد كان ﵁ من السابقين الأولين إلى الإسلام ومن الذين أخلصوا دينهم لله وقاتل في سبيل الله نصرة لدين الإسلام حتى فارق الدنيا وهو على ذلك فرضي الله عنه وأرضاه.
والذي أخلص إليه في هذا المبحث أنني ضمنته ذكر فضائل أحد عشر
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٣/٥، صحيح مسلم ٤/٢٣٢٣. ٢ـ سنن أبي داود ٢/٤٩. ٣ـ المستدرك ٣/١٨٧-١٨٨ ثم قال عقبه: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
[ ١ / ٤٠٢ ]
شخصًا من أهل بيت النبي ﷺ الذكور عدا أمير المؤمنين علي بن طالب ﵁ فإنني كما قلت في أول هذا المبحث قد تقدم معنا ذكر فضائله في "الفصل الثالث" من هذا الباب، وهناك أفراد من أهل البيت صحبوا رسول الله ﷺ لم يرد لهم ذكر فضائل تخصهم فهؤلاء يكفيهم ما جاء في فضلهم عمومًا من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، كما يكفيهم ما حصل لهم من شرف الصحبة التي لا يعدلها شيء.
[ ١ / ٤٠٣ ]