المراد بالحرب التي أريد ذكرها في هذا المبحث هي حرب الجمل وصفين وقبل الدخول في ذكر هاتين الموقعتين أذكر بين يديهما لمحة عن أمرين.
الأمر الأول: متى بدأ التشاجر بين أصحاب رسول الله ﷺ.
الأمر الثاني: ما هو الدافع لهم على ذلك.
فأما عن الأمر الأول فإن قتل الخليفة الراشد عثمان بن عفان ﵁ ظلمًا وعدوانًا من قبل الخارجين عليه من من أهل مصر، وأهل الكوفة، وأهل البصرة سنة خمس وثلاثين للهجرة١ كان مصدر بدء التشاجر بين الصحابة الكرام ﵃ والقارئ لكتب التواريخ والسير يخرج منها بأن بداية التشاجر بين خير القرون كان بعد قتل ثالث الخلفاء الراشدين وبداية خلافة أبي الحسن ﵄.
وأما عن الأمر الثاني: فإن أعظم دافع لهم إلى ذلك ليس إلا مطالبة الخليفة الرابع بوجوب الإسراع بأخذ القود من أولئك الأشرار قتلة عثمان ﵁ وأرضاه ذلك أن طائفة من أصحاب رسول الله ﷺ منهم أم المؤمنين عائشة وطلحة والزبير ومعاوية ﵃ أجمعين كانوا يرون أنه لا بد من المطالبة بدم عثمان ووجوب الإسراع بإقامة حد الله عليهم كما أمر الله٢.
_________________
(١) ١ـ انظر تاريخ الطبري ٤/٣٦٥ وما بعدها، الكامل لابن الأثير ٣/١٧٨، البداية والنهاية ٧/١٨٦. ٢ـ انظر تاريخ الأمم والملوك ٤/٤٦٢-٤٦٤، ٥/٦، الكامل في التاريخ ٣/٢١٢-٢١٣، ص/٢٨٦، البداية والنهاية ٧/٢٥١-٢٥٣، ص/٢٨١-٢٨٢.
[ ٢ / ٧٠٠ ]
بينما كان يرى علي ﵁ إرجاء الأمر حتى يبايعه أهل الشام ويستتب له الأمر ليتسنى له بعد ذلك التمكن من القبض عليهم لأنهم كانوا كثيرين في جيش علي ومن قبائل مختلفة وكانوا لهم بعض التمكن حينذاك.
قال الحافظ ابن كثير: "ولما استقر أمر بيعة علي دخل عليه طلحة والزبير ورؤوس الصحابة ﵃ وطلبوا منه إقامة الحدود والأخذ بدم عثمان فاعتذر إليهم بأن هؤلاء لهم مدد وأعوان، وأنه لا يمكنه ذلك يومه هذا"أ. هـ١.
ومما يؤكد أن سبب البداية للتشاجر بين الصحابة هو قتل عثمان ﵁ أن عليًا ﵁ بعد أن بويع له بالخلافة شرع في إرسال عماله إلى الأمصار فكان من أرسله إلى الشام بدل معاوية سهل بن حنيف فسار حتى بلغ تبوك فتلقته خيل معاوية فقالوا: من أنت؟ فقال: أمير قالوا: على أي شيء؟ قال: على الشام فقالوا: إن كان عثمان بعثك فحيهلا بك وإن كان غيره فارجع فقال: أو ما سمعتم بالذي كان؟ قالوا: بلى فرجع إلى علي، وأما قيس بن سعد بن عبادة - فاختلف عليه أهل مصر فبايع له الجمهور، وقالت طائفة: لا نبايع حتى نقتل قتلة عثمان، وكذلك أهل البصرة، وأما عمارة بن شهاب المبعوث أميرًا على الكوفة فصده طليحة بن خويلد الأسدي - غضبًا لعثمان فرجع إلى علي فأخبره"٢.
"وقام في الناس معاوية وجماعة من الصحابة معه، يحرضون الناس على المطالبة بدم عثمان، ممن قتله من أولئك الخوارج منهم عبادة بن الصامت وأبو الدرداء وأبو أمامة، وعمرو بن عنبسة وغيرهم من الصحابة ومن التابعين: شريك بن حباشة وأبو مسلم الخولاني، وعبد الرحمن بن غنم وغيرهم من التابعين"٣.
ولما كان رأي كل واحد من الفريقين مضادًا لرأي الآخر من هنا
_________________
(١) ١ـ البداية والنهاية ٧/٢٤٨-٢٤٩، وانظر تاريخ الأمم والملوك للطبري ٤/٤٣٧، الكامل لابن الأثير ٣/١٩٥-١٩٦. ٢ـ تاريخ ابن جرير الطبري ٤/٤٤٢، كتاب الكامل لابن الأثير ٣/٢٠١، البداية والنهاية ٧/٢٤٩-٢٥٠. ٣ـ البداية والنهاية ٧/٢٤٨.
[ ٢ / ٧٠١ ]
اختلفت الكلمة وتفاقم الأمر، وانتشرت الفتنة فما كان من علي ﵁ وهو الخليفة الحق الذي تجب طاعته إلا أن قام بإرسال الكتب المتتابعة إلى معاوية ﵁ يدعوه فيها في البيعة غير أن معاوية ﵁ لم يرد شيئًا فكرر عليه علي ﵁ ذلك مرارًا إلى أن دخل الشهر الثالث من مقتل ذي النورين ﵁، ثم بعث بعد ذلك طومارًا١ من رجل فدخل به على علي فقال: ما وراءك؟ قال: جئتك من عند قوم لا يريدون إلا القود كلهم موتور٢ فقال علي: أمني يطلبون دم عثمان؟ ألست موتورًا كترة عثمان؟ اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان"٣.
وقد وجه علي ﵁ جماعة إلى معاوية ﵁ وهو بصفين منهم بشير بن عمرو الأنصاري وقال لهم: "ائتوا هذا الرجل فادعوه إلى الطاعة والجماعة واسمعوا ما يقول لكم فلما دخلوا على معاوية قال له بشير بن عمرو: يا معاوية إن الدنيا عنك زائلة، وإنك راجع إلى الآخرة، والله محاسبك بعملك ومجازيك بما قدمت يداك إني أنشدك الله أن لا تفرق جماعة هذه الأمة وأن تسفك دماءها بينها - إلى أن قال له: - وإنه - أي علي - يدعوك إلى مبايعته فإنه أسلم لك في دنياك وخير لك في آخرتك فقال معاوية: ويطل٤ دم عثمان؟ لا والله لا أفعل ذلك أبدًا"٥.
وقد دخل أبو الدرداء، وأبو أمامة ﵄ أيام صفين على معاوية بن أبي سفيان ﵄ فقالا له: يا معاوية علام تقاتل هذا الرجل؟ فوالله إنه أقدم منك ومن أبيك إسلامًا وأقرب منك إلى رسول الله ﷺ وأحق
_________________
(١) ١ـ الطومار: الصحيفة "لسان العرب" ٤/٥٠٣. ٢ـ الموتور: الطالب بالثأر "النهاية في غريب الحديث والأثر" ٥/١٤٨. ٣ـ تاريخ الطبري ٤/٤٤٤. ٤ـ أي يهدر "انظر النهاية ٣/١٣٦، المصباح المنير ٢/٣٧٧. ٥ـ تاريخ الطبري ٤/٥٧٣، الكامل لابن الأثير ٣/٢٨٥-٢٨٦، البداية والنهاية ٧/٢٨٠.
[ ٢ / ٧٠٢ ]
بهذا الأمر منك - فكان جوابه عليهم - "أقاتله على دم عثمان وأنه أوى قتلته فاذهبا إليه فقولا له: فليقدنا من قتلة عثمان ثم أنا أول من يبايعه من أهل الشام"١.
فهذه الرواية وما قبلها تبين لنا أن معاوية ﵁ كان باذلًا للبيعة بالخلافة لعلي ﵁ لكن بشرط تعجيل القود من قتلة عثمان وكان رأي علي ﵁ أن يدخل معاوية في البيعة أولًا ثم بعد ذلك يتتبع القتلة ويقام عليهم الحد الشرعي بعد إقامة الدعوى والإجابة ثم صدور الحكم فيهم كما أمر الله به. ولكن لما كان رأي علي ومعاوية ﵄ رأيين متضادين لا يلتقيان أدى ذلك إلى المنازعة واختلاف الكلمة، ولما رأى علي ﵁ أن الكتب التي وجهها إلى معاوية لم تجد شيئًا بل إن الفتنة بدأت تشتد ولم تزدد الأمور إلا تعقيدًا حيث استأثر معاوية ﵁ ببلاد الشام ولم يسمح لأمر علي أن يمتد إليها وهو الخليفة الحق بعد ذي النورين عثمان، وأن من حقه على الناس أن يسمعوا له ويطيعوا أخذ في إعداد جيش وعزم على قتال أهل الشام ولما رآه ولده الحسن ﵁ يهيئ الجيش لقتام أهل الشام حاول أن يثنيه عن ذلك وقال له: يا أبتي دع هذا فإن فيه سفك دماء المسلمين"٢.
فلم يسمع لقوله بل هيأ الجيش ودفع اللواء إلى ولده محمد بن علي - المعروف بابن الحنفية - غير أنه لم يتمكن مما قصده من تسيير الجيش إلى بلاد الشام فإنه جاءه ما شغله عن ذلك وهو توجه أم المؤمنين عائشة وطلحة والزبير ﵃ إلى البصرة وعندما بلغ هذا الخبر عليًا ﵁ عدل عن وجهته إلى الشام وغير رأيه وتوجه إلى البصرة بدلًا من الشام وهكذا بدأ النزاع يتدرج بين الصحابة ﵃ من طور المكاتبة والمحاورة إلى طور التعبئة وتجهيز الجيوش استعدادًا للقتال والمواجهة للضرب بالسيوف وقد تمثل ذلك في موقعتين:
_________________
(١) ١ـ ذكره ابن كثير في البداية والنهاية ٧/٢٨٣. ٢ـ المصدر السابق ٧/٢٥٠.
[ ٢ / ٧٠٣ ]
الأولى: موقعة الجمل.
الثانية: موقعة صفين.
أما موقعة الجمل فقد دارت رحا الحرب فيها بين علي ﵁ ومن معه وبين أم المؤمنين عائشة وطلحة والزبير ومن معهم ﵃ وذلك أنه: "لما وقع قتل عثمان بعد أيام التشريق سنة خمس وثلاثين للهجرة - كان أزواج النبي ﷺ أمهات المؤمنين قد خرجن إلى الحج في هذا العام فرارًا من الفتنة فلما بلغ الناس أن عثمان قد قتل أقمن بمكة١ وقد تجمع بمكة خلق كثير وجم غفير من سادات الصحابة منهم طلحة والزبير حيث استأذنا عليًا في الاعتمار فأذن لهما فخرجا إلى مكة وتبعهما كثير من الناس وكذا قدم إلى مكة ابن عمر ومن اليمن يعلى بن أمية عامل عثمان عليها وعبد الله بن عامر عامله على البصرة ولم يزل الناس حينذاك يفدون على مكة ولما كثروا فيها قامت فيهم أم المؤمنين عائشة ﵂ فحثتهم على القيام بطلب دم عثمان وذكرت ما افتات به أولئك من قتله في بلد حرام وشهر حرام ولم يراقبوا جوار رسول الله ﷺ وقد سفكوا الدماء وأخذوا الأموال، فاستجاب الناس لها وطاوعوها على ما تراه من الأمر بالمصلحة وقالوا: لها: حيثما سرت سرنا معك وبعد أن تعددت آراؤهم في تحديد الجهة التي يسيرون إليها أجمعوا على الذهاب إلى البصرة فلما أتوا البصرة منعهم من دخولها عثمان بن حنيف عامل علي عليها حينذاك وجرت بينه وبينهم مراسلة ومحاورة حتى وصل الأمر بهم إلى المشاجرة ثم ما لبثوا أن اصطلحوا بعد ذلك إلى أن يقدم علي ﵁ لأنه بلغهم أنه متوجه إليهم - وكما تقدم قريبًا أنه عدل عن المسير إلى الشام بعد أن بلغه مسير أم المؤمنين عائشة إلى البصرة فأخذ في الاتجاه بعدهم في جمع كبير وهو يرجو أن يدركهم قبل وصولهم إلى البصرة فلما علم أنهم قد فاتوه، استمر في طريقه إليهم قاصدًا البصرة من أرض
_________________
(١) ١ـ البداية والنهاية ٧/٢٥٠.
[ ٢ / ٧٠٤ ]
العراق"١.
لما انتهى إلى البصرة كاتب أبا موسى الأشعري ﵁ عامله على الكوفة وطلب منه أن يستنفر الناس ليلحقوا به غير أن أبا موسى ﵁ كان يرى عكس رأي علي فكان يدعو إلى القعود ويقول: "إنما هي فتنة وجعل كلما جاء رسول من عند علي رده بمثل ذلك حتى أرسل علي ابنه الحسن وعمار بن ياسر فقال الحسن لأبي موسى: لم تثبط الناس عنا؟ فوالله ما أردنا إلا الإصلاح ولا مثل أمير المؤمنين يخاف على شيء فقال: صدقت بأبي وأمي ولكن المستشار مؤتمن سمعت النبي ﷺ يقول: "إنها ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الراكب" ٢ وقد جعلنا الله إخوانًا وحرم علينا دماءنا وأموالنا فكان كلما قام رجل فحرض الناس على النفير يثبطهم أبو موسى من فوق المنبر - ولكن مع ذلك استجاب للنفير كثير من الناس فخرج مع الحسن جمع كبير من أهل الكوفة وقدموا على علي ﵁ فتلقاهم بذي٣ قار إلى أثناء الطريق في جماعة منهم ابن عباس فرحب بهم وقال: يا أهل الكوفة أنتم لقيتم ملوك العجم وفضضتم جموعهم وقد دعوتكم لتشهدوا معنا إخواننا من أهل البصرة، فإن يرجعوا فذاك الذي نريده وإن أبوا داويناهم بالرفق حتى يبدؤونا بالظلم، ولن ندع أمرًا فيه صلاح إلا آثرناه على ما فيه الفساد إن شاء الله تعالى"٤.
وفي هذا توضيح لمقصد أمير المؤمنين علي ﵁ وأن - مقصده الأول والأخير هو طلب الإصلاح وأن القتال كان غير محبب إلى نفسه لا سيما مع إخوانه البررة أصحاب رسول الله ﷺ وهكذا كان مقصد أم المؤمنين
_________________
(١) ١ـ تاريخ الأمم والملوك ٤/٤٥٥، الكامل ٣/٢٢١-٢٢٢، البداية والنهاية ٧/٢٥٥. ٢ـ الحديث رواه البخاري من حديث أبي هريرة ٤/٢٢٥، ورواه مسلم أيضًا ٤/٢٢١٢. ٣ـ ذو قار: ماء لبكر بن وائل قريب من الكوفة بينها وبين واسط وفيه كانت الوقعة المشهورة بين بكر بن وائل والفرس "معجم البلدان" ٤/٢٩٣. ٤ـ انظر تاريخ الأمم والملوك ٤/٤٧٧-٤٧٨، الكامل ٣/٢٢٧-٢٣٢، البداية والنهاية ٧/٢٥٧-٢٥٨.
[ ٢ / ٧٠٥ ]
عائشة ﵂ وطلحة والزبير من خروجهم من مكة إلى البصرة من أرض العراق وهو التماس الإصلاح بين المسلمين بأمر يرتضيه طرفا النزاع ويحسم به الاختلاف وتجتمع به كلمة المسلمين ولم يخرجوا مقاتلين ولا داعين لأحد منهم ليولوه الخلافة وهذا ما قرره العلماء من أهل السنة، قال أبو محمد بن حزم رحمه الله تعالى: "وأما أم المؤمنين والزبير وطلحة ﵃ ومن معهم فما أبطلوا قط إمامة علي ولا طعنوا فيها ولا ذكروا فيه جرحة تحطه عن الإمامة ولا أحدثوا إمامة أخرى ولا حددوا بيعة لغيره هذا ما لا يقدر أن يدعيه أحد بوجه من الوجوه بل يقطع كل ذي علم على أن كل ذلك لم يكن فإذ لا شك في كل هذا فقد صح صحة ضرورية لا إشكال فيها أنهم لم يمضوا إلى البصرة لحرب علي ولا خلافًا عليه ولا نقضًا لبيعته ولو أرادوا ذلك لأحدثوا بيعة غير بيعته هذا مما لا يشك فيه أحد ولا ينكره أحد فصح أنهم إنما نهضوا إلى البصرة لسد الفتق الحادث في الإسلام من قتل أمير المؤمنين عثمان ﵁ ظلمًا، وبرهان ذلك أنهم اجتمعوا ولم يقتتلوا ولا تحاربوا فلما كان الليل عرف قتلة عثمان أن الإراغة١ والتدبير عليهم فبيتوا عسكر طلحة والزبير وبذلوا السيف فيهم فدفع القوم عن أنفسهم في دعوى حتى خالطوا عسكر علي فدفع أهله عن أنفسهم وكل طائفة تظن ولا شك أن الأخرى بديء بها بالقتال واختلط الأمر اختلاطًا لم يقدر أحد على أكثر من الدفاع عن نفسه والفسقة من قتلة عثمان لا يفترون من شن الحرب وإضرامه فكلتا الطائفتين مصيبة في غرضها ومقصدها مدافعة عن نفسها"٢.
وقال أبو بكر بن العربي في صدد ذكره للغرض الذي خرجت له عائشة ومن معها من مكة إلى البصرة: "ويمكن أنهم خرجوا في جمع طوائف المسلمين
_________________
(١) ١ـ أي: الطلب "انظر لسان العرب" ٨/٤٣٠. ٢ـ الفصل في الملل والأهواء والنحل ٤/١٥٨.
[ ٢ / ٧٠٦ ]
وضم نشرهم وردهم إلى قانون واحد حتى لا يضطربوا فيقتتلوا وهذا هو الصحيح لا شيء سواه"١.
وقال أبو الوليد بن رشد المالكي٢: بعد ذكره قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ ٣ الآية "فأرادت عائشة ﵂ بقولها والله أعلم: ما رأيت ما ترك الناس في هذه الآية " نسبة التقصير إلى من أمسك من الصحابة عن الدخول في الحرب التي وقعت بينهم واعتزلهم وكف عنهم ولم يكن مع بعضهم على بعض ورأت أن الحظ لهم والواجب عليهم إنما كان أن يروموا الإصلاح بينهم"٤.
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في صدد ذكره لبعض الأدلة التي تدل على أن عائشة ﵂ ما خرجت إلا للإصلاح: "ويدل لذلك أن أحدًا لم ينقل أن عائشة ومن معها نازعوا عليًا في الخلافة ولا دعوا إلى أحد منهم ليولوه الخلافة"٥.
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: "وبلغ الخبر٦ عائشة وهي حاجة ومعها طلحة والزبير فخرجوا إلى البصرة يريدون الإصلاح بين الناس واجتماع الكلمة"٧.
فأهل السنة والجماعة مجمعون على أن أم المؤمنين عائشة ﵂ ما قصدت بخروجها إلى البصرة إلا الإصلاح بين بنيها ﵂ وبهذا وردت - أخبار منها:
_________________
(١) ١ـ العواصم من القواصم ص/١٥١. ٢ـ هو محمد بن أحمد بن رشد "الجد" المتوفى سنة عشرين وخمسمائة انظر: ترجمته في "الغنية" للقاضي عياض ص/١٢٢-١٢٣. ٣ـ سورة الحجرات آية/٩. ٤ـ البيان والتحصيل ١٦/٣٦٠. ٥ـ فتح الباري ١٣/٥٦. ٦ـ أي: خبر قتل عثمان ﵁. ٧ـ مختصر سيرة الرسول ﷺ ص/٢٥١.
[ ٢ / ٧٠٧ ]
١- روى ابن جرير الطبري: أن عثمان بن حنيف لما بلغه مجيء عائشة ﵂ إلى البصرة أرسل إليها عمران بن حصين وأبا الأسود الدؤلي فقال لهما: "انطلقا" إلى هذه المرأة فاعلما علمها، وعلم من معها فخرجا فانتهيا إليها وإلى الناس وهم بالحفير١ فاستأذنا فأذنت لهما فسلما وقالا: إن أميرنا بعثنا إليك نسألك عن مسيرك فهل أنت مخبرتنا؟ فقالت: والله ما مثلي يسير بالأمر المكتوم ولا يغطي لبنيه الخبر إن الغوغاء من أهل الأمصار ونزاع القبائل غزوا حرم رسول الله ﷺ وأحدثوا فيه الأحداث وآووا فيه المحدثين واستوجبوا فيه لعنة الله ولعنة رسوله، مع ما نالوا من قتل إمام المسلمين بلا ترة ولا غذر فاستحلوا الدم الحرام، فسفكوه وانتهبوا المال الحرام، وأحلوا البلد الحرام والشهر الحرام ومزقوا الأعراض والجلود وأقاموا في دار قوم كانوا كارهين لمقامهم ضارين مضرين غير نافعين ولا متقين لا يقدرون على امتناع ولا يأمنون فخرجت في المسلمين أعلمهم ما أتى هؤلاء القوم وما فيه الناس وراءنا وما ينبغي لهم أن يأتوا في إصلاح هذا وقرأت: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ ٢.
٢- وروى أيضًا: أن عليًا ﵁ لما نزل بذي قار دعا القعقاع بن عمرو فأرسله إلى أهل البصرة وقال له: الق هذين الرجلين يا ابن الحنظلية فادعهما إلى الألفة والجماعة وعظم الفرقة.. فخرج القعقاع حتى قدم البصرة فبدأ بعائشة ﵂ فسلم عليها وقال: أي أمه ما أشخصك وما أقدمك هذه البلدة؟ قالت: أي بني إصلاح بين الناس قال: فابعثي إلى طلحة والزبير حتى تسمعي كلامي وكلامهما فبعثت إليهما فجاآ فقال: إني سألت أم المؤمنين ما أشخصها وأقدمها هذه البلاد؟ فقالت: إصلاح بين الناس فما تقولان أنتما؟
_________________
(١) ١ـ الحفير: ماء لباهلة بينه وبين البصرة أربعة أميال "معجم البلدان" ٢/٢٧٧. ٢ـ تاريخ الأمم والملوك ٤/٤٦١-٤٦٢، الكامل ٣/٢١١، البداية والنهاية ٧/٢٥٢.
[ ٢ / ٧٠٨ ]
أمتابعان أم مخالفان؟ قالا: متابعان قال: فأخبراني ما وجه هذا الإصلاح؟ فو الله لئن عرفناه لنصلحن، ولئن أنكرناه لا نصلح قالا: قتلة عثمان ﵁ فإن هذا إن ترك كان تركًا للقرآن"١.
٣- لما رجع القعقاع بن عمرو إلى علي ﵁ وأخبره أن أصحاب الجمل استجابوا إلى ما بعثه به إليهم أذعن علي لذلك وبعث إلى طلحة والزبير يقول: "إن كنتم على ما فارقتم عليه القعقاع بن عمرو فكفوا حتى ننزل فننظر في هذا الأمر فأرسلا إليه: "إنا على ما فارقنا عليه القعقاع بن عمرو من الصلح بين الناس"٢.
ففي هذه الأخبار دليل واضح على أن أم المؤمنين عائشة ﵂ لم تكن تقصد بخروجها هي ومن معها تفريق الجماعة ولا شفاء حقد بينها وبين علي كما يزعمه ذلك مبغضوا الصحابة من الرافضة، وإنما الغرض الذي كانت تريده الإصلاح بين الناس ابتغاء مرضات الله راجية الثواب على ذلك من الله، كما أن الذين طلبوا منها الخروج وهم طلحة والزبير ومن معهما كانوا كذلك، وكانوا يعلقون آمالًا على خروجها في حسم الاختلاف وجمع الكلمة ولم يكن يخطر على بالهم قتل أحد لأنهم ما أرادوا إلا الإصلاح ما استطاعوا.
قال أبو بكر بن العربي في صدد ذكره لبيان الغرض الذي خرجت من أجله أم المؤمنين عائشة ﵂ هي ومن معها قائلًا" "فخرج طلحة والزبير وعائشة أم المؤمنين ﵃ رجاء أن يرجع الناس إلى أمهم فيراعوا حرمة نبيهم واحتجوا عليها عندما حاولت الامتناع بقول الله تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ ٣ ثم قالوا لها: إن النبي ﷺ قد خرج في الصلح وأرسل فيه فرجت المثوبة واغتنمت
_________________
(١) ١ـ تاريخ الأمم والملوك ٤/٤٤٨، الكامل لابن الأثير ٣/٢٣٣، البداية والنهاية ٧/٢٥٩. ٢ـ ذكره ابن كثير في البداية والنهاية ٧/٢٦١. ٣ـ سورة النساء آية/١١٤.
[ ٢ / ٧٠٩ ]
الفرصة وخرجت حتى بلغت الأقضية مقاديرها"١.
وقال أيضًا: في معرض الرد على من قال: إن أهل البصرة لما عرفوا بمجيء عائشة وطلحة والزبير خرجوا ليقاتلوهم وعلى رأسهم حكيم بن جبلة قال في شأن حكيم هذا: "وعن أي شيء كان يدافع؟ وهم ما جاءوا مقاتلين ولا ولاة وإنما جاءوا ساعين في الصلح راغبين في تأليف الكلمة، فمن خرج إليهم ودافعهم وقاتلهم دافعوا عن مقصدهم كما يفعل في سائر الأسفار والمقاصد"٢.
وقال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله تعالى بعد أن بين بطلان الحديث الذي نصه أن النبي ﷺ قال لعائشة: "تقاتلين عليًا وأنت ظالمة" بين أن هذا الحديث لا يعرف في شيء من كتب العلم المعتمدة ولا له إسناد معروف وبين أنه إلى الموضوعات أشبه ثم قال بعد ذلك: "فإن عائشة لم تقاتل ولم تخرج لقتال وإنما خرجت بقصد الإصلاح بين المسلمين" لا قاتلت ولا أمرت بقتال هكذا ذكر غير واحد من أهل المعرفة بالأخبار"٣.
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى مبينًا القصد الذي خرجت من أجله عائشة ﵂ هي ومن معها: "والعذر في ذلك عن عائشة أنها كانت متأولة هي وطلحة والزبير وكان مرادهم إيقاع الإصلاح بين الناس وأخذ القصاص من قتلة عثمان ﵃ أجمعين وكان رأي علي الاجتماع على الطاعة وطلب ألياء المقتول القصاص ممن يثبت عليه القتل بشروطه"٤.
فلا مقصد إذن من خروج أم المؤمنين عائشة ﵂ هي ومن معها من الصحابة من مكة إلى البصرة إلا بغية الإصلاح بين المسلمين ولم تخرج لقتال ولا أمرت به ثم أيضًا: إن فكرة الصلح لم تكن عند أم المؤمنين عائشة رضي الله
_________________
(١) ١ـ العواصم من القواصم ص/١٥٢. ٢ـ المصدر السابق ص/١٥٤. ٣ـ منهاج السنة ٢/١٨٥. ٤ـ فتح الباري ٧/١٠٨.
[ ٢ / ٧١٠ ]
عنها هي ومن معها فحسب بل كانت أيضًا: تجول في فكر علي ﵁ ومن معه من أصحاب رسول الله ﷺ وقد تقدم معنا قريبًا أن عليًا ﵁ بعث إلى طلحة والزبير يقول: "إن كنتم على ما فارقتم عليه القعقاع بن عمرو فكفوا حتى ننزل فننظر في هذا الأمر" فأرسلا إليه: "إنا على ما فارقنا عليه القعقاع بن عمرو من الصلح بين الناس"١.
ولما كان جوابهم على علي ﵁ بهذا "اطمأنت النفوس وسكنت واجتمع كل فريق بأصحابه من الجيشين فلما أمسوا بعث علي عبد الله بن عباس إليهم وبعثوا إليه محمد بن طلحة السجاد وعولوا جميعًا على الصلح وباتوا بخير ليلة لم يبيتوا بمثلها للعافية"٢.
فهكذا كانت فكرة الصلح مسيطرة على عقول الجميع من الطرفين كما كانت هدفهم الذي يهدفون إليه حتى في وقت استعدادهم للقتال وفي أثناء تنظيم الجيوش.
قال ابن الأثير رحمه الله تعالى: "ولما خرج طلحة والزبير نزلت مضر جميعًا وهم لا يشكون في الصلح، ونزلت ربيعة فوقهم وهم لا يشكون في الصلح ونزلت اليمن أسفل منهم ولا يشكون في الصلح.. ونزل علي بحيالهم، فنزلت مضر إلى مضر وربيعة إلى ربيعة، واليمن إلى اليمن فكان بعضهم يخرج إلى بعض لا يذكرون إلا الصلح وكان أصحاب علي عشرين ألفًا، وخرج علي وطلحة والزبير فتوافقوا فلم يروا أمرًا أمثل من الصلح ووضع الحرب فافترقوا على ذلك"٣.
ولما أرسلت أم المؤمنين عائشة ﵂ إلى علي ﵁ تعلمه أنها إنما جاءت للصلح فرح هؤلاء وهؤلاء لاتفاقهم على رأي واحد وهو الصلح ولما رجع القعقاع بن عمرو من عند أم المؤمنين وطلحة والزبير بمثل رأيهم "جمع علي الناس ثم قام خطيبًا فيهم - فحمد الله ﷿ وأثنى عليه وصلى على النبي
_________________
(١) ١ـ البداية والنهاية ٧/٢٦١. ٢ـ انظر تاريخ الأمم والملوك ٤/٥٠٦، الكامل لابن الأثير ٣/٢٤٢، البداية والنهاية ٧/٢٦١. ٣ـ تاريخ الأمم والملوك ٤/٥٠٥، الكامل لابن الأثير ٣/٢٤١-٢٤٢.
[ ٢ / ٧١١ ]
ﷺ وذكر الجاهلية وشقاءها، والإسلام والسعادة وإنعام الله على الأمة بالجماعة بالخليفة بعد رسول الله ﷺ ثم الذي يليه - ثم حدث هذا الحدث الذي جره على هذه الأمة أقوام طلبوا هذه الدنيا، حسدوا من أفاءها الله عليه على الفضيلة وأرادوا رد الأشياء على أدبارها، والله بالغ أمره، ومصيب ما أراد ألا وإني راحل غدًا فارتحلوا، ألا ولا يرتحلن معي أحد أعان على قتل عثمان في شيء من أمور الناس"١.
ففكرة الصلح كانت هي المقصد الذي يطلبه الفريقان واتفقوا عليه وكان المسلمون حينئذ مجمعين على وجوب إقامة الحد وتنفيذ القصاص في قتلة عثمان ولم يخطر القتال على بال أحد منهم، ولكن المفسدين في الأرض الذين قتلوا عثمان ﵁ أصابهم الغم وأدركهم الحزن من اتفاق الكلمة وجمع الشمل، وأيقنوا أن الصلح الذي حصل الاتفاق عليه بين علي وأم المؤمنين وطلحة والزبير ﵃ سيكشف أمرهم وسيسلم رؤوسهم إلى سيف الحق وقصاص الخليفة فباتوا يدبرون أمرهم بليل شديد الظلمة فلم يجدوا سبيلًا لنجاتهم إلا بأن يعملوا على إبطال الصلح وتفريق صفوف المسلمين وذلك بأن يقوموا بعمل يحير العقلاء ويجعل كل فريق يسيء الظن بالآخر. فقد أجمعوا على إنشاب الحرب في السر واستسروا بذلك خشية أن يفطن بما حاولوا من الشر وخاصة بعد أن تيقنوا أن رأي علي فيهم موافق لرأي طلحة والزبير وأم المؤمنين عائشة ﵃ وقض مضجعهم قوله ﵁ في خطبته التي ذكرناها آنفًا: "ألا وإني راحل غدًا فارتحلوا ألا ولا يرتحلن معي أحد أعان على قتل عثمان في شيء من أمور الناس"٢ " فلما قال هذا اجتمع من رؤوسهم جماعة كالأشتر النخعي، وشريح بن أوفى وعبد الله بن سبأ - المعروف بابن السوداء، وسالم بن ثعلبة
_________________
(١) ١ـ تاريخ الأمم والملوك ٤/٤٩٣، وانظر البداية والنهاية ٧/٢٦٠. ٢ـ البداية والنهاية ٧/٢٦٠.
[ ٢ / ٧١٢ ]
وعلياء بن الهيثم وغيرهم في ألفين وخمسمائة وليس فيهم صحابي ولله الحمد فقالوا: ما هذا الرأي؟ وعلي والله أعلم بكتاب الله ممن يطلب قتلة عثمان، وأقرب إلى العمل بذلك وقد قال ما سمعتم غدًا يجمع عليكم الناس، وإنما يريد القوم كلهم أنتم فكيف بكم وعددكم قليل في كثرتهم؟
فقال الأشتر: قد عرفنا رأي طلحة والزبير فينا وأما رأي علي فلم نعرفه إلى اليوم فإن كان اصطلح معهم فإنما اصطلحوا على دمائنا، فإن كان الأمر هكذا ألحقنا عليًا بعثمان فرضي القوم منا بالسكوت فقال ابن السوداء: بئس ما رأيت لو قتلناه قتلنا فإنا يا معشر قتلة عثمان - في ألفين وخمسمائة - وطلحة والزبير وأصحابهما في خمسة آلاف لا طاقة لكم بهم وهم إنما يريدونكم.
فقال علياء بن الهيثم: دعوهم وارجعوا بنا حتى نتعلق ببعض البلاد فنمتنع بها فقال ابن السوداء: بئس ما قلت، إذا والله كان يتخطفكم الناس، ثم قال ابن السوداء: قبحه الله يا قوم إن عزكم في خلطة الناس فإذا التقى الناس فأنشبوا الحرب والقتال بين الناس ولا تدعوهم يجتمعون، فمن أنتم معه لا يجد بدًا من أن يمتنع ويشغل الله طلحة والزبير ومن معهما عما يحبون ويأتيهم ما يكرهون فأبصروا الرأي وتفرقوا عليه"١ فاجتمعوا على هذا الرأي الذي تفوه به الخبيث عبد الله بن سبأ اليهودي "فغدوا مع الغلس وما يشعر بهم جيرانهم فخرجوا متسللين وعليهم ظلمة فخرج مضريهم إلى مضريهم، وربيعهم إلى ربيعهم ويمانيهم إلى يمانيهم فوضعوا فيهم السلاح بغتة فثار أهل البصرة، وثار كل قوم في وجوه أصحابهم الذين أتوهم، وبلغ طلحة والزبير ما وقع من الاعتداء على أهل البصرة فقالا: ما هذا؟ قالوا: طرقنا أهل الكوفة ليلًا وفي نفس الوقت حسب خطة أولئك المفسدين ذهبت منهم فرقة أخرى في ظلمة الليل ففاجأت معسكر علي بوضع السيف فيهم وقد وضعت السبئية رجلًا قريبًا من علي يخبره بما يريدون
_________________
(١) ١ـ البداية والنهاية ٧/٢٦٠.
[ ٢ / ٧١٣ ]
فلما سمع علي الصوت عندما هجموا على معسكره قال: ما هذا؟ قال ذلك الرجل: ما شعرنا إلا وقوم من أهل البصرة قد بيتونا"١.
"فثار كل فريق إلى سلاحه ولبسوا اللأمة وركبوا الخيول، ولا يشعر أحد منهم بما وقع الأمر عليه في نفس الأمر وكان أمر الله قدرًا مقدروًا وقامت الحرب على قدم وساق وتبارز الفرسان، وجالت الشجعان فنشبت الحرب وتوافق الفريقان وقد اجتمع مع علي عشرون ألفًا، والتف على عائشة ومن معها نحو من ثلاثين ألفًا فإنا لله وإنا إليه راجعون والسبئية أصحاب ابن السوداء - قبحه الله - لا يفترون عن القتل ومنادي علي ينادي ألا كفوا، ألا كفوا فلا يسمع أحد"٢ فاشتدت المعركة وحمي الوطيس "وقد كان من سنتهم في هذا اليوم أنه لا يذفف٣ على جريح ولا يتبع مدبر وقد قتل من هذا خلق كثير جدًا"٤ حتى حزن علي ﵁ أشد الحزن وجعل يقول لابنه الحسن: يا بني ليت أباك مات منذ عشرين سنة فقال له: يا أبه قد كنت أنهاك عن هذا قال: يا بني إني لم أر أن الأمر يبلغ هذا"٥ ثم نزل بنفسه إلى ميدان المعركة لإنهاء القتال "وطلب طلحة والزبير ليكلمهما فاجتمعوا حتى التقت أعناق خيولهم فذكرهما بما ذكرهما به فانتهى الأمر برجوع الزبير يوم الجمل وفي أثناء رجوعه ﵁ "نزل واديًا يقال له: وادي السباع فاتبعه رجل يقال له عمرو بن جرموز فجاءه وهو نائم فقتله غيلة"٦ وأما طلحة ﵁ فإنه بعد " أن اجتمع به علي فوعظه تأخر فوقف في بعض الصفوف فجاءه سهم غرب فوقع في ركبته
_________________
(١) ١ـ تاريخ الأمم والملوك ٤/٥٠٦-٥٠٧، الكامل لابن الأثير ٣/٢٤٢، البداية والنهاية ٧/٢٦١-٢٦٢، فتح الباري ١٣/٥٦. ٢ـ البداية والنهاية ٧/٢٦٢. ٣ـ أي: لا يجهر عليه "النهاية في غريب الحديث" ٢/١٦٢. ٤ـ البداية والنهاية ٧/٢٦٢. ٥ـ ذكره ابن كثير في البداية والنهاية ٧/٢٦٢. ٦ـ انظر تاريخ الأمم والملوك ٤/٥٣٥، البداية والنهاية ٧/٢٦٤، الرياض النضرة ٤/٢٨٨.
[ ٢ / ٧١٤ ]
وقيل في رقبته والأول أشهر، وانتظم السهم مع ساقه خاصرة الفرس فجمح به حتى كاد يلقيه وجعل يقول: إلى عباد الله فأدركه مولى له فركب وراءه وأدخله البصرة فمات بدار فيها ويقال: إنه مات بالمعركة"١ ولم تنته موقعة الجمل برجوع الزبير واستشهاد طلحة ﵄ بل اشتدت الحرب بين الفريقين حتى أن أم المؤمنين عائشة ﵂ تقدمت وهي في هودجها وناولت كعب بن سور قاضي البصرة مصحفًا وقالت ادعهم إليه وذلك حين اشتد الحرب وحمي القتال فلما تقدم كعب بن سور بالمصحف يدعو إليه استقبله مقدمة جيش الكوفيين وكان عبد الله بن سبأ - وهو ابن السوداء - وأتباعه بين يدي الجيش يقتلون من قدروا عليه من أهل البصرة لا يتوقفون في أحد، فلما رأوا كعب بن سور رافعًا المصحف رشقوه بنبالهم رشقة رجل واحد فقتلوه ووصلت النبال إلى هودج أم المؤمنين عائشة ﵂ فجعلت تنادي الله الله يا بني اذكروا يوم الحساب ورفعت يديها تدعو على أولئك النفر من قتلة عثمان فضج الناس معها بالدعاء حتى بلغت الضجة إلى علي فقال: ما هذا؟ فقالوا: أم المؤمنين تدعو على قتلة عثمان وأشياعهم فقال: اللهم العن قتلة عثمان"٢.
ولما رأى علي ﵁ أن المعركة حميت حول الجمل أمر بعقره على ما يقال كي لا تصاب أم المؤمنين لأنها بقيت غرضًا للرماة ولينفصل هذا الموقف الذي تفاني فيه الناس ولما سقط البعير إلى الأرض انهزم من حوله من الناس وانتهت المعركة وحملت أم المؤمنين بأمر من علي وهي مكرمة معززة ودخلت البصرة ومعها أخوها محمد بن أبي بكر"٣.
وأما علي ﵁، فإنه "أقام بظاهر البصرة ثلاثًا ثم صلى على القتلى من الفريقين ثم جمع ما وجد لأصحاب عائشة في المعسكر، وأمر به أن يحمل إلى مسجد البصرة فمن عرف شيئًا هو
_________________
(١) ١ـ البداية والنهاية ٧/٢٦٤، ٢٧٠، الرياض النضرة في مناقب العشرة ٤/٢٦٦. ٢ـ انظر تاريخ الأمم والملوك ٤/٥١٣، البداية والنهاية ٧/٢٦٤. ٣ـ انظر تاريخ الأمم والملوك ٤/٥٣٣-٥٣٤، البداية والنهاية ٧/٢٦٦-٢٦٧.
[ ٢ / ٧١٥ ]
لأهلهم فليأخذه إلا سلاحًا كان في الخزائن عليه سمة السلطان وكان مجموع من قتل يوم الجمل من الفريقين - عشرة آلاف خمسة من هؤلاء وخمسة من هؤلاء ﵏ ورضي عن الصحابة منهم وقد سأل بعض أصحاب علي عليًا أن يقسم فيهم أموال أصحاب طلحة والزبير فأبى عليهم"١.
"ولما أرادت أم المؤمنين عائشة الخروج من البصرة بعث إليها علي ﵁ بكل ما ينبغي من مركب وزاد ومتاع وغير ذلك وأذن لمن نجا ممن جاء في الجيش معها - أن يرجع إلا أن يحب المقام، واختار لها أربعين امرأة من نساء أهل البصرة المعروفات وسير معها أخاها محمد بن أبي بكر، فلما كان اليوم الذي ارتحلت فيه، جاء علي فوقف على الباب وحضر الناس وخرجت من الدار٢ في الهودج فودعت الناس ودعت لهم وقالت: يا بني لا يعتب بعضنا على بعض إنه والله ما كان بيني وبين علي في القديم إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها فقال علي: صدقت والله ما كان بيني وبينها إلا ذاك وإنها لزوجة نبيكم ﷺ في الدنيا والآخرة وسار علي معها مودعًا ومشيعًا أميالًا، وسرح بنيه معها بقية ذلك اليوم وكان يوم السبت مستهل رجب سنة ست وثلاثين - وقصدت في مسيرها ذلك إلى مكة، فأقامت بها إلى أن حجت عامها ذلك ثم رجعت إلى المدينة ﵂"٣.
ومما تقدم ذكره بشأن موقعة الجمل تبين أن القتال وقع بين الصحابة فيما بينهم كان بدون قصد منهم ولا اختيار وأن حقيقة المؤامرة التي قام بها قتلة عثمان خفيت على كلا الفريقين حتى ظن كل منهما أن الفريق الآخر قصده بالقتال.
وقد وضح حقيقة هذه المؤامرة العلامة ابن حزم وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمهما الله:
قال أبو محمد بن حزم: "وأما أهل الجمل فما قصدوا قط قتال علي
_________________
(١) ١ـ تاريخ الأمم والملوك ٤/٥٣٨-٥٣٩، البداية والنهاية ٧/٢٦٧.. ٢ـ هي دار عبد الله بن خلف الخزاعي وهي أعظم دار كانت بالبصرة "تاريخ الطبري" ٤/٥٣٩، البداية والنهاية ٧/٢٦٧. ٣ـ البداية والنهاية ٧/٢٦٨-٢٦٩.
[ ٢ / ٧١٦ ]
رضوان الله عليه ولا قصد علي رضوان الله عليه قتالهم وإنما اجتمعوا بالبصرة للنظر في قتلة عثمان رضوان الله عليه وإقامة حق الله تعالى فيهم، فتسرع الخائفون على أنفسهم أخذ حد الله تعالى منهم وكانوا أعدادًا عظيمة يقربون من الألوف فأثاروا القتال خفية حتى اضطر كل واحد من الفريقين إلى الدفاع عن أنفسهم إذ رأوا السيف قد خالطهم"١.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "ولم يكن يوم الجمل لهؤلاء٢ قصد في القتال ولكن وقع الاقتتال بغير اختيارهم فإنه لما تراسل علي وطلحة والزبير وقصدوا الاتفاق على المصلحة وأنهم إذا تمكنوا طلبوا قتلة عثمان أهل الفتنة وكان علي غير راض بقتل عثمان ولا معينًا عليه كما كان يحلف فيقول: والله ما قتلت عثمان ولا مالأت على قتله٣ وهو الصادق البار في يمينه فخشي القتلة أن يتفق علي معهم على إمساك القتلة فحملوا دفعًا عن أنفسهم فظن علي أنهم حملوا عليه فحمل دفعًا عن نفسه فوقعت الفتنة بغير اختيارهم"٤.
فهكذا أنشب الحرب بين علي وأخويه الزبير وطلحة قتلة عثمان الأشرار دون أن يفطن لذلك أولئك الأخيار من الصحابة ﵃ وأرضاهم.
وأما موقعة صفين: ٥
فقد دارت رحا الحرب فيها بين أهل العراق من أصحاب علي ﵁ وبين أهل الشام من أصحاب معاوية بن أبي سفيان ﵄ ذلك أن عليًا ﵁ لما فرغ من وقعة الجمل ودخل البصرة وشيع أم المؤمنين
_________________
(١) ١ـ الإحكام في أصول الأحكام ٢/٨٥. ٢ـ المقصود بالإشارة إلى الصحابة الذين اقتتلوا في موقعة الجمل. ٣ـ انظر المصنف لابن أبي شيبة ١٥/٢٠٨-٢٠٩، المصنف لعبد الرزاق ١١/٤٥٠، المستدرك ٣/٩٥. ٤ـ منهاج السنة ٢/١٨٥. ٥ـ صفين: موضع بقرب الرقة على شاطيء الفرات من الجانب الغربي بين الرقة وبالس وفيه كانت وقعة صفين بين علي ومعاوية ﵄ في شهر صفر سنة ٣٧ هجرية معجم البلدان ٣/٤١٤.
[ ٢ / ٧١٧ ]
عائشة ﵂ لما أرادت الرجوع إلى مكة ثم سار من البصرة إلى الكوفة فدخلها وكان في نيته أن يمضي ليرغم أهل الشام على الدخول في طاعته كما كان في نية معاوية ألا يبايع حتى يقام الحد على قتلة عثمان ﵁، أو يسلموا إليه ليقتلهم ولما دخل علي ﵁ الكوفة شرع في مراسلة معاوية بن أبي سفيان ﵄ فقد بعث إليه جرير بن عبد الله البجلي ومعه كتاب أعلمه فيه "باجتماع المهاجرين والأنصار على بيعته ودعاه فيه إلى الدخول فيما دخل فيه الناس فلما انتهى إليه جرير بن عبد الله أعطاه الكتاب فطلب معاوية عمرو بن العاص ورؤوس أهل الشام فاستشارهم فأبوا أن يبايعوا حتى يقتل قتلة عثمان، أو أن يسلم إليهم قتلة عثمان وإن لم يفعل لم يبايعوه حتى يقتل قتلة عثمان ﵁ فرجع جرير إلى علي فأخبره بما قالوا: وحيئنذ خرج من الكوفة عازمًا على دخول الشام فعسكر بالنخيلة١ وبلغ معاوية أن عليًا قد خرج بنفسه فاستشار عمرو بن العاص فقال له: اخرج أنت أيضًا بنفسك فتهيأ أهل الشام وتأهبوا، وخرجوا أيضًا: إلى نحو الفرات من ناحية صفين حيث يكون مقدم علي بن أبي طالب ﵁ وسار علي ﵁ بمن معه من الجنود من النخيلة قاصدًا أرض الشام فالتقى الجمعان في صفين - أوائل ذي الحجة سنة ست وثلاثين"٢.
ومكث علي يومين لا يكاتب معاوية، ولا يكاتبه معاوية، ثم دعا علي بشير بن عمرو الأنصاري وسعيد بن قيس الهمداني، وشبث بن ربعي التميمي فقال لهم: ائتوا هذا الرجل فادعوه إلى الطاعة والجماعة واسمعوا ما يقول لكم: فلما دخلوا على معاوية جرى بينه وبينهم حوار لم يوصلهم إلى نتيجة فما كان من معاوية إلا أن أخبرهم أنه مصمم على القيام بطلب دم عثمان الذي قتل
_________________
(١) ١ـ النخلة: تصغير نخلة: موضع قرب الكوفة على سمت الشام وهو الموضع الذي خرج إليه علي ﵁ "معجم البلدان" ٥/٢٧٨. ٢ـ تاريخ الأمم والملوك ٤/٥٦٣-٥٦٥، الكامل ٣/٢٧٦-٢٧٩، البداية والنهاية ٧/٢٧٦-٢٧٧.
[ ٢ / ٧١٨ ]
مظلومًا"١.
ولما رجع أولئك النفر إلى علي ﵁ وأخبروه بجواب معاوية ﵁ لهم وأنه لن يبايع حتى يقتل القتلة أو يسلمهم" عند ذلك نشبت الحرب بين الفريقين واقتتلوا مدة شهر ذي الحجة كل يوم، وفي بعض الأيام ربما اقتتلوا مرتين ولما دخل شهر المحرم تحاجز القوم رجاء أن تقوم بيهم مهادنة وموادعة يؤول أمرها إلى الصلح بين الناس وحقن دمائهم"٢ ثم في خلال هذا الشهر بدأت مساعي الصلح والمراسلة تتكرر بين الطرفين ولكن انسلخ شهر المحرم ولم يحصل لهم أي اتفاق، ولم يقع بينهم صلح.
ثم نشبت الحرب بين الطائفتين أيامًا ثمانية وكان أشدها وأعنفها ليلة التاسع من صفر سنة سبع وثلاثين حيث سميت هذه الليلة "ليلة الهرير" تشبيهًا لها بليلة القادسية اشتد القتال فيها حتى توجه النصر فيها لأهل العراق على أهل الشام"٣.
وتفرقت صفوفهم وكادوا ينهزمون فعند ذلك رفع أهل الشام المصاحف فوق الرماح وقالوا: هذا بيننا وبينكم قد فنى الناس فمن لثغور أهل الشام بعد أهل الشام، ومن لثغور أهل العراق بعد أهل العراق، فلما رأى الناس المصاحف قد رفعت قالوا: نجيب إلى كتاب الله ﷿ وننيب إليه"٤.
ولما رفعت المصاحف بالرماح توقفت الحرب ولما رفع أهل الشام المصاحف اختلف أصحاب علي ﵁ وانقسموا عليه فمنهم: من رأى الموافقة على التحكيم ومنهم من كان يرى الاستمرار في القتال حتى يحسم الأمر، وهذا كان رأي علي ﵁ في بادئ الأمر، ثم وافق أخيرًا على التحكيم".
فتم الاتفاق بين الفريقين على التحكيم بعد انتهاء موقعة صفين وهو أن يحكم
_________________
(١) ١ـ انظر تاريخ الأمم والملوك ٤/٥٧٣، الكامل لابن الأثير ٣/٢٨٥-٢٨٦، البداية والنهاية ٧/٢٨٠. ٢ـ انظر تاريخ الطبري ٤/٥٧٤-٥٧٥، ٥/٥، الكامل ٣/٢٨٦-٢٨٧، ص/٢٨٩، البداية والنهاية ٧/٢٨٠-٢٨١. ٣ـ انظر تاريخ الطبري ٥/١٢-٤٨، الكامل ٣/٢٩٤-٣١٥، البداية والنهاية ٧/٢٨٤-٢٩٧. ٤ـ انظر تاريخ الأمم والملوك ٥/٤٨، الكامل ٣/٣١٦-٣١٨، البداية والنهاية ٧/٢٩٨.
[ ٢ / ٧١٩ ]
كل واحد منهما رجلًا من جهته، ثم يتفق الحكمان على ما فيه مصلحة المسلمين فوكل معاوية عمرو بن العاص ووكل علي أبا موسى الأشعري ﵃ جميعًا، ثم أخذ الحكمان من علي ومعاوية ومن الجندين العهود والمواثيق أنهما آمنان على أنفسهما وأهلهما والأمة لهما أنصار على الذي يتقاضيان عليه، وعلى المؤمنين والمسلمين من الطائفتين التي كليهما - عهد الله وميثاقه أنهما على ما في ذلك الكتاب وأجلا القضاء إلى رمضان١ وإن أحبا أن يؤخرا ذلك فعلى تراض منهما وكتب في يوم الأربعاء لثلاث عشرة خلت من صفر سنة سبع وثلاثين على أن يوافي علي ومعاوية موضع الحكمين بدومة الجندل في رمضان، ومع كل واحد من الحكمين أربعمائة من أصحابه، فإن لم يجتمعا لذلك اجتمعا من العام المقبل بأذرح٢ ولما كان شهر رمضان جعل الاجتماع كما تشارطوا عليه وقت التحكيم بصفين وذلك أن عليًا ﵁ لما كان مجيئ رمضان بعث أربعمائة فارس مع شريح بن هانيء ومعهم أبو موسى، وعبد الله بن عباس وإليه الصلاة، وبعث معاوية عمرو بن العاص في أربعمائة فارس من أهل الشام ومعهم عبد الله بن عمر، فتوافوا بدومة الجندل بأذرح وهي نصف المسافة بين الكوفة والشام بينها وبين كل من البلدين تسع مراحل - وشهد معهم جماعة من رؤوس الناس كعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، والمغيرة بن شعبة، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي وعبد الرحمن بن عبد يغوث الزهري، وأبو جهم ابن حذيفة فلما اجتمع الحكمان وتراوضا على المصلحة للمسلمين ونظرا في تقدير أمور٣ ثم اتفقا على أن يكون الفصل في موضوع النزاع بين علي ومعاوية يكون لأعيان الصحابة الذين توفي رسول الله ﷺ وهو راضٍ عنهم هذا ما اتفق
_________________
(١) ١ـ انظر تاريخ الطبري ٥/٤٨-٤٩، الكامل ٣/٣١٦-٣١٨، البداية والنهاية ٧/٢٩٨-٢٩٩. ٢ـ أذرح: اسم بلد في أطراف الشام من أعمال الشراة ثم من نواحي البلقاء وعمان مجاورة لأرض الحجاز "معجم البلدان" ١/١٢٩. ٣ـ البداية والنهاية ٧/٣٠٢-٣٠٣، ص/٣٠٨-٣٠٩، وانظر تاريخ الأمم والملوك ٥/٦٧، الكامل في التاريخ ٣/٣٢٩.
[ ٢ / ٧٢٠ ]
عليه الحكمان فيما بينهما لا شيء سواه.
أما ما يذكره المؤرخون من أن الحكمين لما اجتمعا بأذرح من دومة الجندل١ وتفاوضا واتفقا على أن يخلعا الرجلين فقال عمرو بن العاص لأبي موسى: اسبق بالقول فتقدم فقال: إني نظرت فخلعت عليًا عن الأمر وينظر المسلمون لأنفسهم كما خلعت سيفي هذا من عنقي أو من عاتقي وأخرجه من عنقه فوضعه في الأرض، وقام عمرو فوضع سيفه في الأرض وقال: إني نظرت فأثبت معاوية في الأمر: كما أثبت سيفي هذا في عاتقي وتقلده، فأنكر أبو موسى فقال عمرو: كذلك اتفقنا وتفرق الجمع على ذلك من الاختلاف"٢.
فهذه الحكاية وما يشبهها من اختلاق أهل الأهواء والبدع الذين لا يعرفون قدر أبي موسى وعمرو بن العاص ومنزلتهما الرفيعة في الإسلام. قال أبو بكر بن العربي مبينًا كذب ذلك: "هذا كله كذب صراح ما جرى منه حرف قط، وإنما هو شيء أخبر عنه المبتدعة ووضعته التاريخية للملوك فتوارثه أهل المجانة والجهارة بمعاصي الله والبدع"٣.
ولم يكتف الواضعون من أهل التاريخ بهذا بل وسموا الحكمين بصفات يتخذون منها وسيلة للتفكه والتندر، وليتخذ منها أعداء الإسلام صورًا هزيلة لأعلام الإسلام في المواقف الحرجة، فقد وصفوا عمرو بن العاص ﵁ بأنه كان صاحب غدر وخداع"٤ ووصفوا أبا موسى بأنه كان أبله ضعيف
_________________
(١) ١ـ دومة الجندل: اسم مكان على سبع مراحل من دمشق بينها وبين مدينة الرسول ﷺ وبعضهم يعدها من أعمال المدينة "معجم البلدان" ٢/٤٨٦. ٢ـ ذكره ابن العربي في العواصم من القواصم ص/١٧٤-١٧٦، وانظر تاريخ الأمم والملوك ٥/٧١، الكامل لابن الأثير ٣/٣٣٢-٣٣٣، البداية والنهاية ٧/٣٠٩-٣١٠، ومروج الذهب ٢/٦٨٤-٦٨٥. ٣ـ العواصم من القواصم ص/١٧٧. ٤ـ انظر تاريخ الطبري ٥/٧٠-٧١، الكامل لابن الأثير ٣/٣٣٢-٣٣٣، مروج الذهب ٢/٦٨٤-٦٨٥.
[ ٢ / ٧٢١ ]
الرأي مخدوع في القول كما وصفوه بأنه كان على جانب كبير من الغفلة"١.
ولذلك خدعه عمرو بن العاص في قضية التحكيم حيث اتفقا على خلع الرجلين فخلعهما أبو موسى واكتفى عمرو بخلع علي دون معاوية كل هذه الصفات الذميمة يحاول المغرضون إلصاقها بهذين الرجلين العظيمين اللذين اختارهما المسلمون ليفصلا في خلاف كبير أدى إلى قتل الآلاف من المسلمين وكل ذي لب يعلم أن المسلمين لا يسندون الفصل في هذا الأمر إلى أبي موسى وعمرو بن العاص ﵄ إلا لعلمهم بما هما عليه من الفضل، وأنهما من خيار الأمة المحمدية ومن أكثرهم ثقة وورعًا وأمانة فكيف يصف الغافلون هذين الرجلين بما وصفوهما به من المكيدة والخداع وضعف الرأي والغفلة، ولكن تلك الأوصاف هي أليق بمن تفوه بها من أهل الأهواء، وقد تجاهل أولئك الواصفون لأبي موسى وعمرو بما تقدم ذكره أمورًا لو دققوا النظر فيها لاستحيوا من ذكر تلك الأوصاف وتلك الأمور هي:
الأمر الأول: أنهم تجاهلوا أن معاوية لم يكن خليفة ولا هو ادعى الخلافة يومئذ حتى يحتاج عمرو إلى خلعها عنه أو تثبيتها له.
الأمر الثاني:
أن سبب النزاع هو أخذ الثأر لعثمان ﵁ من قتلته فلما طلب علي البيعة من معاوية "اعتل بأن عثمان قتل مظلومًا وتجب المبادرة إلى الاقتصاص من قتلته وأنه أقوى الناس على الطلب بذلك والتمس من علي أن يمكنه منهم ثم يبايع له بعد ذلك"٢ ومعنى هذا أن معاوية كان مسلمًا لعلي بالخلافة لأنه طلب منه بوصفه الخليفة تسليم القتلة، أو إقامة الحد عليهم باعتباره أمير المؤمنين، وكان
_________________
(١) ١ـ انظر تاريخ الطبري ٥/٧٠، الكامل ٣/٣٣٢-٣٣٣، مروج الذهب ٢/٦٨٤-٦٨٥. ٢ـ فتح الباري ١٢/٢٨٤.
[ ٢ / ٧٢٢ ]
قال أبو محمد بن حزم مبينًا أن القتال الذي دار بين علي ومعاوية كان مغايرًا لقتال علي الخوارج حيث قال: "وأما أمر معاوية ﵁ فبخلاف ذلك ولم يقاتله علي ﵁ لامتناعه من بيعته لأنه كان يسعه في ذلك ما وسع ابن عمر٢ وغيره لكن قاتله لامتناعه من إنفاذ أوامره في جميع أرض الشام وهو الإمام الواجبة طاعته فعلي المصيب في هذا ولم ينكر معاوية قط فضل علي واستحقاقه الخلافة لكن اجتهاده أداه إلى أن رأى تقديم أخذ القود من قتلة عثمان ﵁ على البيعة ورأى نفسه أحق بطلب دم عثمان والكلام فيه من ولد عثمان وولد الحكم بن أبي العاص لسنه ولقوته على الطلب بذلك كما أمر رسول الله ﷺ عبد الرحمن بن سهل أخا عبد الله بن سهل المقتول بخيبر بالسكوت وهو أخو المقتول وقال له: كبر كبر٣ فسكت عبد الرحمن وتكلم محيصة وحويصة ابنا مسعود وهما ابنا عم المقتول لأنهما كانا أسن من أخيه"٤ فلم يطلب معاوية من ذلك إلا ما كان له من الحق أن يطلبه وأصاب في ذلك الأثر الذي ذكرنا وإنما أخطأ في تقديمه ذلك على البيعة فقط فله أجر الاجتهاد في ذلك ولا إثم عليه فيما حرم من الإصابة كسائر المخطئين في اجتهادهم الذين أخبر رسول الله ﷺ أن لهم أجرًا واحدًا وللمصيب أجران - إلى أن قال - وقد علمنا أن من لزمه حق واجب وامتنع من أدائه وقاتل دونه فإنه يجب على
_________________
(١) ١ـ فتح الباري ١٣/٥٦. ٢ـ كانت عادة ابن عمر ﵁ عدم البيعة في حال الاختلاف وكان يبايع عند اجتماع الكلمة فقد أخرج يعقوب بن سفيان في تاريخه عن ابن عمر أنه قال: "ما كنت لأعطي بيعتي في فرقة ولا أمنعها من جماعة" أورده الحافظ ابن حجر في كتابه فتح الباري ١٣/١٩٥. ٣ـ أي: أترك الكلام لمن هو أكبر منك سنًا. ٤ـ الحديث متفق عليه. انظر اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان ٢/١٧٨.
[ ٢ / ٧٢٣ ]
الإمام أن يقاتله وإن كان منا وليس ذلك بمؤثر في عدالته وفضله ولا بموجب له فسقًا بل هو مأجور لاجتهاده ونيته في طلب الخير فبهذا قطعنا على صواب علي ﵁ وصحة إمامته وأنه صاحب الحق وأن له أجرين أجر الاجتهاد، وأجر الإصابة وقطعنا أن معاوية ﵁ ومن معه مخطئون مجتهدون مأجورون أجرًا واحدًا"١.
فابن حزم رحمة الله عليه يقرر في هذا النص أن النزاع الذي كان بين علي ومعاوية إنما هو في شأن قتلة عثمان وليس اختلافًا على الخلافة إذ أن معاوية ﵁ لم ينكر فضل علي واستحقاقه للخلافة وإنما امتنع عن البيعة حتى يسلمه القتلة أو يقتلهم وكان علي ﵁ يستمهله في الأمر حتى يتمكن ويفعل ذلك فتحكيمهما إذن إنما هو في محل النزاع، وليس من أجل الخلافة.
الأمر الثالث:
أن موقف أبي موسى الأشعري في التحكيم لم يكن أقل من موقف عمرو بن العاص في شيء ولذلك عد المؤرخون المنصفون هذا الموقف من مفاخر أبي موسى بعد موته بأجيال وصار مصدر فخر لأحفاده من بعده حتى قال ذو الرمة الشاعر مخاطبًا بلال بأبي بردة بن أبي موسى الأشعري بأبيات منها:
أبوك تلافى الدين والناس بعدما تشاءوا٢ وبيت الدين منقطع الكسر
فشد أصار الدين أيام أذرح ورد حروبًا قد لقحن إلى عقر٣
فلم يول ﵁ في الفصل في قضية التحكيم إلا لما علم فيه من الفطنة والعلم وقدرته على حل المعضلات فقد ولاه النبي ﷺ هو ومعاذ بن جبل قبل حجة الوداع على بلاد اليمن حيث بعث كل واحد منهما على
_________________
(١) ١ـ الفصل في الملل والأهواء والنحل ٤/١٥٩-١٦١، وانظر تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٤/٣٠٦. ٢ـ أي: تنازعوا. ٣ـ ديوان ذي الرمة ص/٣٦١-٣٦٢، معجم البلدان ١/١٣٠.
[ ٢ / ٧٢٤ ]
مخلاف١ وأوصاهما ﵊ بأن ييسرا ولا يعسرا وأن يبشرا ولا ينفرا٢ وما توليته ﵊ لأبي موسى إلا لعلمه بصلاحه للإمارة.
قال العلامة ابن حجر ﵀ عند شرحه لحديث بعث النبي ﷺ أبا موسى ومعاذًا إلى اليمن: "واستدل به على أن أبا موسى كان عالمًا فطنًا حاذقًا، ولولا ذلك لم يوله النبي ﷺ الإمارة، ولو كان فوض الحكم لغيره لم يحتج إلى توصيته بما وصاه به، ولذلك اعتمد عليه عمر، ثم عثمان، ثم علي وأما الخوارج والروافض فطعنوا فيه ونسبوه إلى الغفلة وعدم الفطنة لما صدر منه في التحكيم بصفين٣ فالتحكيم لم يقع فيه خداع ولا مكر ولم تتخلله بلاهة ولا غفلة، وأن عمرًا لم يغالط أبا موسى ولم يخدعه ولم يقرر في التحكيم غير الذي قرره أبو موسى ولم يخرج عما اتفقا عليه من تفويض الحسم في موضع النزاع إلى النفر الذين بقوا على قيد الحياة ممن توفي عنهم رسول الله ﷺ وهو راضٍ عنهم.
قال ابن كثير: "والحكمان كانا من خيار الصحابة وهما: عمرو بن العاص السهمي - من جهة أهل الشام والثاني: أبو موسى عبد الله بن قيس الأشعري - من جهة أهل العراق، وإنما نصبا ليصلحا بين الناس ويتفقا على أمر فيه رفق بالمسلمين وحقن لدمائهم وكذلك وقع"٤.
وإذا كان قرارهما الذي اتفقا عليه لم يتم فما في ذلك تقصير منهما فهما قد قاما بمهمتهما بحسب ما أدى
_________________
(١) ١ـ كان اليمن حينذاك مقسمًا إلى مخلافين. "والمخلاف - بكسر الميم وسكون المعجمة وآخره فاء هو بلغة أهل اليمن وهو الكورة والإقليم - والرستاق - بضم الراء - وسكون المهملة بعدها مثناة وآخرها قاف وكانت جهة معاذ العليا إلى صوب عدن وكان من عمله الجند - بفتح الجيم والنون وله بها مسجد مشهور إلى اليوم وكانت جهة أبي موسى السفلى والله أعلم."فتح الباري" ٨/٦١، وقد ذكر ياقوت أن اليمن مخاليف كثيرة انظر معجم البلدان ٥/٦٧-٧٠. ٢ـ انظر الحديث بطوله في صحيح البخاري ٣/٧٢. ٣ـ فتح الباري ٨/٦٢. ٤ـ البداية والنهاية ٦/٢٤٥.
[ ٢ / ٧٢٥ ]
إليه اجتهادهما واقتناعهما ولو لم تكلفهما الطائفتان معًا بأداء هذه المهمة لما تعرضا لها ولا أبديا رأيا فيها، وكل ما تقدم ذكره في هذا المبحث عن موقعتي الجمل وصفين وقضية التحكيم هو اللائق بمقام الصحابة فهو خال مما دسه الشيعة الرافضة وغيرهم على الصحابة في تلك المواطن من الحكايات المختلقة والأحاديث الموضوعة ومما يعجب له الإنسان أن أعداء الصحابة إذا دعوا إلى الحق أعرضوا عنه وقالوا: لنا أخبارنا ولكم أخباركم ونحن حينئذ نقول لهم: سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين.
[ ٢ / ٧٢٦ ]
موقف أهل السنة من تلك الحرب:
إن موقف أهل السنة والجماعة من الحرب التي وقعت بين الصحابة الكرام ﵃ هو الإمساك عما شجر بيهم إلا فيما يليق بهم ﵃ لما يسببه الخوض في ذلك من توليد العداوة والحقد والبغض لأحد الطرفين وذلك من أعظم الذنوب وقالوا: إنه يجب على كل مسلم أن يحب الجميع ويترضى عنهم ويترحم عليهم ويحفظ لهم فضائلهم، ويعترف لهم بسوابقهم، وينشر مناقبهم وأن الذي حصل بينهم إنما كان عن اجتهاد والجميع مثابون في حالتي الصواب والخطأ غير أن ثواب المصيب ضعف ثواب المخطئ في اجتهاده وأن القاتل والمقتول من الصحابة في الجنة، ولم يجوز أهل السنة والجماعة الخوض فيما شجر بينهم.
وقبل أن أذكر طائفة من أقوال أهل السنة التي تبين موقفهم فيما شجر بين الصحابة أذكر بعض النصوص التي فيها الإشارة إلى ما وقع بين الصحابة من الاقتتال وبما وصفوا به فيها وتلك النصوص هي:
١- قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ ١.
ففي هذه الآية أمر الله تعالى بالإصلاح بين المؤمنين إذا ما جرى بينهم قتال لأنهم إخوة وهذا الاقتتال لا يخرجهم عن وصف الإيمان حيث سماهم الله ﷿ مؤمنين وأمر بالإصلاح بينهم وإذ كان حصل اقتتال بين عموم المؤمنين ولم يخرجهم ذلك من الإيمان فأصحاب رسول الله ﷺ الذين اقتتلوا في موقعة الجمل وبعدها أول من يدخل في اسم الإيمان الذي ذكر في هذه الآية فهم لا يزالون عند ربهم مؤمنين إيمانًا حقيقيًا ولم يؤثر ما حصل بينهم من شجار في
_________________
(١) ١ـ سورة الحجرات آية/٩.
[ ٢ / ٧٢٧ ]
إيمانهم بحال لأنه كان عن اجتهاد١.
٢- روى الإمام أحمد والبخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال: رسول الله ﷺ: "لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان وتكون بينهما مقتلة عظيمة ودعواهما واحدة" ٢.
فالمراد بالفئتين جماعة علي وجماعة معاوية والمراد بالدعوة الإسلام على الراجح وقيل المراد اعتقاد كل منهما الحق٣.
٣- وروى الإمام أحمد ومسلم: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين تقتلهم أولى الطائفتين بالحق" ٤.
والفرقة المشار إليها في الحديث هي ما كان من الاختلاف بين علي ومعاوية ﵄ وقد وصف ﷺ الطائفتين معًا بأنهما مسلمتان وأنهما متعلقتان بالحق. والحديث علم من أعلام النبوة "إذ قد وقع الأمر طبق ما أخبر به ﵊، وفيه الحكم بإسلام الطائفتين: أهل الشام وأهل العراق، لا كما يزعمه فرقة الرافضة والجهلة الطغام من تكفيرهم أهل الشام، وفيه أن أصحاب علي أدنى الطائفتين إلى الحق وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة أن عليًا هو المصيب وإن كان معاوية مجتهدًا وهو مأجور إن شاء الله ولكن علي هو الإمام فله أجران كما ثبت في صحيح البخاري من حديث عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجره"٥.
٤- وروى البخاري بإسناده إلى أبي بكرة قال: بينا النبي ﷺ يخطب
_________________
(١) ١ـ انظر العواصم من القواصم لابن العربي ص/١٦٩-١٧٠، أحكام القرآن له أيضًا ٤/١٧١٧-١٧١٨. ٢ـ المسند ٢/٣١٣، صحيح البخاري ٤/٢٣١، صحيح مسلم ٤/٢٢١٤. ٣ـ فتح الباري ١٢/٣٠٣. ٤ـ المسند ٣/٤٨، صحيح مسلم ٢/٧٤٥. ٥ـ البداية والنهاية ٧/٣٠٥، والحديث في صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري١٣/٣١٨.
[ ٢ / ٧٢٨ ]
جاء الحسن فقال النبي ﷺ: "ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين" ١.
ففي هذا الحديث شهادة من النبي ﷺ بإسلام الطائفتين أهل العراق وأهل الشام والحديث فيه رد واضح على الخوارج الذين كفروا عليًا ومن معه ومعاوية ومن معه بما تضمنه الحديث من الشهادة للجميع بالإسلام ولذا كان يقول سفيان ابن عيينة: "قوله فئتين من المسلمين يعجبنا جدًا" قال البيهقي: وإنما أعجبهم لأن النبي ﷺ سماهما جميعًا مسلمين وهذا خبر من رسول الله ﷺ بما كان من الحسن بن علي بعد وفاة علي في تسليمه الأمر إلى معاوية بن أبي سفيان"٢.
فهذه الثلاثة الأحاديث المتقدم ذكرها كلها فيها الإشارة إلى أهل العراق الذين كانوا مع علي وإلى أهل الشام الذين كانوا مع معاوية بن أبي سفيان وقد وصفهم النبي ﷺ بأنهم من أمته٣.
كما وصفهم بأنهم جميعًا متعلقون بالحق لم يخرجوا عنه كما شهد لهم ﷺ بأنهم مستمرون على الإيمان ولم يخرجوا عنه بسبب القتال الذي حصل بينهم وقد دخلوا تحت عموم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ ٤ وقد قدمنا أن مدلول الآية ينتظمهم ﵃ أجمعين فلم يكفروا ولم يفسقوا بقتالهم بل هم مجتهدون متأولون وقد بين الحكم في قتالهم ذلك علي ﵁ فقد شهد للفريقين بالحسنى فقد روى ابن جرير الطبري أن عليًا لما وصل البصرة خطب الناس فقام إليه أبو سلامة الدالاني فقال: أترى لهؤلاء القوم حجة فيما طلبوا من هذا الدم إن كانوا أرادوا الله ﷿ بذلك قال: نعم قال: فترى لك حجة بتأخيرك
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ١٣/٦١. ٢ـ الاعتقاد للبيهقي ص/١٩٨، وانظر فتح الباري ١٣/٦٦. ٣ـ في صحيح مسلم ٢/٧٤٦ "تكون في أمتي فرقتان فيخرج من بينهما مارقة يلي قتلهم أولاهم بالحق". ٤ـ سورة الحجرات آية/٩.
[ ٢ / ٧٢٩ ]
ذلك؟ قال: نعم إن الشيء إذا كان لا يدرك فالحكم فيه أحوطه وأعمه نفعًا قال: فما حالنا وحالهم إن ابتلينا غدًا؟ قال: إني لأرجو ألا يقتل أحد نقى قلبه لله إلا أدخله الله الجنة"١.
وروى ابن سعد بإسناده إلى محمد بن علي - المعروف بابن الحنفية - قال: قال علي: إني لأرجو أن أكون وطلحة والزبير من الذين قال الله ﷿: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ ٢.
كما شهد ﵁ بالحسنى للقتلى من الفريقين في موقعة صفين:
فقد روى ابن أبي شيبة بإسناده إلى يزيد بن الأصم قال: سئل علي عن قتلى يوم صفين فقال: قتلانا وقتلاهم في الجنة"٣.
وشهادة علي ﵁ للقتلى من الفريقين بالجنة شهادة حق وصدق لأن الباري - جل وعلا - أخبر بأنه وعد أصحاب رسول الله ﷺ بالجنة ووعده - سبحانه - حق وصدق لا خلف فيه.
قال تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًاّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ ٤ فالخطاب في هذه الآية الكريمة موجه لأصحاب رسول الله ﷺ والوعد فيها بالجنة لجميعهم ﵃ فكل من صحب رسول الله ﷺ بنية صادقة ولو ساعة واستمر على الإيمان حتى مات فإنه من أهل الجنة لا يدخل النار لتعذيب إلا أن الذين أسلموا من بعد الفتح وقاتلوا لا يلحقون من أسلم وقاتل قبل الفتح في المرتبة وعلو الدرجة وكلًا وعد الله الجنة ورضي عنهم ومن كمال ورع علي
_________________
(١) ١ـ تاريخ الأمم والملوك ٤/٤٩٦، الكامل لابن الأثير ٣/٣٣٧-٣٣٨، البداية والنهاية ٧/٢٦١. ٢ـ الطبقات الكبرى لابن سعد ٣/١١٣، والبيهقي في الاعتقاد ص/١٩٥ والآية رقم ٤٧ من سورة الحجر. ٣ـ المصنف ١٥/٣٠٣ وأورده الذهبي في كتابه "سير أعلام النبلاء" ٣/١٤٤. ٤ـ سورة الحديد آية/١٠.
[ ٢ / ٧٣٠ ]
ذلك هو معتقد علي ﵁ في قتلى الصحابة ﵃ في موقعتي الجمل وصفين فقد شهد للقاتل والمقتول منهم بالجنة لأنهم لم يقصدوا بقتالهم إلا الحق الاجتهاد ولم يكونوا مقاتلين لغرض دنيوي أو لإيثار باطل أو لدافع الحقد حاشاهم من كل ذلك وقد ثبت كذلك أن أم المؤمنين عائشة ﵂ ترحمت على من قاتلها يوم الجمل أو قتل معها من صحابة رسول الله ﷺ.
فقد ذكر ابن الأثير: أنها ﵂ لما كانت بالبصرة بعد وقعة الجمل سألت يومئذ عمن قتل من الناس منهم معها ومنهم عليها والناس عندها فكلما نعي واحد من الجميع قالت: يرحمه الله فقيل لها: كيف ذلك؟ قالت: كذلك قال رسول الله ﷺ: "فلان في الجنة، وفلان في الجنة" ٢.
وقولها ﵂: فلان في الجنة، وفلان في الجنة تعني بذلك من شهد له رسول الله ﷺ بالجنة وسماه مثل طلحة والزبير ﵄. ولقد تقدم معنا أن عليًا ﵁ تصرف فيما خلفه القتلى في يوم الجمل تصرفًا يدل على أن تلك الحرب لم تكن بين مسلمين وغير مسلمين وإنما هي حرب بين فريقين من المسلمين يرى كل فريق منهما أن الحق في جانبه حيث جمع كل مخلفات موقعة الجمل وبعث بها إلى مسجد البصرة وقال: "من عرف شيئًا فليأخذه إلا سلاحًا كان في الخزائن عليه سمة السلطان"٣.
وصلى على جميع القتلى من الفريقين ودفن كثيرًا منهم في قبر كبير٤ كل عمله هذا يدل على إيمانه أنهم جميعًا كانوا يقاتلون اجتهادًا لا عنادًا ولا شهوة،
_________________
(١) ١ـ المصنف لابن أبي شيبة ١٥/٣٣٢. ٢ـ الكامل في التاريخ ٣/٢٥٧-٢٥٨. ٣ـ انظر تاريخ ابن جرير الطبري ٤/٥٣٨، الكامل لابن الأثير ٣/٥٥، البداية والنهاية ٧/٢٦٧. ٤ـ انظر تاريخ الطبري ٤/٥٣٨.
[ ٢ / ٧٣١ ]
ولا شفاء خصومة كانت بينهم ﵃ أجمعين ومما ينبغي أن يعلم أن شهادة علي ﵁ بالجنة للقتلى من الفريقين كما تقدم لا يدخل فيها من مرق عن الحق في إثارة الفتنة الأولى على عثمان كما لا يعد من إحدى الطائفتين اللتين وصفتا بأنهما متعلقتان بالحق وإن قاتل معها والتحق بها لأن الذين تلوثت أيديهم ونياتهم وقلوبهم بالبغي الظالم على أمير المؤمنين عثمان - كائنا من كانوا - استحقوا إقامة الحد الشرعي عليهم سواء استطاع ولي الأمر أن يقيم عليهم هذا الحد أو لم يستطع وفي حالة عدم استطاعته، فإن مواصلتهم تسعير نار الحرب بين صالحي المسلمين كلما أحسوا منهم بالعزم على الإصلاح والتآخي كما فعلوا في وقعة الجمل وبعدها يعد إصرارًا منهم على الاستمرار في الإجرام ما داموا على ذلك، فإذا قال أهل السنة والجماعة: إن الطائفتين كانتا على الحق فإنما يريدون أصحاب رسول الله ﷺ الذين كانوا في الطائفتين ومن سار معهم على سنته ﷺ من التابعين.
فالواجب على المسلم أن يسلك في اعتقاده فيما حصل بين الصحابة الكرام ﵃ مسلك الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة وهو الإمساك عما حصل بينهم ﵃ ولا يخوض فيه إلا بما هو لائق بمقامهم.
وكتب أهل السنة مملوءة ببيان عقيدتهم الصافية النقية في حق أولئك الصفوة المختارة وقد حددوا موقفهم من تلك الحرب التي وقعت بينهم في أقوالهم الحسنة التي منها.
١- سئل عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى عن القتال الذي حصل بين الصحابة فقال: تلك دماء طهر الله يدي منها أفلا أطهر منها لساني مثل أصحاب رسول الله ﷺ مثل العيون، ودواء العيون ترك مسها"١.
_________________
(١) ١ـ مناقب الشافعي للرازي ص/١٣٦، والإنصاف للباقلاني ص/٦٩، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٦/١٢٢، الطبقات الكبرى لابن سعد ٥/٣٩٤.
[ ٢ / ٧٣٢ ]
قال البيهقي معلقًا على قول عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: "هذا حسن جميل لأن سكوت الرجل عما لا يعنيه هو الصواب"١.
والمسلم مطلوب منه أن يتحرز من الوقوع في الخطأ، والحكم على بعض الصحابة بما لا يكون مصيبًا فيه.
٢- قال عامر بن شراحبيل الشعبي رحمه الله تعالى في المقتتلين من الصحابة: "هم أهل الجنة لقي بعضهم بعضًا فلم يفر أحد من أحد"٢.
٣- سئل الحسن البصري رحمه الله تعالى عن قتال الصحابة فيما بينهم فقال: "قتال شهده أصحاب محمد ﷺ وغبنا، وعلموا وجهلنا، واجتمعوا فاتبعنا، واختلفوا فوقفنا"٣.
ومعنى قول الحسن هذا: أن الصحابة كانوا بما دخلوا فيه منا وما علينا إلا أن نتبعهم فيما اجتمعوا عليه، ونقف عندما اختلفوا فيه ولا نبتدع رأيا منا، ونعلم أنهم اجتهدوا وأرادوا الله ﷿ إذ كانوا غير متهمين في الدين"٤.
٤- سئل جعفر بن محمد الصادق عما وقع بين الصحابة فأجاب بقوله: "أقول ما قال الله: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾ ٥.
٥- قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى بعد أن قيل له: ما تقول فيما كان بين علي ومعاوية قال: ما أقول فيهم إلا الحسنى٦.
٦- وقال أبو بكر المروذي: سمعت أبا عبد الله وذكر له أصحاب رسول الله فقال: ﵏ أجمعين ومعاوية وعمرو بن العاص وأبو موسى
_________________
(١) ١ـ ذكره عنه الرازي في مناقب الشافعي ص/١٣٦. ٢ـ ذكره ابن كثير في البداية والنهاية ٧/٣٠٣. ٣ـ ذكره القرطبي في الجامع لأحكام القرآن ١٦/٣٣٢. ٤ـ انظر المصدر السابق ١٦/٣٣٢. ٥ـ ذكره الباقلانبي في كتابه الإنصاف ص/٦٩ والآية رقم ٥٢ من سورة طه. ٦ـ مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص/١٦٤.
[ ٢ / ٧٣٣ ]
الأشعري والمغيرة كلهم وصفهم الله تعالى في كتابه فقال: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ ١.
٧- قال إبراهيم بن آرز الفقيه: حضرت أحمد بن حنبل وسأله رجل عما جرى بين علي ومعاوية؟ فأعرض عنه فقيل له: يا أبا عبد الله هو رجل من بني هاشم فأقبل عليه فقال: اقرأ: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٢.
٨- وقال أبو الحسن الأشعري: "فأما ما جرى بين علي والزبير وعائشة ﵃ فإنما كان على تأويل واجتهاد، وعلي الإمام وكلهم من أهل الاجتهاد وقد شهد لهم النبي ﷺ بالجنة والشهادة فدل على أنهم كلهم على حق في اجتهادهم وكذلك ما جرى بين علي ومعاوية ﵄ كان على تأويل واجتهاد، وكل الصحابة أئمة مأمونون غير متهمين في الدين، وقد أثنى الله ورسوله على جميعهم وتعبدنا بتوقيرهم وتعظيمهم وموالاتهم والتبري ممن ينقص أحدًا منهم رضي الله عن جميعهم"٣.
٩- وقال ابن أبي زيد القيرواني في صدد عرضه لما يجب أن يعتقده المسلم في أصحاب رسول الله ﷺ وما ينبغي أن يذكروا به فقال: "وأن لا يذكر أحد من صحابة الرسول إلا بأحسن ذكر والإمساك عما شجر بينهم وأنهم أحق الناس أن يلتمس - لهم أحسن المخارج ويظن بهم أحسن المذاهب"٤.
١٠- وقال أبو نعيم الأصبهاني مبينًا حق الصحابة على المسلمين بعدهم وما يجب عليهم نحوهم: "فالواجب على المسلمين في أصحاب رسول الله ﷺ إظهار ما مدحهم الله تعالى به وشكرهم عليه من جميل أفعالهم وجميل سوابقهم
_________________
(١) ١ـ مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص/١٢٦ والآية رقم ٢٩ من سورة الفتح. ٢ـ مناقب الإمام لابن الجوزي ص/١٢٦ والآية رقم ١٤١ من سورة البقرة. ٣ـ الإبانة عن أصول الديانة ص/٧٨. ٤ـ رسالته المشهورة مع شرحها الثمر الداني في تقريب المعاني ص/٢٣.
[ ٢ / ٧٣٤ ]
وأن يغضوا عما كان منهم في حال الغضب والإغفال وفرط منهم عند استزلال الشيطان إياهم ونأخذ في ذكرهم بما أخبر الله تعالى به فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ﴾ ١ الآية فإن الهفوة والزلل والغضب والحدة والإفراط لا يخلو منه أحد وهو لهم مغفور ولا يوجب ذلك البراءة منهم ولا العداوة لهم ولكن يحب على السابقة الحميدة ويتولى للمنقبة الشريفة"٢.
١١- وقال أبو عبد الله بن بطة ﵀ أثناء عرضه لعقيدة أهل السنة والجماعة: "ومن بعد ذلك نكف عما شجر بين أصحاب رسول الله ﷺ فقد شهدوا المشاهد معه وسبقوا الناس بالفضل فقد غفر الله لهم وأمرك بالاستغفار لهم والتقرب إليه بمحبتهم وفرض ذلك على لسان نبيه وهو يعلم ما سيكون منهم وأنهم سيقتتلون وإنما فضلوا على سائر الخلق لأن الخطأ والعمد قد وضع عنهم وكل ما شجر بينهم مغفور لهم"٣أ. هـ
١٢- قال أبو بكر بن الطيب الباقلاني: "ويجب أن يعلم: أن ما جرى بين أصحاب النبي ورضي عنهم من المشاجرة نكف عنه ونترحم على الجميع ونثني عليهم ونسأل الله تعالى لهم الرضوان والأمان والفوز والجنان ونعتقعد أن عليًا ﵇ أصاب فيما فعل وله أجران، وأن الصحابة ﵃ إن ما صدر منهم كان باجتهاد فلهم الأجر ولا يفسقون ولا يبدعون والدليل عليه قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ ٤ وقوله ﷺ: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر" فإذا كان الحاكم في وقتنا له أجران
_________________
(١) ١ـ سورة الحشر آية/١٠. ٢ـ الإمامة والرد على الرافضة ص/٣٤٣. ٣ـ كتاب الشرح والإبانة على أصول السنة والديانة ص/٢٦٨. ٤ـ سورة الفتح آية/١٨.
[ ٢ / ٧٣٥ ]
على اجتهاده فما ظنك باجتهاد من رضي الله عنهم ورضوا عنه، ويدل على صحة هذا القول: قوله ﷺ للحسن ﵇: "إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين" ١ فأثبت العظم لكل واحدة من الطائفتين وحكم لهم بصحة الإسلام وقد وعد الله هؤلاء القوم بنزع الغل من صدورهم بقوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ ٢ إلى أن قال: "ويجب الكف عن ذكر ما شجر بينهم والسكوت عنه"أ. هـ٣.
١٣- وقال أبو عثمان الصابوني في صدد ذكره لعرض عقيدة السلف وأصحاب الحديث: ويرون الكف عما شجر بين أصحاب رسول الله ﷺ وتطهير الألسنة عن ذكر ما يتضمن عيبًا ونقصًا فيهم ويرون الترحم على جميعهم والموالاة لكافتهم"٤.
١٤- وقال أبو الوليد بن رشد المالكي: كلهم محمود على ما فعله، القاتل منهم والمقتول في الجنة فهذا الذي يجب على كل مسلم أن يعتقده فيما شجر بينهم لأن الله تعالى قد أثنى عليهم في كتابه وعلى لسان رسوله فقال عز من قائل: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ٥ وقال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ ٦ أي: خيارًا عدولًا وقال رسول الله ﷺ: "عشرة من قريش في الجنة" فسمى فيهم عليًا وطلحة والزبير والذي يقول أئمة أهل السنة والحق: إن عليًا ﵁ ومن اتبعه كان على الصواب والحق، وإن طلحة والزبير كانا
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ١٣/٦١. ٢ـ سورة الحجر آية/٤٧. ٣ـ الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به ص/٦٧-٦٩. ٤ـ عقيدة السلف واصحاب الحديث ضمن مجموعة الرسائل المنيرية ١/١٢٩. ٥ـ سورة آل عمران آية/١١٠. ٦ـ سورة البقرة آية/١٤٣.
[ ٢ / ٧٣٦ ]
على الخطأ إلا أنهما رأيا ذلك باجتهادهما فكان فرضهما ما فعلاه إذ هما من أهل الاجتهاد.. إلى أن قال: "والذي قلناه من أنهم اجتهدوا فأصاب علي وأخطأ طلحة والزبير هو الصحيح الذي يلزم اعتقاده فلعلي أجران لموافقته الحق باجتهاده ولطلحة والزبير أجر لاجتهادهما وبالله التوفيق"١.
١٥- وقال أبو عبد الله القرطبي رحمه الله تعالى: "ولا يجوز أن ينسب إلى أحد من الصحابة خطأ مقطوع به، إذ كانوا كلهم اجتهدوا فيما فعلوه وأرادوا الله ﷿ وهم كلهم لنا أئمة، وقد تعبدنا بالكف عما شجر بينهم وألا نذكرهم إلا بأحسن الذكر لحرمة الصحبة ولنهي النبي ﷺ عن سبهم٢ وأن الله غفر لهم وأخبر بالرضا عنهم هذا مع ما قد ورد من الأخبار من طرق مختلفة عن النبي ﷺ أن طلحة شهيد يمشي على وجه الأرض٣ فلو كان ما خرج إليه من الحرب عصيانًا لم يكن بالقتل فيه شهيدًا وكذلك لو كان ما خرج إليه خطأ في التأويل وتقصيرًا في الواجب عليه لأن الشهادة لا تكون إلا بقتل في طاعة فوجب حمل أمرهم على ما بيناه ومما يدل على ذلك ما قد صح وانتشر من أخبار علي بأن قاتل الزبير في النار٤ وقوله: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بشر قاتل ابن صفية بالنار" ٥ وإذا كان كذلك فقد ثبت أن طلحة والزبير غير عاصيين ولا آثمين بالقتال لأن ذلك لو كان كذلك لم يقل النبي ﷺ في طلحة "شهيد" ولم يخبر أن قاتل الزبير في النار وكذلك من قعد غير مخطيء في التأويل بل صواب أراهم الله الاجتهاد وإذا كان كذلك لم يوجب ذلك لعنهم والبراءة منهم وتفسيقهم وإبطال فضائلهم وجهادهم وعظيم عنائهم في الدين
_________________
(١) ١ـ البيان والتحصيل ١٦/٣٦٠-٣٦١. ٢ـ انظر صحيح البخاري ٢/٢٩٢، صحيح مسلم ٤/١٩٦٧، مسند أحمد ٣/١١. ٣ـ انظر سنن الترمذي ٥/٣٠٧-٣٠٨، سنن ابن ماجه ١/٤٦، جامع الأصول ١٠/٥. ٤ـ انظر الطبقات الكبرى لابن سعد ٣/١٠١، ١١٠، الاعتقاد للبيهقي ص/١٩٥، وانظر البداية والنهاية ٧/٢٧٢. ٥ـ أورده الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية ٧/٢٧٢، والمحب الطبري في "الرياض النضرة" ٤/٢٨٩.
[ ٢ / ٧٣٧ ]
﵃"أ. هـ١.
١٦- وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى عند قوله ﷺ: "إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار" واعلم أن الدماء التي جرت بين الصحابة ﵃ ليست بداخلة في هذا الوعيد ومذهب أهل السنة والحق إحسان الظن بهم والإمساك عما شجر بينهم وتأويل قتالهم وأنهم مجتهدون متأولون لم يقصدوا معصية ولا محض الدنيا بل اعتقد كل فريق أنه المحق ومخالفه باغ فوجب عليه قتاله ليرجع إلى أمر الله وكان بعضهم مصيبًا وبعضهم مخطئًا معذورًا في الخطأ لأنه لاجتهاد والمجتهد إذا أخطأ لا إثم عليه وكان علي ﵁ هو المحق المصيب في تلك الحروب هذا مذهب أهل السنة وكانت القضايا مشتبهة حتى إن جماعة من الصحابة تحيروا فيها فاعتزلوا الطائفتين ولم يقاتلوا ولم يقاتلوا ولم يتيقنوا الصواب، ثم تأخروا عن مساعدته منهم"أ. هـ٢.
وقال في موضع آخر مبينًا سبب الحروب التي وقعت بين الصحابة: "واعلم أن سبب تلك الحروب أن القضايا كانت مشتبهة، فلشدة اشتباهها اختلف اجتهادهم وصاروا ثلاثة أقسام:
قسم: ظهر لهم بالاجتهاد أن الحق في هذا الطرف، وأن مخالفه باغ، فوجب عليهم نصرته وقتال الباغي عليه فيما اعتقدوه ففعلوا ذلك ولم يكن يحل لمن هذه صفته التأخر عن مساعدة إمام العدل في قتال البغاة في اعتقاده.
وقسم: عكس هؤلاء ظهر لهم بالاجتهاد أن الحق في الطرف الآخر فوجب عليهم مساعدته وقتال الباغي عليه.
وقسم ثالث: اشتبهت عليهم القضية وتحيروا فيها ولم يظهر لهم ترجيح أحد الطرفين فاعتزلوا الفريقين وكان هذا الاعتزال هو الواجب في حقهم لأنه
_________________
(١) ١ـ الجامع لأحكام القرآن ١٦/٣٢١-٣٢٢. ٢ـ شرح النووي ١٨/١١.
[ ٢ / ٧٣٨ ]
لا يحل الإقدام على قتال مسلم حتى يظهر أنه مستحق لذلك"١ وهذا هو التفسير الصحيح لمواقف الصحابة ﵃ في تلك الحروب وهو اللائق بحالهم ﵃.
١٧- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في صدد عرضه لعقيدة أهل السنة والجماعة فيما شجر بين الصحابة: "ويمسكون عما شجر بين الصحابة ويقولون: إن هذه الآثار المروية في مساويهم منها ما هو كذب ومنها ما قد زيد فيه ونقص وغير عن وجهه والصحيح منه هم فيه معذورون إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون"٢.أ. هـ
١٨- وقال الإمام الذهبي: " تقرر الكف عن كثير مما شجر بين الصحابة وقتالهم ﵃ أجمعين وما زال يمر بنا ذلك في الدواوين والكتب والأجزاء ولكن أكثر ذلك منقطع وضعيف، وبعضه كذب وهذا فيما بأيدينا وبين علمائنا فينبغي طيه وإخفاؤه، بل إعدامه لتصفوا القلوب، وتتوفر على حب الصحابة والترضي عنهم، وكتمان ذلك متعين عن العامة وآحاد العلماء وقد يرخص في مطالعة ذلك خلوة للعالم المنصف العري من الهوى، بشرط أن يستغفر لهم كما علمنا الله تعالى حيث يقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًاّ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ فالقوم لهم سوابق وأعمال مكفرة لما وقع منهم وجهاد محاء وعبادة ممحصة"٣.
١٩- وقال الحافظ ابن كثير: "وأما ما شجر بينهم بعده ﵊ فمنه ما وقع عن غير قصد كيوم الجمل ومنه ما كان عن اجتهاد كيوم صفين والاجتهاد يخطيء ويصيب ولكن صاحبه معذور وإن أخطأ ومأجور أيضًا:
_________________
(١) ١ـ المصدر السابق ١٥/١٤٩. ٢ـ العقيدة الواسطية مع شرحها لمحمد خليل هراس ص/١٧٣. ٣ـ سير أعلام النبلاء ١٠/٩٢.
[ ٢ / ٧٣٩ ]
وأما المصيب فله أجران اثنان"١.
٢٠- وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى حاكيًا للإجماع على وجوب المنع من الطعن على واحد من الصحابة بسبب ما حصل بينهم ولو عرف المحق منهم حيث قال: "واتفق أهل السنة على وجوب منع الطعن على أحد من الصحابة بسبب ما وقع لهم من ذلك ولو عرف المحق منهم لأنهم لم يقاتلوا في تلك الحروب إلا عن اجتهاد بل ثبت أنه يؤجر أجرًا واحدًا، وأن المصيب يؤجر أجرين"٢.
فهذه طائفة من كلام أكابر علماء أهل السنة والجماعة تبين منها الموقف الواجب على المسلم أن يقفه من الآثار المشتملة على نيل أحد من الصحابة ﵃ أجمعين بسبب ما وقع بينهم من شجار وخلاف ومقاتلة خاصة في حرب الجمل بين الخليفة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ومن معه وبين أم المؤمنين عائشة وطلحة والزبير ومن معهم. وأيضًا في حرب صفين بين علي ومعاوية وهو صيانة القلم واللسان عن ذكر ما لا يليق بهم وإحسان الظن بهم والترضي عنهم أجمعين، ومعرفة حقهم ومنزلتهم والتماس أحسن المخارج لما ثبت صدوره من بعضهم واعتقاد أنهم مجتهدون والمجتهد مغفور له خطؤه إن أخطأ، وأن الأخبار المروية في ذلك منها ما هو كذب، ومنها ما قد زيد فيه أو نقص منه حتى تحرف عن أصله وتشوه، كما تبين من هذه النقول المتقدم ذكرها أن عقيدة الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة فيما شجر بينهم هو الإمساك، ومعنى الإمساك عما شجر بينهم وهو عدم الخوض فيما وقع بينهم من الحروب والخلافات على سبيل التوسع وتتبع التفصيلات ونشر ذلك بين العامة أو التعرض لهم بالتنقص لفئة والانتصار لأخرى وقد تقدم معنا قريبًا من قول الذهبي رحمه الله تعالى: "بأن كثيرًا مما حدث بين الصحابة من شجار وخلاف ينبغي طيه وإخفاؤه بل إعدامه
_________________
(١) ١ـ الباعث الحثيث ص/١٨٢. ٢ـ فتح الباري ١٣/٣٤.
[ ٢ / ٧٤٠ ]
وأن كتمان ذلك متعين على العامة بل آحاد العلماء " لأنه لا مصلحة شرعية ولا علمية من وراء نشر ذلك، أما من ناحية النظر العلمي المستقيم المهتدي بنصوص الشريعة فإن البحث في هذا الموضوع لا يمتنع إذا قصد به تبين أحكام الشريعة١ وما كان ذكر العلماء المعتبرين للحروب والخلافات التي وقعت بين الصحابة ﵃ إلا على هذا السبيل، أو لبيان المواقف الصحيحة، وتصحيح الأغاليط التاريخية التي أثيرت حول مواقفهم في تلك الحروب ﵃ فعلى المسلم أن يعتقد فيما صح مما جرى بين الصحابة من خلاف أنهم فيه مجتهدون، إما مصيبون فلهم أجر الاجتهاد وأجر الإصابة، وإما مخطئون فلهم أجر الاجتهاد، وخطؤهم مغفور وهم ليسوا معصومين بل هم بشر يصيبون ويخطئون ولكن ما أكثر صوابهم بالنسبة لصواب غيرهم، وما أقل خطأهم إذا نسب إلى خطأ غيرهم، وقد وعدوا من الله بالمغفرة والرضوان، كما أنه يجب على كل مسلم أن يكون لسانه رطبًا بالذكر الحسن والثناء الجميل على أصحاب رسول الله ﷺ ويحاول جهده في ذكر محاسنهم العظيمة وسيرتهم الحميدة ويتجنب ذكر ما شجر بينهم، هذه طريقة الصدر الأول من هذه الأمة والتي اتخذها أهل السنة والجماعة منهاجًا في موقفهم نحو الصحابة ﵃ جميعًا.
قال العوام٢ بن حوشب: أدركت من أدركت من صدر هذه الأمة بعضهم يقول لبعض: اذكروا محاسن أصحاب رسول الله ﷺ لتأتلف عليها القلوب ولا تذكروا ما شجر بينهم فتحرشوا٣ الناس عليهم٤.
وبعبارة أخرى أنه قال: "أدركت صدر هذه الأمة يقولون: اذكروا
_________________
(١) ١ـ انظر في تفصيل هذا الموضوع ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" ٤/٤٣٤. ٢ـ هو: العوام بن حوشب بن يزيد الشيباني أبو عيسى الواسطي ثقة، ثبت، فاضل من السادسة، مات سنة ثمان وأربعين "تقريب التهذيب" ٢/٨٩، التهذيب ٨/١٦٣-١٦٤. ٣ـ التحريش: هو الإغراء بين الناس "مختار الصحاح" ص/١٣٠، لسان العرب ٦/٢٧٩. ٤ـ كتاب الشرح والإبانة على أصول السنة والديانة لابن بطة ص/١٦٥.
[ ٢ / ٧٤١ ]
محاسن أصحاب رسول الله ﷺ حتى تألف عليهم القلوب ولا تذكروا ما شجر بينهم فتجسروا١ الناس عليهم"٢.
فأهل السنة مجمعون على وجوب السكوت عن الخوض في الفتن التي جرت بين الصحابة ﵃ بعد قتل عثمان ﵁ والترحم عليهم وحفظ فضائل الصحابة والاعتراف لهم بسوابقهم ونشر محاسنهم ﵃ وأرضاهم.
_________________
(١) ١ـ أي: تشجعوهم "انظر لسان العرب" ٤/١٣٦. ٢ـ ذكره القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" ١٨/٣٣.
[ ٢ / ٧٤٢ ]