لقد ورد الثناء في الكتاب والسنة على الصحابة الذين بايعوا رسول الله ﷺ تلك البيعة المباركة الميمونة المشهورة "بيعة الرضوان" وكانت هذه البيعة بمكان يسمى "الحديبية"١ في شهر ذي القعدة سنة ست من الهجرة بلا خلاف بين علماء المغازي والسير٢ وقد اختلفت الروايات الصحيحة في عددهم ﵃ فقد روى الشيخان من حديث عبد الله بن أبي أوفى، قال: كان أصحاب الشجرة٣ ألفًا وثلاثمائة وكانت أسلم ثمن المهاجرين"٤.
ورويا من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ يوم الحديبية: "أنتم خير أهل الأرض" وكنا ألفًا وأربعمائة ولو كنت أبصر لأريتكم مكان الشجرة"٥.
_________________
(١) ١ـ قال ياقوت الحموي: "هي قرية متوسطة ليست بالكبيرة سميت ببئر هناك عند مسجد الشجرة التي بايع تحتها" معجم البلدان ٢/٢٢٩ وكذا قال الحافظ ابن حجر: "هي بئر سمي بها المكان"أ. هـ. فتح الباري ٥/٣٣٤ وقال الحاكم النيسابوري رحمه الله تعالى: "الحديبية بئر كانت الشجرة بالقرب من البئر ثم إن الشجرة فقدت بعد ذلك فلم توجد وقالوا إن السيول ذهبت بها فقال سعيد بن المسيب سمعت أبي وكان من أصحاب الشجرة يقول قد طلبناها غير مرة فلم نجدها فأما ما يذكره عوام الحجيج أنها شجرة بين منى ومكة فإنه خطأ فاحش"أ. هـ. معرفة علوم الحديث ص/٢٣-٢٤. ٢ـ انظر: السيرة النبوية لابن هشام ٢/٢٠٨، دلائل النبوة للبيهقي ٤/٩١، تاريخ الأمم والملوك للطبري ٢/٦١٩، الكامل لابن الأثير ٢/٢٠٠، المجموع شرح المهذب للنووي ٧/٧٨، الدرر في اختصار المغازي والسير لابن عبد البر ص/١٤٠، البداية والنهاية ٤/١٨٥، فتح الباري ٧/٤٤٠. ٣ـ الشجرة: هي السمرة التي حصلت البيعة تحتها، انظر: صحيح مسلم ٣/١٤٨٣. ٤ـ صحيح البخاري ٣/٤٢، صحيح مسلم ٣/١٤٨٥. ٥ـ صحيح البخاري ٣/٤٣، صحيح مسلم ٣/١٤٨٤.
[ ١ / ٢٠٠ ]
ورويا أيضًا: من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: عطش الناس يوم الحديبية والنبي ﷺ بين يديه ركوة١ فتوضأ فجهش٢ الناس نحوه فقال: "ما لكم"؟ قالوا: ليس عندنا ماء نتوضأ ولا نشرب إلا ما بين يديك فوضع يده في الركوة فجعل الماء يثور٣ بين أصابعه كأمثال العيون فشربنا وتوضأ وتوضأنا قلت: كم كنتم؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا كنا خمس عشرة مائة"٤.
فهذه الروايات الثلاث هي أصح ما ورد في بيان عدد أصحاب بيعة الرضوان ولا إشكال فيها من حيث صحتها وإنما الإشكال من حيث العدد المذكورة فيها من ألف وثلاثمائة إلى ألف وأربعمائة إلى خمس عشرة مائة ولا يمكن ردها بحال من الأحوال وقد حاول العلماء الجمع بينها وقد سلكوا تجاهها طريقين.
الطريق الأول: طريق الترجيح، وقد مال إلى هذا الطريق الإمام البيهقي والحافظ ابن القيم رحمهما الله تعالى.
فأما البيهقي فإنه أورد رواية التحديد بألف وأربعمائة المروية عن جابر بن عبد الله ﵄ ثم قال: وهذه الرواية أصح فلذلك قاله البراء بن عازب، ومعقل بن يسار، وسلمة بن الأكوع في أصح الروايتين عنه"أ. هـ٥.
وأما العلامة ابن القيم فإنه ذكر رواية ألف وأربعمائة وقال عقبها: "والقلب إلى هذا أميل"٦.
الطريق الثاني: طريق الجمع وقد ذهب إلى هذا الإمام النووي والحافظ ابن حجر رحمهما الله.
_________________
(١) ١ـ الركوة: إنا صغير يشرب فيه الماء والجمع ركاء. النهاية ٢/٢٦١. ٢ـ الجهش: أن يفزع الإنسان إلى الأنسان ويلجأ إليه. النهاية ١/٣٢٢. ٣ـ يثور: ينبع بقوة وشدة النهاية ١/٢٢٨. ٤ـ صحيح البخاري ٣/٤٢، صحيح مسلم ٣/١٤٨٤. ٥ـ دلائل النبوة للبيهقي ٤/٩٨. ٦ـ زاد المعاد في هدي خير العباد ٣/٢٨٨.
[ ١ / ٢٠١ ]
فأما الإمام النووي فقد قال عقب الروايات الثلاث المتقدم ذكرها: "ويمكن أن يجمع بينهما بأنهم كانوا أربعمائة وكسر فمن قال: أربعمائة لم يعتبر الكسر ومن قال خمسمائة اعتبره، ومن قال ألف وثلاثمائة ترك بعضهم لكونه لم يتقن العد أو لغير ذلك"أ. هـ١.
وأما الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى فإنه ذكر كلام النووي وزاد عليه حيث قال: بعد ذكره للروايات الثلاث السابقة: "والجمع بين هذا الاختلاف أنهم كانوا أكثر من ألف وأربعمائة فمن قال ألفًا وخمسمائة جبر الكسر، ومن قال ألفًا وأربعمائة ألغاه ويؤيده قوله في الرواية الثالثة من حديث البراء: ألف وأربعمائة أو أكثر، أما قول عبد الله بن أبي أوفى: ألف وثلاثمائة، فيمكن حمله على ما اطلع عليه هو، واطلع غيره على زيادة ناس لم يطلع هو عليهم، والزيادة من الثقة مقبولة أو العدد الذي ذكره جملة من ابتدأ الخروج من المدينة والزائد تلاحقوا بهم بعد ذلك أو العدد الذي ذكره عدد المقاتلة والزيادة عليه من الأتباع من الخدم والنساء والصبيان الذين لم يبلغوا الحلم"أ. هـ٢.
والذي يظهر والله أعلم أن طريقة الجمع بين النصوص أولى من ترجيح بعضها على بعض لأن الروايات كلها صحيحة في العدد المذكور وينبغي الأخذ بما قاله الحافظ ابن حجر لأن توجيهه للنصوص ممكن وظاهر.
وأصحاب الحديبة الذين هم أهل بيعة الرضوان ورد في فضلهم نصوص محكمة كثيرة من الآيات القرآن والأحاديث النبوية ومنها ما يلي:
١- قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ٣ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا
_________________
(١) ١ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٣/٢. ٢ـ فتح الباري ٧/٤٤٠. ٣ـ قال ابن جرير بعد أن ذكر عدة أقوال في معنى السكينة: "وأولى هذه الأقوال بالصواب بالحق في معنى السكينة ما قاله عطاء بن أبي رباح: ما تسكن إليه النفوس من الآيات التي تعرفونها وذلك أن السكينة في كلام العرب الفعلية من قول القائل سكن فلان إلى كذا وكذا إذا اطمأن إليه وهدأت
[ ١ / ٢٠٢ ]
إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ١.
في هذه الآية شهادة لهم بحقيقة الإيمان الكامل وإكرامهم بإنزال السكون والطمأنينة في قلوبهم إلى الإيمان بالله ورسوله وإلى الحق الذي بعث الله به نبيه محمدًا ﷺ ليزدادوا بتصديقهم بما حدد الله من الفرائض التي ألزمهموها التي لم تكن لهم لازمة ﴿إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ ثم أخبر تعالى أنه له جنود السموات والأرض ينتقم بهم ممن يشاء من أعداء وختم الآية بأنه - سبحانه - لم يزل ذا علم بما هو كائن قبل كونه، وما خلقه عاملون حكيمًا في تدبيره"٢.
قال ابن كثير: "يقول تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾ أي: الطمأنينة قاله ابن عباس ﵄ وعنه الرحمة وقال قتادة: الوقار في قلوب المؤمنين، وهم الصحابة ﵃ يوم الحديبية الذين استجابوا لله ولرسوله وانقادوا لحكم الله ورسوله فلما اطمأنت قلوبهم بذلك واستقرت زادهم إيمانًا مع إيمانهم وقد استدل بها البخاري وغيره من الأئمة على تفاضل الإيمان في القلوب"أ. هـ٣.
فالآية تضمنت مدحًا عظيمًا وثناء بالغًا على أهل بيعة الرضوان حيث أكرمهم الله بإنزال السكينة في قلوبهم فكان ذلك من ذلك من أسباب زيادة الإيمان فيها كما تضمنت الشهادة لهم من الله بالإيمان الكامل وتحقيق شرائعه وذلك أنهم ﵃ كلما ورد عليهم أمر أو نهي آمنوا به وعملوا بمقتضاه طائعين خاضعين لحكم الله رب العالمين.
_________________
(١) = عنده نفسه فهو يسكن سكونًا وسكينة، مثل قولك: عزم فلان هذا الأمر عزمًا وعزيمة وقضى الحاكم بين القوم قضاء وقضية جامع البيان ٢/٦١٣، وانظر: النهاية ٢/٣٨٤-٣٨٥، واللسان ١٣/٢١٣. ١ـ سورة الفتح آية/٤. ٢ـ انظر: جامع البيان ٢٦/٧١-٧٢. ٣ـ تفسير القرآن العظيم ٦/٣٣٠، وانظر تفسير البغوي مع الخازن ٦/١٥٨، فتح القدير للشوكاني ٥/٤٥.
[ ١ / ٢٠٣ ]
٢- وقال تعالى: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ ١.
هذه الآية فيها وعيد من الله تعالى لأهل بيعة الرضوان خصوصًا ولجميع المؤمنين والمؤمنات عمومًا بدخول جنات تجري من تحتها الأنهار وأنهم يخلدون فيها لا يحولون ولا يزولون عنها وأنه تعالى يكفر عنهم سيئاتهم بمعنى أنه يغطيها ولا يظهرها وختم تعالى الآية ببيان أن إدخالهم الجنة وتكفير سيئاتهم فوز عظيم لا يقادر قدره لأنه منتهى غاية ما يتطلع إليه المؤمنون الصادقون الذين في مقدمتهم أولئك الصفوة أصحاب بيعة الرضوان.
روى البخار بإسناده إلى أنس بن مالك ﵁: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ قال: الحديبية قال أصحابه: هنيئًا مريئًا فما لنا فأنزل الله: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ ٢.
وعند الترمذي وأحمد من حديث أنس ﵁ قال نزلت على النبي ﷺ ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ مرجعه من الحديبية فقال النبي ﷺ: "لقد نزلت علي آية أحب إليّ مما على الأرض" ثم قرأها النبي ﷺ عليهم فقالوا: هنيئًا مريئًا يا نبي الله قد بين الله لك ماذا يفعل بك فماذا يفعل بنا فنزلت عليه: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ حتى بلغ ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾ قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح وفيه عن مجمع٣ بن جارية٤.
_________________
(١) ١ـ سورة الفتح آية/٥. ٢ـ صحيح البخاري ٣/٤٤. ٣ـ مجمع بن جارية بن عامر الأنصاري الأوسي المدني صحابي مات في خلافة معاوية التقريب ٢/٢٣٠، الإصابة ٣/٣٤٦. ٤ـ سنن الترمذي ٥/٦١-٦٢، المسند ٣/١٢٢.
[ ١ / ٢٠٤ ]
فهذا الحديث بين الفضيلة التي تضمنتها الآية التي سيقت قبله لأصحابه بيعة الرضوان.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى بعد قوله تعالى: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين فيها أبدا ﴿وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ أي: خطاياهم وذنوبهم فلا يعاقبهم عليها بل يعفو ويصفح ويغفر ويستر ويرحم ويشكر ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ كقوله - جل وعلا - ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ ١ الآية أ. هـ٢.
فأي فوز وأي فلاح أعظم من تكفير الذنوب والخطايا ودخول الجنة ورؤية الله ﷿ فيها إنه لمن أعظم التكريم ومن أعلا النعيم الذي فاز به أهل بيعة الرضوان.
٣- قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ٣.
وهذه الآية فيها ثناء ومدح عظيم لأهل بيعة الرضوان فقد جعل الله مبايعتهم لرسوله ﷺ مبايعة له وفي هذا غاية التشريف والتكريم لهم ﵃.
وهذه الآية نظير قوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ ٤ فمبايعتهم للرسول ﷺ مبايعة لله - جل وعلا ـ.
قال العلامة ابن القيم: "وتأمل قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ فلما كانوا يبايعون رسول الله ﷺ بأيديهم ويضرب بيده
_________________
(١) ١ـ تفسير القرآن العظيم ٦/٣٣٠. ٢ـ المصدر نفسه ٦/٣٣٠. ٣ـ سورة الفتح آية/١٠. ٤ـ سورة النساء آية/٨٠.
[ ١ / ٢٠٥ ]
على أيديهم وكان رسول الله ﷺ هو السفير بينه وبينهم كانت مبايعتهم له مبايعة لله تعالى، ولما كان سبحانه فوق سماواته على عرشه وفوق الخلائق كلهم كانت يده فوق أيديهم كما أنه سبحانه فوقهم"أ. هـ١ ومعنى قوله في الآية: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ أي: ثوابًا جزيلًا وهو الجنة وما يكون فيها مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر"٢.
قال ابن جرير رحمه الله تعالى: وقوله: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ يقول تعالى ذكره: ومن أوفى بما عاهد الله عليه من الصبر عند لقاء العدو في سبيل الله ونصرة نبيه ﷺ على أعدائه ﴿فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ يقول: فسيعطيه ثوابًا عظيمًا، وذلك أن يدخله الجنة جزاء له على وفائه بما عاهد عليه الله ووثق لرسوله على الصبر معه عند البأس بالمؤكدة من الإيمان ثم روى بإسناده إلى قتادة رحمه الله تعالى: ﴿فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ قال: هي الجنة"أ. هـ٣.
٤- وقال تعالى مخبرًا برضاه عنهم: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا * وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ٤.
فقد أخبر تعالى أنه رضي الله عن أولئك الصفوة الأخيار من أهل بيعة الرضوان ومن ﵁ لا يسخط عليه أبدًا فلله ما أعظم هذا التكريم الذي ناله أهل بيعة الرضوان، وما أعلاها من منقبة ومعنى الآية ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لقد رضي الله يا محمد عن المؤمنين ﴿إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ يعني: بيعة أصحاب رسول الله ﷺ رسول الله بالحديبية حين بايعوه على مناجزة
_________________
(١) ١ـ مختصر الصواعق المرسلة ٢/١٧٢. ٢ـ انظر: تفسير القرآن العظيم ٦/٣٣١، تفسير روح المعاني ٢٦/٩٧. ٣ـ جامع البيان ٢٦/٧٦، وانظر: تفسير البغوي على حاشية الخازن ٦/١٦٠. ٤ـ سورة الفتح آية/١٨-١٩.
[ ١ / ٢٠٦ ]
قريش الحرب وعلى أن لا يفروا، ولا يولوهم الدبر، تحت الشجرة وكانت بيعتهم إياه هنالك تحت الشجرة سمرة ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي: فعلم ربك يا محمد ما في قلوب المؤمنين من أصحابك إذ يبايعونك تحت الشجرة من صدق النية والوفاء بما يبايعونك عليه والصبر معك ﴿فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: فأنزل الطمأنينة والثبات على ما هم عليه من دينهم وحسن بصيرتهم بالحق الذي هداهم الله له ﴿وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ وهو فتح خيبر، وأما قوله تعالى: ﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا﴾ أي: وأثاب الله هؤلاء الذي بايعوا رسول الله ﷺ تحت الشجرة مع ما أكرمهم به من رضاه عنهم، وإنزاله السكينة عليهم وإثابته إياهم فتحًا قريبًا وهو ما أجرى الله ﷿ على أيديهم من الصلح بينهم وبين أعدائهم وما حصل بذلك من الخير العام المستمر المتصل بفتح خيبر وفتح مكة.
ثم فتح سائر البلاد والأقاليم عليهم وما حصل لهم من العز والنصر والرفعة في الدنيا والآخرة ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ١.
قال أحمد بن عليّ الجصاص بعد قوله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فيه الدلالة على صحة إيمان الذين بايعوا النبي ﷺ بيعة الرضوان بالحديبية وصدق بصائرهم فهم قوم بأعيانهم فدل على أنهم كانوا مؤمنين على الحقيقة أولياء الله إذ غير جائز أن يخبر الله برضاه عن قوم بأعيانهم إلا وباطنهم كظاهرهم في صحة البصيرة وصدق الإيمان وقد أكد ذلك بقوله: ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ يعني: الصبر بصدق نياتهم وهذا يدل على أن التوفيق يصحب صدق النية وهو مثل قوله: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ أ. هـ٢.
_________________
(١) ١ـ جامع البيان ٢٦/٨٥-٨٦، تفسير القرآن العظيم ٦/٣٤١، وانظر تفسير البغوي على الخازن ٦/١٦٣، زاد المسير ٧/٤٣٤-٤٣٥، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٦/٢٧٨، فتح القدير للشوكاني ٥/٥١. ٢ـ أحكام القرآن للجصاص ٣/٣٩٤ والآية رقم ٣٥/من سورة النساء.
[ ١ / ٢٠٧ ]
والسبب الذي كانت من أجله بيعة الرضوان ما ذكره الحافظ ابن حجر حيث قال: "والسبب في ذلك أن النبي ﷺ بعث عثمان ليعلم قريشًا أنه إنما جاء معتمرًا لا محاربًا، ففي غيبة عثمان شاع عندهم أن المشركين تعرضوا لحرب المسلمين فاستعد المسلمون للقتال وبايعهم النبي ﷺ حينئذ تحت الشجرة على أن لا يفروا وذلك في غيبة عثمان، وقيل: بل جاء الخبر بأن عثمان قتل فكان ذلك سبب البيعة"أ. هـ١ وقد بايع النبي ﷺ جميع الصحابة الذين كانوا معه بالحديبية لما أشيع أن عثمان قد قتل ولم يتخلف عن تلك البيعة إلا الجد بن قيس فإنه اختبأ تحت بطن بعيره٢.
وقد سئل الصحابة ﵃ على أي شيء كانت بيعتهم؟ فكانت الإجابة بما يلي:
١- أجاب سلمة بن الأكوع ﵁ بأنهم بايعوا على الموت. فقد روى الإمام البخاري بإسناده إلى يزيد بن أبي عبيد قال: قلت لسلمة بن الأكوع على أي شيء بايعتم رسول الله ﷺ يوم الحديبية قال: على الموت٣.
وروى أيضًا: بإسناده إلى عبد الله بن زيد ﵁ قال: لما كان زمن الحرة أتاه آت فقال له: إن ابن حنظلة يبايع الناس على الموت فقال لا أبايع على ذلك أحدًا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم٤.
٢- وأجاب معقل بن يسار وجابر بن عبد الله ﵄ بأنهم بايعوا على عدم الفرار.
روى الإمام مسلم بإسناده إلى معقل بن يسار قال: لقد رأيتني
_________________
(١) ١ـ فتح الباري ٧/٥٩، ص/٤٤٨، وانظر: السيرة النبوية لابن هشام ٢/٣١٥، تاريخ الأمم والملوك ٢/٦٣١، دلائل النبوة البيهقي ٤/١٣٤، البداية والنهاية لابن كثير ٤/١٨٩، الجامع لأحكام القرآن ١٦/٢٧٦. ٢ـ صحيح مسلم ٣/٨٣. ٣ـ صحيح البخاري ٣/٤٤. ٤ـ صحيح البخاري ٣/٤٤، صحيح مسلم ٣/١٤٨٦.
[ ١ / ٢٠٨ ]
يوم الشجرة والنبي ﷺ يبايع الناس وأنا رافع غصنًا من أغصانها عن رأسه ونحن أربع عشرة مائة قال: "لم نبايعه على الموت ولكن بايعناه على ألا نفر"١.
وروى أيضًا بإسناده إلى جابر بن عبد الله قال: "كنا يوم الحديبية ألفًا وأربعمائة فبايعناه وعمر آخذ بيده تحت الشجرة وهي سمرة وقال: بايعناه على أن لا نفر ولم نبايعه على الموت"٢.
فهذه الأحاديث أوضحت لنا الشيء الذي بايع عليه الصحابة النبي ﷺ يوم الحديبية إلا أن بعضها تفيد أن البيعة كانت على الموت وبعضها يفيد أنهم بايعوا على عدم الفرار، فقد يحس القارئ أن بين هذه الروايات اختلافًا في الشيء الذي كانت البيعة عليه والواقع أنه لا اختلاف بينها.
فقد قال أبو عيسى الترمذي رحمه الله تعالى: "قد بايعه قوم من أصحابه على الموت، وإنما قالوا: "لا نزال بين يديك حتى نقتل، وبايعه آخرون فقالوا لا نفر"٣.
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: "لا تنافي بين قولهم بايعوه على الموت وعلى عدم الفرار لأن المراد بالمبايعة على الموت أن لا يفروا وليس المراد أن يقع الموت ولا بد"٤.
تلك هي البيعة التي استحق بها أصحاب الحديبية رضوان الله تعالى والثناء عليهم بما وقر في قلوبهم من الإيمان والوفاء والصدق وقد رتب تعالى على رضاه عنهم وعلمه بما في قلوبهم ما أنعم به عليهم من سكينة وفتح ومغانم فقال تعالى: ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا * وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ .
_________________
(١) ١ـ صحيح مسلم ٣/١٤٨٥. ٢ـ صحيح مسلم ٣/١٤٨٣. ٣ـ سنن الترمذي ٣/٧٦. ٤ـ فتح الباري ٦/١١٨، وانظر: شرح النووي على صحيح مسلم ١٣/٣.
[ ١ / ٢٠٩ ]
٥- أخبر تعالى عن أهل بيعة الرضوان أنه ألزمهم كلمة التقوى التي هي كلمة التوحيد وأنهم كانوا أحق بها وأهلها، قال تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ ١.
فلقد بين تعالى في هذه الآية أنه ألزم الصحابة ﵃ كلمة التقوى وأكثر المفسرين على أن المراد بكلمة التقوى هي "لا إله إلا الله" وبين أنهم أحق بها من كفار قريش وأنهم كانوا أهلها في علم الله لأن الله تعالى اختار لدينه وصحبة نبيه أهل الخير٢ ذلك هو الثناء في القرآن على الصحابة الذين بايعوا النبي ﷺ بيعة الرضوان الحديبية وقد ورد الثناء عليهم في السنة المطهرة في أحاديث كثيرة ومن ذلك ما يلي:
١- روى الشيخان من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال لنا رسول الله ﷺ يوم الحديبية: "أنتم خير أهل الأرض" وكنا ألفًا وأربعمائة ولو كنت أبصر لأريتكم موضع الشجرة٣.
هذا الحديث صريح في فضل أصحاب الشجرة فقد كان من المسلمين إذ ذاك جماعة بمكة وبالمدينة وبغيرهما وتمسك به بعض الشيعة في تفضيل عليّ على عثمان لأن عليًا كان من جملة من خوطب بذلك وممن بايع تحت الشجرة وكان عثمان حينئذ غائبًا - وهذا التمسك باطل - لأن النبي ﷺ بايع عنه٤ فاستوى معهم عثمان في الخيرية المذكورة، ولم يقصد في الحديث إلى تفضيل
_________________
(١) ١ـ سورة الفتح آية/٢٦. ٢ـ انظر: جامع البيان ٢٦/١٠٣-١٠٦، تفسير البغوي على الخازن ٦/١٧٧، تفسير ابن كثير ٦/٣٤٧. ٣ـ صحيح البخاري ٣/٤٢، صحيح مسلم ٣/١٤٨٥. ٤ـ انظر: صحيح البخاري ٢/٢٩٧.
[ ١ / ٢١٠ ]
بعضهم على بعض"١.
٢- روى الإمام مسلم بإسناده إلى جابر بن عبد الله ﵄ يقول: أخبرتني أم مبشر: أنها سمعت النبي ﷺ يقول عند حفصة: "لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها" قالت: بلى يا رسول الله: فانتهرها فقالت حفصة: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ فقال النبي ﷺ: "قد قال الله ﷿ ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ ٢.
قال النووي رحمه الله تعالى: قوله ﷺ: " لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها" قال العلماء: معناه لا يدخلها أحد منهم قطعًا وإنما قال إن شاء الله للتبرك لا للشك وأما قول حفصة بلى وانتهار النبي ﷺ لها فقالت: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ فقال النبي ﷺ: "وقد قال: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ فيه دليل للمناظرة والجواب على وجه الاسترشاد وهو مقصود حفصة لا أنها أرادت رد مقالته ﷺ والصحيح أن المراد بالورود في الآية المرور على الصراط وهو جسر منصوب على جهنم فيقع فيها أهلها وينجو الآخرون"أ. هـ٣.
٣- وروى الإمام مسلم بإسناده إلى جابر أن عبدًا لحاطب جاء رسول الله ﷺ يشكو حاطبًا فقال: يا رسول الله ليدخلن حاطب النار فقال رسول الله ﷺ: "كذبت لا يدخلها فإنه شهد بدرًا والحديبية" ٤.
هذا الحديث تضمن فضيلة أهل بدر والحديبية وفضيلة حاطب لكونه منهم ﵃ أجمعين.
_________________
(١) ١ـ فتح الباري ٧/٤٤٣. ٢ـ صحيح مسلم ٤/١٩٤٢، والآيتان رقم/٧١-٧٢ من سورة مريم. ٣ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٦/٥٨. ٤ـ صحيح مسلم ٤/١٩٤٢.
[ ١ / ٢١١ ]
٤- وروى الإمام مسلم بإسناده إلى جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: "من يصعد الثنية نثية ١ المرار فإنه يحط عنه ما حط عن بني إسرائيل" قال: فكان أول من يصعدها خيلنا خيل بني الخزرج ثم تتام الناس فقال رسول الله ﷺ: "كلكم مغفور له إلا صاحب الجمل الأحمر". فأتيناه فقلنا له: تعال يستغفر لك رسول الله ﷺ فقال: والله لأن أجد ضالتي أحب إلي من أن يستغفر لي صاحبكم، قال: وكان رجلًا ينشد ضالة له"٢.
وهذا الحديث تضمن فضيلة عظيمة لأصحاب الحديبية ﵃ وتلك الفضيلة مغفرة الله لهم وأكرم بها من فضيلة منحهم إياها الرب - جل وعلا - لإخلاصهم في طاعتهم واستجابتهم لله والرسول بالسمع والطاعة.
٥- روى الإمام أحمد بإسناده إلى يحيى بن سعيد بن فروخ أن أبا سعيد حدثه أن النبي ﷺ لما كان يوم الحديبية قال: "لا توقدوا نارًا بليل" فلما كان بعد ذلك قال: " أوقدوا واصطنعوا فإنه لا يدرك قوم بعدكم صاعكم ولا مدكم" ٣.
فقد بين ﵊ في هذا الحديث أن من يأتي بعد أهل بيعة الرضوان لا يمكن أن يدركهم في فضلهم، ولا في فضل عملهم مهما بلغ من الإخلاص وصدق النية والتحري في عمل الصالحات فلقد فازوا فوزًا عظيمًا ﵃ وأرضاهم ولقد شمل فضل أهل بيعة الرضوان الخليفة الثالث عثمان بن عفان ﵁ وكان غائبًا في المهمة التي بعثه بها الرسول ﷺ إلى أهل مكة.
٦- فقد روى البخاري بإسناده إلى عثمان بن موهب قال: "جاء رجل
_________________
(١) ١ـ ثنية المرار: مهبط الحديبية والمرار: بقلة مرة إذا أكلتها الإبل قلصت عنه مشافرها، معجم البلدان ٥/٩٢، وانظر: شرح النووي على صحيح مسلم ١٧/١٢٦. ٢ـ صحيح مسلم ٤/٢١٤٤-٢١٤٥. ٣ـ مسند الإمام أحمد ٣/٢٦، وأخرجه الحاكم في المستدرك وصححه ووافقه الذهبي ٣/٣٦.
[ ١ / ٢١٢ ]
من أهل مصر وحج البيت فرأى قومًا جلوسًا فقال: من هؤلاء القوم؟ فقالوا: هؤلاء قريش قال: فمن الشيخ فيهم؟ قالوا: عبد الله بن عمر قال: يا ابن عمر إني سائلك عن شيء فحدثني عنه: هل تعلم أن عثمان فرّ يوم أحد؟ قال: نعم فقال: تعلم أنه تغيب عن بدر ولم يشهد؟ قال: نعم قال الرجل: هل تعلم أنه تغيب عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم: قال: الله أكبر قال ابن عمر: تعالى أبين لك، أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه وغفر له وأما تغيبه عن بدر فإنه كان تحته بنت رسول الله ﷺ وكانت مريضة فقال له رسول الله ﷺ: "إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه" وأما تغيبه عن بيعة الرضوان فلو كان أحد أعز من عثمان ببطن مكة لبعثه مكانه فبعث رسول الله ﷺ عثمان وكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة فقال رسول الله ﷺ: "بيده اليمنى: هذه يد عثمان فضرب بها على يده فقال: هذه لعثمان" فقال له ابن عمر: اذهب بها الآن معك"١.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: "الذي يظهر من سياقه أن السائل كان ممن يتعصب على عثمان فأراد بالمسائل الثلاث أن يقرر معتقده فيه ولذلك كبر مستحسنًا لما أجابه ابن عمر قوله "قال ابن عمر: تعال أبين لك" كأن ابن عمر فهم منه مراده لما كبر وإلا لو فهم ذلك من أول سؤاله لقرن العذر بالجواب وحاصله أنه عابه بثلاثة أشياء فأظهر له ابن عمر العذر عن جميعها: أما الفرار فالبعفو وأما التخلف فبالأمر وقد حصل له مقصود من شهد من ترتب الأمرين الدنيوي وهو السهم والأخروي وهو الأجر، وأما البيعة فكان مأذونًا له في ذلك أيضًا: ويد رسول الله ﷺ خير لعثمان من يده كما ثبت ذلك أيضًا: عن عثمان نفسه فيما رواه البزار بإسناد جيد أنه عاتب عبد الرحمن بن عوف فقال له: لم ترفع صوتك علي؟ فذكر الأمور الثلاثة فأجابه عثمان بمثل ما أجاب
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٢/٢٩٧.
[ ١ / ٢١٣ ]
به ابن عمر قال في هذه: فشمال رسول الله ﷺ خير لي من يميني إلى أن قال: قوله: "فقال له ابن عمر اذهب بها الآن معك" أي: أقرن هذا العذر بالجواب حتى لا يبقى لك فيما أجبتك به حجة على ما كنت تعتقده من غيبة عثمان، وقال الطيبي: قال له ابن عمر تهكمًا به أي: توجه بما تمسكت به فإنه لا ينفعك بعدما بينت لك"أ. هـ ١.
تلك هي مناقب أصحاب بيعة الرضوان من صحابة رسول الله ﷺ فقد كانوا ﵃ من أكمل البشرية إيمانًا وعلمًا وطاعة لله ورسوله ولذلك شهد لهم الرسول ﷺ أنهم خير أهل الأرض، وأنهم مغفور لهم، كما شهد لهم ﵊ هم وإخوانهم البدريون بالجنة والنجاة من النار. نسأل الله الكريم المنان أن يميتنا على الإيمان.
_________________
(١) فتح الباري ٧/٥٩.
[ ١ / ٢١٤ ]