المبحث الرابع: بيان انعقاد الإجماع على خلافته ﵁:
لقد أجمع أهل السنة والجماعة سلفًا وخلفًا على أن أحق الناس بالخلافة بعد النبي ﷺ أبو بكر الصديق ﵁ لفضله وسابقته ولتقديم النبي ﷺ إياه في الصلوات على جميع الصحابة وقد فهم أصحاب النبي ﷺ مراد المصطفى ﵊ من تقديمه في الصلاة فأجمعوا على تقديمه في الخلافة ومتابعته ولم يتخلف منهم أحد ولم يكن - الرب جل وعلا - ليجمعهم على ضلالة فبايعوه طائعين وكانوا لأوامره ممتثلين ولم يعارض منهم أحد في تقديمه وما يزعمه الشيعة من أن عليًا تخلف عن بيعته هو والزبير قد قدمنا قريبًا ما يدل على بطلان هذا الزعم من ثبوت بيعتهما في البيعة العامة التي كانت في مسجد رسول الله ﷺ في اليوم الثاني من بيعة السقيفة ومن زعم أن عليًا والزبير ﵄ بايعا ظاهرًا وخالفا باطنًا فقد قال فيهما أقبح القول فهما ﵄ أجل قدرًا وأكبر محلًا من هذا، وقد نقل إجماع الصحابة ومن جاء بعدهم من أهل السنة والجماعة على أن أبا بكر الصديق ﵁ أولى بالخلافة من كل أحد جماعة من أهل العلم المعتبرين.
فقد روى الخطيب البغدادي بإسناده إلى أبي محمد عبد الله بن محمد بن عثمان الحافظ أنه قال: أجمع المهاجرون والأنصار على خلافة أبي بكر قالوا له: يا خليفة رسول الله ولم يسم أحد بعده خليفة، وقيل: إنه قبض النبي ﷺ عن ثلاثين ألف مسلم كل قال لأبي بكر: يا خليفة رسول الله ﷺ ورضوا به من بعده رضي الله عنهم١.
_________________
(١) ١ـ تاريخ بغداد ١٠/١٣٠-١٣١.
[ ٢ / ٥٥٠ ]
وقال أبو الحسن الأشعري: "أثنى الله ﷿ على المهاجرين والأنصار والسابقين إلى الإسلام، ونطق القرآن بمدح المهاجرين والأنصار في مواضع كثيرة وأثنى على أهل بيعة الرضوان فقال ﷿: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ الآية١ قد أجمع هؤلاء الذين أثنى الله عليهم ومدحهم على إمامة أبي بكر الصديق ﵁ وسموه خليفة رسول الله ﷺ وبايعوه وانقادوا له وأقروا له بالفضل وكان أفضل الجماعة في جميع الخصال التي يستحق بها الإمامة من العلم والزهد وقوة الرأي وسياسة الأمة وغير ذلك"٢
وقال أيضًا: بعد أن ذكر آيات من القرآن الكريم استدل بها على خلافة أبي بكر: "ومما يدل على إمامة الصديق ﵁ أن المسلمين جميعًا تابعوه وانقادوا لإمامته ثم رأينا عليًا والعباس قد بايعاه وأجمعا على إمامته فوجب أن يكون إمامًا بعد النبي ﷺ بإجماع المسلمين، ولا يجوز لقائل أن يقول: كان باطن علي والعباس خلاف ظاهرهما، ولو جاز هذا لمدعيه لم يصح إجماع وجاز لقائل أن يقول ذلك في كل إجماع المسلمين وهذا يسقط حجية الإجماع لأن الله ﷿ لم يتعبدنا في الإجماع بباطن الناس وإنما تعبدنا بظاهرهم وإذا كان ذلك كذلك فقد حصل الإجماع والاتفاق على إمامة أبي بكر الصديق"٣.
وقال أبو بكر الباقلاني في معرض ذكره للإجماع على خلافة الصديق ﵁: "وكان ﵁ مفروض الطاعة لإجماع المسلمين على طاعته وإمامته وانقيادهم له حتى قال أمير المؤمنين علي ﵇ مجيبًا لقوله ﵁ لما قال: أقيلوني فلست بخيركم، فقال: لا نقيلك ولا نستقيلك قدمك رسول الله ﷺ لديننا ألا ترضاك لدنيانا يعني بذلك حين قدمه للإمامة في الصلاة مع حضوره واستنابته في إمارة الحج فأمرك علينا وكان ﵁ أفضل الأمة وأرجحهم
_________________
(١) ١ـ سورة الفتح آية/١٨. ٢ـ الإبانة عن أصول الديانة ص/٦٦. ٣ـ المصدر السابق ص/٦٧-٦٨.
[ ٢ / ٥٥١ ]
إيمانًا وأكملهم فهمًا وأوفرهم علمًا"١.
وقال أبو عثمان الصابوني: "ويثبت أهل الحديث خلافة أبي بكر بعد وفاة رسول الله ﷺ باختيار الصحابة واتفاقهم عليه، وقولهم قاطبة: رضيه رسول الله ﷺ لديننا فرضيناه لدنيانا، وقولهم: قدمك رسول الله ﷺ فمن يؤخرك وأرادوا أنه ﷺ قدمك في الصلاة بنا أيام مرضه فصلينا وراءك بأمره فمن ذا الذي يؤخرك بعد تقديمه إياك وكان رسول الله ﷺ يتكلم في شأن أبي بكر في حال حياته مما يبين للصحابة أنه أحق الناس بالخلافة بعده فلذلك اتفقوا عليه واجتمعوا فانتفعوا بمكانه والله وارتفعوا به وارتقوا"٢.
وقال أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي بعد ذكره روايات عدة في مبايعة الصحابة جميعًا بالخلافة لأبي بكر ﵁: "وقد صح بما ذكرنا اجتماعهم على مبايعته مع علي بن أبي طالب فلا يجوز لقائل أن يقول: كان باطن علي أو غيره بخلاف ظاهره فكان علي أكبر محلا وأجل قدرًا من أن يقدم على هذا الأمر العظيم بغير حق أو يظهر للناس خلاف ما في ضميره ولو جاز هذا في اجتماعهم على خلافة أبي بكر لم يصح إجماع قط والإجماع أحد حجج الشريعة ولا يجوز تعطيله بالتوهم والذي روي أن عليًا لم يبايع أبا بكر ستة أشهر ليس من قول عائشة إنما هو من قول الزهري فأدرجه بعض الرواة في الحديث عن عائشة في قصة فاطمة ﵃ وحفظه معمر بن راشد فرواه مفصلًا وجعله من قول الزهري منقطعًا من الحديث وقد روينا في الحديث الموصول عن أبي سعيد الخدري ومن تابعه من المغازي أن عليًا بايعه في بيعة العامة بعد البيعة التي جرت في السقيفة ويحتمل أن عليًا بايعه بيعة العامة كما روينا في حديث أبي سعيد الخدري وغيره، ثم شجر بين فاطمة وأبي بكر كلام بسبب الميراث إذ لم تسمع من رسول الله
_________________
(١) ١ـ الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به ص/٦٥. ٢ـ عقيدة السلف وأصحاب الحديث ضمن مجموعة الرسائل المنيرية ١/١٢٨.
[ ٢ / ٥٥٢ ]
ﷺ في باب الميراث ما سمعه أبو بكر وغيره فكانت معذورة فيما طلبته وكان أبو بكر معذورًا فيما منع فتخلف علي عن حضور أبي بكر حتى توفيت، ثم كان منه تجديد البيعة والقيام بواجباتها كما قال الزهري ولا يجوز أن يكون قعود علي في بيته على وجه الكراهية لإمارته ففي رواية الزهري أنه بايعه بعد وعظم حقه ولو كان الأمر على غير ما قلنا لكانت بيعته آخرًا خطأ، ومن زعم أن عليًا بايعه ظاهرًا وخالفه باطنًا فقد أساء الثناء على علي، وقال فيه أقبح القول وقد قال علي في إمارته وهو على المنبر: ألا أخبركم بخير هذه الأمة بعد نبيها ﷺ قالوا: بلى قال: أبو بكر ثم عمر ونحن نزعم أن عليًا كان لا يفعل إلا ما هو حق ولا يقول إلا ما هو صدق وقد فعل في مبايعة أبي بكر ومؤازرة عمر ما يليق بفضله وعلمه وسابقته وحسن عقيدته وجميل نيته في أداء النصح للراعي والرعية فلا معنى لقول من قال بخلاف ما قال وفعل وقد دخل أبو بكر الصديق على فاطمة في مرض موتها وترضاها حتى رضيت عنه فلا طائل لسخط غيرهما ممن يدعي موالاة أهل البيت ثم يطعن على أصحاب رسول الله ﷺ ويهجن من يواليه ويرميه بالعجز والضعف واختلاف السر والعلانية في القول والفعل وبالله العصمة والتوفيق"١.
وقال عبد الملك الجويني: "أما إمامة أبي بكر ﵁ فقد ثبتت بإجماع الصحابة فإنهم أطبقوا على بذل الطاعة والانقياد لحكمه وما تخرص به الروافض من إبداء علي شراسًا٢ وشماسًا٣ في عقد البيعة له كذب صريح، نعم لم يكن ﵁ في السقيفة وكان مستخليًا بنفسه قد استفزه الحزن على رسول الله ﷺ ثم دخل فيما دخل الناس فيه وبايع أبا بكر على ملأ من الأشهاد"٤.
_________________
(١) ١ـ الاعتقاد ص/١٧٩-١٨٠. ٢ـ الشراس: شدة المعاملة "مختار الصحاح" ص/٣٤٦. ٣ـ شموس: أي صعب الخلق "لسان العرب" ٦/١١١. ٤ـ كتاب الإرشاد ص/٣٦١.
[ ٢ / ٥٥٣ ]
وقال ابن قدامة رحمه الله تعالى: "وهو - أي أبو بكر - أحق خلق الله تعالى بالخلافة بعد النبي ﷺ لفضله وسابقته وتقديم النبي ﷺ له في الصلاة على جميع الصحابة رضوان الله عليهم، وإجماع الصحابة ﵃ على تقديمه ومتابعته ولم يكن الله ليجمعهم على ضلالة"١.
وقال أبو عبد الله القرطبي: "وأجمعت الصحابة على تقديم الصديق بعد اختلاف وقع بين المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة في التعيين حتى قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير فدفعهم أبو بكر وعمر والمهاجرون عن ذلك وقالوا لهم: إن العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش ورووا لهم الخبر في ذلك فرجعوا وأطاعوا لقريش"٢.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في سياق رده على الرافضي: "فلما اتفقوا على بيعته٣ ولم يقل قط أحد: إني أحق بهذا الأمر منه لا قرشي ولا أنصاري فإن من نازع أولًا من الأنصار لم تكن منازعته للصديق بل طلبوا أن يكون منهم أمير ومن قريش أمير وهذه منازعة عامة لقريش، فلما تبين لهم أن هذا الأمر في قريش قطعوا المنازعة وقال لهم الصديق: رضيت لكم أحد هذين الرجلين عمر بن الخطاب وأبي عبيدة بن الجراح قال عمر: فكنت والله أن أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك إلى إثم أحب إلي أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر، وقال له بمحضر الباقين: أنت خيرنا وأفضلنا وأحبنا إلى رسول الله ﷺ وقد ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة، ثم بايعوا أبا بكر من غير طلب منه ولا رغبة بذلتهم ولا رهبة فبايعه الذين بايعوا الرسول تحت الشجرة والذين بايعوه ليلة العقبة، والذين بايعوه لما كانوا يهاجرون إليه والذين بايعوه لما كانوا يسلمون من غير هجرة كالطلقاء وغيرهم، ولم يقل أحد قط: إني أحق بهذا من أبي بكر ولا قاله أحد في
_________________
(١) ١ـ لمعة الاعتقاد ص/٢٧. ٢ـ الجامع لأحكام القرآن ١/٢٦٤. ٣ـ الضمير عائد إلى أبي بكر ﵁.
[ ٢ / ٥٥٤ ]
أحد بعينه إن فلانًا أحق بهذا الأمر من أبي بكر وإنما قال من فيه أثر جاهلية عربية أو فارسية: إن بيت الرسول أحق بالولاية لأن العرب - في جاهليتها - كانت تقدم أهل الرؤساء وكذلك الفرس يقدمون أهل بيت الملك فنقل عمن نقل عنه كلام يشير به إلى هذا وصاحب هذا الرأي لم يكن له غرض في علي بل كان العباس عنده بحكم رأيه أولى من علي، فأما الذين لا يحكمون إلا بحكم الإسلام المحض وهو التقديم بالإيمان والتقوى فلم يختلف منهم اثنان في أبي بكر ولا خالف أحد من هؤلاء ولا هؤلاء وفي أنه ليس في القوم أعظم إيمانًا وتقوى من أبي بكر فقدموه مختارين له مطيعين فدل على كمال إيمانهم وتقواهم واتباعهم لما بعث الله به نبيهم من تقديم الأتقى فالأتقى وكان ما اختاره الله لنبيه ﷺ ولهم أفضل لهم والحمد لله على أن هدى هذه الأمة وعلى أن جعلنا من أتباعهم"١
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: "قد اتفق الصحابة ﵃ على بيعة الصديق حتى علي بن أبي طالب والزبير بن العوام ﵄"٢.
وقال يحيى بن أبي بكر العامري رحمه الله تعالى: "وقد كانت بيعته إجماعًا من الصحابة الذين هم أعرف بالحال وأدرى بصحة الدليل في المقال والإجماع حجة قطعية من غيرهم فما ظنك بهم"٣.
فهذه النقول للإجماع عمن تقدم ذكره من الأئمة كلها وضحت أن أهل السنة والجماعة أجمعوا على أن أبا بكر الصديق ﵁ هو الأحق بالخلافة بعد النبي ﷺ لإجماع الصحابة على إمامته وانقيادهم له جميعًا وإطباقهم على مخاطبتهم له بالخلافة فقالوا بأجمعهم: يا خليفة رسول الله وما حصل عليه الإجماع لا يكون إلا حقًا فهذا سبيل المؤمنين أهل السنة والجماعة في خلافة أبي بكر الصديق ﵁ فلا يجوز لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتبع سبيلًا غيره.
_________________
(١) ١ـ منهاج السنة ٣/٢٦٩-٢٧٠. ٢ـ البداية والنهاية ٦/٣٤٠. ٣ـ الرياض المستطابة في جملة من روى في الصحيحين من الصحابة ص/١٤٢-١٤٣.
[ ٢ / ٥٥٥ ]