لقد ورد الثناء في السنة النبوية على الصحابة ﵃ على وجه عام في أحاديث كثيرة مستفيضة ومتواترة منها الصحيح ومنها الحسن ومن ذلك ما يلي:
١- روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي بردة عن أبيه ﵁ "قال: صلينا مع رسول الله ﷺ. ثم قلنا: لو جلسنا حتى نصلي العشاء قال: فجلسنا فخرج علينا فقال: "ما زلتم هاهنا؟ " قلنا يا رسول الله صلينا معك المغرب ثم قلنا: نجلس حتى نصلي معك العشاء قال: "أحسنتم" أو "أصبتم" قال فرفع رأسه إلى السماء وكان كثيرًا ما يرفع رأسه إلى السماء فقال "النجوم أمنة للسماء فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد وأنا لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون" ١
قال أبو حاتم محمد بن حبان البستي مبينًا معنى هذا الحديث: "ويشبه أن يكون معنى هذا الخبر أن الله - جل وعلا - جعل النجوم علامة لبقاء السماء وأمنة لها عن الفناء فإذا غارت واضمحلت أتى السماء الفناء الذي كتب عليها وجعل الله - جل وعلا - المصطفى أمنة أصحابه من وقوع الفتن فلما قبضه الله - جل وعلا - إلى جنته أتى أصحابه الفتن التي أوعدوا وجعل الله أصحابه أمنة أمته من ظهور الجور فيها، فإذا مضى أصحابه أتاهم ما يوعدون من
_________________
(١) ١ـ صحيح مسلم ٤/١٩٦.
[ ١ / ٨١ ]
ظهور غير الحق من الجور والأباطيل"أ. هـ١.
وقال النووي: "ومعنى الحديث أن النجوم ما دامت باقية فالسماء باقية فإذا انكدرت النجوم وتناثرت في القيامة وهنت السماء فانفطرت وانشقت وذهبت وقوله ﷺ: " وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون" أي: من الفتن والحروب وارتداد من ارتد من الأعراب واختلاف القلوب ونحو ذلك مما أنذر به صريحًا وقد وقع كل ذلك، قوله ﷺ: "وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون" معناه: من ظهور البدع والحوادث في الدين والفتن فيه وطلوع قرن الشيطان وظهور الروم وغيرهم وانتهاك المدينة ومكة وغير ذلك وهذه كلها من معجزاته ﷺ"٢.
فهذا الحديث تضمن فضيلة الصحابة ﵃ على وجه عام كما اشتمل على بيان منزلتهم ومكانتهم العالية في الأمة، وأنهم في الأمة بمنزلة النجوم من السماء.
٢- روى الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "يأتي على الناس زمان يغزو فئام٣ من الناس فيقال لهم: فيكم من صحب رسول الله ﷺ فيقولون نعم فيفتح لهم، ثم يغزو فئام من الناس فيقال لهم هل فيكم من رأى من صحب رسول الله ﷺ فيقولون نعم: فيفتح لهم، ثم يغزو فئام من الناس فيقال لهم: هل فيكم من رأى من صحب من صحب رسول الله ﷺ فيقولون نعم فيفتح لهم" ٤.
فلله ما أعظم هذا التكريم الذي حظي به أصحاب رسول الله ﷺ الذي
_________________
(١) ١ـ الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان للأمير علاء الدين أبي الحسن علي بن بلبان بن عبد الله الفارسي ٩/١٨٦. ٢ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٦/٨٣. ٣ـ الفئام: الجماعة الكثيرة، النهاية في غريب الحديث ٣/٤٠٦. ٤ـ صحيح البخاري ٢/٢٨٧، صحيح مسلم ٤/١٩٦٢، واللفظ لمسلم.
[ ١ / ٨٢ ]
ما كان ولم يكن لأحد سواهم بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فالحديث تضمن فضيلة أصحاب رسول الله ﷺ وتابعيهم.
قال الإمام النووي: "وفي هذا الحديث معجزات لرسول الله ﷺ وفضل الصحابة والتابعين وتابعيهم"أ. هـ١.
٣- وروى الشيخان من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "سأل رسول الله ﷺ: أي الناس خير؟ قال: "قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تبدر شهادة أحدهم يمينه، وتبدر يمينه شهادته".٢
٤- روى الإمام مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: "قال رسول الله ﷺ: "خير أمتي القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم" والله أعلم أذكر الثالث أم لا قال: "ثم يخلف قوم يحبون السمانة٣ ويشهدون قبل أن يستشهدوا٤.
٥- وروى الشيخان من حديث عمران بن حصين ﵁ قال: " سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" قال عمران: فلا أدري قال رسول الله ﷺ بعد قرنه مرتين أو ثلاثة.٥
٦- روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: سأل رجل النبي ﷺ: أي الناس خير؟ قال: "القرن
_________________
(١) ١ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٦/٨٣، وانظر: عمدة القارئ للعيني ١٤/١٨٠. ٢ـ صحيح البخاري ٢/٢٨٨، صحيح مسلم ٤/١٩٦٣ واللفظ لمسلم. ٣ـ المراد بالسمن هنا كثرة اللحم ومعناه أنه يكثر ذلك فيهم وليس معناه أن يتمحضوا سمانًا والمذموم منه من يستكسبه بالمأكول والمشروب الزائد على المعتاد. ٤ـ صحيح مسلم ٤/١٩٦٣-١٩٦٤. ٥ـ صحيح البخاري ٢/٢٨٧، صحيح مسلم ٤/١٩٦٤.
[ ١ / ٨٣ ]
الذي أنا فيه ثم الثاني، ثم الثالث" ١.
فهذه الأحاديث فيها دلالة واضحة وقاطعة على أن الصحابة ﵃ هم خير القرون المفضلة وأكرمها على الله - تعالى ـ.
قال الإمام النووي: "اتفق العلماء على أن خير القرون قرنه ﷺ والمراد أصحابه"٢.
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: "قوله: "خير أمتي قرني" أي: أهل قرني والقرن أهل زمان واحد متقارب اشتركوا في أمر من الأمور المقصودة ويقال: إن ذلك مخصوص بما إذا اجتمعوا في زمن نبي أو رئيس يجمعهم على ملة أو مذهب أو عمل ويطلق القرن على مدة من الزمان واختلفوا في تحديدها من عشرة أعوام إلى مائة وعشرين لكن لم أر من صرح بالسبعين ولا بمائة وعشرة وما عدا ذلك فقد قال به قائل وذكر الجوهري بين الثلاثين والثمانين وقد وقع في حديث عبد الله بن بسر عند مسلم ما يدل على أن القرن مائة وهو المشهور والمراد بقرن النبي ﷺ في هذا الحديث الصحابة وقد سبق في صفة النبي ﷺ قوله: "وبعثت من خير قرون بني آدم" ٣ وفي رواية بريدة عند أحمد "خير هذه الأمة القرن الذي بعثت فيهم" ٤.
وقد ظهر أن الذي بين البعثة وآخر من مات من الصحابة مائة سنة وعشرون سنة أو دونها أو فوقها بقليل على الاختلاف في وفاة أبي الطفيل وإن اعتبر ذلك من بعد وفاته ﷺ فيكون مائة سنة أو تسعين أو سبعًا وتسعين. وأما قرن التابعين فإن اعتبر من سنة مائة كان نحو سبعين أو ثمانين وأما الذين بعدهم فإن اعتبر منها كان نحوًا من خمسين فظهر بذلك أن مدة القرن تختلف باختلاف أعمال أهل كل زمان والله أعلم واتفقوا أن آخر من كان
_________________
(١) ١ـ صحيح مسلم ٤/١٩٦٥. ٢ـ شرح النووي ١٦/٨٤. ٣ـ صحيح البخاري ٢/٢٧٢ من حديث أبي هريرة ﵁. ٤ـ مسند أحمد ٥/٣٥٧.
[ ١ / ٨٤ ]
من أتباع التابعين ممن يقبل قوله من عاش إلى حدود العشرين ومائتين، وفي هذا الوقت ظهر البدع ظهورًا فاشيًا، وأطلقت المعتزلة ألسنتها ورفعت الفلاسفة رؤوسها وامتحن أهل العلم ليقولوا بخلق القرآن وتغيرت الأحوال تغيرًا شديدًا ولم يزل الأمر في نقص إلى الآن وظهر قوله ﷺ: "ثم يفشوا الكذب" ظهورًا بينًا حتى يشمل الأقوال والأفعال والمعتقدات والله المستعان قوله: "ثم الذين يلونهم" أي القرن الذي بعدهم وهم التابعون "ثم الذين يلونهم" وهم أتباع التابعين، واقتضى أن تكون الصحابة أفضل من التابعين والتابعون أفضل من أتباع التابعين لكن هذه الأفضلية بالنسبة إلى المجموع أو الأفراد؟ محل بحث وإلى الثاني نحا الجمهور والأول قول ابن عبد البر١ والذي يظهر أن من قاتل مع النبي ﷺ أو في زمانه بأمره أو أنفق من ماله بسببه لا يعدله في الفضل أحد بعده كائنًا من كان وأما من لم يقع له ذلك فهو محل البحث والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ الآية.
ثم استرسل الحافظ في ذكر أدلة ابن عبد البر على أن الأفضلية بالنسبة إلى المجموع لا إلى الأفراد مع ذكر ما يرد عليها من الاعتراضات ومن الأدلة التي ذكرها ما يلي:
١) قوله ﷺ: "مثل أمتي مثل المطر لا يدري أوله خير أم آخره" وهو حديث حسن له طرق قد يرتقي بها إلى الصحة٢ وأجاب عنه النووي بما حاصله: أن المراد من يشتبه عليه الحال في ذلك من أهل الزمان الذين يدركون عيسى بن مريم ﵇ ويرون في زمانه من الخير والبركة وانتظام كلمة الإسلام ودحض كلمة الكفر فيشتبه الحال على من شاهد ذلك أي الزمانين خير
_________________
(١) ١ـ وقول ابن عبد البر ليس على إطلاقه في حق جميع الصحابة فإنه استثنى أهل بدر والحديبية انظر: فتح الباري ٧/٧. ٢ـ سنن الترمذي ٤/٢٢٩، المسند ٣/١٤٣
[ ١ / ٨٥ ]
وهذا الاشتباه مندفع بصريح قوله ﷺ: "خير القرون قرني" والله أعلم.
٢) ما رواه ابن أبي شيبة من حديث عبد الرحمن بن جبير بن نفير أحد التابعين بإسناد حسن قال: قال رسول الله ﷺ: "ليدركن المسيح أقوامًا إنهم لمثلكم أو خير - ثلاثًا - ولن يخزي الله أمة أنا أولها والمسيح آخرها".
٣) روى أبو داود والترمذي من حديث أبي ثعلبة رفعة: "تأتي أيام للعامل فيهن أجر خمسين قيل: منهم أو منا يا رسول الله؟ قال بل منكم" ١ وهو شاهد لحديث "مثل أمتي مثل المطر".
٤) واحتج بحديث عمر رفعه: "أفضل الخلق إيمانًا قوم في أصلاب الرجال يؤمنون بي ولم يروني" الحديث أخرجه الطيالسي وغيره لكن إسناده ضعيف فلا حجة فيه.
٥) روى أحمد والدارمي والطبراني من حديث أبي جمعة قال: قال أبو عبيدة يا رسول الله أحد خير منا؟ أسلمنا معك وجاهدنا معك قال: "قوم يكونون من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني" وإسناده حسن وقد صححه الحاكم.٢
٦) احتج بأن السبب في كون القرن الأول خير القرون أنهم كانوا غرباء في إيمانهم لكثرة الكفار حينئذ وصبرهم على أذاهم وتمسكهم بدينهم قال فكذلك أواخرهم إذا أقاموا الدين وتمسكوا به وصبروا على الطاعة حين ظهور المعاصي والفتن كانوا أيضًا عند ذلك غرباء، وزكت أعمالهم في ذلك الزمان كما زكت أعمال أولئك ويشهد له ما رواه مسلم عن أبي هريرة رفعه: "بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ فطوبى للغرباء". ٣ وقد تعقب كلام ابن عبد البر بأن
_________________
(١) ١ـ سنن أبي داود ٢/٤٣٧، سنن الترمذي ٤/٣٢٣. ٢ـ المسند ٤/١٠٦، سنن الدارمي ٢/٣٠٨. ٣ـ صحيح مسلم ١/١٣٠.
[ ١ / ٨٦ ]
مقتضى كلامه أن يكون فيمن يأتي بعد الصحابة من يكون أفضل من بعض الصحابة وبذلك صرح القرطبي لكن كلام ابن عبد البر ليس على الإطلاق في حق جميع الصحابة، فإنه صرح في كلامه باستثناء أهل بدر والحديبية. نعم والذي ذهب إليه الجمهور أن فضيلة الصحبة لا يعدلها عمل لمشاهدة رسول الله ﷺ وأما من اتفق له الذب عنه والسبق إليه بالهجرة أو النصرة وضبط الشرع المتلقى عنه وتبليغه لمن بعده فإنه لا يعدله أحد ممن يأتي بعده لأنه ما من خصلة من الخصال المذكورة إلا وللذي سبق بها مثل أجر من عمل بها من بعده فظهر فضلهم، ومحصل النزاع يتمحض فيمن لم يحصل له إلا مجرد المشاهدة، فإن جمع بين مختلف الأحاديث المذكورة كان متجهًا على أن حديث: "للعامل منهم أجر خمسين منكم" لا يدل على أفضيلة غير الصحابة على الصحابة لأن مجرد زيادة الأجر لا يستلزم ثبوت الأفضلية المطلقة، وأيضًا: فالأجر إنما يقع تفاضله بالنسبة إلى ما يماثله في ذلك العمل فأما ما فاز به من شاهد النبي ﷺ من زيادة فضيلة المشاهدة فلا يعدله فيها أحد فبهذه الطريق يمكن تأويل الأحاديث، وأما حديث أبي جمعة فلم تتفق الرواة على لفظه، فقد رواه بعضهم بلفظ الخيرية كما تقدم ورواه بعضهم بلفظ قلنا يا رسول الله هل من قوم أعظم منا أجرًا؟ الحديث أخرجه الطبراني وإسناد هذه الرواية أقوى من إسناد الرواية المتقدمة وهي توافق حديث أبي ثعلبة وقد تقدم الجواب عنه والله أعلم"١.
والراجح من القولين ما ذهب إليه جمهور العلماء من أن أفضلية الصحابة إنما هو باعتبار الأفراد وليس بالنسبة إلى المجموع إذ الصحبة لا يعدلها شيء ولمشاهدتهم النبي ﷺ وذبهم عنه ونصرة دين الإسلام وحرصهم على ضبط الوحي الذي تلقوه عن النبي ﷺ وتبليغهم إياه إلى من بعدهم ولأن ما هنا خصلة من أعمال الخير إلا سبقوا إليها ويكون لهم أجرها وأجر من عمل بها بعدهم إلى
_________________
(١) ١ـ فتح الباري ٧/٦-٧.
[ ١ / ٨٧ ]
يوم القيامة وبهذا برز فضلهم على من بعدهم ومن قبلهم من الأمم سوى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
٧) ومما جاء في الثناء عليهم من السنة ما رواه البخاري في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال النبي ﷺ: "لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه".١وعند الإمام مسلم بلفظ كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيء فسبه خالد فقال رسول الله ﷺ: "لا تسبوا أحدًا من أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبًا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه". ٢
" فإذا كان سيف الله خالد بن الوليد وغيره ممن أسلم بعد الحديبية لا يساوي العمل الكثير منهم القليل من عبد الرحمن بن عوف وغيره ممن تقدم إسلامه مع أن الكل تشرف بصحبته ﷺ فكيف بمن لم يحصل له شرف الصحبة بالنسبة إلى أولئك الأخيار، إن البون لشاسع وإن الشقة لبعيدة فما أبعد الثرى من الثريا بل وما أبعد الأرض السابعة عن السماء السابعة ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم".٣
قال أبو محمد بن حزم في شرحه لهذا الحديث: "فكان نصف مد شعير أو تمر في ذلك الوقت أفضل من جبل أحد ذهبًا ننفقه نحن في سبيل الله تعالى بعد ذلك قال الله - تعالى ـ: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًاّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ ٤ وهذا في الصحابة فيما بينهم فكيف بمن بعدهم معهم ﵃
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٢/٢٩٢. ٢ـ صحيح مسلم ٤/١٩٦٧. ٣ـ قبس من هدي الإسلام لشيخنا عبد المحسن العباد ص/ ٩٢. ٤ـ سورة الحديد آية/ ١٠.
[ ١ / ٨٨ ]
أجمعين".١
وقال حمد بن محمد أبو سليمان الخطابي رحمه الله تعالى: "والمعنى أن جهد المقل منهم واليسير من النفقة الذي أنفقوه في سبيل الله مع شدة العيش والضيق الذي كانوا فيه أوفى عند الله وأزكى من الكثير الذي ينفقه من بعدهم".أ. هـ٢
وقال القاضي عياض: " وسبب تفضيل نفقتهم أنها كانت في وقت الضرورة وضيق الحال بخلاف غيرهم ولأن إنفاقهم كان في نصرته ﷺ وحمايته وذلك معدوم بعده وكذا جهادهم وسائر طاعتهم وقد قال الله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًاّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ هذا كله مع ما كان في أنفسهم من الشفقة والتودد والخشوع والتواضع والإيثار والجهاد في الله حق جهاده وفضيلة الصحبة ولو لحظة لا يوازيها عمل ولا تنال درجتها بشيء، والفضائل لا تؤخذ بقياس، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء"أ. هـ٣
وقد نقل الحافظ ابن حجر عن البيضاوي في شرح الحديث المتقدم أنه قال: "معنى الحديث لا ينال أحدكم بإنفاق مثل أحد ذهبًا من الفضل والأجر ما ينال أحدهم بإنفاق مد طعام أو نصيفه وسبب التفاوت ما يقارن الأفضل من مزيد الإخلاص وصدق النية" قال الحافظ: "وأعظم من ذلك في سبب الأفضلية عظم موقع ذلك لشدة الاحتياج إليه، وأشار بالأفضلية بسبب الإنفاق إلى الأفضلية بسبب القتال كما وقع في الآية: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ فإن فيها إشارة إلى موقع السبب الذي ذكرته وذلك أن الإنفاق والقتال
_________________
(١) ١ـ ابن حزم الأندلسي ورسالته في المفاضلة بين الصحابة ص/١٧٧ لسعيد الأفغاني. ٢ـ معالم السنن ٤/٣٠٨. ٣ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٦/٩٣.
[ ١ / ٨٩ ]
كان قبل فتح مكة عظيمًا لشدة لشدة الحاجة إليه وقلة المعتنى به بخلاف ما وقع بع ذلك لأن المسلمين كثروا بعد الفتح ودخل الناس في دين الله أفواجًا فإنه لا يقع ذلك الموقع المتقدم"أ. هـ١.
فالذي يستفاد من كلام هؤلاء الأئمة الذين قدمنا نقولهم أن الصحابة لا يدركهم أحد في فضلهم وعملهم ورضي الله عنهم أجمعين بل إن القليل من عملهم لا يوازيه عمل غيرهم مهما بلغ من الكثرة ومهما صاحبه من إخلاص وصدق ويقين وإيمان وذلك فضله تعالى يؤتيه من يشاء. روى ابن بطة بالإسناد الصحيح كما في منهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية أن عبد الله بن عمر ﵄ قال: لا تسبوا أصحاب محمد فلمقام أحدهم ساعة مع النبي ﷺ خير من عمل أحدكم أربعين سنة " وفي رواية وكيع خير من عبادة أحدكم عمره".٢
وروى أبو داود بإسناده إلى سعيد بن زيد ﵁ أنه قال بعد أن ذكر العشرة المبشرين بالجنة "لمشهد رجل منهم مع رسول الله ﷺ يغبر فيه وجهه خير من عمل أحدكم عمره ولو عمر عمر نوح"٣ فسعيد بن زيد ﵁ يريد بهذا عموم الصحابة ﵃ أجمعين.
٨) ومن الأحاديث الدالة على فضلهم وعلو منزلتهم أن النبي ﷺ بشر من رآه وآمن به واتبعه وصدقه أن له طوبى والصحابة ﵃ حازوا قصب السبق في هذا على كل أحد أتى بعدهم فقد روى البزار والطبراني من حديث أبي عبد الرحمن الجهني قال: بينا نحن عند رسول الله ﷺ جلوس إذ طلع راكبان فقال رسول الله ﷺ كنديان٤ مذحجيان٥ حتى أتياه فإذا رجلان من مذحج
_________________
(١) ١ـ فتح الباري ٧/٣٤، وانظر: عون المعبود شرح سنن أبي داود ١٢/٤١٣. ٢ـ منهاج السنة ١/١٥٤. ٣ـ سنن أبي داود ٢/٥١٦. ٤ـ كندة: بالكسر مخلاف كندة باليمن اسم لقبيلة. معجم البلدان ٤/٤٨٢. ٥ـ مذحج: قبيلة من قبائل العرب وهم: ولد أدد بن زيد بن يشجب مرة أنظر: معجم البلدان ٥/٨٨.
[ ١ / ٩٠ ]
قال: فدنا أحدهما ليبايعه فلما أخذ بيده قال يا رسول الله أرأيت من رآك وآمن بك واتبعك وصدقك ماذا له قال: "طوبى له" قال فمسح على يده وانصرف، ثم أتاه الآخر حتى أخذ بيده ليبايعه فقال: يا رسول الله أرأيت من آمن بك واتبعك وصدقك ماذا له، قال: "طوبى له ثم طوبى له". ١
وقد أخبر تعالى أن طوبى من نصيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ ٢ وقد اختلف علماء السلف في المراد "بطوبى" فقد أخرج ابن جرير الطبري بإسناده إلى ابن عباس أنها: شجرة في الجنة كل شجر الجنة منها، أغصانها من وراء سور الجنة".٣
قال ابن كثير: "وهكذا روي عن أبي هريرة وابن عباس ومغيث ابن سمي وأبي إسحاق السبيعي وغير واحد من السلف أن طوبى شجرة في الجنة في كل دار غصن منها".٤
وقيل: إن "طوبى" اسم من أسماء الجنة: وعلى هذا يكون المعنى الجنة لهم.٥
والمراد بها والله أعلم في هذا الحديث المتقدم أنها "الجنة".
٩) دعا ﵊ لسامعي سنته ومبلغيها بالنضرة والرحمة، والصحابة ﵃ يدخلون في هذه الدعوة المباركة الميمونة دخولًا أوليًا لأنهم هم الذين سمعوا سنته مباشرة ودون واسطة ووعوها وأدوها إلى من بعدهم وهذه خصيصة لهم ﵃ تميزوا بها دون غيرهم، فرضوان الله عليهم
_________________
(١) ١ـ أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/١٨ وقال: إسناده حسن وذكره الحافظ في الإصابة ٤/١٢٧. ٢ـ سورة الرعد آية/٢٩. ٣ـ جامع البيان ١٣/١٤٧. ٤ـ تفسير القرآن العظيم ٤/٨٩. ٥ـ انظر: جامع البيان ١٣/١٤٦، وتفسير ابن كثير ٤/٨٩.
[ ١ / ٩١ ]
أجمعين، وتلك الدعوة التي كان لهم فيها الحظ الأوفر والنصيب الأكبر هي قوله ﷺ: "نضر الله امرءا سمع منا حديثًا فحفظه حتى يبلغه فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه" ١ وفي لفظ آخر "رحم الله من سمع مني حديثًا فبلغه كما سمعه فرب مبلغ أوعى من له من سامع".٢
قال الخطابي رحمه الله تعالى: " معناه الدعاء له بالنضارة وهي النعمة والبهجة".أ. هـ٣
وقال ابن الأثير في كتابه "النهاية في غريب الحديث" ويروى بالتخفيف والتشديد من النضارة وهي في الأصل حسن الوجه، والبريق وإنما أراد حسن خلقه وقدره".أ. هـ٤
وقال الحافظ المنذري في كتابه "الترغيب والترهيب ": ومعناه الدعاء له بالنضارة وهي النعمة والبهجة والحسن فيكون تقديره: جمله الله وزينه وقيل غير ذلك ".٥
وقال أبو بكر بن العربي: "والنضرة هي النعمة والبهاء يكون على الوجه".أ. هـ٦
_________________
(١) ١ـ سنن أبي داود ٢/٢٨٩ من حديث زيد بن ثابت ﵁. ٢ـ أخرجه ابن حبان في صحيحه كما في "الإحسان بترتيب ابن حبان" ١/٢٢٦ من حديث عبد الله بن مسعود ﵁، وانظر: سنن ابن ماجه ٢/١٣١٦، والمسند ١/٤٣٧، سنن الدارمي ١/٧٥ وهذا الحديث قد أفرده شيخنا عبد المحسن بن حمد العباد بدراسة مستقلة اشتملت على بيان طرقه، وألفاظه ودراسة الحديث من حيث الدراية وبين أن هذا الحديث متواتر عن النبي ﷺ، رواه أربعة وعشرون صحابيًا، خرجه سبعة وثلاثون إمامًا خرج في أكثر من خمسة وأربعين كتابًا، وبلغت طرقه سبعة وخمسين طريقًا، ومائة طريق. انظر: كتاب دراسة حديث " نضر الله امرءا سمع مقالتي" رواية ودراية للشيخ عبد المحسن العباد ص/٢٢٧. ٣ـ معالم السنن ٤/١٨٧، وانظر: جامع الأصول لابن الأثير ٩/١١٨. ٤ـ النهاية ٥/٧١. ٥ـ الترغيب والترهيب ١/١٠٨. ٦ـ عارضة الأحوذي بشرح الترمذي ١٠/١٢٤.
[ ١ / ٩٢ ]
وقال الملا علي القاري في كتابه "المرقاة": " والمعنى خصه الله بالبهجة والسرور لما رزق بعلمه ومعرفته عن القدر والمنزلة بين الناس في الدنيا ونعمه في الآخرة حتى يرى عليه رونق الرخاء والنعمة ثم قيل إنه إخبار يعني جعله ذا نضرة وقيل: دعاء له بالنضرة وهي البهجة والبهاء في الوجه من أثر النعمة وقيل: المراد ههنا النضرة من حيث الجاه والقدر كما جاء اطلبوا الحوائج من حسان الوجوه أي: ذوي الأقدار من الناس ثم قال القاري: لا مانع من الجميع والإخبار أولى من الدعاء.."أ. هـ١
" وما ذكره القاري من اعتبار سائر المعاني التي فسر بها لفظ النضارة وعدم تخصيصه بواحد منها حسن وجيه ويكون المراد بالنضارة بالحديث جمله الله وزينه بما يظهر على وجهه من البهاء والحسن وأوصله الله إلى نضرة الجنة ونعيمها وكذا النضرة من حيث الجاه والقدر ويكون اختلاف الأقوال في ذلك وتفسير الحديث ببعض هذه المعاني من قبيل اختلاف التضاد فإن من فسره بواحد منها لا ينفي كون غيره مرادًا وإنما هو من قبيل تفسير الشيء بما يوضحه كالتفسير بالمثال"أ. هـ٢
وتلك الدعوة التي قدمنا شرحها بما يوضح المراد منها بأقوال أهل العلم كان لأصحاب رسول الله ﷺ منها القسط الأكبر والحظ الأوفر لأنهم هم الذين تلقوا كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ وهما المصدران اللذان اشتملا على الهدى والنور، والصحابة ﵃ هم الذين تلقوا هذا الخير وهذا النور وهذا الهدى وأدوه إلى من بعدهم فكل إنسان يأتي بعدهم فلهم عليه منة، ولهم عليه فضل لأن هذا الهدى وهذا الخير الذي حصل لم يحصل إلا بواسطتهم ﵃ فكل من استفاد منه فلهم مثل أجره إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها إذ أنه
_________________
(١) ١ـ المرقاة شرح المشكاة ١/٢٣٦. ٢ـ انظر: كتاب "دراسة حديث نضر الله امرءا سمع مقالتي رواية ودراية" ص/١٨٤-١٨٥.
[ ١ / ٩٣ ]
قد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا" ١ وقبلهم ﵃ رسول الله صلوات الله وسلامه عليه الذي جاء بهذا الخير وهذا الهدى فكل من اهتدى، وكل من استفاد وكل من دخل في دين الله وعمل صالحًا فإن الله يثيب نبيه ﷺ بمثل ما يثيب به ذلك العامل من غير أن ينقص من أجر العامل شيء لأنه ﵊ هو الذي دعا الناس إلى هذا الهدى فله مثل أجور كل من استفاد خيرًا بسببه، والصحابة ﵃ هم الصلة الوثيقة التي تربط المسلمين بنبيهم ﷺ فهم الذين جمعوا القرآن وهم الذين حفظوه وهم الذين أوصلوه إلى من بعدهم وهم الذين تلقوا السنة وأدوها إلى من بعدهم فصار لهم الثواب الجزيل والأجر العظيم، ولقد شرفهم الله في الحياة الدنيا بالنظر إلى طلعة سيد الأولين والآخرين كما شرفهم بسماعهم كلامه من فمه الشريف ﷺ ورضي الله عنهم أجمعين فالذي يطعن في أولئك الأخيار، وأولئك الأسلاف فقد عمد إلى قطع الصلة بينه وبين رسول الله ﷺ، وكفى بذلك ضلالًا وخذلانًا والعياذ بالله تعالى.
والحاصل أن الأحاديث الواردة في فضلهم كثيرة وشهيرة بل متواترة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بعد أن ذكر بعض الأحاديث المتقدم ذكرها: "وهذه الأحاديث مستفيضة بل متواترة في فضائل الصحابة والثناء عليهم وتفضيل قرنهم على من بعدهم من القرون والقدح فيهم قدح في القرآن والسنة"أ. هـ٢
وهو كما قال رحمه الله تعالى بل إن القادح في الكتاب والسنة لا حظ له في الإسلام وهذا حال الرافضة فإنهم طعنوا في الكتاب والسنة عن طريق القدح في الصحابة ﵃ إذ هم نقلة هذا الدين إلى من بعدهم،
_________________
(١) ١ـ رواه مسلم في صحيحه ٤/٢٠٦٠ من حديث أبي هريرة ﵁. ٢ـ مجموع الفتاوى ٤/٤٣٠.
[ ١ / ٩٤ ]
والطعن في الصحابة أيضًا: طعن في الرسول ﷺ، كما قال الإمام مالك وغيره من أئمة العلم: هؤلاء طعنوا في أصحاب رسول الله ﷺ إنما طعنوا في أصحابه ليقول القائل: رجل سوء كان له أصحاب سوء، ولو كان رجلًا صالحًا لكان أصحابه صالحين١
والذي يعتقد هذا هو من أبخس الناس حظًا في الدنيا والآخرة، وقد تبنى هذا المعتقد الفاسد الشيعة والخوارج، "فإن الشيعة يفضلون أنفسهم وهم شر خلق الله تعالى على أبي بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وعائشة وجميع الصحابة ﵃ حاشا عليًا والحسن والحسين وعمار بن ياسر، والخوارج يفضلون أنفسهم - وهم شر خلق الله وكلاب النار - على عثمان - وعلي وطلحة والزبير - ولقد خاب من خالف كلام الله تعالى وقضاء رسوله"٢ ﵊ في أن الصحابة ﵃ هم صفوة الأمة المحمدية وسادتها على الإطلاق، ولنأت الآن ما جاء من ذكر بعض الثناء عليهم ﵃ في كلام السلف.
_________________
(١) ١ـ مجموع الفتاوى ٤/٤٢٩. ٢ـ انظر: "ابن حزم الأندلسي ورسالته في المفاضلة بين الصحابة" ص/١٧٨.
[ ١ / ٩٥ ]