اختلف أهل العلم في الحكم والعقوبة التي يستحقها من سب أصحاب رسول الله ﷺ أو جرحهم هل يكفر بذلك وتكون عقوبته القتل، أو أنه يفسق بذلك ويعاقب بالتعزير.
١- ذهب جمع من أهل العلم إلى القول بتكفير من سب الصحابة ﵃ أو انتقصهم وطعن في عدالتهم وصرح ببغضهم وأن من كانت هذه صفته أباح دم نفسه وحل قتله، إلا أن يتوب من ذلك ويترحم عليهم.
وممن ذهب إلى هذا القول من السلف الصحابي الجليل عبد الرحمن بن أبزى١ وعبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي٢ وأبو بكر بن عياش٣ وسفيان بن عيينة٤ ومحمد بن يوسف الفريابي٥ وبشر بن الحارث المروزي٦ ومحمد بن بشار العبدي٧ وغيرهم كثير، فهؤلاء الأئمة صرحوا بكفر من سب الصحابة وبعضهم صرح مع ذلك أنه يعاقب بالقتل، وإلى هذا القول ذهب بعض العلماء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية.
_________________
(١) ١ـ انظر كتاب النهي عن سب الأصحاب وما فيه من الإثم والعقاب ص/٢٣، فتاوى السبكي ٢/٥٨٠. ٢ـ انظر الشرح والإبانة لابن بطة ص/١٦٢. ٣ـ المصدر السابق ص/١٦٠. ٤ـ كتاب النهي عن سب الأصحاب وما فيه من الإثم والعقاب ص/٢٤-٢٥. ٥ـ الشرح والإبانة ص/١٦٠، الصارم المسلول على شاتم الرسول ص/٥٧٠. ٦ـ الشرح والإبانة ص/١٦٢. ٧ـ المصدر السابق ص/١٦٠.
[ ٢ / ٨٥٦ ]
قال الإمام الطحاوية في عقيدته: "وحبهم - أي الصحابة ﵃ دين وإيمان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان"١ ومن سبهم وطعن فيهم فقد زاد على بغضهم. وقال السرخسي٢ وهو أحد كبار علماء الحنفية: "فأما من طعن في السلف من نفاة القياس لاحجاجهم بالرأي في الأحكام فكلامه كما قال الله تعالى: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا﴾ ٣ لأن الله تعالى أثنى عليهم في غير موضع من كتابه، كما قال الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ ٤ ورسول الله ﷺ وصفهم بأنهم خير الناس فقال: "خير الناس قرني الذي أنا فيهم"٥، والشريعة بلغتنا بنقلهم، فمن طعن فيهم فهو ملحد منابذ للإسلام، دواءه السيف إن لم يتب"٦.
وقال الحميدي القرشي تلميذ الشافعي وشيخ البخاري موضحًا العقيدة التي يجب على المسلم أن يلتزمها: "والسنة عندنا أن يؤمن الرجل بالقدر خيره وشره حلوه ومره".. إلى أن قال: "والترحم على أصحاب محمد ﷺ كلهم فإن الله ﷿ قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ﴾ فلم نؤمر إلا بالاستغفار لهم فمن سبهم أو بعضهم أو أحدًا منهم، فليس على السنة وليس له في الفيء حق أخبرنا بذلك غير واحد عن مالك بن أنس أنه قال: قسم الله الفيء فقال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ
_________________
(١) ١ـ شرح الطحاوية ص/٥٢٨. ٢ـ هو محمد بن أحمد بن سهل أبو بكر قاضي من كبار الأحناف مجتهد من أهل فارس سرخس "في خراسان" توفي سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة هجرية. انظر ترجمته في الفوائد البهية في تراجم الحنفية، ص/١٥٨-١٥٩، الأعلام للزركلي ٦/٢٠٨. ٣ـ سورة الكهف آية/٥. ٤ـ سورة الفتح آية/٢٩. ٥ـ انظر صحيح البخاري ٢/٢٨٧-٢٨٩، صحيح مسلم ٤/١٩٦٣-١٩٦٥. ٦ـ أصول السرخسي ٢/١٣٤.
[ ٢ / ٨٥٧ ]
أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا﴾ الآية فمن لم يقل هذا لهم فليس ممن جعل له الفيء"١.
وقد تقدم في المبحث الذي قبل هذا عن الإمام مالك أنه قال: "والذي يشتم أصحاب رسول الله ﷺ ليس له سهم، أو قال: نصيب في الإسلام"٢.
وقال القرطبي بعد أن ذكر قول مالك: "من أصبح من الناس في قلبه غيظ على أحد من أصحاب رسول الله ﷺ فقد أصابته هذه الآية ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ ٣ قال: "لقد أحسن مالك في مقالته وأصاب في تأويله، فمن نقص واحدًا منهم أو طعن عليه في روايته فقد رد على الله رب العالمين وأبطل شرائع المسلمين"٤.
وقد ذكر القاضي عياض عن بعض المالكية أنه ذهب إلى أن عقوبة ساب الصحابة أنه يقتل حيث قال: "وقال بعض المالكية يقتل"٥.
وذكر الألوسي أن القاضي حسين٦ من علماء الشافعية ذهب إلى أن سب الشيخين كفر وإن لم يكن بما فيه إكفارهما - ثم قال - وإلى ذلك ذهب معظم الحنفية٧.
_________________
(١) ١ـ مسند الحميدي ٢/٥٤٦. ٢ـ الشرح والإبانة ص/١٦٢. ٣ـ سورة الفتح آية/٢٩. ٤ـ الجامع لأحكام القرآن ١٦/٢٩٧. ٥ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٦/٩٣. ٦ـ هو أبو علي الحسين بن محمد بن أحمد المروزي ويقال له أيضًا المرورذي بالذال المعجمة وتشديد الراء الثانية وتخفيفها - قال النووي: "وهو القاضي حسين من أصحابنا ويأتي كثيرًا معرفًا بالقاضي حسين وكثيرًا مطلقًا القاضي فقط كان كبير القدر مرتفع الشأن" توفي سنة اثنتين وستين وأربعمائة ﵀. انظر ترجمته في تهذيب الأسماء واللغات ١/١٦٤-١٦٥. ٧ـ الأجوبة العراقية ص/٥٠.
[ ٢ / ٨٥٨ ]
وقال الإمام الذهبي مبينًا حكم الطاعن في الصحابة والساب لهم: "فمن طعن فيهم أو سبهم فقد خرج من الدين ومرق من ملة المسلمين لأن الطعن لا يكون إلا عن اعتقاد مساويهم وإضمار الحقد فيهم وإنكار ما ذكره الله تعالى في كتابه من ثنائه عليهم وما لرسول الله ﷺ من ثنائه عليهم وفضائلهم ومناقبهم وحبهم ولأنهم أرضى الوسائل من المأثور والوسائط من المنقول والطعن في الوسائط طعن في الأصل والإزدراء بالناقل ازدراء بالمنقول وهذا ظاهر لمن تدبره وسلم من النفاق ومن الزندقة والألحاد في عقيدته"١.
وقد ذكر الحافظ ابن حجر اختلاف أهل العلم في عقوبة ساب الصحابة ونص على أن بعض الشافعية يرى قتله، فقد قال ﵀: "واختلف في ساب الصحابي، فقال عياض: ذهب الجمهور إلى أنه يعزر، وعن بعض المالكية يقتل٢ وخص بعض الشافعية ذلك بالشيخين والحسنين فيحكى القاضي حسين في ذلك وجهين: وقواه السبكي في حق من كفر الشيخين، وكذا من كفر من صرح النبي ﷺ بإيمانه أو تبشيره بالجنة إذا تواتر الخبر بذلك عنه لما تضمن من تكذيب رسول الله ﷺ"٣أ. هـ
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى مبينًا أن من علماء الحنابلة من ذهب إلى القول بتكفير من يعتقد سب الصحابة حيث قال: "وصرح جماعات من أصحابنا بكفر الخوارج المعتقدين البراءة من علي وعثمان وبكفر الرافضة المعتقدين لسب جميع الصحابة الذين كفروا الصحابة وفسقوهم وسبوهم - ثم قال - وقال أبو بكر عبد العزيز٤ في المقنع: فأما الرافضي فإن
_________________
(١) ١ـ الكبائر ص/٢٣٥. ٢ـ انظر شرح النووي ١٦/٩٣. ٣ـ فتح الباري ٧/٣٦، وانظر تحفة الأحوذي ١٠/٣٦٨، وانظر فتاوى السبكي ٢/٥٨٠. ٤ـ هو الإمام عبد العزيز بن جعفر بن أحمد يزداد بن معروف أبو بكر المعروف بغلام الخلال كان أحد أهل الفهم موثوقًا به في العلم، متسع الرواية مشهورًا بالديانة توفي سنة ثلاثة وستين وثلاثمائة =
[ ٢ / ٨٥٩ ]
كان يسب فقد كفر فلا يزوج ولفظ بعضهم وهو الذي نصره القاضي أبو يعلى١ أنه إن سبهم سبًا يقدح في دينهم وعدالتهم كفر بذلك، وإن سبهم سبًا يقدح - مثل أن يسب أبا أحدهم أو يسبه سبًا يقصد به غيظه ونحو ذلك لم يكفر"٢.
وجاء في كتاب "الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف"٣: "وقال في نهاية المبتدي: "من سب صحابيًا كفر وإلا فسق، وقيل: وعنه يكفر"أ. هـ
وأما أبو محمد بن حزم الظاهري فإنه ذهب إلى أن ساب الصحابة لا بد من تعليمه وتعريفه أولًا بما يجب للصحابة، فإن تمادى بعد ذلك يكون فاسقًا، وأما إذا عاند ما جاء عن الله ورسوله فيهم، فهنا يكون كافرًا مشركًا حيث قال: "حكمه - أي: ساب الصحابة - أن يعلم ويعرف، فإن تمادى فهو فاسق وإن عاند في ذلك الله تعالى أو رسوله ﷺ فهو كافر مشرك"أ. هـ٤
فهذه النقول فيها توضيح أن طائفة من أهل العلم يرون كفر ساب الصحابة ومنهم من قرن هذا الحكم عليه أن يعاقب معه بقتله.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وقد قطع طائفة من الفقهاء من أهل الكوفة وغيرهم بقتل من سب الصحابة وكفر الرافضة"٥. وقد استدل أصحاب هذا القول بأمور منها:-
_________________
(١) = انظر ترجمته في طبقات الحنابلة ٢/١١٩-١٢٧. ١ـ هو محمد بن الحسين بن خلف بن الفراء أبو يعلى عالم عصره في الأصول والفروع وأنواع الفنون من أهل بغداد ارتفعت مكانته عند القادر والقائم العباسيين ولد سنة ثمانين وثلاثمائة، وتوفي سنة ثمان وخمسين وأربعمائة. انظر ترجمته في طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى ٢/١٩٣-٢٣٠، تاريخ بغداد ٢/٢٥٦، شذرات الذهب ٣/٣٠٦، الأعلام للزركلي ٦/٣٣١. ٢ـ الصارم المسلول على شاتم الرسول ص/٥٧٠. ٣ـ ١٠/٣٢٤. ٤ـ الإحكام في أصول الأحكام ١/١٤٩. ٥ـ الصارم المسلول على شاتم الرسول ص/٥٦٩-٥٧٠.
[ ٢ / ٨٦٠ ]
١- إن سب الصحابة وانتقاصهم والطعن فيهم إيذاء لرسول الله ﷺ وانتقاص له وحط من مكانته ﵊، لأنهم أصحابه الذين رباهم وزكاهم وذكرهم بخير وأوصى بهم خيرًا ومن المعلوم أن إيذاء النبي ﷺ كفر فيكون سب أصحابه كفرًا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأذى الله ورسوله كفر موجب للقتل، كما تقدم، وبهذا يظهر الفرق بين أذاهم قبل استقرار الصحبة وأذى سائر الناس وبين أذاهم بعد صحبتهم له، فإنه على عهد قد كان الرجل ممن يظهر الإسلام يمكن أن يكون منافقًا ويمكن أن يكون مرتدًا، فأما إذا مات مقيمًا على صحبة النبي ﷺ وهو غير مزنون١ بنفاق فأذاه أذى مصحوبه قال عبد الله بن مسعود: اعتبروا الناس بأخدانهم، وقالوا:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي
وقال مالك ﵁: "إنما هؤلاء أقوام أرادوا القدح في النبي ﵊، فلم يمكنهم ذلك فقدحوا في أصحابه حتى يقال: رجل سوء ولو كان رجلًا صالحًا لكان أصحابه صالحين، أو كما قال، وذلك أنه ما منهم رجل إلا كان ينصر الله ورسوله ويذب عن رسول الله ﷺ بنفسه وماله ويعينه على إظهار دين الله وإعلاء كلمة الله وتبليغ رسالات الله وقت الحاجة، وهو حينئذ لم يستقر أمره ولم تنتشر دعوته ولم تطمئن قلوب أكثر الناس بدينه، ومعلوم أن رجلًا لو عمل به بعض الناس نحو هذا ثم آذاه أحد لغضب له صاحبه، وعد ذلك أذى له وإلى هذا أشار ابن عمر، قال نسير بن ذعلوق٢: سمعت ابن عمر ﵁ يقول: "لا تسبوا أصحاب محمد، فإن مقام أحدهم خير من عملكم كله" رواه اللالكائي، وكأنه أخذه من قول النبي ﷺ:
_________________
(١) ١ـ أي: غير متهم. انظر النهاية في غريب الحديث ٢/٣١٦. ٢ـ هو نسير بن ذعلوق - بضم المعجمة واللام - بينهما مهملة ساكنة، الثوري مولاهم، أبو طعمة الكوفي صدوق لم يصب من ضعفه من الرابعة. التقريب ٢/٢٩٨.
[ ٢ / ٨٦١ ]
"لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم أو نصيفه"١، وهذا تفاوت عظيم جدًا٢.
٢- إن الطعن في الصحابة والتجريح لهم مفاده إبطال جميع أحكام الشريعة الإسلامية إذ هم نقلتها والمبلغون لها.
قال عمر بن حبيب بن محمد العدوي مخاطبًا هارون الرشيد عندما جرت مسألة في مجلسه تنازعها الحاضرون واحتج بعضهم بحديث يرويه أبو هريرة ﵁، فقال قائلون منهم: لا يقبل الحديث لأن أبا هريرة متهم فيما يرويه، ودافع عنه عمر بن حبيب ومن ضمن ما قاله للرشيد: "إذا كان أصحابه كذابين فالشريعة باطلة، والفرائض والأحكام في الصيام والصلاة والطلاق والنكاح والحدود كله مردود غير مقبول"٣. فاقتنع الرشيد بقوله وأيده عليه.
وقال القرطبي: "فمن نقص واحدًا منهم أو طعن عليه في روايته فقد رد على الله رب العالمين وأبطل شرائع المسلمين"٤.
٣- إن الطعن في الصحابة يؤدي إلى إنكار ما قام عليه الإجماع "قبل ظهور المخالف من فضلهم وشرفهم ومصادمة المتواتر من الكتاب والسنة الدالين على أن لهم الزلفى من ربهم"٥.
ولا شك أن من يعارض كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ولم يقبل ما دلا عليه فإنه على خطر عظيم، بل إنه لو أنكر حرفًا من القرآن فإن ذلك يخرجه من الإسلام، ويدخله في الكفر والعياذ بالله.
_________________
(١) ١ـ انظر صحيح البخاري ٢/٢٩٢. ٢ـ الصارم المسلول على شاتم الرسول ص/٥٨٠. ٣ـ الجامع لأحكام القرآن ١٦/٢٩٩. ٤ـ المصدر السابق ١٦/٢٩٧. ٥ـ الأجوبة العراقية ص/٤٩.
[ ٢ / ٨٦٢ ]
قال محمد صديق حسن خان: "من خالف الله ورسوله في أخبارهما وعصاهما بسوء العقيدة في خلص عباده، ونخبة عباده فكفره بواح لا سترة عليه"١.أ. هـ
٤- ما رواه الشيخان في صحيحيهما من حديث أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: "آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار" ٢.
ورويا أيضًا: من حديث البراء بن عازب عن النبي ﷺ أنه قال في الأنصار: "لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق، من أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله" ٣.
وعند مسلم من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر" ٤.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "فمن سبهم فقد زاد على بغضهم، فيجب أن يكون منافقًا لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، وإنما خص الأنصار - والله أعلم - لأنهم هم الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبل المهاجرين وآووا رسول الله ﷺ ونصروه ومنعوه، وبذلوا في إقامة الدين النفوس والأموال وعادوا الأحمر والأسود من أجله وآووا المهاجرين وواسوهم في الأموال، وكان المهاجرون إذ ذاك قليلًا غرباء فقراء مستضعفين، ومن عرف السيرة وأيام رسول الله ﵊ وما قاموا به من الأمر، ثم كان مؤمنًا يحب الله ورسوله، لم يملك أن لا يحبهم، كما أن المنافق لا يملك أن لا يبغضهم وأراد بذلك - والله أعلم - أن يعرف الناس قدر الأنصار لعلمه بأن الناس يكثرون
_________________
(١) ١ـ الدين الخالص ٣/٣٨٢. ٢ـ صحيح البخاري ١/١٢، صحيح مسلم ١/٨٥. ٣ـ صحيح البخاري ٢/٣١٠، صحيح مسلم ١/٨٥. ٤ـ صحيح مسلم ١/٨٦.
[ ٢ / ٨٦٣ ]
والأنصار يقلون وأن الأمر سيكون في المهاجرين فمن شارك الأنصار في نصر الله ورسوله ﷺ بما أمكنه فهو شريكهم في الحقيقة، كما تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ﴾ ١ فبغض من نصر الله ورسوله من أصحابه نفاق"أ. هـ٢.
هذه بعض أدلة الفريق الأول من أهل العلم التي استدلوا بها على ما ذهبوا إليه من أن ساب الصحابة يكفر بسبه وانتقاصه لهم وطعنه في عدالتهم.
٢- ذهب فريق آخر من أهل العلم إلى أن ساب الصحابة لا يكفر بسبهم بل يفسق ويضلل ولا يعاقب بالقتل، بل يكتفي بتأديبه وتعزيره تعزيرًا شديدًا يردعه ويزجره حتى يرجع عن ارتكاب هذا الجرم الذي يعتبر من كبائر الذنوب وفواحش المحرمات، وإن لم يرجع تكرر عليه العقوبة حتى يظهر التوبة.
فقد روى اللالكائي: عن الحارث بن عتبة، قال: إن عمر بن عبد العزيز أتي برجل سب عثمان، فقال: ما حملك على أن سببته؟، قال: أبغضه، قال: وإن أبغضت رجلًا سببته؟، قال: فأمر به فجلد ثلاثين سوطًا٣.
وروى الإمام أحمد حدثنا أبو معاوية حدثنا عاصم٤ الأحول قال: أتيت برجل قد سب عثمان، قال: فضربته عشرة أسواط، قال: ثم عاد لما قال، فضربته عشرة أخرى، قال فلم يزل يسبه حتى ضربته سبعين سوطًا"٥.
وممن ذهب من الأئمة إلى ما ذهب إليه عمر بن عبد العزيز وعاصم الأحول
_________________
(١) ١ـ سورة الصف آية/١٤. ٢ـ الصارم المسلول على شاتم الرسول ص/٥٨١-٥٨٢. ٣ـ ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في المصدر السابق ص/٥٦٩. ٤ـ هو: عاصم بن سليمان الأحول أبو عبد الرحمن البصري ثقة من الرابعة لم يتكلم فيه إلا القطان وكأنه بسبب دخوله في الولاية، مات سنة أربعين ومائة هجرية. التقريب ١/٣٨٤، التهذيب: ٥/٤٢-٤٣. ٥ـ ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه الصارم المسلول ص/٥٦٩.
[ ٢ / ٨٦٤ ]
الإمام مالك والإمام أحمد وكثير من العلماء ممن جاء بعدهما.
قال القاضي عياض مبينًا ما ذهب إليه الإمام مالك وبعض علماء المالكية في هذه المسألة: "وقد اختلف العلماء في هذا، فمشهور مذهب مالك في ذلك الاجتهاد والأدب الموجع، قال مالك ﵀: "من شتم النبي ﷺ قتل، ومن شتم أصحابه أدب" وقال أيضًا: من شتم أحدًا من أصحاب النبي ﷺ أبا بكر أو عمر أو عثمان أو معاوية أو عمرو بن العاص فإن قال: كانوا على ضلال وكفر، قتل، وإن شتمهم بغير هذا من مشاتمة الناس نكل نكالًا شديدًا.
وقال ابن حبيب١: "من غلا من الشيعة إلى بغض عثمان والبراءة منه أدب أدبًا شديدًا ومن زاد إلى بغض أبي بكر وعمر فالعقوبة عليه أشد ويكرر ضربه ويطال سجنه حتى يموت ولا يبلغ به القتل إلا في سب النبي ﷺ"أ. هـ٢
قال إسحاق بن راهوية: "من شتم أصحاب النبي ﷺ يعاقب ويحبس"٣.
وقال سحنون٤: من كفر أحدًا من أصحاب النبي ﷺ عليًا أو عثمان أو غيرهما يوجع ضربًا.
وحكى أبو محمد بن أبي زيد عن سحنون فيمن قال في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي إنهم كانوا على ضلال وكفر قتل، ومن شتم غيرهم
_________________
(١) ١ـ هو: عبد الملك بن حبيب بن سليمان بن هارون السلمي الألبيري القرطبي أبو مروان عالم الأندلس، وفقيهها في عصره، ولد سنة أربع وسبعين ومائة وتوفي سنة ثمان وثلاثين ومائتين. انظر ترجمته في الديباج المذهب ص/١٥٤-١٥٦، ميزان الاعتدال ٢/٦٥٢، الأعلام ٤/٣٠٢. ٢ـ الشفاء ٢/٢٦٧. ٣ـ ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه الصارم المسلول على شاتم الرسول ص/٥٦٨. ٤ـ هو: عبد السلام بن سعيد بن حبيب التنوخي من علماء المالكية، توفي سنة أربعين ومائتين هجرية. انظر: ترجمته في الديباج المذهب ص/١٦٠-١٦٦، وفيات الأعيان ٣/١٨٠، ١٨٢، الأعلام ٤/١٢٩.
[ ٢ / ٨٦٥ ]
من الصحابة بمثل هذا نكل النكال الشديد"١.
وقال الإمام أحمد ﵀: "ومن السنة ذكر محاسن أصحاب رسول الله ﷺ كلهم أجمعين، والكف عن الذي جرى بينهم، فمن سب أصحاب رسول الله ﷺ أو واحدًا منهم فهو مبتدع رافضي حبهم سنة، والدعاء لهم قربة والاقتداء بهم وسيلة والأخذ بآثارهم فضيلة لا يجوز لأحد أن يذكر شيئًا من مساويهم ولا يطعن على أحد منهم، فمن فعل ذلك فقد وجب على السلطان تأديبه وعقوبته ليس له أن يعفو عنه، بل يعاقبه ثم يستتيبه، فإن تاب قبل منه، وإن لم يتب أعاد عليه العقوبة وخلده في الحبس حتى يتوب ويراجع"٢.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن ساق قول أحمد هذا: "وحكى الإمام أحمد هذا عمن أدركه من أهل العلم وحكاه الكرماني عنه وعن إسحاق والحميدي وسعيد بن منصور وغيرهم.
وقال الميموني: سمعت أحمد يقول ما لهم ولمعاوية؟، نسأل الله العافية، وقال لي: يا أبا الحسن: إذا رأيت احدًا يذكر أصحاب رسول الله ﷺ بسوء، فاتهمه على الإسلام" فقد نص ﵁ على وجوب تعزيره واستتابته حتى يرجع بالجلد، وإن لم ينته حبس حتى يموت أو يراجع، وقال: ما أراه على الإسلام وقال: وأتهمه على الإسلام، وقال: أجبن عن قتله".
وقال ﵀ بعد قول إسحاق بن راهوية المتقدم: "وهذا قول كثير من أصحابنا منهم ابن أبي موسى، قال: ومن سب السلف من الروافض فليس بكفؤ ولا يزوج، وهذا في الجملة قول عمر بن عبد العزيز وعاصم الأحول وغيرهما من التابعين"٣.
_________________
(١) ١ـ الشفاء للقاضي عياض ٢/١٦٧. ٢ـ السنة للإمام أحمد ص/١٧، الصارم المسلول ص/٥٦٨، طبقات الحنابلة ١/٣٠. ٣ـ الصارم المسلول على شاتم الرسول ص/٥٦٨.
[ ٢ / ٨٦٦ ]
وفي مسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد الله أنه قال: سألته عمن شتم رجلًا من أصحاب النبي ﷺ، ﵃؟ فقال أبي: أرى أن يضرب، فقلت له حد؟ فقال: فلم يقف على الحد إلا أنه قال: يضرب وقال: ما أراه إلا متهمًا على الإسلام"١.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: قال أحمد في رواية أبي طالب في الرجل يشتم عثمان: هذا زندقة، وقال في رواية المروزي: "من شتم أبا بكر وعمر وعائشة ما أراه على الإسلام".
قال القاضي أبو يعلى: فقد أطلق القول فيه أنه يكفر بسبه لأحد من الصحابة وتوقف في رواية عبد الله وأبي طالب عن قتله، وكمال الحد وإيجاب التعزير يقتضي أنه لم يحكم بكفره، قال: فيحتمل أن يحمل قوله: "ما أراه على الإسلام" إذا استحل سبهم بأنه يكفر بلا خلاف ويحمل إسقاط القتل على من لم يستحل ذلك بل فعله مع اعتقاده لتحريمه كمن يأتي المعاصي قال: ويحتمل قوله: "ما أراه على الإسلام على سب يطعن في عدالتهم نحو قوله: ظلموا، وفسقوا بعد النبي ﷺ وأخذوا الأمر بغير حق ويحمل قوله في إسقاط القتل على سب لا يطعن في دينهم نحو قوله: كان فيهم قلة علم، وقلة معرفة بالسياسة والشجاعة، وكان فيهم شح ومحبة للدينا، ونحو ذلك، قال: ويحتمل أن يحمل كلامه على ظاهره فتكون في سابهم روايتان: إحداهما يكفر، والثانية يفسق، وعلى هذا استقر قول القاضي وغيره، حكوا في تكفيرهم روايتين"٢.
وقال ملا علي القاري حاكيًا الإجماع في حكم سب الصحابة: "من سب أحدًا من الصحابة فهو فاسق ومبتدع بالإجماع، إلا إذا اعتقد أنه مباح أو يترتب عليه ثواب كما عليه بعض الشيعة أو اعتقد كفر الصحابة فإنه كافر
_________________
(١) ١ـ مسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد الله ص/٤٣١، تحقيق: زهير الشاويش. ٢ـ الصارم المسلول على شاتم الرسول ص/٥٧١.
[ ٢ / ٨٦٧ ]
بالإجماع"أ. هـ١
فهذه النقول فيها توضيح أن طائفة من أهل العلم ومنهم عمر بن عبد العزيز وعاصم الأحول والإمام مالك وأحمد وكثير من الفقهاء ذهبوا إلى أن ساب الصحابة فاسق ومبتدع ليس كافرًا، يجب على السلطان تأديبه تأديبًا شديدًا لا يبلغ به القتل.
واستدلوا لما ذهبوا إليه بأدلة منها: -
١- ما رواه الشيخان في صحيحيهما من أن النبي ﷺ قال لخالد بن الوليد وقد سب عبد الرحمن بن عوف: "لا تسبوا أصحابي.. الحديث"٢.
ووجه الدلالة من هذا الحديث أن سب الصحابة وقع على عهد الرسول ﷺ وسمع ذلك، فلم يقل أن الساب كافر ولا أهدر دمه وإنما اكتفى ﷺ بالنهي عن ذلك.
٢- ما رواه الإمام أحمد بإسناده إلى أبي برزة الأسلمي قال: "أغلظ رجل لأبي بكر الصديق ﵁، قال: فقال أبو برزة ألا أضرب عنقه، قال: فانتهره وقال: ما هي لأحد بعد رسول الله ﷺ"٣.
٣- إن الله تعالى ميز بين مؤذي الله ورسوله ومؤذي المؤمنين فجعل الأول ملعونًا في الدنيا والآخرة، وقال في الثاني: ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ ٤، ومطلق البهتان والإثم ليس بموجب للقتل وإنما هو موجب للعقوبة في الجملة، فتكون عليه عقوبة مطلقة، ولا يلزم من العقوبة جواز القتل،
_________________
(١) ١ـ ذكره ابن عابدين في كتاب تنبيه الولاة والحكام ضمن مجموعة رسائله ١/٣٦٧. ٢ـ صحيح البخاري ٢/٢٩٢، صحيح مسلم ٤/١٩٦٧. ٣ـ المسند ١/٩، مسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد الله ص/٤٣١، سنن النسائي ٧/١٠٩. ٤ـ سورة النساء آية/١١٢.
[ ٢ / ٨٦٨ ]
ولأن النبي ﵊ قال: "لا يحل دم امريء مسلم يشهد ن لا إله إلا الله إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنى بعد إحصان، أو رجل قتل نفسًا فيقتل بها" ١.
ومطلق السب لغير الأنبياء لا يستلزم الكفر، لأن بعض من كان على عهد النبي ﵊ كان ربما سب بعضهم بعضًا، ولم يكفر أحد بذلك ولأن أشخاص الصحابة لا يجب الإيمان بهم بأعيانهم، فسب الواحد لا يقدح في الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر"٢.
هذه أدلة من ذهب من أهل العلم إلى أن ساب الصحابة غير كافر ولا مهدور الدم وإنما يفسق ويضلل ويبدع، هذا ما قرره أهل العلم في حكم ساب الصحابة، فقد اختلفوا في حكمه كما تقدم على قولين، فمن قائل بأنه كافر يجب قتله ومن قائل بأنه فاسق مبتدع يعاقب بما دون القتل، وكل له أدلة على ما ذهب إليه، والقول الذي تطمئن إليه النفس ويرتاح إليه قلب المؤمن أن من أبغضهم جميعًا أو أكثرهم أو سبهم سبًا يقدح في دينهم وعدالتهم، فإنه يكفر بهذا لأن هذا يؤدي إلى إبطال الشريعة بكاملها، أو أكثرها لأن الصحابة هم الناقلون لها، ومن اعتقد أنهم مجروحون وغير عدول فقد طعن في تلك الواسطة التي تلقت الشريعة عن المصطفى ﷺ، ومن المستحيل أن تطمئن النفوس إلى شريعة نقلتها مطعون فيهم مجروحون.
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: "وكذلك نقطع بتكفير كل قائل قال قولًا يتوصل به إلى تضليل الأمة وتكفير جميع الأمة بعد النبي ﷺ إذ لم تقدم عليًا، وكفرت عليًا إذ لم يتقدم ويطلب حقه في التقديم فهؤلاء قد كفروا من وجوه لأنهم أبطلوا الشريعة بأسرها، إذ قد انقطع نقلها ونقل القرآن إذ ناقلوه
_________________
(١) ١ـ انظر صحيح البخاري ٤/١٨٨، صحيح مسلم ٣/١٣٠٢-١٣٠٣. ٢ـ الصارم المسلول ص/٥٧٨-٥٧٩.
[ ٢ / ٨٦٩ ]
كفرة على زعمهم وإلى هذا والله أعلم أشار مالك في أحد قوليه بقتل من كفر الصحابة، ثم كفروا من وجه آخر بسبهم النبي ﷺ على مقتضى قولهم وزعمهم أنه عهد إلى علي ﵁ وهو يعلم أنه يكفر بعده على قولهم١ لعنة الله عليهم وصلى الله على رسوله وآله"٢أ. هـ
وكذا يكفر من أبغض واحدًا من الصحابة أو أكثر لأمر يرجع إلى الصحبة أو النصرة لرسول الله ﷺ أو الجهاد معه إذ هذا يؤدي إلى إيذاء الرسول ﷺ، وأما إذا كان البغض لأمر لا يرجع إلى الصحبة ولا إلى النصرة فحكم هذا أنه فاسق مبتدع على الحاكم أن ينكل به نكالًا شديدًا لا يبلغ به القتل حتى يظهر التوبة ويرجع عن طعنه في صحابة رسول الله ﷺ ويعرف لهم حقهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "من لعن أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ ورضي الله عنهم كمعاوية وعمرو بن العاص أو من هو أفضل من هؤلاء كأبي موسى الأشعري وأبي هريرة أو من هو أفضل من هؤلاء كطلحة والزبير وعثمان أو علي أو أبي بكر أو عمر أو عائشة أو نحو هؤلاء من أصحاب النبي ﷺ ورضي الله عنهم فإنه يستحق العقوبة البليغة باتفاق المسلمين"أ. هـ٣.
مطلب في حكم ساب أزواجه ﷺ وعقوبته:
إن أمهات المؤمنين ﵅ وأرضاهن داخلات في عموم الصحابة ﵃ لأنهن منهم، وكل ما جاء في تحريم سب الصحابة من آيات قرآنية وأحاديث نبوية فإن ذلك يشملهن ولما لهن من المنزلة العظيمة وقوة قرابتهن من
_________________
(١) ١ـ تكفير جميع الأمة من عقائد الكاملية إحدى فرق الشيعة أتباع رجل من الرافضة يعرف بأبي كامل. انظر "مقالات الإسلاميين" ١/٨٩ التبصير في الدين للإسفراييني ص/٣٥، الفرق بين الفرق للبغدادي ص/٥٤-٥٦، اعتقاد فرق المسلمين والمشركين للرازي ص/٦٠، الملل والنحل للشهرستاني ١/١٧٤-١٧٥. ٢ـ الشفاء للقاضي عياض: ٢/٢٤٧-٢٤٨. ٣ـ مختصر فتاوي ابن تيمية لبدر الدين البعلي ص/٤٧٨-٤٧٩.
[ ٢ / ٨٧٠ ]
سيد الخلق ﷺ لم يغفل أهل العلم حكم سابهن وعقوبته بل بينوا ذلك أوضح بيان في أقوالهم المأثورة ومؤلفاتهم المختلفة، وفي هذا المطلب أجمع شتات بعض ما ورد في ذلك وليكن البدء بذكر حكم من سب عائشة أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق ﵂ فنقول: إن أهل العلم من أهل السنة والجماعة أجمعوا قاطبة على أن من طعن فيها بما برأها الله منه وبما رماها به المنافقون من الإفك فإنه كافر مكذب بما ذكره الله في كتابه من إخباره ببراءتها وطهارتها، وقالوا إنه يجب قتله.
وقد ساق أبو محمد بن حزم الظاهري بإسناده إلى هشام بن عمار، قال: سمعت مالك بنت أنس يقول: من سب أبا بكر وعمر جلد، ومن سب عائشة قتل، قيل له: لم يقتل في عائشة؟، قال: لأن الله تعالى يقول في عائشة ﵂ ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ١.
قال مالك: فمن رماها فقد خالف القرآن ومن خالف القرآن قتل.
قال أبو محمد ﵀: "قول مالك ههنا صحيح وهي ردة تامة وتكذيب لله تعالى في قطعه ببراءتها"أ. هـ٢
وحكى أبو الحسن الصقلي أن القاضي أبا بكر بن الطيب قال: إن الله تعالى إذا ذكر في القرآن ما نسبه إليه المشركون سبح نفسه لنفسه كقوله: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ﴾ ٣ في آي كثيرة وذكر تعالى ما نسبه المنافقون إلى عائشة فقال: ﴿وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ﴾ ٤ سبح نفسه في تبرئتها من السوء كما سبح نفسه في تبرئته من
_________________
(١) ١ـ سورة النور آية/١٧. ٢ـ المحلى ١٣/٥٠٤، وانظر أحكام القرآن لابن العربي ٣/١٣٥٦، الشفاء للقاضي عياض: ٢/٢٦٧. ٣ـ سورة الأنبياء آية/٢٦. ٤ـ سورة النور آية/١٦.
[ ٢ / ٨٧١ ]
السوء، وهذا يشهد لقول مالك في قتل من سب عائشة ومعنى هذا والله أعلم، أن الله لما عظم سبها كما عظم سبه وكان سبها سبًا لنبيه وقرن سب نبيه وأذاه بأذاه تعالى وكان حكم مؤذيه تعالى القتل كان مؤذي نبيه كذلك"أ. هـ١
وقال أبو بكر بن العربي: "إن أهل الإفك رموا عائشة المطهرة بالفاحشة فبرأها الله، فكل من سبها بما برأها الله منه فهو مكذب لله، ومن كذب الله فهو كافر فهذا طريق قول مالك، وهي سبيل لائحة لأهل البصائر ولو أن رجلًا سب عائشة بغير ما برأها الله منه لكان جزاؤه الأدب"٢.
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بعض الوقائع التي قتل فيها من رماها ﵂ بما برأها الله منه حيث قال: "وقال أبو بكر بن زياد النيسابوري: سمعت القاسم بن محمد يقول لإسماعيل بن إسحاق أتى المأمون بالرقة برجلين شتم أحدهما فاطمة والآخر عائشة، فأمر بقتل الذي شتم فاطمة وترك الآخر، فقال إسماعيل: ما حكمهما إلا أن يقتلا لأن الذي شتم عائشة رد القرآن.
قال شيخ الإسلام: وعلى هذا مضت سيرة أهل الفقه والعلم من أهل البيت وغيرهم.
قال أبو السائب القاضي: "كنت يومًا بحضرة الحسن بن زيد الداعي بطبرستان، وكان بحضرته رجل فذكر عائشة بذكر قبيح من الفاحشة، فقال: يا غلام اضرب عنقه، فقال له العلويون: هذا رجل من شيعتنا، فقال: معاذ الله، هذا رجل طعن على النبي ﷺ، قال الله تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّأُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ٣.
فإن كانت عائشة خبيثة فالنبي ﷺ خبيث، فهو كافر فاضربوا عنقه،
_________________
(١) ١ـ الشفاء للقاضي عياض ٢/٢٦٧-٢٦٨. ٢ـ أحكام القرآن لابن العربي ٣/١٣٥٦. ٣ـ سورة النور آية/٢٦.
[ ٢ / ٨٧٢ ]
فضربوا عنقه وأنا حاضر". رواه اللالكائي.
وروى عن محمد بن زيد أخي الحسن بن زيد أنه قدم عليه رجل من العراق فذكر عائشة بسوء فقام إليه بعمود فضرب به دماغه، فقتله، فقيل له: هذا من شيعتنا ومن بني الآباء، فقال: هذا سمى جدي قرنان١، ومن سمى جدي قرنان استحق القتل فقتلته"٢.
هذا هو موقف أهل البيت من نسل علي بن أبي طالب ﵁ وغيرهم ممن أطلق لسانه بالنيل من أم المؤمنين عائشة ﵂ إنه موقف الغيور على الدين الذي لم يرض الله لعباده سواه فمن نال من عائشة ﵂ بما برأها الله منه فإنما ذلك معاندة للقرآن وتكذيب لله رب العالمين وطعن في رسول الله ﷺ ولا عقوبة أنجع مع من أقدم على مثل هذا العمل المناقض لدين الإسلام لأن من كذب الله في أخباره وطعن بقول السوء في سيد الخلق ﵊ لا يختلف اثنان في أنه خرج من ملة الإسلام إلى الكفر.
قال القاضي أبو يعلى: من قذف عائشة بما برأها الله منه كفر بلا خلاف وقد حكى الإجماع على هذا غير واحد، وصرح غير واحد من الأئمة بهذا الحكم٣.
وقال ابن أبي موسى٤: "ومن رمى عائشة ﵂ بما برأها الله منه
_________________
(١) ١ـ قرنان: على وزن سكران، وهو الذي لا غيرة له، قال الأزهري: هذا قول الليث وهو من كلام الحاضرة ولا يعرفه أهل البادية. المصباح المنير ٢/٥٠١. ٢ـ الصارم المسلول ص/٥٦٦-٥٦٧. ٣ـ المصدر السابق. ٤ـ هو عبد الخالق بن عيسى بن أحمد بن جعفر الهاشمي، إمام الحنابلة ببغداد في عصره كان ثقة زاهدًا درس بجامع المنصور وبجامع المهدي وصنف كتابًا منها "رؤوس المسائل" و"أدب الفقه" وكان شديدًا على أهل البدع، ولد سنة إحدى عشرة وأربعمائة، وتوفي سنة سبعين وأربعمائة. انظر ترجمته في طبقات الحنابلة ٢/٢٣٧-٢٤١، الذيل على طبقات الحنابلة ١/١٥-٢٦، مناقب الإمام أحمد ص/٥٢١-٥٢٣، الأعلام ٤/٦٣.
[ ٢ / ٨٧٣ ]
فقد مرق من الدين ولم ينعقد له نكاح على مسلمة"١.
وقال ابن قدامة المقدسي: "ومن السنة الترضي عن أزواج رسول الله ﷺ أمهات المؤمنين المطهرات المبرآت من كل سوء أفضلهن خديجة بنت خويلد وعائشة الصديقة بنت الصديق التي برأها الله في كتابه زوج النبي ﷺ في الدنيا والآخرة، فمن قذفها بما برأها الله منه فقد كفر بالله العظيم"أ. هـ٢.
وقال الإمام النووي في صدد تعداده الفوائد التي اشتمل عليها حديث الإفك: "الحادية والأربعون براءة عائشة ﵂ من الإفك وهي براءة قطعية بنص القرآن العزيز، فلو تشكك فيها إنسان والعياذ بالله صار كافرًا مرتدًا بإجماع المسلمين، قال ابن عباس وغيره: لم تزن امرأة نبي من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وهذا إكرام من الله تعالى لهم"أ. هـ٣.
وقد حكى العلامة ابن القيم اتفاق الأمة على كفر قاذف عائشة ﵂ حيث قال: "واتفقت الأمة على كفر قاذفها"٤.
وقال الحافظ ابن كثير عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٥ قال: "أجمع العلماء ﵏ قاطبة على أن من سبها بعد هذا ورماها بما رماها به بعد هذا الذي ذكر في هذه الآية فإنه كافر لأنه معاند للقرآن"أ. هـ٦
وقال بدر الدين الزركشي: "من قذفها فقد كفر لتصريح القرآن الكريم ببرائتها"٧.
_________________
(١) ١ـ الصارم المسلول على شاتم الرسول ص/٥٦٨. ٢ـ لمعة الاعتقاد ص/٢٩. ٣ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٧/١١٧-١١٨. ٤ـ زاد المعاد في هدي خير العباد ١/١٠٦. ٥ـ سورة النور آية/٢٣. ٦ـ تفسير القرآن العظيم ٥/٧٦. ٧ـ الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة ص/٤٥.
[ ٢ / ٨٧٤ ]
وقال السيوطي عند آيات سورة النور التي نزلت في براءة عائشة ﵂ من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالأِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ الآيات قال: نزلت في براءة عائشة فيما قذفت به، فاستدل به الفقهاء على أن قاذفها يقتل لتكذيبه لنص القرآن.
قال العلماء: قذف عائشة كفر لأن الله سبح نفسه عند ذكره١ فقال سبحانك هذا بهتان عظيم، كما سبح نفسه عند ذكر ما وصفه به المشركون من الزوجة والولد"أ. هـ٢
هذه الأقوال المتقدمة عن هؤلاء الأئمة كلها فيها بيان واضح أن الأمة مجمعة على أن من سب أم المؤمنين عائشة ﵂ وقذفها بما رماها به أهل الإفك فانه كافر حيث كذب الله فيما أخبر به من براءتها وطهارتها ﵂، وأن عقوبته أن يقتل مرتدًا عن ملة الإسلام.
وأما حكم من سب غير عائشة من أزواجه ﷺ ففيه قولان:
أحدهما: أنه كساب غيرهن من الصحابة على حسب ما تقدم ذكره.
الثاني: وهو الأصح من القولين على ما سيتضح من أقوال أهل العلم أن من قذف واحدة منهن فهو كقذف عائشة ﵂ وإلى ما قرره أهل العلم في هذه المسألة.
فقد أخرج سعيد بن منصور وابن جرير٣ والطبراني وابن مردوية عن ابن عباس ﵄ أنه قرأ سورة النور ففسرها، فلما أتى على هذه الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ﴾ قال: هذه في عائشة وأزواج النبي ﷺ ولم يجعل لمن فعل ذلك توبة وجعل لمن رمى امرأة من المؤمنات من غير
_________________
(١) ١ـ الضمير يعود على قصة الإفك. ٢ـ الإكليل في استنباط التنزيل ص/١٩٠. ٣ـ جامع البيان عن تأويل آي القرآن ١٨/١٠٤.
[ ٢ / ٨٧٥ ]
أزواج النبي ﷺ التوبة ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ إلى قوله: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا﴾، ولم يجعل لمن قذف امرأة من أزواج النبي ﷺ توبة ثم تلا هذه الآية: ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، فهم بعض القوم أن يقوم إلى ابن عباس فيقبل رأسه لحسن ما فسر"١.
"فقد بين ابن عباس أن هذه الآية إنما نزلت فيمن يقذف عائشة وأمهات المؤمنين لما في قذفهن من الطعن على رسول الله ﷺ وعيبه، فإن قذف المرأة أذى لزوجها كما هو أذى لابنها، لأنه نسبة له إلى الدياثة وإظهار لفساد فراشه، فإن زناء امرأته يؤذيه أذى عظيمًا ولهذا جوز له الشارع أن يقذفها إذا زنت ودرء الحد عنه باللعان ولم يبح لغيره أن يقذف امرأة بحال"٢.
وقد قال كثير من أهل العلم أن بقية أزواج النبي ﷺ لهن حكم أم المؤمنين عائشة ﵂.
فقد أبو محمد بن حزم بعد أن ذكر أن رمي عائشة ﵂ ردة تامة وتكذيب للرب - جل وعلا - في قطعه ببراءتها، قال: "وكذلك القول في سائر أمهات المؤمنين ولا فرق لأن الله تعالى يقول: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّأُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ ٣ فكلهن مبرآت من قول إفك والحمد لله رب العالمين"٤.
وذكر القاضي عياض عن ابن شعبان٥ أنه قال: "ومن سب غير عائشة من أزواج النبي ﷺ ففيها قولان:
_________________
(١) ١ـ الدر المنثور في التفسير بالمأثور ٦/١٦٥. ٢ـ الصارم المسلول على شاتم الرسول ص/٤٥. ٣ـ سورة النور آية/٢٦. ٤ـ المحلى ١٣/٥٠٤. ٥ـ هو محمد بن القاسم بن شعبان أبو إسحاق ابن القرطبي ويقال له ابن شعبان من نسل عمار بن
[ ٢ / ٨٧٦ ]
أحدهما: يقتل لأن سب النبي ﷺ بسب حليلته.
والآخر: أنها كسائر الصحابة يجلد حد المفتري، قال: "وبالأول أقول"١.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وأما من سب غير عائشة من أزواجه ﷺ ففيه قولان:
أحدهما: أنه كساب غيرهن من الصحابة.
والثاني: وهو الأصح أنه من قذف واحدة من أمهات المؤمنين فهو كقذف عائشة ﵂ وذلك لأن هذا فيه عار وغضاضة على رسول الله ﷺ وأذى له أعظم من أذاه بنكاحهن"أ. هـ٢
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى بعد قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٣ "هذا وعيد من الله تعالى للذين يرمون المحصنات الغافلات، وخرج مخرج الغالب المؤمنات، فأمهات المؤمنين أولى بالدخول في هذا من كل محصنة ولا سيما التي كانت سبب النزول، وهي عائشة بنت الصديق ﵂ إلى أن قال - "وفي بقية أمهات المؤمنين قولان: أصحهما أنهن كهي والله أعلم"أ. هـ٤
ومما يرجح القول بأن أزواج النبي ﷺ غير عائشة مثل عائشة في الحكم وجوه:-
_________________
(١) = ياسر، رأس الفقهاء المالكيين بمصر في وقته مع التفنن في التاريخ والأدب ولد سنة سبعين ومائتين، وتوفي سنة خمس وخمسين وثلاثمائة هجرية. انظر ترجمته في ترتيب المدارك ٥/٢٧٤-٢٧٥، الديباج المذهب ص/٢٤٨. ١ـ الشفاء للقاضي عياض ٢/٢٦٩. ٢ـ الصارم المسلول ص/٥٦٧. ٣ـ سورة النور آية/٢٣. ٤ـ تفسير القرآن العظيم ٥/٧٦.
[ ٢ / ٨٧٧ ]
الوجه الأول: أن لعنة الله في الدنيا والآخرة لا تستوجب بمجرد القذف أن اللام في قوله: ﴿الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ لتعريف المعهود والمعهود هنا أزواج النبي ﷺ لأن الكلام في قصة الإفك ووقوع من وقع في أم المؤمنين عائشة - أو قصر اللفظ العام على سببه للدليل الذي يوجب ذلك.
الوجه الثاني: أن الله - سبحانه - رتب هذا الوعيد على قذف محصنات غافلات مؤمنات، وقال في أول - سورة النور ـ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ ١ الآية، فترتب الجلد وردّ الشهادة والفسق على مجرد قذف المحصنات، فلا بد أن تكون المحصنات الغافلات المؤمنات لهن مزية على مجرد المحصنات وذلك - والله أعلم - لأن أزواج النبي ﷺ مشهود لهن بالإيمان لأنهن أمهات المؤمنين وهن أزواج نبيه في الدنيا والآخرة وعوام المسلمات إنما يعلم منهن في الغالب ظاهر الإيمان ولأن الله سبحانه قال في قصة عائشة: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٢ فتخصيصه بتولي كبره دون غيره دليل على اختصاص بالعذاب العظيم وقال: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٣ فعلم أن العذاب العظيم لا يمس كل من قذف وإنما يمس متولي كبره فقط وقال هنا ﴿لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ فعلم أنه الذي رمى أمهات المؤمنين ويعيب بذلك رسول الله ﷺ وتولى كبر الإفك وهذه صفة المنافق ابن أبي.
الوجه الثالث: لما كان رمي أمهات المؤمنين أذى للنبي ﷺ لعن صاحبه في الدنيا والآخرة، ولهذا قال ابن عباس: "ليس فيها توبة، لأن مؤذي النبي ﷺ لا تقبل توبته إذا تاب من القذف حتى يسلم إسلامًا جديدًا وعلى هذا فرميهن
_________________
(١) ١ـ الآية رقم: ٤. ٢ـ سورة النور آية: ١١. ٣ـ سورة النور آية ١٤.
[ ٢ / ٨٧٨ ]
نفاق مبيح للدم إذا قصد به أذى النبي ﷺ أو أذاهن بعد العلم بأنهن أزواجه في الآخرة، فإنه ما لعنت امرأة نبي قط.
ومما يدل على أن قذفهن أذىً للنبي ﷺ ما خرجاه في الصحيحين في حديث الإفك عن عائشة، قالت: فقام رسول الله ﷺ فاستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول، قالت: فقال رسول الله ﷺ وهو على المنبر: "يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلا خيرًا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي" فقام سعد بن معاذ الأنصاري، فقال: "أنا أعذرك منه يا رسول الله إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك" ١.
فهذه الوجوه الثلاثة فيها تقوية وترجيح لقول من ذهب إلى أن قذف غير عائشة ﵂ من أزواج النبي ﷺ حكمه كقاذف عائشة ﵂ لما فيه من العار والغضاضة على النبي ﷺ كما أن في ذلك أذى عظيمًا للنبي ﵊.
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٣/١٦٣، صحيح مسلم ٤/٢١٢٩-٢١٣٦.
[ ٢ / ٨٧٩ ]