إن أحق الناس بالخلافة بعد الثلاثة المتقدمين أعني أبا بكر وعمر وعثمان ﵃ هو علي بن أبي طالب ﵁ وهذا معتقد الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة بل ومعتقد أصحاب رسول الله ﷺ قاطبة وهذا هو ما يجب على المسلم اعتقاده والديانة لله به في شأن ترتيب الخلافة الراشدة، وقد ورد الإيماء إلى حقية خلافة علي ﵁ في كثير من النصوص الشرعية منها:-
١- قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ ١ الآية ووجه الاستدلال بها على حقية خلافة علي ﵁ أنه أحد المستخلفين في الأرض الذين مكن الله لهم دينهم"٢.
٢- قوله ﵊: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ" ٣.
ووجه الدلالة في هذا الحديث على حقية خلافة علي ﵁ أنه أحد الخلفاء الراشدين المهديين الذين أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وحافظوا على
_________________
(١) ١ـ سورة النور آية/٥٥. ٢ـ انظر منهاج القاصدين في فضل الخلفاء الراشدين لابن قدامة ص/٧٤ "مخطوط" برقم ٢٥٣ في مكتبة عارف حكمت بالمدينة. ٣ـ رواه أحمد في المسند ٤/١٢٦-١٢٧، سنن أبي داود ٢/٥٠٦، سنن ابن ماجه ١/١٦، سنن الترمذي ٤/١٥٠، سنن الترمذي ١/٤٥.
[ ٢ / ٦٨١ ]
حدود الله وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وساروا بسيرة رسول الله ﷺ في العدل وإقامة الحق.
٣- روى أبو عبد الله الحاكم وغيره بإسناده إلى أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ فانقطعت نعله فتخلف علي يخصفها فمشى قليلًا ثم قال: "إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله" فاستشرف لها القوم وفيهم أبو بكر وعمر ﵄ قال أبو بكر: أنا هو قال "لا" قال عمر: أنا هو قال "لا" ولكن خاصف النعل" - يعني عليًا فأتيناه فبشرناه فلم يرفع به رأسه كأنه قد سمعه من رسول الله ﷺ"١.
هذا الحديث فيه إيماء إلى ولايته حيث إنه ﵁ قاتل في خلافة أهل التأويل الذين خرجوا عليه بالتأويل، ومنه أخذت أحكام قتال البغاة في أنه لا يتبع مدبرهم ولا يجاز على جريحهم ولا يغنم لهم مال ولا يسبى لهم ذرية وغير ذلك من أحكامهم وقاتل أيضًا الحرورية٢ الذين تأولوا القرآن على غير تأويله وكفروا أهل الحق ومرقوا من الدين مروق السهم من الرمية.
٤- روى مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين يقتلها أولى الطائفتين بالحق".
وفيه أيضًا: أنه قال: "تكون في أمتي فرقتان فتخرج من بينهما مارقة يلي قتلهم أولاهم بالحق".
وفي لفظ: قال: "تمرق مارقة في فرقة من الناس فيلي قتلهم أولى الطائفتين بالحق".
_________________
(١) ١ـ المستدرك ٣/١٢٢-١٢٣ وقال عقبه: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وأقره الذهبي، والحديث رواه أحمد في المسند ٣/٣١، ٣٣، ٨٢، تهذيب خصائص الإمام علي للنسائي ص/١١٨-١١٩، وأبو نعيم في الحلية ١/٦٧. ٢ـ إحدى فرق الخوارج وسيأتي التعريف بها في الباب الرابع.
[ ٢ / ٦٨٢ ]
وجاء أيضًا بلفظ: "يخرجون على فرقة مختلفة يقتلهم أقرب الطائفتين من الحق" ١.
فقوله ﷺ على حين فرقة - بضم الفاء - أي: في وقت افتراق الناس أي: افتراق يقع بين المسلمين وهو الافتراق الذي كان بين بين علي ومعاوية ﵄"٢.
والمراد بالفرقة المارقة هم "أهل النهروان كانوا في عسكر علي ﵁ في حرب صفين فلما اتفق علي ومعاوية على تحكيم الحكمين خرجوا وقالوا: إن عليًا ومعاوية استبقا إلى الكفر كفرسي رهان فكفر معاوية بقتال علي ثم كفر علي بتحكيم الحكمين وكفروا طلحة والزبير فقتلتهم الطائفة الذين كانوا مع علي وقد شهد النبي ﷺ أن الطائفة التي تقتلهم أقرب إلى الحق وهذا شهادة من النبي ﷺ لعلي وأصحابه بالحق وهذا من معجزات النبي ﷺ لكونه أخبر بما يكون فكان على ما قال وفيه دلالة على صحة خلافة علي ﵁ وخطأ من خالفه"٣.
٥- وروى البخاري بإسناده إلى خالد الحذاء عن عكرمة قال لي ابن عباس ولابنه علي: انطلقا إلى أبي سعيد فاسمعا من حديثه، فانطلقنا فإذا هو في حائط يصلحه، فأخذ رداءه فاحتبى، ثم أنشأ يحدثنا حتى أتى على ذكر بناء المسجد فقال: "كنا نحمل لبنة لبنة وعمار لبنتين فرآه النبي ﷺ فينفض التراب عنه ويقول: ويح ٤ عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار
_________________
(١) ١ـ هذه الأحاديث في صحيح مسلم ٢/٧٤٥-٧٤٦. ٢ـ شرح النووي على صحيح مسلم ٧/١٦٦. ٣ـ منهاج القاصدين في فضل الخلفاء الراشدين لابن قدامة ص/٧٥-٧٦ مخطوط، وانظر شرح النووي ٧/١٦٦. ٤ـ ويح: كلمة رحمة تقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها يرثى له قال الأصمعي: الويل: قبوح، والويح: ترحم. غريب الحديث لابن الجوزي ٢/٤٨٦، الفائق في غريب الحديث ٤/٨٥، النهاية في غريب الحديث ٥/٢٣٥.
[ ٢ / ٦٨٣ ]
قال: يقول عمار: أعوذ بالله من الفتن"١.
٦- عند مسلم عن أبي سعيد أيضًا: قال أخبرني من هو خير مني أن رسول الله ﷺ قال لعمار حين جعل يحفر الخندق وجعل يمسح رأسه ويقول: "بؤس ٢ ابن سمية تقتلك فئة باغية" ٣.
هذان الحديثان دلا على حقية خلافة علي ﵁ وأنه الإمام الحق بعد عثمان ﵁ وأن الذين قاتلوه مجتهدون مخطئون "لا إثم عليهم ولا لوم فيما وقع بينهم من القتال".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بعد ذكره لقوله ﷺ: "تقتل عمارًا الفئة الباغية" ٤:"وهذا أيضًا يدل على صحة إمامة علي ووجوب طاعته وأن الداعي إلى طاعته داع إلى الجنة والداعي إلى مقاتلته داع إلى النار وإن كان متأولا وهو دليل على أنه لم يكن يجوز قتال علي وعلى هذا فمقاتله مخطئ وإن كان متأولًا، أو باغ بلا تأويل وهو أصح القولين لأصحابنا وهو الحكم بتخطئة من قاتل عليًا وهو مذهب الأئمة الفقهاء الذين فرعوا على ذلك قتال البغاة المتأولين وكذلك أنكر يحيى بن معين على الشافعي استدلاله بسيرة علي في قتال البغاة المتأولين قال: أيجعل طلحة والزبير معًا بغاة؟ رد عليه الإمام أحمد فقال: ويحك وأي شيء يسعه أن يضع في هذا المقام يعني: إن لم يقتد بسيرة علي في ذلك لم يكن معه سنة من الخلفاء الراشدين في قتال البغاة - إلى أن قال - ولم يتردد أحمد ولا أحد من أئمة السنة في أنه ليس غير علي أولى بالحق منه"٥.
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ١/٨٩. ٢ـ قال ابن الأثير: ومنه حديث عمار ﵁ "بؤس ابن سمية" كأنه ترحم له من الشدة التي يقع فيها" أهـ النهاية في غريب الحديث ١/٨٩. ٣ـ صحيح مسلم ٤/٢٢٣٥. ٤ـ المصدر السابق ٤/٢٢٣٦. ٥ـ مجموع الفتاوى ٤/٤٣٧-٤٣٨
[ ٢ / ٦٨٤ ]
فلو قال قائل: إن قتل عمار كان بصفين "وهو مع علي والذين قتلوه مع معاوية وكان معه جماعة من الصحابة فكيف يجوز عليهم الدعاء إلى النار، فالجواب أنهم كانوا ظانين أنهم يدعون إلى الجنة وهم مجتهدون لا لوم عليهم في اتباع ظنونهم فالمراد بالدعاء إلى الجنة الدعاء إلى سببها وهو طاعة الإمام وكذلك كان عمار يدعوهم إلى طاعة علي وهو الإمام الواجب الطاعة إذ ذاك وكانوا هم يدعون إلى خلاف ذلك لكنهم معذورون للتأويل الذي ظهر لهم"١.
قال الإمام النووي بعد قوله ﷺ: "بؤس ابن سمية تقتلك فئة باغية":"قال العلماء: هذا الحديث حجة ظاهرة في أن عليًا ﵁ كان محقًا مصيبًا والطائفة الأخرى بغاة لكنهم مجتهدون فلا إثم عليهم لذلك.. وفيه معجزة ظاهرة لرسول الله ﷺ من أوجه: منها: أن عمارًا يموت قتيلًا وأنه يقتله مسلمون وأنهم بغاة. وأن الصحابة: يقاتلون وأنهم يكونون فرقتين باغية وغيرها وكل هذا وقع مثل فلق الصبح ﷺ على رسوله الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى"٢.
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بعد ذكره لقوله ﷺ: "تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين تقتلها أولى الطائفتين بالحق": "وفي هذا وفي قوله ﷺ: "تقتل عمارًا الفئة الباغية" "دلالة واضحة على أن عليًا ومن معه كانوا على الحق وأن من قاتلهم كانوا مخطئين في تأويلهم"٣.
١٠- وروى أبو داود بإسناده إلى سفينة قال: قال رسول الله ﷺ: "خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم يؤتي الله الملك أو ملكه من يشاء" ٤.
_________________
(١) ١ـ فتح الباري ١/٥٤٢. ٢ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٨/٤٠-٤١. ٣ـ فتح الباري ٦/٦١٩. ٤ـ سنن أبي داود ٢/٥١٤-٥١٥.
[ ٢ / ٦٨٥ ]
وعند الترمذي بلفظ: "الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم ملك بعد ذلك" ١.
وفي هذا الحديث إشارة إلى حقية خلافة علي ﵁ حيث إن خلافته كانت آخر الثلاثين من مدة خلافة النبوة التي حددها النبي ﷺ في هذا الحديث وبموجب هذا قال أهل العلم.
قال أبو عمر: قال أحمد بن حنبل: حديث سفينة في الخلافة صحيح وإليه أذهب في الخلفاء٢.
وقد وصف الإمام أحمد رحمه الله تعالى قول من يقول بأن عليًا ﵁ ليس من الخلفاء بأنه سيء ورديء.
قال عبد الله بن أحمد رحمه الله تعالى: قلت لأبي إن قومًا يقولون إنه ليس بخليفة قال: هذا قول سوء رديء فقال: أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يقولون له يا أمير المؤمنين أفنكذبهم وقد حج وقطع ورجم فيكون هذا إلا خليفة٣.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في رسالة له في حديث سفينة: "وهو حديث مشهور من رواية حماد بن سلمة وعبد الوارث بن سعيد والعوام بن حوشب عن سعيد بن جمهان عن سفينة مولى رسول الله ﷺ رواه أهل السنة كأبي داود. وغيره واعتمد عليه الإمام أحمد وغيره في تقرير خلافة الخلفاء الراشدين الأربعة وثبته أحمد واستدل به على من توقف في خلافة علي من أجل افتراق الناس عليه حتى قال أحمد: "من لم يربع بعلي في الخلافة فهو أضل من حمار أهله ونهى عن مناكحته"٤.
وقال شارح الطحاوية: "ونثبت الخلافة بعد عثمان لعلي ﵄
_________________
(١) ١ـ سنن الترمذي ٣/٣٤١، والحديث في المسند ٥/٢٢٠-٢٢١. ٢ـ جامع بيان العلم ٢/٢٢٥، وانظر كتاب السنة لعبد الله بن أحمد ص/٢٣٥. ٣ـ كتاب السنة لعبد الله بن الإمام أحمد ص/٢٣٥. ٤ـ هذه الرسالة بالمكتبة الظاهرية بخطه في مسودته ق ٨١/٢-٨٤/٢ كما في سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني ١/٢٠٠.
[ ٢ / ٦٨٦ ]
لما قتل عثمان وبايع الناس عليًا صار إمامًا حقًا واجب الطاعة وهو الخليفة في زمانه خلافة نبوة كما دل عليه حديث سفينة أنه قال: قال رسول الله ﷺ: "خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم يؤتي الله ملكه من يشاء" ١.
فهذه النصوص المتقدم ذكرها كلها دالة على حقية خلافة علي ﵁ وأنه ﵁ أحق بالأمر وأولى بالحق من كل أحد بعد الثلاثة ﵃ جميعًا فيجب على كل مسلم أن يعتقد اعتقادًا جازمًا أن عليًا ﵁ رابع الخلفاء الراشدين وأحد الأئمة المهديين.
_________________
(١) ١ـ شرح العقيدة الطحاوية ص/٥٤٥، والحديث في سنن أبي داود ٢/٥١٤-٥١٥.
[ ٢ / ٦٨٧ ]