لما استشهد الخليفة الرابع علي ﵁ بقتل أحد الخوارج له وهو عبد الرحمن بن عمرو المرادي في شهر رمضان لسبع عشرة ليلة خلت منه سنة أربعين للهجرة النبوية١ بويع بالخلافة بعده ابنه الحسن ﵁ واستمر خليفة على الحجاز واليمن والعراق وخراسان وغير ذلك نحو سبعة أشهر، وقيل: ثمانية أشهر، وقيل ستة أشهر وكانت خلافته هذه المدة خلافة راشدة حقه لأن تلك المدة كانت مكملة لمدة الخلافة الراشدة التي أخبر النبي ﷺ أن مدتها ثلاثون سنة ثم تصير ملكًا.
فقد روى الترمذي بإسناده إلى سفينة مولى رسول الله ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ: "الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم ملك بعد ذلك" ٢.
وعند الإمام أحمد من حديث سفينة أيضًا بلفظ: "الخلافة ثلاثون عامًا ثم يكون بعد ذلك الملك" ٣.
وعند أبي داود بلفظ: "خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم يؤتي الله الملك من يشاء أو ملكه من يشاء" ٤.
ولم يكن في الثلاثين بعده ﷺ إلا الخلفاء الأربعة وأيام الحسن وقد قرر
_________________
(١) ١ـ الطبقات الكبرى لابن سعد ٣/٣٧، تاريخ الطبري ٥/١٤٣، الكامل لابن الأثير ٣/٣٨٧، البداية والنهاية ٧/٣٨٧، وانظر تاريخ خليفة بن خياط ص/١٩٩، الطبقات له ص/٥. ٢ـ سنن الترمذي ٣/٣٤١. ٣ـ المسند ٥/٢٢٠-٢٢١. ٤ـ سنن أبي داود ٢/٥١٥.
[ ٢ / ٧٤٣ ]
جمع من أهل العلم عند شرحهم لقوله ﷺ: "الخلافة في أمتي ثلاثون سنةـ" أن الأشهر التي تولى فيها الحسن بن علي بعد موت أبيه كانت داخلة في خلافة النبوة ومكملة لها.
فقد قال أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى: "فنفذ الوعد الصادق في قوله ﷺ: "الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم تعود ملكًا" فكانت لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وللحسن منها ثمانية أشهر لا تزيد ولا تنقص يومًا فسبحان المحيط لا رب - غيره"١.
وقال القاضي عياض: "لم يكن في ثلاثين سنة إلا الخلفاء الراشدون الأربعة والأشهر التي بويع فيها الحسن بن علي والمراد في حديث: " الخلافة ثلاثون سنة" خلافة النبوة وقد جاء مفسرًا في بعض الروايات "خلافة النبوة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكًا" ٢.
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: "والدليل على أنه أحد الخلفاء الراشدين الحديث الذي أوردناه في دلائل النبوة٣ من طريق سفينة مولى رسول الله ﷺ قال: "الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكًا" وإنما كملت الثلاثون بخلافة الحسن بن علي"٤.
وقال شارح الطحاوية: وكانت خلافة أبي بكر الصديق سنتين وثلاثة أشهر، وخلافة عمر عشر سنين ونصفًا، وخلافة عثمان اثنتي عشرة سنة وخلافة علي أربع سنين وتسعة أشهر، وخلافة الحسن ستة أشهر"٥.
_________________
(١) ١ـ أحكام القرآن لابن العربي ٤/١٧٢٠. ٢ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٢/٢٠١. ٣ـ يشير إلى باب عقده في البداية والنهاية وعنون له هكذا "باب في دلائل النبوة الحسية وهي سماوية وأرضية" وهذا الباب في الجزء السادس ص/٨٧، والحديث الذي أشار إليه اورده في نفس الجزء ص/٢٥٠. ٤ـ البداية والنهاية ٨/١٨. ٥ـ شرح الطحاوية ص/٥٤٥.
[ ٢ / ٧٤٤ ]
وقال المناوي بعد ذكره لقوله ﷺ: "ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين" قال: وكان ذلك فلما بويع له بعد أبيه وصار هو الإمام الحق مدة ستة أشهر تكملة للثلاثين سنة التي أخبر المصطفى ﷺ إنها مدة الخلافة وبعدها يكون ملكًا عضوضًا"١.
ولما كان ﵁ هو المبايع بالخلافة بعد أبيه وأنه الإمام الحق تلك المدة التي كانت مكملة لخلافة النبوة رأى أنه لا بد من أن يكون أمره نافذًا على بلاد الشام التي كان الأمر فيها حينئذ لمعاوية ﵁ فتوجه نحو بلاد الشام بكتائب٢ كأمثال الجبال وبايعه منهم أربعون ألفًا على الموت فلما ترائى الجمعان علم أنه لا يغلب أحدهما حتى يقتل الفريق الآخر فنزل لمعاوية عن الخلافة لا لقلة ولا لذلة بل رحمة للأمة حتى لا يقتل بعضها بعضًا واشترط على معاوية ﵁ شروطًا التزمها، ووفى بها وعلى وفقها جرى الصلح بينهما وقد روى قصة الصلح بينهما الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه.
فقد روى بإسناده إلى الحسن البصري حيث قال: "استقبل والله الحسن بن علي معاوية بكتائب أمثال الجبال فقال عمرو بن العاص: إني لأرى كتائب لا تولي حتى تقتل أقرانها فقال له معاوية - وكان والله خير الرجلين ـ: أي عمرو إن قتل هؤلاء هؤلاء وهؤلاء هؤلاء من لي بأمور الناس من لي بنسائهم، من لي بضيعتهم؟ فبعث إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس - عبد الرحمن بن سمرة وعبد الله بن عامر بن كريز - فقال: اذهبا إلى هذا الرجل فاعرضا عليه وقولا له واطلبا إليه فأتياه فدخلا عليه فتكلما وقالا له وطلبا إليه فقال لهما الحسن بن علي: إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال وإن هذه الأمة قد عاثت في دمائها قالا: فإنه يعرض عليك كذا كذا، ويطلب إليك ويسألك
_________________
(١) ١ـ فيض القدير ٢/٤٠٩. ٢ـ الكتيبة: القطعة العظيمة من الجيش والجمع الكتائب "النهاية في غريب الحديث ٤/١٤٨.
[ ٢ / ٧٤٥ ]
قال: فمن لي بهذا؟ قالا نحن لك به فما سألهما شيئًا إلا قالا: نحن لك به فصالحه فقال الحسن: ولقد سمعت أبا بكرة يقول: رأيت رسول الله ﷺ على المنبر - والحسن بن علي إلى جنبه وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى ويقول: "إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين" ١.
وبقبوله الصلح مع معاوية حصل مصداق قوله ﷺ فيه: "فكان كما قال: أصلح الله تعالى به بين أهل الشام وأهل العراق بعد الحروب الطويلة والواقعات المهولة"٢.
وهذا الإصلاح الذي حصل بين فريقي الحسن بن علي ومعاوية ﵄ مما يحبه - الرب جل وعلا - ورسوله ﷺ وهو من أكبر مناقب الحسن ﵁، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وهذا الحديث يبين أن الإصلاح بين الطائفتين كان ممدوحًا يحبه الله ورسوله، وأن ما فعله الحسن من ذلك كان من أعظم فضائله ومناقبه التي أثنى بها عليه النبي ﷺ ولو كان القتال واجبًا مستحبًا لم يثن النبي ﷺ بترك واجب أو مستحب"٣.
وقد ذكر بن العربي أسبابًا هيأت الحسن لقبول الصلح مع معاوية ﵁ حيث قال: "وعمل الحسن بمقتضى حاله فإنه صالح حين استشرى الأمر عليه وكان ذلك بأسباب سماوية ومقادير أزلية ومواعيد من الصادق صادقة منها: ما رأى من تشتت آراء من معه.
ومنها: أنه طعن حين خرج إلى معاوية فسقط عن فرسه وداوى جرحه حتى برأ فعلم من ينافق عليه ولا يأمنه على نفسه.
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٢/١١٤. ٢ـ تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٦/٣٧٦. ٣ـ منهاج السنة ٢/٢٠٢.
[ ٢ / ٧٤٦ ]
ومنها: أنه رأى الخوارج أحاطوا بأطرافه، وعلم أنه إن اشتغل بحرب معاوية استولى الخوارج على البلاد، وإن اشتغل بالخوارج استولى عليه معاوية.
ومنها: أنه تذكر وعد جده الصادق عند كل أحد ﷺ في قوله: "إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين" وإنه لما سار الحسن إلى معاوية بالكتائب في أربعين ألفًا وقدم قيس بن سعد بعشرة آلاف قال عمرو بن العاص لمعاوية: إني أرى كتيبة لا تولي أولاها حتى تدبر أخراها فقال معاوية لعمرو: من لي بذراري المسلمين فقال: أنا فقال: عبد الله بن عامر وعبد الرحمن بن سمرة: تلقاه فتقول له: الصلح فصالحه فنفذ الوعد الصادق في قوله: "إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين" ١.
وكان ذلك الصلح المبارك الذي أشار إليه النبي ﷺ أنه سيكون علي يد سبطه الحسن بن علي عام واحد وأربعين هجرية "فإنه نزل عن الخلافة لمعاوية في ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين وذلك كمال ثلاثين سنة من موت رسول الله ﷺ فإنه توفي في ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة وهذا من دلائل - نبوته - صلوات الله وسلامه عليه وسلم تسليمًا، وقد مدحه رسول الله ﷺ على صنيعه هذا وهو تركه الدنيا الفانية ورغبته في الآخرة الباقية، وحقنه دماء هذه الأمة فنزل عن الخلافة وجعل الملك بيد معاوية حتى تجتمع الكلمة على أمير واحد"٢ وتسليم الحسن الأمر لمعاوية يعتبر عقد بيعة منه له بالخلافة وكان ذلك في موضع يقال له: "مسكن"٣ ولما نزل الحسن عن الخلافة لمعاوية بايعه "الأمراء من الجيشين واستقبل بأعباء الأمة فسمي ذلك العام عام الجماعة لاجتماع الكلمة فيه على رجل واحد"٤ ولاجتماع المسلمين بعد الفرقة وتفرغهم
_________________
(١) ١ـ أحكام القرآن لابن العربي ٤/١٧١٩-١٧٢٠. ٢ـ البداية والنهاية ٨/١٨. ٣ـ مسكن: موضع قريب من أونا على نهر دجيل، "معجم البلدان" ٥/١٢٧. ٤ـ البداية والنهاية ٦/٢٥٠.
[ ٢ / ٧٤٧ ]
للحروب الخارجية والفتوح، ونشر دعوة الإسلام بعد أن عطل قتلة عثمان سيوف المسلمين عن هذه المهمة نحو خمس سنوات. "ولما تسلم معاوية البلاد ودخل الكوفة وخطب بها واجتمعت عليه الكلمة في سائر الأقاليم والآفاق وحصل على بيعته عامئذ الإجماع والاتفاق - رحل الحسن بن علي ومعه أخوه الحسين وبقية إخوتهم، وابن عمهم عبد الله بن جعفر من أرض العراق إلى أرض المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وجعل كما مر بحي من شيعتهم يبكتونه على ما صنع من نزوله عن الأمر لمعاوية وهو في ذلك - هو البار الراشد الممدوح، وليس يجد في صدره حرجًا ولا تلومًا ولا ندمًا، بل هو راض بذلك مستبشر به وإن كان قد ساء هذا خلقًا من ذويه وأهله وشيعتهم ولا سيما بعد ذلك بمدد، وهلم جرًا والحق في ذلك اتباع السنة ومدحه فيما حقن به دماء الأمة، كما مدحه على ذلك رسول الله ﷺ كما تقدم في الحديث الصحيح ولله الحمد والمنة"١.
والحاصل مما تقدم أن أهل السنة والجماعة يعتقدون أن خلافة الحسن بن علي كانت خلافة حقة وأنها جزء مكمل لخلافة النبوة التي أخبر النبي ﷺ أن مدتها ستكون ثلاثين سنة وكذلك كانت كما أخبر ﵊.
_________________
(١) البداية والنهاية ٨/٢١.
[ ٢ / ٧٤٨ ]