لم يرد عن النبي ﷺ نص يحدد الكيفية التي يختار بها الإمام الذي يتولى أمر المسلمين ومع هذا لم يغفل أهل العلم هذه المسألة بل ذكروا طرقًا يتم بها اختيار إمام للمسلمين وبعض هذه الطرق استنبطوها من تولية الخلفاء الراشدين ولا شك في مشروعية طريقة تولي الخلفاء الراشدين لأن المصطفى ﵊ حث المسلمين عامة على التمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين من بعده وتلك الطرق التي يختار الإمام بها ذكرها أهل العلم ودونوها في كتبهم.
فقد قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: "بعد ذكره لقول عمر ﵁ "إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني" إلى آخره حاصله أن المسلمين أجمعوا على أن الخليفة إذا حضرته مقدمات الوفاة وقبل ذلك يجوز له الاستخلاف ويجوز له تركه فإن تركه فقد اقتدى بالنبي ﷺ في هذا وإلا فقد اقتدى بأبي بكر وأجمعوا على انعقاد الخلافة بالاستخلاف وعلى انعقادها بعقد أهل الحل والعقد لإنسان إذا لم يستخلف الخليفة وأجمعوا على جواز جعل الخليفة الأمر شورى بين جماعة كما فعل عمر بالستة وأجمعوا على أنه يجب على المسلمين نصب خليفة ووجوبه بالشرع لا بالعقل"١.
وقال العلامة ابن كثير رحمه الله تعالى: "والإمامة تنال بالنص كما تقول طائفة من أهل السنة في أبي بكر أو بالإيماء إليه كما يقوله آخرون منهم أو باستخلاف الخليفة آخر بعده كما فعل الصديق بعمر بن الخطاب أو بتركه شورى في جماعة صالحين كما فعله عمر، أو باجتماع
_________________
(١) ١ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٢/٢٠٥، وانظر تحفة الأحوذي ٦/٤٧٩-٤٨٠.
[ ٢ / ٥٢٠ ]
أهل الحل والعقد على مبايعته أو بمبايعة واحد منهم له، فيجب التزامها عند الجمهور وحكى على ذلك إمام الحرمين الإجماع والله أعلم، أو يقهر واحد الناس على طاعته فتجب لئلا يؤدي ذلك إلى الشقاق، والاختلاف وقد نص عليها الشافعي"١.
وقد بين هذان الإمامان النووي وابن كثير الطرق التي تنال بها الإمامة وهي إما طريقة الاختيار، أو العهد من الإمام السابق إلى من يراه من المسلمين لائقًا بهذا المنصب من بعده، أو القهر والغلبة.
وأما الكيفية أو الطريقة التي تمت بها مبايعة الصديق ﵁ فإنه لما قبض الرب - جل وعلا - نبيه ﷺ ونقله إلى جنته ودار كرامته اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة٢ بمدينة الرسول ﷺ وأرادوا عقد الإمامة لسعد ابن عبادة وبلغ ذلك أبا بكر وعمر ﵄ فقصدا نحو مجتمع الأنصار في رجال من المهاجرين ولما انتهوا إليهم حصل بينهم حوار في أمر الخلافة حيث اضطرب أمر الأنصار فجعلوا يطلبون الأمر لأنفسهم، أو الشركة فيه مع المهاجرين فأعلمهم أبو بكر أن الإمامة لا تكون إلا في قريش واحتج بقول النبي ﷺ: "الأئمة من قريش" ٣ فأذعنوا لذلك منقادين ورجعوا إلى الحق طائعين، وبايعوا أبا بكر رضوان الله عليه واجتمعوا على إمامته واتفقوا على خلافته وانقادوا لطاعته وانقطع الحوار في مسألة الخلافة باجتماعهم على أبي بكر ﵁ وقد بين عمر ﵁ كيفية بيعة أبي بكر ﵁ في حديث طويل رواه البخاري وفيه أنه قال: "قد كان من خبرنا حين توفى الله نبيه ﷺ
_________________
(١) ١ـ تفسير القرآن العظيم ١/١٢٥. ٢ـ بنو ساعدة: قوم من الأنصار من بني كعب بن الخزرج بن ساعدة ومنهم سعد بن عبادة وسهل بن سعد الساعديان ﵄ وسقيفتهم في المدينة بمنزلة دار الندوة التي كانت لقريش في مكة وكانت السقيفة مكانًا يجتمعون فيه حين يجد ما يدعو إلى تداول الرأي "انظر معجم البلدان" ٣/٢٢٨-٢٢٩. ٣ـ مسند أحمد ٣/١٨٣.
[ ٢ / ٥٢١ ]
أن الأنصار خالفوا واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة وخالف عنا علي والزبير ومن معهما واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فقلت لأبي بكر: يا أبا بكر انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار فانطلقنا نريدهم فلما دنونا منهم لقينا منهم رجلان صالحان١ فذكروا ما تمالأ عليه القوم فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ فقلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار فقالا: لا عليكم أن لا تقربوهم اقضوا أمركم فقلت: والله لنأتينهم. فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة فإذا رجل مزمل بين ظهرانيهم فقلت من هذا فقالوا: هذا سعد بن عبادة فقلت: ماله؟ قالوا: يوعك٢ فلما جلسنا قليلًا تشهد خطيبهم٣ فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام وأنتم - معشر المهاجرين - رهط وقد دفت دافة٤ من قومكم، فإذا هم يريدون أن يختزلونا٥ من أصلنا وأن يخضونا من الأمر، فلما سكت أردت أن أتكلم - وكنت قد زورت مقالة أعجبتني أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر - وكنت أداري منه بعض الحد٦ فلما أردت أن أتكلم قال أبو بكر: على رسلك فكرهت أن أغضبه فتكلم أبو بكر، فكان هو أحلم مني وأوقر والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قال في بديهته مثلها أو أفضل منها حتى سكت فقال: ما ذكرتم فيكم
_________________
(١) ١ـ هما: عويم بن ساعدة ومعن بن عدي "انظر السيرة النبوية لابن هشام ٢/٦٦٠، المصنف لابن أبي شيبة ١٥/٥٦٥ ٢ـ الوعك: الحمى بنافض ولذلك زمل "فتح الباري" ١٢/١٥١ وانظر النهاية في غريب الحديث ٥/٢٠٧. ٣ـ كان خطيب الأنصار ثابت بن قيس فالذي يظهر أنه هو "فتح الباري" ١٢/١٥١. ٤ـ دافة: أي عدد قليل، وأصله من الدف وهو السير البطيء في جماعة يريد أنكم قوم طرأة غرباء أقبلتم من مكة إلينا ثم أنتم تريدون أن تيتأثروا علينا "فتح الباري" ١٢/١٥١-١٥٢، وانظر النهاية في غريب الحديث ٢/١٢٤. ٥ـ يختزلونا: أي: يقتطعونا عن الأمر وينفردوا به دوننا "النهاية في غريب الحديث" ٢/٢٩، فتح الباري ١٢/١٥٠. ٦ـ الحد والحدة: سواء من الغضب وبعضهم يرويه بالجيم من الجد ضد الهزل أهـ. النهاية في غريب الحديث ١/٣٥٣.
[ ٢ / ٥٢٢ ]
من خير فأنتم له أهل، ولن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش هم أوسط العرب نسبًا ودارًا وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم - فأخذ بيدي ويد أبي عبيدة بن الجراح وهو جالس بيننا - فلم أكره مما قال غيرها، اللهم إلا أن تسول إلي نفسي عند الموت شيئًا لا أجده الآن فقال قائل من الأنصار: أنا جذيلها١ المحكك وعذيقها المرجب. منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش٢ فكثر اللغط وارتفعت الأصوات حتى فرقت٣ من الاختلاف فقلت: ابسط يدك يا أبا بكر فبسط يده فبايعته٤ وبايعه المهاجرون ثم بايعته الأنصار ونزونا٥ على سعد بن عبادة فقال قائل منهم: قلتم سعد بن عبادة فقلت: قتل الله سعد بن عبادة قال عمر: وإنا والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من مبايعة أبي بكر خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يبايعوا رجلًا منهم بعدنا فإما بايعناهم على ما لا نرضي وإما نخالفهم فيكون فسادًا فمن بايع رجلًا على غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي بايعه ثغرة أن يقتلا"٦.
ولقد اعترف سعد بن عبادة ﵁ بصحة ما قاله الصديق ﵁ يوم السقيفة من أن قريشًا هم ولاة هذا الأمر وسلم طائعًا منقادًا لما قاله
_________________
(١) ١ـ الجذيل: تصغير جذل - وهو في الأصل عود ينصب للإبل الجربى لتحتك به، والعذيق: تصغير العذق - وهو النخلة يحملها، والمرجب: اسم مفعول من قولهم: "رجب النخلة ترجيبًا" إذا بنى حولها دكانًا تعتمد عليه وذلك إنما يضع إذا كثر ثمرها حتى خيف أن تسقط منه ولم يرد بالتصغير في الموضعين إلا المدح، انظر النهاية في غريب الحديث والأثر ١/٢٥١، ٢/١٩٧، فتح الباري ٧/٣١. ٢ـ قائل هذا هو: الحباب بن المنذر "فتح الباري" ١٢/١٥٣. ٣ـ الفرق: بالتحريك الخوف والفزع يقال: فرق يفرق فرقًا "النهاية في غريب الحديث" ٣/٤٣٨. ٤ـ وفي رواية أخرى أخرجها ابن إسحاق أن عمر ﵁ قال: "ثم أخذت بيده وبدرني رجل من الأنصار فضرب على يده قبل أن أضرب على يده ثم ضربت على يده وتابع الناس "ذكره الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية ٥/٢٧٨، وقد سمى ابن سعد هذا الرجل بأنه: بشير بن سعد والد النعمان بن بشير الطبقات الكبرى ٣/١٨٢ وانظر: البداية والنهاية ٥/٢٧٨. ٥ـ ونزونا على سعد أي: وقعوا عليه ووطئوه "النهاية في غريب الحديث والأثر" ٥/٤٤. ٦ـ صحيح البخاري ٤/١٧٩-١٨٠.
[ ٢ / ٥٢٣ ]
المصطفى ﷺ بعد تذكير الصديق إياه بذلك.
فقد روى الإمام أحمد بإسناده إلى حميد بن عبد الرحمن قال: توفي رسول الله ﷺ وأبو بكر ﵁ في طائفة من المدينة قال: فجاء فكشف عن وجهه فقبله وقال: فداك أبي وأمي ما أطيبك حيًا وميتًا مات محمد ورب الكعبة - وفيه - فانطلق أبو بكر وعمر يتقاودان حتى أتوهم فتكلم أبو بكر فلم يترك شيئًا أنزل في الأنصار ولا ذكره رسول الله ﷺ ﷺ من شأنهم - إلا ذكره وقال: لقد علمتم أن رسول الله ﷺ قال: "لو سلك واديًا وسلكت الأنصار واديًا سلكت وادي الأنصار" ولقد علمت يا سعد أن رسول الله ﷺ قال - وأنت قاعد: "قريش ولاة هذا الأمر فبر الناس تبع لبرهم وفاجرهم تبع لفاجرهم" فقال له سعد: صدقت نحن الوزراء وأنتم الأمراء١.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بعد إيراده لهذا الحديث: "فهذا مرسل حسن ولعل حميدًا أخذه عن بعض الصحابة الذين شهدوا ذلك وفيه فائدة جليلة جدًا وهي أن سعد بن عبادة نزل عن مقامه الأول في دعوى الإمارة وأذعن للصديق بالإمارة فرضي الله عنهم أجميعن"٢.
والبيعة التي حصلت للصديق ﵁ في سقيفة بني ساعدة تعتبر بيعة أولى من كبار وفضلاء الصحابة من مهاجرين وأنصار وقد بويع ﵁ بيعة عامة من الغد في مسجد رسول الله ﷺ فتممت البيعة من المهاجرين والأنصار قاطبة صبيحة يوم الثلاثاء وهو اليوم الثاني من متوفى رسول الله ﷺ وقبل تجهيزه ﵊.
وروى البخاري بإسناده إلى أنس بن مالك ﵁ أنه سمع خطبة عمر الآخرة حين جلس على المنبر وذلك الغد من يوم توفي النبي ﷺ فتشهد وأبو بكر
_________________
(١) ١ـ المسند ١/٥. ٢ـ منهاج السنة ١/١٤٣.
[ ٢ / ٥٢٤ ]
صامت لا يتكلم قال: كنت أرجو أن يعيش رسول الله ﷺ حتى يدبرنا يريد بذلك أن يكون آخرهم - فإن يك محمد قد مات فإن الله تعالى قد جعل بين أظهركم نورًا تهتدون به بما هدى الله محمدًا ﷺ وأن أبا بكر صاحب رسول الله ﷺ ثاني اثنين فإنه أولى الناس بأموركم، فقوموا بايعوه وكانت طائفة منهم قد بايعوه قبل ذلك في سقيفة بني ساعدة وكان بيعة العامة على المنبر قال الزهري عن أنس بن مالك: سمعت عمر يقول لأبي بكر يومئذ: اصعد المنبر فلم يزل حتى صعد المنبر فبايعه الناس عامة"١.
وروى الحافظ أبو بكر البيهقي بإسناده إلى أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قبض رسول الله ﷺ واجتمع الناس في دار سعد بن عبادة وفيهم أبو بكر وعمر قال: فقام خطيب الأنصار فقال: أتعلمون أن رسول الله ﷺ كان من المهاجرين وخليفته من المهاجرين، ونحن أنصار خليفته كما كنا أنصاره قال: فقام عمر بن الخطاب فقال: صدق قائلكم أما لو قلتم غير هذا لم نبايعكم وأخذ بيد أبي بكر وقال: هذا صاحبكم فبايعوه فبايعه عمر وبايعه المهاجرون والأنصار قال: فصعد أبو بكر المنبر فنظر في وجوه القوم فلم ير الزبير قال: فدعا بالزبير فجاء فقال: قلت ابن عمة رسول الله ﷺ وحواريه أردت أن تشق عصا المسلمين فقال: لا تثريب يا خليفة رسول الله ﷺ فقام فبايعه ثم نظر في وجوه القوم فلم ير عليًا فدعا بعلي بن أبي طالب فجاء فقال: قلت ابن عم رسول الله ﷺ وختنه على ابنته أردت أن تشق عصا المسلمين قال: لا تثريب با خليفة رسول الله ﷺ فبايعه"٢.
قال ابن كثير: "فيه فائدة جليلة وهي: مبايعة علي بن أبي طالب إما
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٤/٢٤٨. ٢ـ أورده الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية ٥/٢٨٠ ثم قال عقبه: "وهذا إسناد صحيح محفوظ من حديث أبي نضرة المنذر بن مالك بن قطعة عن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان المنذري وانظر الاعتقاد للبيهقي ص/١٧٨.
[ ٢ / ٥٢٥ ]
في أول يوم، أو في اليوم الثاني من الوفاة وهذا حق فإن علي بن أبي طالب لم يفارق الصديق في وقت من الأوقات ولم ينقطع في صلاة من الصلوات خلفه وخرج معه إلى ذي القصة لما خرج الصديق شاهرًا سيفه يريد قتال أهل الردة"١.
وأما ما جاء في الصحيحين في حديث عائشة ﵂ من أن فاطمة بنت النبي ﷺ أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله ﷺ مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر فقال أبو بكر: إن رسول الله ﷺ قال: "لا نورث ما تركنا صدقة" إنما يأكل آل محمد ﷺ في هذا المال وإني والله لا أغير شيئًا من صدقة رسول الله ﷺ عن حالها التي كان عليها في عهد رسول الله ﷺ ولأعملن فيها بما عمل به رسول فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئًا فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته٢ فلم تكلمه حتى توفيت وعاشت بعد النبي ﷺ ستة أشهر فلما توفيت دفنها زوجها علي ليلًا ولم يؤذن بها أبا بكر وصلى عليها وكان لعلي من الناس وجه حياة فاطمة، فلما توفيت استنكر علي وجوه الناس فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته ولم يكن يبايع تلك الأشهر فأرسل إلى أبي بكر أن ائتنا ولا يأتنا معك أحد فقال عمر لأبي بكر: والله لا تدخل عليهم وحدك٣ فقال أبو بكر: وما عساهم أن يفعلوا بي إني والله لآتينهم فدخل
_________________
(١) ١ـ البداية والنهاية ٥/٢٨١. ٢ـ قال النووي: "وأما ما ذكر من هجران فاطمة أبا بكر ﵁ فمعناه انقباضها عن لقائه وليس هذا من الهجران المحرم الذي هو ترك السلام والإعراض عند اللقاء وقوله في هذا الحديث "فلم تكلمه" يعني في هذا الأمر أو لانقباضها لم تطلب منه حاجة ولا اضطرت إلى لقائه فتكلمه ولم ينقل قط انهما التقيا فلم تسلم عليه ولا كلمته"أهـ. شرح النووي ١٢/٧٣-٧٤. ٣ـ معنى قول عمر ﵁: "والله لا تدخل عليهم وحدك" خاف أن يغلظوا عليه في المعاتبة ويحملهم على الإكثار من ذلك لين أبي بكر وصبره عن الجواب عن نفسه وربما رأى من كلامهم ما غير قلبه فيترتب على ذلك مفسدة خاصة أو عامة وإذا حضر عمر امتنعوا من ذلك"أهـ. شرح النووي ١٢/٧٨.
[ ٢ / ٥٢٦ ]
عليهم أبو بكر فتشهد علي بن أبي طالب ثم قال: إنا قد عرفنا يا أبا بكر فضيلتك وما أعطاك الله ولم ننفس عليك خيرًا ساقه الله إليك ولكنك استبددت علينا بالأمر وكنا نحن نرى لنا حقًا لقرابتنا من رسول الله ﷺ فلم يزل يكلم أبا بكر حتى فاضت عينا أبي بكر فلما تكلم أبو بكر قال: والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله ﷺ أحب إلي أن أصل من قرابتي وأما الذي شجر بيني وبينكم من هذه الأموال فإني لم آل فيها عن الحق ولم أترك أمرًا رأيت رسول الله ﷺ يصنعه فيها إلا صنعته١ فقال علي لأبي بكر: موعدك العشية للبيعة فلما صلى أبو بكر صلاة الظهر رقى على المنبر فتشهد وذكر شأن علي وتخلفه عن البيعة وعذره بالذي اعتذر إليه، ثم استغفر وتشهد علي بن أبي طالب فعظم حق أبي بكر وأنه لم يحمله على الذي صنع نفاسة على أبي بكر ولا إنكارًا للذي فضله الله به ولكنا كنا نرى لنا في الأمر نصيبًا فاستبد علينا به فوجدنا في أنفسنا فسر بذلك المسلمون وقالوا: أصبت فكان المسلمون إلى علي قريبًا حين راجع الأمر المعروف"٢.
فتأخر علي ﵁ عن المدة المذكورة في الحديث عن بيعة الصديق ﵁ أجاب عنه بعض أهل العلم بما يقنع الذين يسمعون، ويشفي من سلمت قلوبهم من الأحقاد والأضغان لأصحاب رسول الله ﷺ.
فقد قال الإمام النووي: "أما تأخر علي ﵁ عن البيعة فقد ذكره علي في هذا الحديث واعتذر أبو بكر ﵁ ومع هذا فتأخره ليس بقادح في البيعة ولا فيه أما البيعة فقد اتفق العلماء على أنه لا يشترط لصحتها مبايعة كل الناس ولا كل أهل الحل والعقد وإنما يشترط مبايعة من تيسر إجماعهم من
_________________
(١) ١ـ ذكر البيهقي في كتابه "الاعتقاد" ص/١٧٩ أن الصديق ﵁ قال في اعتذاره إلى علي وغيره ممن تخلف عن بيعته: "أما والله ما حملنا على إبرام ذلك دون من غاب عنه إلا مخافة الفتنة وتفاقم الحدثان وإن كنت لها لكارهًا لولا ذلك ما شهدها أحد كان أحب إلي أن يشهدها إلا من هو بمثل منزلتك"أهـ. ٢ـ صحيح البخاري ٣/٥٥-٥٦، صحيح مسلم ٣/٢٣٨٠.
[ ٢ / ٥٢٧ ]
العلماء والرؤساء ووجوه الناس، وأما عدم القدح فيه فلأنه لا يجب على كل واحد أن يأتي إلى الإمام فيضع يده في يده ويبايعه وإنما يلزمه إذا عقد أهل الحل والعقد للإمام الانقياد له وأن لا يظهر خلافًا ولا يشق العصا وهكذا كان شأن علي ﵁ في تلك المدة التي قبل بيعته فإنه لم يظهر على أبي بكر خلافًا ولا شق العصا ولكنه تأخر عن الحضور عنده للعذر المذكور في الحديث، ولم يكن انعقاد البيعة وانبرامها متوقفًا على حضوره فلم يجب عليه الحضور لذلك ولا لغيره فلما لم يجب لم يحضر وما نقل عنه قدح في البيعة ولا مخالفة ولكن بقي في نفسه عتب فتأخر حضوره في أن زال العتب وكان سبب العتب أنه مع وجاهته وفضيلته في نفسه في كل شيء وقربه من النبي ﷺ وغير ذلك رأى أنه لا يستبد بأمر إلا بمشورته وحضوره وكان عذر أبي بكر وعمر وسائر الصحابة واضحًا لأنهم رأوا المبادرة بالبيعة من أعظم مصالح المسلمين وخافوا من تأخيرها حصول خلاف ونزاع تترتب عليه مفاسد عظيمة ولهذا أخروا دفن النبي ﷺ حتى عقدوا البيعة لكونها كانت أهم الأمور كيلا يقع نزاع في مدفنه أو كفنه أو غسله أو الصلاة عليه أو غير ذلك وليس لهم من يفصل الأمور فرأوا تقدم البيعة أهم الأشياء والله أعلم"١.
قال الحافظ ابن كثير معللًا عدم اسجابة الصديق ﵁ لما طلبته فاطمة ﵂ من الميراث حيث ظنت أن ما خلفه النبي ﷺ يقسم بين الورثة قال: "فلم يجيبها إلى ذلك لأنه رأى أن حقًا عليه أن يقوم في جميع ما كان يتولاه رسول الله ﷺ وهو الصادق البار الراشد التابع للحق ﵁ فحصل لها - وهي امرأة من البشر ليست براجية العصمة - عتب وتغضب ولم تكلم الصديق حتى ماتت واحتاج علي أن يراعي خاطرها بعض الشيء، فلما ماتت بعد ستة أشهر من وفاة النبي ﷺ رأى علي أن يجدد البيعة مع أبي بكر
_________________
(١) ١ـ شرح النووي ١٢/٧٧-٧٨.
[ ٢ / ٥٢٨ ]
﵁ مع ما تقدم له من البيعة قبل دفن رسول الله ﷺ ويزيد ذلك صحة قول موسى بن عقبة في مغازيه عن سعد بن ابراهيم: حدثني أبي أن أباه عبد الرحمن بن عوف كان مع عمر، وأن محمد بن مسلمة كسر سيف الزبير، ثم خطب أبو بكر واعتذر إلى الناس وقال: ما كنت حريصًا يومًا ولا ليلة سألتها في سر ولا علانية فقبل مقالته وقال علي والزبير: ما غضبنا إلا لأنا أخرنا عن المشورة وإنا نرى أن أبا بكر أحق الناس بها إنه لصاحب الغار وإنا لنعرف شرفه وخيره ولقد أمره رسول الله ﷺ أن يصلي بالناس وهو حي "إسناد جيد ولله الحمد والمنة ومن تأمل ما ذكرناه ظهر له إجماع الصحابة - المهاجرين منهم والأنصار على تقديم أبي بكر وظهر له برهان قوله ﵊: "يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر" ١.
فبيعة علي ﵁ للصديق بعد وفاة فاطمة ﵂ محمول على أنها بيعة ثانية أزالت ما كان قد وقع من وحشة بسبب الكلام في الميراث ومنعه إياهم ذلك بالنص عن رسول الله ﷺ في قوله: "لا نورث ما تركناه فهو صدقة".
كما تقدم، ومن هذا يعلم أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا إذا حصل لهم بعض العتب على بعضهم فإنهم كانوا سريعي الرجوع عند مراجعة الحق وظهوره ولم يجعلوا للغل في قلوبهم سكنًا بل كانت قلوبهم على قلب رجل واحد وحتى أم الحسنين ﵂ رجعت عن عتبها على الصديق وعدلت عن مطالبته فيما أفاء الله على رسول الله ﷺ من مال فدك بعد أن أبان لها الحكم فيه كما سمعه من رسول الله ﷺ وقالت له: أنت وما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم٢ وهذا هو الصواب والمظنون بها واللائق بأمرها وسايداتها وعلمها ودينها رضي الله عنها٣ ولم تطب نفس الإمام الأكبر والصديق الأعظم أبو بكر
_________________
(١) ١ـ البداية والنهاية ٥/٢٨١. ٢ـ المسند ١/٤، سنن أبي داود ٢/١٣٠، البداية والنهاية ٥/٣٥٢. ٣ـ البداية والنهاية ٥/٣٢٥.
[ ٢ / ٥٢٩ ]
﵁ أن تبقى سيدة نساء العالمين عاتبه عليه بل ترضاها وتلاينها قبل موتها فرضيت ﵂ على رغم أنف كل رافضي على وجه الأرض فقد روى الحافظ أبو بكر بإسناده إلى إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال: لما مرضت فاطمة أتاها أبو بكر الصديق فاستأذن عليها فقال علي: يا فاطمة هذا أبو بكر يستأذن عليك فقالت: أتحب أن آذن له؟ قال: نعم! فأذنت له فدخل عليها يترضاها فقال: والله ما تركت الدار والمال والأهل والعشيرة إلا ابتغاء مرضات الله ومرضات رسول الله ﷺ ومرضاتكم أهل البيت ثم ترضاها حتى رضيت١.
ففي هذا الأثر صفعة قوية للرافضة الذين فتحوا على أنفسهم شرًا عريضًا وجهلًا طويلًا وأدخلوا أنفسهم فيما لا يعنيهم بسبب ما ذكر من هجران فاطمة ﵂ لأبي بكر ولو تفهموا الأمور على ما هي عليه لعرفوا للصديق فضله، وقبلوا منه عذره الذي يجب على كل أحد قبوله، ولكنهم طائفة مخذولة وفرقة مرذولة يتمسكون بالمتشابه ويتركون الأمور المحكمة المقدرة عند أئمة الإسلام من الصحابة والتابعين فمن بعدهم من العلماء المعتبرين في سائر الأعصار والأمصار ﵃ وأرضاهم أجمعين٢.
ثم أن الصديق ﵁ لم يقبل الإمامة حرصًا عليها ولا رغبة فيها وإنما قبلها تخوفًا من وقوع فتنة أكبر من تركه قبولها ﵁ وأرضاه٣، ولما بويع ﵁ البيعة الثانية التي هي بيعة عامة الناس في مسجد رسول الله
_________________
(١) ١ـ أورده الحافظ ابن كثير "البداية والنهاية ٥/٣٢٥ ثم قال عقبه: وهذا إسناد جيد قوي والظاهر أن عامر الشعبي سمعه من علي أو ممن سمعه من علي وأخرجه ابن سعد في الطبقات ٨/٢٧، وأورده الذهبي في سير أعلام النبلاء ٢/١٢١ وذكره الحافظ ابن حجر في فتح الباري ٦/١٣٩، وقال عقبه وهو وإن كان مرسلًا فإسناده إلى الشعبي صحيح. ٢ـ انظر البداية والنهاية ٥/٣٢٢. ٣ـ انظر المصدر السابق ٥/٢٧٩.
[ ٢ / ٥٣٠ ]
ﷺ خطب الناس خطبة عامة حيث قال بعد أن حمد الله وأثنى عليه بالذي هو أهله: "أما بعد: أيها الناس فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني. الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أزيح علته إن شاء الله. والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله"١.
وقوله ﵁: "قد وليت عليكم ولست بخيركم" من باب الهضم والتواضع إذ أنهم مجمعون على أنه أفضلهم وخيرهم رضي الله عنهم٢.
ففي هذه الروايات المتقدمة بيان كيفية مبايعة أبي بكر الصديق ﵁ بالخلافة بعد وفاة النبي ﷺ فقد انعقدت له الخلافة بعقد خيار هذه الأمة المحمدية وهم صحابة رسول الله ﷺ من المهاجرين والأنصار الذين هم بطانة رسول الله ﷺ والذين بهم صار للإسلام قوة وعزة وبهم قهر المشركون وبهم فتحت جزيرة العرب. فجمهور الذين بايعوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم هم الذين بايعوا أبا بكر وأما كون عمر أو غيره سبق إلى البيعة ففي كل بيعة لا بد من سابق"٣.
_________________
(١) ١ـ انظر السيرة النبوية لابن هشام ٢/٦٦١، والطبقات لابن سعد ٣/١٨٢-١٨٣، البداية والنهاية ٥/٢٧٩-٢٨٠ وقال: "هذا إسناد صحيح". ٢ـ انظر البداية والنهاية ٥/٢٨٠. ٣ـ منهاج السنة ١/١٤٢.
[ ٢ / ٥٣١ ]