إن الصحابة الذين شهدوا موقعة بدر مع رسول الله ﷺ هم الذين اختارهم رب العالمين واصطفاهم فجعل لهم ميزة تميزوا بها على غيرهم من عباد الله المؤمنين إذ أن معركة بدر تعتبر من أعظم المعارك التي انتصر فيها الإسلام على الكفر وأهله، وبسببها انتشر ضوء الإسلام في أنحاء الجزيرة العربية، ثم إلى خارجها، وبسببها أضيئت الطريق أمام الدعاة إلى الله لتحقيق العبودية لله ﷾ ونبذ جميع المعبودات التي تعبد من دون الله نتيجة اتباع الهوى والتقليد الأعمى، وكل من شارك من الصحابة في وقعة بدر كانت له المكانة اللائقة بالثناء الحسن في الدنيا والفوز بالجنة والنجاة من النار في الآخرة، فأهل بدر هم النجوم التي أضاءت تاريخ الإسلام حتى أصبح يقال لأحدهم: فلان بدري، وشهد بدرًا وكفى بهذه المنقبة شرفًا وتعظيمًا لهم في هذه الدنيا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وكفى بذلك أجرًا وإحسانًا عند رب العالمين في الحياة الآخرة وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء فلقد أعطاهم ذلك ربهم ﵎ وفضلهم على كثير من عباده تفضيلًا، وكانت هذه الغزوة المباركة في السنة الثانية من الهجرة٢ وقد كان عدد المشركين الذين جاءوا من مكة لإطفاء نور الله ألفًا وفي
_________________
(١) ١ـ قال الحافظ ابن حجر: قوله: "ببدر" هي قرية مشهورة نسبت إلى بدر بن مخلد بن النضر بن كنانة كان نزلها، ويقال بدر بن الحارث، ويقال: بدر اسم البئر التي سميت بذلك لاستدارتها، أو لصفاء مائها فكان البدر يرى فيها الفتح ٧/٢٨٥، وانظر معجم البلدان ١/٣٧٥. ٢ـ الطبقات الكبرى لابن سعد ٢/١٢، وتاريخ الأمم والملوك ٢/٤١٨، الكامل لابن الأثير ٢/١١٦، البداية والنهاية ٣/٢٥٨، زاد المعاد ٣/١٧١.
[ ١ / ١٦٤ ]
رواية أنهم خمسون وتسعمائة١، وأما عدد الفئة المؤمنة التي تصدت لمشركي قريش فقد كان عددهم ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا.
فقد روى الإمام مسلم في صحيحه بإسناده إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: لما كان يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا فاستقبل نبي الله القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه" الحديث٢.
وفي سنن أبي داود من حديث عبد الله بن عمرو أن عددهم ثلاثمائة وخمسة عشر رجلًا"٣.
قال ابن جرير: "وأما عامة السلف فإنهم قالوا: كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا"٤ والبضع هذا تفسير ما جاء في رواية صحيح مسلم المتقدمة أنه "تسعة عشر رجلا" وهذه الفئة المؤمنة جاء الثناء عليهم في الكتاب العزيز والسنة النبوية المطهرة.
ففي الكتاب العزيز شهد الله لهم بإخلاص نياتهم في الجهاد في سبيل الله ومن أجل ذلك أكرمهم الله - تعالى - بالنصر على أعداء الله من أهل الكفر والضلال، وما ذلك إلا لفضلهم عند الله - جل وعلا - وأن لهم كرامة ومكانة ومنزلة رفيعة عنده ﵎ كما شهد الله لهم بحقيقة الإيمان.
فالآيات التي أثنى الله عليهم بما ذكر هي:
١- قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الأَبْصَارِ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ـ الطبقات الكبرى لابن سعد ٣/١٥، وانظر: البداية والنهاية ٣/٢٨٤. ٢ـ صحيح مسلم ٣/١٣٨٤. ٣ـ سنن أبي داود ٢/٧٢. ٤ـ تاريخ الأمم والملوك ٢/٤٣٢. ٥ـ سورة آل عمران آية/١٣.
[ ١ / ١٦٥ ]
هذه الآية تشير إلى اللقاء الذي وقع بين المسلمين وبين المشركين يوم بدر، وفيها ثناء من الله - تعالى - على أهل بدر بخلوص نياتهم في الجهاد يوم بدر وأنهم ما قاتلوا يومذاك حمية ولا شجاعة ولا لترى أمكانهم، وإنما قاتلوا لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى فأيدهم الله بنصره وأكرم بها من منقبة وأكرم به من موقف عظيم يذكرون به في الدنيا والآخرة وجدير بهذا الموقف العظيم أنه موضع للتفكر والاتعاظ والاعتبار لمن يأتي بعدهم إلى يوم القيامة.
قال العلامة ابن جرير الطبري ﵀ عند قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا﴾ الآية: "يعني بذلك - جل ثناؤه - قل يا محمد للذين كفروا من اليهود الذين بين ظهراني بلدك قد كان لكم آية يعني علامة ودلالة على صدق ما أقول إنكم ستغلبون والفئة الجماعة من الناس التقتا للحرب وإحدى الفئتين، رسول الله ﷺ ومن كان معه ممن شهدوا وقعة بدر والأخرى مشركو قريش ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: جماعة تقاتل في طاعة الله وعلى دينه وهم رسول الله وأصحابه ﴿وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾ وهم مشركو قريش.
قال عبد الله بن عباس ﵄ في قوله: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قال: أصحاب رسول الله ﷺ ببدر ﴿وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾ فئة قريش الكفار.
وقال عكرمة في قوله: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: قال: محمد ﷺ وأصحابه ﴿وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾ قال: قريش يوم بدر.
وقال مجاهد: ذلك يوم بدر التقى المسلمون والكفار"١.
ومن خلال أقوال أئمة التفسير تبين أن الآية اشتملت على المدح والثناء على الفئة المؤمنة من البدريين، كما أنها أيضًا تضمنت التهديد لليهود الذين كانوا
_________________
(١) ١ـ جامع البيان ٣/١٩٣-١٩٤.
[ ١ / ١٦٦ ]
في المدينة حينذاك، فقد أخرج ابن جرير الطبري وغيره عن ابن عباس قال: لما أصاب رسول الله ﷺ قريشًا يوم بدر فقدم المدينة جمع يهود في سوق بني قينقاع فقال: يا معشر يهود أسلموا قبل أن يصيبكم مثل ما أصاب قريشًا فقالوا: يا محمد لا تغرنك نفسك أنك قتلت نفرًا من قريش كانوا أغمارًا١ لا يعرفون القتال إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تأت مثلنا فأنزل الله ﷿ في ذلك من قوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ إلى قوله: ﴿لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ أ. هـ٢.
فكأنه يقول لهم: يا معشر يهود لا يغرنكم كثرة العدد، ولا المال والولد فليس هذا سبيل النصر والغلب فالحوادث التي تجري في هذا الكون أعظم دليل على فساد ما تدعون انظروا إلى الفئتين اللتين التقتا، فئة قليلة من المؤمنين عددها ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا ولم يكن معها من القوة إلا سبعون بعيرًا يعتقبونها وفرسان فقط٣ ولما كانت تقاتل في سبيل الله كتب لها الفوز والغلب على الفئة الكثيرة من المشركين التي كان عددها ألف رجل ومعها من القوة مائتا فرس يقودونها٤ وفي هذا عبرة أيما عبرة لذوي البصائر السليمة التي استعملت العقول فيما خلقت لأجله من التأمل في الأمور والاستفادة منها ووجه العبرة في هذا أن هناك قوة فوق جميع القوى وهي قوة الله التي يؤيد بها الفئة المؤمنة القليلة، فتغلب الفئة المشركة الكثيرة بإذنه - تعالى - وقال ابن جرير مبينًا معنى قوله - تعالى - في الآية السابقة: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ . وتأويل الكلام قد كان
_________________
(١) ١ـ قال في النهاية: الأغمار جمع - غمر - بالضم - وهو الجاهل الغر الذي لم يجرب الأمور ٣/٣٨٥. ٢ـ جامع البيان ٣/١٩٢، وتفسير البغوي على حاشية الخازن ١/٢٧٢، وتفسير ابن كثير ٢/١٤. ٣ـ السير لابن هشام ١/٦١٣، زاد المعاد ٣/١٧١، البداية والنهاية ٣/٢٨٥، وانظر: مسند الإمام أحمد ١/٤١١ من حديث عبد الله بن مسعود ﵁، المستدرك للحاكم ٣/٢٠. ٤ـ البداية والنهاية ٣/٢٨٤.
[ ١ / ١٦٧ ]
لكم آية يا معشر اليهود في فئتين التقتا:
إحداهما: تقاتل في سبيل الله.
وأخرى: كافرة يراهم المسلمون مثليهم رأي أعينهم فأيدنا المسلمة وهم قليل عددهم على الكافرة وهم كثير عددهم حتى ظفروا بهم معتبر ومتفكر والله يقوي بنصره من يشاء - وقال جل ثناؤه - إن في ذلك يعني فيما فعلنا بهؤلاء الذين وصفنا أمرهم من تأييدنا الفئة المسلمة مع قلة عددها على الفئة الكافرة مع كثرة عددها لعبرة يعني: لمتفكرًا ومتعظًا لمن عقل وأدرك فأبصر الحق"أ. هـ١.
٢- وأما الشهادة من الله تعالى للبدريين بحقيقة الإيمان ففي قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ٢.
فقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ فيها إخبار من المولى - جل وعلا - بحقيقة إيمانهم فلقد أخبر - سبحانه - نبيه ﵊ أنه قواه وأعانه بنصره يوم بدر، كما أيده وأعانه بالمؤمنين، والمؤمنون الذين أيده بهم هم المهاجرون والأنصار الذين حضروا موقعة بدر المباركة قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وإنما أيده في حياته بالصحابة"أ. هـ٣.
وقال مقاتل: في بيان معنى الآية ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ قال: قواك بنصره وبالمؤمنين من الأنصار يوم بدر٤.
وقال ابن جرير: عند الآية ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾: "يقول: الله الذي قواك بنصره إياك على أعدائه ﴿وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني:
_________________
(١) ١ـ جامع البيان ٣/١٩٨، وانظر: تفسير البغوي على حاشية تفسير الخازن ١/٢٧٣، وانظر تفسير القرآن العظيم ٢/١٥. ٢ـ سورة الأنفال آية/٦٢-٦٣. ٣ـ منهاج السنة ١/١٥٦. ٤ـ زاد المسير ٣/٣٧٦.
[ ١ / ١٦٨ ]
بالأنصار١.
وقال أبو عبد الله القرطبي: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾ أي: قواك بنصره يريد يوم بدر ﴿وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ قال النعمان بن بشير نزلت في الأنصار ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ أي: جمع بين قلوب الأوس والخزرج وكان تألف القلوب مع العصبية الشديدة في العرب من آيات النبي ﷺ ومعجزاته إلا أن أحدهم كان يلطم اللطمة فيقاتل عنها حتى يستقيدها، وكان أشد خلق الله حمية فألف الله بالإيمان بينهم حتى قاتل الرجل أباه وأخاه بسبب الدين، وقيل: أراد التأليف بين المهاجرين والأنصار، والمعنى متقارب"أ. هـ٢.
فالآية اشتملت على الثناء بالإيمان الحقيقي على أهل بدر من الفريقين من مهاجرين وأنصار الذين حضروا تلك الغزوة وأيد الله بهم رسوله ﷺ.
٣- قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٣.
وفي هذه الآية مدح الله - تعالى - المتبعين لنبيه ﷺ بصفة الإيمان التي هي أعلى صفات الكمال وفي مقدمة هؤلاء الفئة المؤمنة من أهل بدر ﵃ أجمعين، ومعنى الآية كفاك وكفى أتباعك من المؤمنين الله ناصرًا. قال ابن جرير عند هذه الآية: "يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: يا أيها النبي حسبك الله، وحسب من اتبعك من المؤمنين، الله يقول لهم جل ثناؤه ناهضوا عدوكم فإن الله كافيكم أمركم ولا يهولنكم كثرة عددهم وقلة عددكم فإن الله مؤيدكم بنصره"٤.
_________________
(١) ١ـ جامع البيان ١٠/٣٥. ٢ـ الجامع لأحكام القرآن ٨/٤٢. ٣ـ سورة الأنفال آية/٦٤. ٤ـ جامع البيان ١٠/٣٧.
[ ١ / ١٦٩ ]
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عند الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ أي: الله كافيك ومن اتبعك من المؤمنين والصحابة أفضل من اتبعه من المؤمنين وأولهم"أ. هـ١.
وقد نقل القرطبي رحمه الله تعالى: عن ابن الكلبي أن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ إنها نزلت بالبيداء في غزوة بدر قبل القتال.٢
وعلى هذا يكون المراد بالذين اتبعوه هم البدريون الذين كان عددهم ثلاثمائة وتسعة عشر رجلًا كما تقدم.
٤- قال تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ٣.
فالمقصود بالمؤمنين في هذه الآية هم الذين شهدوا بدرًا مع رسول الله ﷺ وقاتلوا معه أعداء دينه من كفار قريش فلقد شهد الله لهم في هذه الآية بأنهم مؤمنون وأكرم بها من شهادة صادرة عمن يعلم السر وأخفى فهو - سبحانه - علم حقيقة أنفسهم وما انطوت عليه من تحقيق الإيمان الصادق، فأخبر - سبحانه - بما استقر في نفوسهم الزكية من حقيقة الإيمان والبلاء الحسن الذي أبلى به أولئك المؤمنون هو ما أنعم الله به عليهم من الظفر بأعدائهم وغنيمتهم ما معهم، وإثبات ما لهم من الأجر على أعمالهم وجهادهم مع رسول الله ﷺ ذلك هو البلاء الحسن.
ذكر ابن جرير رحمه الله تعالى عن ابن إسحاق أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا﴾ أي: ليعرف المؤمنين من نعمه عليهم في إظهارهم على عدوهم مع كثرة عددهم وقلة عددهم ليعرفوا بذلك حقه وليشكروا بذلك نعمته"أ. هـ٤.
_________________
(١) ١ـ منهاج السنة ١/١٥٦، وانظر: زاد المعاد ١/٣٥-٣٦. ٢ـ الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٨/٤٣. ٣ـ سورة الأنفال آية/١٧. ٤ـ جامع البيان ٩/٢٠٦.
[ ١ / ١٧٠ ]
وقال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى عند قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾: "فهذه الآية نزلت في شأن رميه ﷺ المشركين يوم بدر بقبضة من الحصباء فلم تدع وجه أحد منهم إلا أصحابته"أ. هـ١.
وروى ابن جرير الطبري: بإسناده إلى محمد بن قيس ومحمد بن كعب القرظي أنهما قالا: لما دنا القوم بعضهم من بعض أخذ رسول الله ﷺ قبضة من تراب فرمى بها في وجوه القوم وقال: "شاهت الوجوه" فدخلت في أعينهم كلهم، وأقبل أصحاب رسول الله ﷺ يقتلونهم ويأسرونهم، وكانت هزيمتهم في رمية رسول الله ﷺ وأنزل الله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ ٢.
وقال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: "وأخذ رسول الله ﷺ ملء كفه من الحصباء فرمى بها وجوه العدو، فلم تترك رجلًا منهم إلا ملأت عينيه، وشغلوا بالتراب في أعينهم وشغل المسلمون بقتلهم فأنزل الله في شأن هذه الرمية على رسوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ ٣.
فالآية اشتملت على مدح أهل بدر والثناء عليهم بصفة الإيمان التي هي من أعلى صفات الكمال التي يسعى لتحقيقها عباد الله المؤمنون بكل ما يمكنهم من العمل الصالح.
٥- قال تعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ ٤.
٦- وقال تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى
_________________
(١) ١ـ مدارج السالكين ٣/٤٢٦. ٢ـ جامع البيان ٩/٢٠٥ وأخرجه الطبراني من حديث ابن عباس بسند رجاله رجال الصحيح انظر: مجمع الزوائد ٦/٨٤. ٣ـ زاد المعاد ٣/٨٢. ٤ـ سورة آل عمران آية/١٢٤.
[ ١ / ١٧١ ]
قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ * إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ ١.
فقوله تعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وقوله: ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ شهادة قاطعة يقينية على إثبات إيمان أهل بدر ﵃ وكفى بهذه الشهادة شرفًا ورفعة لأولئك البدريين الأطهار إذ هي شهادة صادرة من رب السموات والأرض وما بينهما الذي يعلم الأمور على حقائقها وما هي عليه.
قال ابن جرير رحمه الله تعالى عند الآية: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ "بك من أصحابك: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ وذلك يوم بدر"أ. هـ٢.
وقد بين الله في الآية السابقة وهي قوله تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ الآية أن المطر الذي أنزله على أرض بدر كان لهم فيه أربع فوائد هي:
١. تطهيرهم حسيًا بالنظافة التي تنشط الأعضاء وتدخل السرور على النفس وشرعيًا بالغسل من الجنابة، والوضوء من الحدث الأصغر.
٢. إذهاب رجس الشيطان عنهم ووسوسته.
٣. الربط على قلوبهم، أي: توطين النفس على الصبر وتثبيتها كما قال تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٣.
٤. تثبيت أقدامهم ذلك أن المطر لبد الرمل وصيره بحيث لا تغوص فيه أرجلهم فقدروا على مناجزة أعدائه من المشركين٤.
_________________
(١) ١ـ سورة الأنفال آية/١١-١٢. ٢ـ جامع البيان ٤/٧٦./ ٣ـ سورة القصص آية/١٠. ٤ـ انظر: جامع البيان الطبري ٩/١٩٤، وانظر: زاد المعاد لابن القيم ٣/١٧٥، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٧/٣٧٣، تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٣/٢٨٩.
[ ١ / ١٧٢ ]
وفي هذه الفوائد الأربع تكريم لأولئك البدريين رضوان الله عليهم أجمعين.
وأما قوله تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ ١.
وهذه الآية مع ما دلت عليه من إثبات إيمان أهل بدر كذلك دلت صراحة على مشاركة الملائكة في قتال أعداء الدين من كفار قريش.
وقد جاء في صحيح مسلم عن ابن عباس ﵄: قال: بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وسوط الفارس يقول: أقدم حيزوم٢ فنظر إلى المشرك أمامه فخر مستلقيًا فنظر إليه فإذا هو قد خطم أنفه وشق وجهه كضربة السوط فاخضر ذلك أجمع فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول الله ﷺ فقال: "صدقت ذلك من مدد السماء السادسة " الحديث٣.
وروى الإمام أحمد بإسناده إلى أبي داود المازني وكان شهد بدرًا قال: إني لأتبع رجل من المشركين لأضربه إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي فعرفت أنه قتله غيري٤.
وروى أيضًا رحمه الله تعالى: بإسناده إلى علي بن أبي طالب ﵁ قال: جاء رجل من الأنصار قصير بالعباس بن عبد المطلب أسيرًا فقال العباس: يا رسول الله إن هذا والله ما أسرني لقد أسرني رجل أجلح٥ من أحسن الناس
_________________
(١) ١ـ سورة الأنفال آية/١٢. ٢ـ قال في النهاية "حيزوم" جاء في التفسير أنه اسم فرس جبريل ﵇ ١/٤٦٧. ٣ـ صحيح مسلم ٣/١٣٨٤-١٣٨٥. ٤ـ المسند ٥/٤٥٠، وابن هشام في السيرة ١/٦٣٣. ٥ـ قال ابن الأثير: الأجلح من الناس الذي انحسر الشعر عن جانبيه رأسه ١/٢٨٤.
[ ١ / ١٧٣ ]
وجهًا على فرس أبلق١ ما أراه في القوم، فقال الأنصاري: أنا أسرته يا رسول الله، قال: "أسكت فقد أيدك الله تعالى بملك كريم"٢.
فهذه الأحاديث صرحت بمشاركة الملائكة في قتال المشركين يوم بدر قال العلامة ابن القيم: "وكانت الملائكة يومئذ تبادر المسلمين إلى قتل أعدائهم"أ. هـ٣.
وإمداد الله - تعالى - لهم بالملائكة لم يكن دفعة واحدة بل كان بالتدريج "قال الربيع بن أنس: أمد الله المسلمين يوم بدر بألف، ثم زادهم فصاروا ثلاثة آلاف، ثم زادهم فصاروا خمسة آلاف، قال الحافظ ابن حجر: وكأنه جمع بذلك بين آيتي آل عمران والأنفال"٤.
وقد ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى الحكمة في قتال الملائكة مع الصحابة في بدر فقال: قال الشيخ تقي الدين السبكي: "سألت عن الحكمة في قتال الملائكة مع النبي ﷺ مع أن جبريل قادر على أن يدفع الكفار بريشة من جناحه؟ فقلت: وقع ذلك لإرادة أن يكون الفعل للنبي ﷺ وأصحابه وتكون الملائكة مددًا على عادة مدد الجيوش رعاية لصورة الأسباب وسنتها التي أجراها الله - تعالى - في عباده، والله تعالى هو فاعل الجميع والله أعلم".٥
وفيما قدمنا من الآيات القرآنية إثبات لفضل تلك الفئة المؤمنة من البدريين وكما ثبت فضلهم بنص القرآن الكريم كذلك ورد في إثبات فضلهم الكثير من الأحاديث النبوية الصحيحة ومنها ما يلي:
_________________
(١) ١ـ قال في اللسان البلق: الدابة، والبلق سواد وبياض وكذلك البلقة: بالضم - ١٠/٢٥. ٢ـ المسند ١/١١٧. ٣ـ زاد المعاد ٣/١٨٣. ٤ـ فتح الباري ٧/٣٣، وانظر: جمع قتادة بين الآيتين في جامع البيان ٤/٧٨. ٥ـ فتح الباري ٧/٣١٣.
[ ١ / ١٧٤ ]
١- روى الإمام البخاري بإسناده إلى علي بن أبي طالب ﵁: قال: "بعثني رسول الله ﷺ وأبا مرثد والزبير، وكلنا فارس، قال: "انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ١ فإن بها امرأة من المشركين معها كتاب من حاطب ابن أبي بلتعة إلى المشركين" فأدركناها تسير على بعير لها حيث قال رسول الله ﷺ فقلنا: الكتاب فقالت: ما معي كتاب، وأنخناها، فلتمسنا فلم نر كتابًا فقلنا: ما كذب رسول الله ﷺ لتخرجن الكتاب، أو لنجردنك فلما رأت الجد أهوت إلى حاجزتها، وهي محتجزة بكساء - فأخرجته، فانطلقنا بها إلى رسول الله ﷺ فقال عمر: يا رسول الله قد خان الله ورسوله والمؤمنين فدعني فلأضرب عنقه. فقال النبي ﷺ: "ما حملك" قال حاطب: والله ما بي أن لا أكون مؤمنًا بالله ورسوله ﷺ أردت أن تكون لي عند القوم يد يدفع الله بها عن أهلي ومالي وليس أحد من أصحابك إلا له هناك من عشيرته من يدفع الله به عن أهله وماله فقال النبي ﷺ: "صدق ولا تقولوا له إلا خيرًا" فقال عمر: إنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين فدعني فلأضرب عنقه فقال: "لعل الله اطلع على أهل بدر فقالوا اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة، أو فقد غفرت لكم". فدمعت عينا عمر وقال: الله ورسوله أعلم.٢.
فلله ما أعظم هذا التكريم لتلك الفئة المؤمنة من البدريين، وما أعظم فضلها عند المولى ﷾.
قال الحافظ ابن حجر عند شرحه لهذا الحديث: "ووقع الخبر بألفاظ منها: "فقد غفرت لكم" ومنها: "فقد وجبت لكم الجنة" ومنها: "لعل الله اطلع" لكن قال العلماء: إن الترجي في كلام الله وكلام رسوله للوقوع، ثم قال: وقد استشكل قوله: "اعملوا ما شئتم" فإن ظاهره أنه للإباحة وهو خلاف
_________________
(١) ١ـ روضة خاخ: موضع بين مكة والمدينة بقرب المدينة شرح النووي على صحيح مسلم ١٦/٥٥، وانظر: معجم البلدان لياقوت الحموي ٢/٣٣٥. ٢ـ صحيح البخاري ٣/٧، صحيح مسلم ٤/١٩٤١.
[ ١ / ١٧٥ ]
عقد الشرع وأجيب: بأنه إخبار عن الماضي - أي: كل عمل كان لكم فهو مغفور ويؤيده أنه لو كان لما يستقبلونه من العمل لم يقل بلفظ الماضي ولقال: فسأغفره لكم، وتعقب بأنه لو كان للماضي لما حسن الاستدلال به في قصة حاطب لأنه ﷺ خاطب به عمر منكرًا عليه ما قال في أمر حاطب وهذه القصة كانت بعد بدر بست سنين فدل على أن المراد ما سيأتي، وأورده في لفظ الماضي مبالغة في تحقيقه، وقيل: إن صيغة الأمر في قوله: "اعملوا" للتشريف والتكريم والمراد عدم المؤاخذة بما يصدر منهم بعد ذلك وأنهم خصوا بذلك لما حصل لهم من الحال العظيمة التي اقتضت محو ذنوبهم السابقة وتأهلوا لأن يغفر الله لهم الذنوب اللاحقة إن وقعت، أي: كل ما عملتموه بعد هذه الوقعة من أي عمل كان فهو مغفور.. وقيل: إن المراد ذنوبهم تقل إذا وقعت مغفورة. وقيل: هي بشارة بعدم وقوع الذنوب منهم. وفيه نظر ظاهر لقصة قدامة بن مظعون حيث شرب الخمر في أيام عمر وحده واتفقوا على أن البشارة المذكورة فيما يتعلق بأحكام الآخرة لا بأحكام الدنيا من إقامة الحدود وغيرها والله أعلم١.
وقال النووي: قال العلماء: معناه الغفران لهم في الآخرة وإلا فإن توجه على أحد منهم حد أو غيره أقيم عليه في الدنيا ونقل القاضي عياض الإجماع على إقامة الحد وأقامه عمر على بعضهم قال: وضرب رسول الله ﷺ مسطحًا الحد وكان بدريًا" أ. هـ٢.
وقال المناوي شارحًا لهذا الحديث: "اعملوا ما شئتم أن تعملوا فإني غفرت لكم ذنوبكم أي: سترتها فلا أؤاخذكم بها لبذلكم مهجكم في الله ونصر دينه والمراد إظهار العناية بهم وإعلاء رتبتهم والتنويه بإكرامهم والإعلام بتشريفهم وإعظامهم لا الترخيص لهم في كل فعل كما يقال للمحب افعل ما شئت أو هو
_________________
(١) ١ـ الفتح ٧/٣٠٥-٣٠٦، وانظر: رسالته في الخصال المكفرة ضمن مجموعة الرسائل المنيرية ١/٢٥٨. ٢ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٦/٥٦-٥٧.
[ ١ / ١٧٦ ]
على ظاهره والخطاب لقوم منهم على أنهم لا يقارفون بعد بدر ذنبًا وإن قارفوه لم يصروا بل يوفقون لتوبة نصوح فليس فيه تخييرهم فيما شاءوا وإلا لما كان أكابرهم بعد ذلك أشد خوفًا وحذرًا مما كانوا قبله"أ. هـ١.
٢- روى الإمام مسلم رحمه الله تعالى بإسناده إلى جابر بن عبد الله ﵁ أن عبدًا لحاطب جاء رسول الله ﷺ يشكو حاطبًا فقال: يا رسول الله ليدخلن حاطب النار، فقال رسول الله ﷺ: "كذبت لا يدخلها فإنه شهد بدرًا والحديبية" ٢.
هذا الحديث فيه شهادة لحاطب بدخول الجنة رغم أنه كان يريد أن يعلم قريشًا بمسير النبي ﷺ إليهم كما أن فيه التصريح بعدم دخول النار لمن شهد بدرًا والحديبية.
٣- وروى الإمام البخاري ﵀ بإسناده إلى رفاعة بن رافع الزرقي عن أبيه - وكان أبوه من أهل بدر قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ: ما تعدون أهل بدر فيكم قال: "من أفضل المسلمين" - أو كلمة نحوها - قال: وكذلك من شهد بدرًا من الملائكة"٣.
وهذا الحديث تضمن بيان درجة أهل بدر ويبين أن لهم درجة كبيرة، ومنزلة عظيمة عند الله - جل وعلا - فقد نالوا ذلك الفضل وتلك المنزلة بسبب ما قدموه في هذه الحياة الدنيا من جهد في نصرة الإسلام، وقمع عبدة الأصنام وما وقر في قلوبهخم الطيبة من حقيقة الإيمان فكون الملائكة تقاس بهم فإن ذلك من أعظم الأدلة على علو قدرهم وارتفاع درجتهم عند الله - تعالى - فرضوان الله عليهم أجمعين.
_________________
(١) ١ـ شرح الجامع الصغير ٢/٢١٢. ٢ـ صحيح مسلم ٤/١٩٤٢. ٣ـ صحيح البخاري ٣/١٠.
[ ١ / ١٧٧ ]
٤- وروى البخاري ﵀ بإسناده أيضًا إلى أنس بن مالك ﵁ قال: "أصيب - حارثة ـ١ يوم بدر وهو غلام فجاءت أمه إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله قد عرفت منزلة حارثة مني، فإن يكن في الجنة أصبر وأحتسب وإن تكن الأخرى تر ما أصنع فقال: "ويحك - أو هبلت - أو جنة هي؟ إنها جنان كثيرة وإنه في جنة الفردوس" ٢. ورواه بلفظ آخر بإسناده إلى أنس ﵁ أن أم الربيع بنت البراء وهي أم حارثة بن سراقة أتت النبي ﷺ فقالت: يا نبي الله ألا تحدثني عن حارثة - وكان قتل يوم بدر أصابه سهم غرب٣ فإن كان في الجنة صبرت وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء قال: "يا أم حارثة إنها جنان في الجنة وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى" ٤.
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى بعد ذكره حديث حارثة هذا: "وفي هذا تنبيه عظيم على فضل أهل بدر فإن هذا لم يكن في بحيحة القتال ولا في حومة الوغى بل كان من النظارة من بعيد، وإنما أصابه سهم غرب وهو يشرب من الحوض ومع هذا أصاب بهذا الموقف الفردوس - التي هي أعلا الجنان، وأوسط الجنة ومنه تفجر أنهار الجنة التي أمر الشارع أمته إذا سألوا الله الجنة - أن يسألوه إياها، فإذا كان هذا حال هذا فما ظنك بمن كان واقفًا في نحر العدو وعدوهم على ثلاثة أضعافهم عددًا وعُددًا"أ. هـ٥.
٥- وجاء في مجمع الزوائد من حديث أبي هريرة ﵁ أن رجلًا من الأنصار عمي فبعث إلى رسول الله ﷺ وقد اجتمع إليه قومه فتغيب رجل
_________________
(١) ١ـ ستأتي ترجمته في ص/٧١٠ من هذه الرسالة. ٢ـ صحيح البخاري ٣/٧. ٣ـ هو الذي: لا يعلم راميه، أو لا يعرف من أين أتى، أو جاء دون قصد من راميه. فتح الباري ٦/٢٧. ٤ـ صحيح البخاري ٢/١٣٩. ٥ـ البداية والنهاية ٣/٣٦١.
[ ١ / ١٧٨ ]
فقال رسول الله ﷺ: "ما فعل فلان" فذكره بعض القوم فقال رسول الله ﷺ: "أليس قد شهد بدرا" قالوا: نعم ولكنه كذا وكذا فقال رسول الله ﷺ: "فلعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" ١.
٦- وفيه أيضًا: من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إني لأرجو أن لا يدخل النار من من شهد بدرًا إن شاء الله" ٢.
٧- وروى الحاكم بإسناده إلى عبد الرحمن بن عوف قال: كلم طلحة بن عبيد الله عامر بن فهيرة بشيء فقال له رسول الله ﷺ: "مهلًا يا طلحة فإنه قد شهد بدرًا كما شهدت وخيركم خيركم لمواليه" ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه٣.
٨- ومن مناقب أهل بدر التي دلت على علو شأنهم، ورفعة مكانتهم أن النبي ﷺ بين أنهم كتيبة الإيمان وعصابة الإسلام التي كان لها السبق في نصر دين الإسلام وإعلاء كلمته، وأن جهادهم في موقعة بدر كان من أعظم الأسباب في أن يعبد الله وحده لا شريك له على وجه الأرض. فقد روى الإمام مسلم بإسناده إلى عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ قال في الدعاء الذي دعا به يوم بدر: "اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض" ٤.
ذلك هو الثناء في الكتاب والسنة على تلك الفئة المؤمنة من البدريين الفضلاء فقد أوضح الله ورسوله مكانتهم أتم وضوح فقد كانوا في القمة من الكمال وما حصل لهم ذلك إلا باستجابتهم لربهم ﵎ على الوجه
_________________
(١) ١ـ مجمع الزوائد ٩/١٦٠ ثم قال الهيثمي رواه أبو داود وابن ماجه باختصار كثير في الأوسط وإسناده حسن. ٢ـ المصدر السابق ٩/١٦١ وقال رواه البزار ورجاله رجال الصحيح غير خداش بن عياش وهو ثقة. ٣ـ المستدرك ٤/٧٧ وأقره الذهبي. ٤ـ صحيح مسلم ٣/١٣٨٤.
[ ١ / ١٧٩ ]
المطلوب في امتثال الأوامر واجتناب النواهي ولذلك كان جزاؤهم أن وفقهم الله لصالح الأعمال في الدنيا، وفازوا بالجنة في الأخرى والذي أخلص إليه مما تقدم أن الله تعالى أثنى على أهل بدر ثناء حسنًا وبين النبي ﷺ مكانتهم وفضلهم في كثير من الأحاديث وقد ذكرنا بعضها فيما تقدم، فقد بين ﵊ أنهم مغفور لهم، وأن من شهد بدرًا لا يدخل النار وذلك نتيجة لما وقر في قلوبهم من الإيمان الذي ظهرت براهينه في أعمالهم وبسبب ذلك نصرهم الله على عدوهم في موقعة بدر رغم قلة عددهم وعدتهم، ففتح الله عليهم وأخذ أئمة الكفر وشفى صدورهم ﵃ في أعداء الله وأعداء رسوله والمؤمنين.
قال العلامة ابن القيم: "ثم ارتحل - أي رسول الله ﷺ بعد انتهاء معركة بدر مؤيدًا منصورًا قرير العين بنصر الله له، ومعه الأسارى والمغانم"١.
فكان هذا اليوم يوم سعد وفوز للنبي ﷺ وأصحابه، وكان يوم نحس وشؤم على الكافرين والمنافقين وذلك لاختلاف الأعمال.
قال العلامة ابن القيم: "فسعود الأيام ونحوسها: إنما هو لسعود الأعمال وموافقتها لمرضاة الرب، ونحوس الأعمال إنما هو بمخالفتها لما جاءت به الرسل واليوم الواحد يكون يوم سعد لطائفة، ونحس لطائفة كما كان يوم بدر، يوم سعد للمؤمنين، ويوم نحس على الكافرين"٢.
_________________
(١) ١ـ زاد المعاد ٣/١٨٨. ٢ـ مفتاح دار السعادة ٢/١٩٤، وانظر: التفسير القيم لابن القيم ص/٤٣٠.
[ ١ / ١٨٠ ]