من حق الصحابة الكرام ﵃ على كل من جاء بعدهم من عباد الله المؤمنين أن يدعو لهم ويستغفر لهم، ويترحم عليهم، لما لهم من القدر العظيم، ولما حازوه من المناقب الحميدة، والسوابق القديمة، والمحاسن المشهورة، ولما لهم من الفضل الكبير على كل من أتى بعدهم، فهم الذين نقلوا إلى من بعدهم الدين الحنيف الذي أخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور، ففضلهم مستمر على كل مسلم جاء بعدهم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وقد ندب الله - جل وعلا - كل من جاء بعدهم من أهل الإيمان إلى أن يدعو لهم، ويترحم عليهم، وأثنى على من استجاب منهم لذلك بقوله - جل وعلا - ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًاّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ١.
فالآية مشتملة على بيان موقف أهل الإيمان ممن تقدمهم من الصحابة، فقد بين - تعالى - أن موقفهم من أولئك الصفوة أنهم يثنون عليهم، ويدعون لهم ابتهاجًا بما آتاهم الله من الفضل وغبطة لهم فيما وفقوا له من الأعمال المصحوبة بالإخلاص واليقين، وهذا الموقف المبارك ينطبق على أهل السنة والجماعة، فقد وفقهم الله للثناء الجميل والقول الحسن في أصحاب رسول الله ﷺ وهم الذين يترضون عنهم جميعًا ويستغفرون لهم، وحرم هذا الموقف العظيم الشيعة الرافضة الذين جعلوا رأس مالهم سبهم وبغضهم والحقد عليهم، وهذا خذلان أيما خذلان
_________________
(١) ١ـ سورة الحشر آية/١٠.
[ ٢ / ٧٦٦ ]
أعاذنا الله منه.
وقد فهم متقدموا أهل السنة والجماعة ومتأخروهم أن المراد من الآية السابقة الأمر بالدعاء والاستغفار من اللاحق للسابق، ومن الخلف للسلف، الذين هم أصحاب رسول الله ﷺ، وإليك طائفة من أقوالهم التي دلت على عمق معرفتهم بما دل عليه كتاب ربهم جل وعلا:
١- روى الإمام مسلم بإسناده إلى هشام بن عروة عن أبيه قال: قالت لي عائشة: "يا ابن أختي أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي ﷺ فسبوهم"١.
٢- وعند ابن أبي شيبة بلفظ: "أمروا بالاستغفار لأصحاب محمد ﷺ فسبوهم"٢.
٣- وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف وابن مردوية عن عائشة ﵂، قالت: "أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي ﷺ، فسبوهم، ثم قرأت الآية ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ﴾ ٣.
قال النووي رحمه الله تعالى: قولها: "أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي ﷺ فسبوهم" قال القاضي: الظاهر أنها قالت هذا عندما سمعت أهل مصر يقولون في عثمان ما قالوا: وأهل الشام في علي ما قالوا، والحرورية في الجميع ما قالوا: وأما الأمر بالاستغفار الذي أشارت إليه فهو قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ﴾ وبهذا احتج مالك في أنه لا حق في الفيء لمن سب الصحابة ﵃
_________________
(١) ١ـ صحيح مسلم ٤/٢٣١٧. ٢ـ المصنف لابن أبي شيبة ١٢/١٧٩. ٣ـ الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي ٨/١١٣.
[ ٢ / ٧٦٧ ]
لأن الله - تعالى - إنما جعله لمن جاء بعدهم ممن يستغفر الله لهم والله أعلم"١.
٤- وقال ابن عباس ﵄: "لا تسبوا أصحاب محمد ﷺ فإن الله قد أمرنا بالاستغفار لهم وهو يعلم أنهم سيقتتلون"٢.
٥- ذكر الإمام البغوي رحمه الله تعالى عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الآية. عن مالك بن مغول قال: قال عامر بن شراحيل الشعبي: يا مالك تفاضلت٣ اليهود والنصارى الرافضة بخصلة سئلت اليهود من خير أهل ملتكم، فقالت: أصحاب موسى ﵇، وسئلت النصارى: من خير أهل ملتكم، فقالوا: حواري عيسى ﵇، وسئلت الرافضة: من شر أهل ملتكم، فقالوا: أصحاب محمد ﷺ. أمروا بالاستغفار لهم فسبوهم فالسيف عليهم مسلول إلى يوم القيامة، لا تقوم لهم راية، ولا يثبت لهم قدم، ولا تجتمع لهم كلمة كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله بسفك دمائهم وتفريق شملهم وإدحاض حجتهم، أعاذنا الله وإياكم من الفتن المضلة"٤.
٦- وروى أبو نعيم بإسناده إلى عمر بن ذر، قال: أقبلت أنا وأبي دار عامر، فقال له أبي: يا أبا عمرو، قال: لبيك، قال: ما تقول فيما قال فيه الناس من هذين الرجلين، قال عامر: أي هذين الرجلين؟ قال: علي وعثمان قال: إني والله لغني أن أجيء يوم القيامة خصيمًا لعلي وعثمان رضي الله تعالى عنهما وغفر لنا ولهما"٥.
_________________
(١) ١ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٨/١٥٨-١٥٩. ٢ـ الشرح والإبانة على أصول السنة والديانة لابن بطة ص/١١٩، وأورده القرطبي في تفسيره ١٨/٣٣. ٣ـ أي: فضلت. فقد جاء في شرح الطحاوية، ص/٥٣١: "بل قد فضلهم اليهود والنصارى بخصلة". ٤ـ تفسير البغوي على حاشية تفسير الخازن ٧/٥٤، وذكره القرطبي في الجامع لأحكام القرآن ١٨/٣٣، وانظر منهاج السنة ١/٦-٧، شرح الطحاوية ص/٥٣١-٣٥٢. ٥ـ حلية الأولياء ٤/٣٢١، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف ١٢/١٧٩.
[ ٢ / ٧٦٨ ]
٧- أخرج عبد بن حميد عن الضحاك بن مزاحم رحمه الله تعالى، أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الآية: "إمروا بالاستغفار لهم وقد علم ما أحدثوا"١.
٨- وأخرج ابن جرير الطبري بإسناده إلى قتادة بن دعامة السدوسي أنه قال بعد قراءته لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الآية: "إنما أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي ﷺ ولم يؤمروا بسبهم"٢.
فهذه جملة صالحة من أقوال السلف الصالح كلها دلت على أن كل من جاء بعد الرعيل الأول من الصحابة ﵃ مأمور بالدعاء والاستغفار لهم، والترحم عليهم، وأنه يجب على كل مسلم أن يطهر قلبه من الغل والحقد عليهم، وقد استنبط أهل العلم من الصحابة ومن جاء بعدهم من علماء أهل السنة والجماعة أن من لم يستغفر لهم وكان في قلبه غل عليهم أنه بعيد من أهل الإسلام، ولا حظ له في الفيء وما يغنمه المسلمون.
٩- أخرج ابن مردوية عن ابن عمر أنه سمع رجلًا وهو يتناول بعض المهاجرين فقرأ عليه ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ الآية.. ثم قال: هؤلاء المهاجرون فمنهم أنت؟ قال: لا ثم قرأ عليه ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالأِيمَانَ﴾ الآية، ثم قال: هؤلاء الأنصار، أفأنت منهم؟ قال: لا، ثم قرأ عليه ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ ٣ ثم قال: أفمن هؤلاء أنت؟ قال: أرجو، قال: لا ليس من هؤلاء من يسب هؤلاء"٤.
١٠- وأخرج ابن مردوية من وجه آخر عن ابن عمر أنه بلغه أن رجلًا نال من عثمان، فدعاه، فأقعده بين يديه، فقرأ عليه ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾
_________________
(١) ١ـ الدر المنثور في التفسير بالمأثور ٨/١١٣. ٢ـ جامع البيان للطبري ٢٨/٤٤-٤٥. ٣ـ الآيات رقم ١٠.٩.٨ من سورة الحشر. ٤ـ الدر المنثور في التفسير بالمأثور ٨/١١٣-١١٤.
[ ٢ / ٧٦٩ ]
الآية، قال: من هؤلاء أنت؟ قال: لا، ثم قرأ ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الآية، قال: من هؤلاء أنت؟ قال: أرجو أن أكون منهم، قال: لا والله ما يكون منهم من يتناولهم وكان في قلبه الغل عليهم١.
ولم يذكر الآية الواردة في الأنصار لكون الرجل تناول عثمان ﵁ وهو من المهاجرين.
١١- روى ابن بطة وغيره من حديث أبي بدر، قال: "حدثنا عبد الله بن زيد عن طلحة بن مصرف عن مصعب بن سعد عن سعد بن أبي وقاص قال: الناس على ثلاثة منازل، فمضت منزلتان، وبقيت واحدة، فأحسن ما أنتم عليه كائنون أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت ثم قرأ: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ هؤلاء المهاجرون وهذه منزلة قد مضت، ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾، ثم قال: هؤلاء الأنصار وهذه منزلة قد مضت، ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًاّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾، فقد مضت هاتان وبقيت هذه المنزلة التي بقيت أن تستغفروا لهم"٢.
ولا يتردد من له أدنى علم في أن الشيعة الرافضة خارجون من هذه المنزلة لأنهم لم يترحموا على الصحابة ولم يستغفروا لهم بل سبوهم وحملوا لهم الغل في قلوبهم، فحرموا من تلك المنزلة التي يجب على المسلم أن يكون فيها ولا يحيد عنها بحال حتى يلقى ربه - جل وعلا ـ.
_________________
(١) ١ـ الدر المنثور في التفسير بالمأثور ٨/١١٣-١١٤. ٢ـ وأورده شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه "منهاج السنة" ١/١٥٣، ورواه الحاكم في المستدرك ٢/٤٨٤، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
[ ٢ / ٧٧٠ ]
١٢- وقال الإمام مالك رحمه الله تعالى: "من يبغض أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ أو كان في قلبه عليهم غل فليس له حق في فيء المسلمين، ثم تلا: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ حتى أتى على هذه الآية ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالأِيمَانَ﴾ ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ١.
١٣- وقال أبو الفرج ابن الجوزي رحمه الله تعالى: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ يعني التابعين إلى يوم القيامة.
قال الزجاج: والمعنى: ما أفاء الله على رسوله فلله وللرسول ولهؤلاء المسلمين وللذن يجيئون من بعدهم إلى يوم القيامة ما أقاموا على محبة أصحاب رسول الله ﷺ، ودليل هذا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي: الذين جاءوا في حال قولهم: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا﴾ فمن ترحم على أصحاب رسول الله ﷺ، ولم يكن في قلبه غل لهم فله حظ من فيء المسلمين بنص الكتاب"٢.أ. هـ
١٤- وقال البغوي رحمه الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ يعني: التابعين، وهم الذين يجيئون بعد المهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة، ثم ذكر أنهم يدعون لأنفسهم ولمن سبقهم بالإيمان والمغفرة - إلى أن قال ـ: "فكل من كان في قلبه غل على أحد من الصحابة ولم يترحم على جميعهم فإنه ليس ممن عناه الله بهذه الآية، لأن الله - تعالى - رتب المؤمنين على ثلاثة منازل: المهاجرين والأنصار والتابعين الموصوفين بما ذكر، فمن لم يكن من التابعين بهذه الصفة كان خارجًا من أقسام المؤمنين.
_________________
(١) ١ـ انظر قول مالك في: "أحكام القرآن لابن العربي" ٤/١٧٧٨، زاد المسير في علم التفسير ٨/٢١٦، تفسير البغوي على حاشية تفسير الخازن ٧/٥٤، وانظر تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٦/٦٠٩. ٢ـ زاد المسير في علم التفسير ٨/٢١٦.
[ ٢ / ٧٧١ ]
قال ابن أبي ليلى: الناس على ثلاثة منازل: المهاجرين، والذين تبوءوا الدار والإيمان، والذين جاءوا من بعدهم فاجتهد أن لا تكون خارجًا من هذه المنازل"١.
١٥- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بعد أن ذكر آيات الحشر الثلاث من قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٢.
قال ﵀: "وهذه الآيات تتضمن الثناء على المهاجرين والأنصار وعلى الذين جاءوا من بعدهم يستغفرون لهم ويسألون الله ألا يجعل في قلوبهم غلًا لهم وتتضمن أن هؤلاء الأصناف هم المستحقون للفيء، ولا ريب أن هؤلاء الرافضة خارجون من الأصناف الثلاثة، فإنهم لم يستغفروا للسابقين وفي قلوبهم غل عليهم، ففي الآيات الثناء على الصحابة وعلى أهل السنة الذين يتولونهم وإخراج الرافضة من ذلك، وهذا ينقض مذهب الرافضة"٣.
١٦- وقال الحافظ ابن كثير: "قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ﴾ الآية.. هؤلاء هم القسم الثالث ممن يستحق فقراؤهم من مال الفيء وهم المهاجرون ثم الأنصار، ثم التابعون لهم بإحسان، كما قال في آية براءة: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ ٤.
فالتابعون لهم بإحسان هم المتبعون لآثارهم الحسنة وأوصافهم الجميلة الداعون لهم في السر والعلانية ولهذا قال تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ﴾ أي: قائلين: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا
_________________
(١) ١ـ تفسير البغوي على حاشية تفسير الخازن ٧/٥٤. ٢ـ الآيات أرقام ١٠.٩.٨. ٣ـ منهاج السنة ١/١٥٣، وانظر شرح الطحاوية ص/٥٢٩. ٤ـ آية رقم ١٠٠.
[ ٢ / ٧٧٢ ]
بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًاّ﴾ أي: بغضًا وحسدًا ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ وما أحسن ما استنبط الإمام مالك ﵀ من هذه الآية الكريمة أن الرافضي الذي يسب الصحابة ليس له في مال الفيء نصيب لعدم اتصافه بما مدح الله به هؤلاء في قوله: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًاّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ١أ. هـ.
١٧- وقال الشوكاني رحمه الله تعالى بعد أن ذكر قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الآية: "أمرهم الله - سبحانه - بعد الاستغفار للمهاجرين والأنصار أن يطلبوا من الله - سبحانه - أن ينزع من قلوبهم الغل للذين آمنوا على الإطلاق، فيدخل في ذلك الصحابة دخولًا أوليًا لكونهم أشرف المؤمنين، ولكون السياق فيهم، فمن لم يستغفر للصحابة على العموم ويطلب رضوان الله لهم فقد خالف ما أمره الله به في هذه الآية فإن وجد في قلبه غلًا لهم فقد أصابه نزغ من الشيطان وحل به نصيب وافر من عصيان الله بعداوة أوليائه وخير أمة نبيه ﷺ وانفتح له باب من الخذلان يفد به على نار جهنم إن لم يتدارك نفسه باللجأ إلى الله - سبحانه - والاستغاثة به بأن ينزع عن قلبه ما طرقه من الغل لخير القرون وأشرف هذه الأمة، فإن جاوز ما يجده من الغل إلى شتم أحد منهم، فقد انقاد للشيطان بزمام ووقع في غضب الله وسخطه، وهذا الداء العضال إنما يصاب به من ابتلي بمعلم من الرافضة أو صاحب من أعداء خير الأمة الذين تلاعب بهم الشيطان وزين لهم الأكاذيب المختلقة والأقاصيص المفتراة والخرافات الموضوعة، وصرفهم عن كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وعن سنة رسول الله ﵌ المنقولة إلينا بروايات الأئمة الأكابر في كل عصر من العصور فاشتروا الضلالة بالهدى واستبدلوا الخسران العظيم بالربح الوافر وما زال الشيطان الرجيم ينقلهم من منزلة إلى منزلة، ومن
_________________
(١) ١ـ تفسير القرآن العظيم ٦/٦٠٩.
[ ٢ / ٧٧٣ ]
رتبة إلى رتبة حتى صاروا أعداء كتاب الله وسنة رسوله وخير أمته وصالحي عباده وسائر المؤمنين وأهملوا فرائض الله وهجروا شعائر الدين وسعوا في كيد الإسلام وأهله كل السعي ورموا الدين وأهله بكل حجر ومدر والله من ورائهم محيط١أ. هـ.
فهذه النصوص التي سقناها في هذا المبحث عن المتقدمين والمتأخرين من أهل السنة والجماعة كلها تبين أنهم هم الفائزون بسلامة الصدور من الغل والحقد لأصحاب رسول الله ﷺ وأنهم يعتقدون أن من حق الصحابة الكرام على من بعدهم الترحم عليهم والاستغفار لهم فأهل السنة والجماعة يترحمون على جميع أصحاب رسول الله ﷺ صغيرهم وكبيرهم أولهم وآخرهم، ويذكرون محاسنهم وينشرون فضائلهم ويقتدون بهديهم ويقتفون آثارهم، ويعتقدون أن الحق في كل ما قالوه والصواب فيما فعلوه٢.
فمن لم يترحم على الصحابة ويستغفر لهم فهو ليس من أهل السنة والجماعة وليس له حظ في شيء من في المسلمين.
_________________
(١) ١ـ فتح القدير ٥/٢٠٢. ٢ـ انظر كتاب الشرح والإبانة على أصول السنة والديانة لابن بطة ص/٢٦٤-٢٦٥.
[ ٢ / ٧٧٤ ]