أجمع أهل السنة من السلف والخلف من أهل الفقه والأثر أن أبا السبطين أفضل الخلق بعد أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ أجمعين واسمه ﵁ عليّ بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي ويكنى بأبي تراب وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف بن قصي ويقال إنها أول هاشمية ولدت هاشميًا وقد أسلمت وهاجرت.
وعليّ ﵁ أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى وتوفي رسول الله ﷺ وهو عنه راض وكان ﵁ رابع الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين المأمور بالاقتداء بهم، وكان ممن سبق إلى الإسلام لم يتلعثم، وتربى في حجر النبي ﷺ وزوجه ابنته فاطمة ﵂، وهاجر إلى المدينة وشهد بدرًا والحديبية وسائر المشاهد غير تبوك لأن النبي ﷺ خلفه فيها على المدينة وأبلى ببدر وأحد وبالخندق وبخيبر بلاءًا عظيمًا، وأغنى في تلك المشاهد وقام فيها المقام الكريم وكان لواء النبي ﷺ بيده في مواطن كثيرة، وجاهد في الله حق جهاده ونهض بأعباء العلم والعمل والفتيا ﵁ وأرضاه. وكان ﵁ من جملة من غسل النبي ﷺ وكفنه وولي دفنه"١.
_________________
(١) ١ـ الطبقات الكبرى لابن سعد ٣/١٩، استيعاب لابن عبد البر على حاشية الإصابة ٣/٢٦-٦٧، البداية والنهاية ٧/٢٤٢، وما بعدها، الإصابة في تمييز الصحابة ٢/٥٠١-٥٠٣، وانظر تاريخ الأمم والملوك للطبري ٥/١٥٣، الكامل لابن الأثير ٣/٣٩٦، مجمع الزوائد ٩/١٠٠، تاريخ الخلفاء للسيوطي ص/١٦٦. لوامع الأنوار البهية ٢/٣٣٤.
[ ١ / ٢٧٥ ]
ولقد وردت الأحاديث الكثيرة والأخبار الشهيرة التي دلت على فضله ﵁ ومنها:
١- ما رواه الشيخان من حديث سهل بن سعد أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: "لأعطين هذه الراية رجلًا يفتح الله على يديه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله" قال: فبات الناس يدكون١ ليلتهم أيهم يعطاها قال: فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله ﷺ كلهم يرجو أن يعطاها فقال: "أين علي بن أبي طالب" فقالوا: هو يا رسول الله يشتكي عينيه قال: فأرسلوا إليه فأتي به فبصق رسول الله ﷺ في عينيه ودعا له فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع فأعطاه الراية فقال عليّ: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا فقال: "انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم" ٢.
وفي رواية أخرى عند مسلم من حديث أبي هريرة: " قال عمر بن الخطاب ﵁: ما أحببت الإمارة إلا يومئذ قال: فتساورت لها رجاء أن أدعى لها قال فدعا رسول الله ﷺ عليًا بن أبي طالب فأعطاه إياها"٣.
هذا الحديث تضمن منقبة ظاهرة لأمير المؤمنين علي ﵁ وأرضاه وهي قوله: "يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله" ومعنى أن عليًا يحب الله ورسوله أراد بذلك وجود حقيقة المحبة وإلا فكل مسلم يشترك مع علي في مطلق هذه الصفة وفي هذا الحديث تلميح بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ٤ فكأنه أشار إلى أن عليًا تام الاتباع لرسول الله ﷺ حتى
_________________
(١) ١ـ يدركون: أي: يخوضون ويموجون فيمن يدفعها إليه "النهاية في غيريب الحديث" ٢/١٤٠. ٢ـ صحيح البخاري ٢/٢٩٩-٣٣٠، صحيح مسلم ٤/١٨٨٢. ٣ـ صحيح مسلم ٤/١٨٧٢. ٤ـ سورة آل عمران آية/٣١.
[ ١ / ٢٧٦ ]
اتصف بصفة محبة الله له"١.
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب: قوله: يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله: "فيه فضيلة عظيمة لعلي ﵁ لأن النبي ﷺ شهد له بذلك"٢.
ومعنى قول عمر ﵁: "فتساورت لها" معناه تطاولت لها أي: حرصت عليها وأظهرت وجهي وتصديت لذلك ليتذكرني. وقوله: ﵁ "فما أحببت الإمارة إلا يومئذ" إنما كانت محبته لها لما دلت عليه هذه الإمارة من محبته لله ورسوله ﷺ ومحبتهما له والفتح على يديه٣.
٢- وروى الشيخان من حديث عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه ﵁ قال: قال رسول ﷺ لعلي: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي" قال سعيد بن المسيب: فأحببت أن أشافه بها سعدًا فلقيت سعدًا فحدثته بما حدثني عامر فقال: أنا سمعته فقلت: أنت سمعته؟ فوضع أصبعه على أذنيه فقال: نعم وإلا فاستكتا٤.
وهذا الحديث فيه فضيلة عظمى لعل ﵁ تضمنها قوله ﷺ: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي" حيث بين ﵊ منزلة علي منه ومكانته العظيمة عنده ﵊.
ونقل الإمام النووي عن القاضي عياض أنه قال: "هذا الحديث مما تعلقت به الروافض والإمامية وسائر فرق الشيعة في أن الخلافة كانت حقًا لعلي وأنه وصى له بها قال: ثم اختلف هؤلاء فكفرت الروافض سائر الصحابة في تقديمهم غيره وزاد
_________________
(١) ١ـ فتح الباري ٧/٧٢. ٢ـ تيسير العزيز الحميد ص/١٠٧. ٣ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٥/١٧٦-١٧٧. ٤ـ صحيح البخاري ٢/٣٠٠، صحيح مسلم ٤/١٨٧٠ واللفظ لمسلم.
[ ١ / ٢٧٧ ]
بعضهم فكفر عليًا لأنه لم يقم في طلب حقه بزعمهم وهؤلاء أسخف مذهبًا وأفسد عقلًا من أن يرد قولهم أو يناظر وقال: ولا شك في كفر من قال هذا لأن من كفر الأمة كلها والصدر الأول فقد أبطل نقل الشريعة وهدم الإسلام وأما من عدا هؤلاء الغلاة فإنهم لا يسلكون هذا المسلك فأما الإمامية وبعض المعتزلة فيقولون: هم مخطئون في تقديم غيره لا كفار وبعض المعتزلة لا يقول بالتخطئة لجواز تقديم المفضول عندهم وهذا الحديث لا حجة فيه لأحد منهم بل فيه إثبات فضيلة لعلي ولا تعرض فيه لكونه أفضل من غيره أو مثله وليس فيه دلالة لاستخلافه بعده لأن النبي ﷺ إنما قال هذا لعلي حين استخلفه في المدينة في غزوة تبوك ويؤيد هذا أن هارون المشبه به لم يكن خليفة بعد موسى بل توفي في حياة موسى وقبل وفاة موسى بنحو أربعين سنة على ما هو مشهور عند أهل الأخبار والقصص قالوا: وإنما استخلفه حين ذهب لميقات ربه للمناجاة والله أعلم١.
٣- وروى الشيخان من حديث سهل بن سعد قال: جاء رسول الله ﷺ بيت فاطمة فلم يجد عليًا في البيت فقال: "أين ابن عمك؟ " قالت: كان بيني وبينه شيء فغاضبني فخرج فلم يقل عندي فقال رسول الله ﷺ لإنسان: "انظر أين هو؟ " فجاء فقال: يا رسول الله هو في المسجد راقد فجاء رسول الله ﷺ وهو مضطجع وقد سقط رداؤه عن شقه وأصابه تراب فجعل رسول الله ﷺ يمسحه عنه ويقول: "قم أبا تراب قم أبا تراب" ٢.
في هذا الحديث منقبة ظاهرة لأمير المؤمنين علي ﵁ وبيان علو منزلته عند النبي ﷺ وذلك أنه ﵊ مشى إلى عليّ ﵁ ودخل المسجد ومسح التراب عن ظهره واسترضاه تلطفًا به لأنه كان وقع بينه
_________________
(١) ١ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٥/١٧٤. ٢ـ صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ٢/٥٣٥، صحيح مسلم ٤/١٨٧٤.
[ ١ / ٢٧٨ ]
وبين فاطمة شيء فخرج إلى المسجد واضطجع فيه وكناه النبي ﷺ بأبي تراب وكانت هذه التسمية أحب شيء إليه ﵁.
٤- ومن مناقبه ﵁ أن النبي ﷺ جعل محبته من علامة الإيمان وجعل بغضه علامة للنفاق. فقد روى مسلم بإسناده إلى علي ﵁ قال: "والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الأمي ﷺ إليّ أن لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق"١ ففي هذا منقبة ظاهرة لأبي الحسن ﵁ "وهذا جارٍ باطراد في أعيان الصحابة لتحقق مشترك الإكرام لما لهم من حسن الغناء في الدين قال القرطبي في المفهم: وأما الحروب الواقعة بينه فإن وقع من بعضهم بغض لبعض فذاك من غير هذه الجهة، بل للأمر الطارئ الذي اقتضى المخالفة ولذلك لم يحكم بعضهم على بعض بالنفاق وإنما كان حالهم في ذلك حال المجتهدين في الأحكام للمصيب أجران وللمخطئ أجر واحد والله أعلم"٢.
٥- وروى الإمام البخاري بإسناده إلى عليّ ﵁ أن فاطمة ﵍ شكت ما تلقى من أثر الرحا فأتى النبي ﷺ سبي فانطلقت فلم تجده فوجدت عائشة فأخبرتها فلما جاء النبي ﷺ أخبرته عائشة بمجيء فاطمة فجاء النبي ﷺ إلينا وقد أخذنا مضاجعنا فذهبت لأقوم فقال: على مكانكما فقعد بيننا حتى وجدت برد قدميه على صدري وقال: "ألا أعلمكما خيرًا مما سألتماني إذا أخذتما مضاجعكما تكبرا أربعًا وثلاثين وتسبحا ثلاثًا وثلاثين وتحمدا ثلاثًا وثلاثين فهو خير لكما من خادم" ٣.
فهذا الحديث تضمن منقبة لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب وتلك المنقبة
_________________
(١) ١ـ صحيح مسلم ١/١٠٦. ٢ـ فتح الباري ١/٦٣. ٣ـ صحيح البخاري ٢/٣٠٠.
[ ١ / ٢٧٩ ]
هي دخول النبي ﷺ بينه وبين فاطمة ﵄ في فراشهما وأمره لعلي بلزوم مكانه بعد أن هم بالقيام وهذا يدل على أن لأبي الحسن ﵁ منزلة عظيمة عند المصطفى ﷺ.
٦- وروى أيضًا: بإسناده إلى سعد بن عبيدة قال: جاء رجل إلى ابن عمر فسأله عن عثمان فذكر عن محاسن عمله قال: لعل ذاك يسوءك قال: نعم قال: فأرغم الله بأنفك، ثم سأله عن علي فذكر محاسن عمله قال هو ذاك بيته أوسط بيوت النبي ﷺ ثم قال لعل ذاك يسوءك قال: أجل قال: فأرغم الله بأنفك قال: انطلق فاجهد عليّ جهدك"١.
وهذا الأثر عن ابن عمر تضمن فضل عليّ ﵁ حيث مدحه بأوصافه الحميدة التي دلت على مكانته وفضله ﵁ وأرضاه.
٧- وروى البخاري رحمه الله تعالى بإسناده إلى البراء بن عازب أن النبي ﷺ قال لعلي: "أنت مني وأنا منك" ٢.
ففي قول النبي ﷺ هذا فضيلة عظيمة لعلي ﵁.
٨- وروى الإمام مسلم بإسناده إلى عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعدًا فقال: ما منعك أن تسب أبا تراب؟ فقال: أما ما ذكرت ثلاثًا قالهن رسول الله ﷺ فلن أسبه لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم سمعت رسول الله ﷺ يقول له، خلفه في بعض مغازيه فقال له علي: يا رسول الله خلفتني مع النساء والصبيان؟ فقال له رسول الله ﷺ: "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبوة بعدي" وسمعته يقول يوم خيبر: "لأعطين الراية رجلًا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله" قال: فتطاولنا لها فقال: "ادعوا لي عليًا" فأتي به أرمد فبصق
_________________
(١) ١ـ المصدر السابق ٢/٣٠٠. ٢ـ صحيح البخاري مع الفتح ٥/٣٠٣-٣٠٤.
[ ١ / ٢٨٠ ]
في عينه ودفع الراية إليه ففتح الله عليه ولما نزلت هذه الآية ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ ١ دعا رسول الله ﷺ عليًا وفاطمة وحسنًا وحسينًا فقال: "اللهم هؤلاء أهلي" ٢.
هذا الحديث تضمن مناقب ظاهرة وفضائل عالية لأبي السبطين علي ﵁ وأرضاه.
وقال النووي رحمه الله تعالى: قوله: "إن معاوية قال لسعد بن أبي وقاص ما منعك أن تسب أبا تراب" قال العلماء: الأحاديث الواردة التي في ظاهرها دخل على صحابي يجب تأويلها قالوا: ولا يقع في روايات الثقات إلا ما يمكن تأويله فقول معاوية هذا ليس فيه تصريح بأنه أمر سعدًا بسبه وإنما سأله عن السبب المانع له من السب كأنه يقول هل امتنعت تورعًا أو خوفًا، أو غير ذلك فإن كان تورعًا وإجلالًا له فأنت مصيب محسن، وإن كان غير ذلك فله جواب آخر، ولعل سعدًا قد كان في طائفة يسبون فلم يسب معهم وعجز عن الإنكار وأنكر٣ عليهم فسأله هذا السؤال قالوا: ويحتمل تأويلا آخر معناه ما منعك أن تخطئه في رأيه واجتهاده وتظهر للناس حسن رأينا واجتهادنا وأنه أخطأ"٤.
٩- ومن مناقبه الدالة على فضله دعاء النبي ﷺ له بتثبيت لسانه وهداية صدره للحق حتى كان مدة حياته لم يشك في قضاء بعد ذلك. فقد روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى علي ﵁ قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن قال: فقلت: يا رسول الله إني رجل شاب وأنه يرد علي من القضاء ما لا علم لي به قال فوضع يده على صدري وقال: "اللهم ثبت لسانه واهد قلبه" فما
_________________
(١) ١ـ سورة آل عمران آية/٦١. ٢ـ صحيح مسلم ٤/١٨٧١. ٣ـ لعلها أو أنكر عليهم حتى يستقيم الكلام. ٤ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٥/١٧٥-١٧٦.
[ ١ / ٢٨١ ]
شككت في القضاء أو في قضاء بعد١.
١٠- ومن مناقبه ﵁ شهادة الرسول ﷺ له بالخشونة في ذات الله وفي سبيل الله. فقد روى الحاكم بإسناده إلى أبي سعيد الخدري ﵁ قال: شكى علي بن أبي طالب الناس إلى رسول الله ﷺ فقام فينا خطيبًا فسمعته يقول: "أيها الناس لا تشكوا عليًا فوالله إنه لأخشن في ذات الله وفي سبيل الله" ٢.
١١- ومن مناقبه العظيمة شهادة الرسول ﷺ له بالجنة. فقد روى الحاكم بإسناده إلى جابر بن عبد الله ﵄ قال: مشيت مع النبي ﷺ إلى امرأة فذبحت لنا شاة فقال رسول الله ﷺ: "ليدخلن رجل من أهل الجنة فدخل أبو بكر ﵁ ثم قال: "ليدخلن رجل من أهل الجنة فدخل أبو بكر ﵁ ثم قال: "ليدخلن رجل من أهل الجنة" فدخل عمر ﵁، ثم قال: "ليدخلن رجل من أهل الجنة اللهم إن شئت فاجعله عليًا" قال: فدخل علي بن أبي طالب رضي الله عنه٣.
١٢- ومن مناقبه ﵁ أن النبي ﷺ بين أن ابنته فاطمة وزوجها علي بن أبي طالب وولديها الحسن والحسين أنهم يكونون معه ﷺ يوم القيامة في مكان واحد فقد روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ دخل على فاطمة ﵂ فقال "إني وإياك وهذا النائم - يعني عليًا - وهما - يعني الحسن والحسين - لفي مكان واحد يوم القيامة" ٤.
ففي هذا بيان منقبة لعلي ﵁ وأرضاه.
وقد كثر الثناء عليه ﵁ من صحابة رسول الله ﷺ ومن التابعين
_________________
(١) ١ـ المستدرك ٣/١٣٥ وقال عقبه: صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره الذهبي. ٢ـ نفس المصدر ٣/١٣٤ وقال عقبه: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. ٣ـ المستدرك ٣/١٣٦ وقال الحاكم عقبه: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. ٤ـ المستدرك ٣/١٣٧ وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
[ ١ / ٢٨٢ ]
لهم بإحسان بما وجد فيه من الخصال الحميدة وبما حصل له من المناقب الرفيعة التي استحق أن يكون بها من خير البشر. فقد شهد له الفاروق ﵁ بأن المصطفى ﷺ التحق بالرفيق الأعلى وهو عنه راض كما شهد له بحل المعضلات.
١- فقد قال ﵁ عندما قيل له: أوص يا أمير المؤمنين استخلف قال: ما أجد أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر - أو الرهط - الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض: فسمى عليًا وعثمان والزبير وطلحة وسعدًا وعبد الرحمن١. فقد أخبر الفاروق ﵁ بأن أبا الحسن كان في مقدمة من مات رسول الله ﷺ وهو عنهم راض.
٢- وروى أبو عمر بن عبد البر بإسناده إلى سعيد بن المسيب قال: كان عمر يتعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو الحسن٢.
٣- روى البخاري بإسناده إلى ابن عباس قال: قال عمر ﵁: "أقرؤنا أبي وأقضانا علي"٣.
فأمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ شهد لأبي الحسن بحل المشكلات وبالبراعة في القضاء وإتقانه.
٤- وقال سعيد بن جبير رحمه الله تعالى: "كان ابن عباس يقول: إذا جاءنا الثبت عن علي لم نعدل به"٤.
٥- وروى ابن أبي شيبة في كتابه "المصنف"٥ بإسناده إلى عطية بن سعد قال: دخلنا على جابر بن عبد الله وهو شيخ كبير وقد سقط حاجباه.
_________________
(١) ١ـ انظر صحيح البخاري مع شرحه "فتح الباري" ٧/٦١. ٢ـ الاستيعاب في أسماء الأصحاب على حاشية الإصابة ٣/٣٩. ٣ـ صحيح البخاري ٣/٩٩، وابن ماجه في سننه ١/٥٥، وأحمد في المسند ٥/١١٣. ٤ـ الإصابة ٢/٥٠٢. ٥ـ ١٢/٨٢.
[ ١ / ٢٨٣ ]
على عينيه فقلت: أخبرنا عن علي بن أبي طالب قال: فرفع حاجبيه بيديه ثم قال: "ذاك من خير البشر".
وروى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى جرى بن كليب العامري قال: لما سار علي إلى صفين كرهت القتال فأتيت المدينة فدخلت على ميمونة بنت الحارث فقالت: ممن أنت قلت: من أهل الكوفة قالت: من أيهم قلت: من بني عامر قالت: رحبًا على رحب وقربًا على قرب تجيء ما جاء بك قال: قلت: سار علي إلى صفين وكرهت القتال فجئنا إلى هاهنا قالت: أكنت بايعته؟ قلت: نعم قالت: فارجع إليه فكن معه فوالله ما ضل ولا ضل به"١.
فهذا ثناء من أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث ﵂ على أبي السبطين ﵁ من أنه سالك طريق الحق ولن يحيد عنه إلى الضلال بحال وهذه منقبة وفضيلة له ﵁.
٦- وروى ابن أبي شيبة في كتابه "المصنف"٢ بإسناده إلى أبي هارون قال: كنت مع ابن عمر جالسًا إذ جاءنا نافع بن الأزرق فقام على رأسه فقال: والله إني لأبغض عليًا قال: فرفع إليه ابن عمر رأسه فقال: أبغضك الله تبغض رجلا سابقة من سوابقه خير من الدنيا وما فيها".
ولقد شهد له معاوية بن أبي سفيان ﵁ بالعلم والفضل والسبق والخيرية، وأقر له بفضائله ومناقبه كلها.
٧- قال ابن كثير: وقال جرير: عن مغيرة قال: لما جاء نعي علي بن أبي طالب إلى معاوية وهو نائم مع امرأته فاختة بنت قرطة في يوم صائف جلس وهو يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون وجعل يبكي فقالت: له فاختة أنت بالأمس تطعن عليه واليوم تبكي عليه فقال: ويحك إنما أبكي لما فقد الناس من حلمه وعلمه وفضله
_________________
(١) ١ـ المستدرك ٣/١٤١ وصححه وأقره الذهبي وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١٢/٨١. ٢ـ ١٢/٨٢.
[ ١ / ٢٨٤ ]
وسوابقه وخيره"١.
٨- قال ابن عبد البر: "وكان معاوية يكتب فيما ينزل به ليسأل له علي بن أبي طالب ﵁ عن ذلك فلما بلغه قتله قال: ذهب الفقه والعلم بموت ابن أبي طالب فقال له أخوه عتبة: لا يسمع هذا منك أهل الشام فقال له: دعني عنك"٢.
هذا موفق معاوية بن أبي سفيان من أبي السبطين علي ﵁ فإنه بكى عليه عندما بلغه نبأ قتله وأثنى عليه بصفاته الحميدة من الحلم والعلم والفضل والسابقة والخيرية، واعترف له بمناقبه كلها ولم يمنعه من ذلك ما حصل بينهما من الحروب ولم يجد الغل محلا في قلب معاوية لأبي الحسن ﵄ فأصحاب رسول الله ﷺ نزع الله من قلوبهم الغل، فكانوا إخوانًا متحابين ومهما حصل بينهم من خلاف فإن ذلك لم يؤد بهم إلى إنكار فضائل بعضهم بعضًا فهل يدكر بهذا من جاء بعدهم من الرافضة الذين يقدحون فيهم ولا حامل لهم على ذلك إلا بغضهم وغلهم المقيت ومعاداتهم الخبيثة للسابقين الأولين الخيرة البررة من المهاجرين والأنصار ﵃ أجمعين وأخزى من في قلبه غل عليهم إلى يوم الدين.
٩- سئل الحسن بن أبي الحسن البصري عن علي بن أبي طالب ﵁ فقال: كان علي والله سهمًا صائبًا من مرامي الله على عدوه، ورباني هذه الأمة، وذا فضلها، وذا قرابتها من رسول الله ﷺ لم يكن بالنومة عن أمر الله ولا بالملومة في دين الله ولا بالسروقة لمال الله أعطى القرآن عزائمه ففاز منه برياض مونقة ذلك علي بن أبي طالب يا لكع٣.
_________________
(١) ١ـ البداية والنهاية ٧/١٦. ٢ـ الاستيعاب في أسماء الأصحاب على حاشية الإصابة ٣/٤٤-٤٥. ٣ـ الاستيعاب على حاشية الإصابة ٣/٤٧.
[ ١ / ٢٨٥ ]
تلك طائفة من الأحاديث والآثار التي تضمنت فضل رابع الخلفاء الراشدين أبي الحسن علي بن أبي طالب ﵁، وفضائله ﵁ كثيرة جدًا وقد قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: "ما جاء لأحد من أصحاب رسول الله ﷺ من الفضائل ما جاء لعلي بن أبي طالب ﵁"١.
وكل ما تقدم ذكره من فضائله ﵁ كلها فيها الرد على النواصب الذين يتبرئون منه ولا يتولونه كما تتضمن الرد على الخوارج الذين كفروه وكلتا الفرقتين ضالتان في اعتقادهما فيه ﵁ وأرضاه وقد ولد له الرافضة مناقب موضوعة هو غني عنها٢.
والذي أخلص إليه في هذا الفصل أن عقيدة الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة أنهم يرتبون الخلفاء الأربعة في الفضل فيعتقدون أن أفضل الأمة أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ﵃ أجمعين.
قال أبو نعيم الأصبهاني رحمه الله تعالى في صدد عرضه الأقوال في أفضلية الأربعة الخلفاء فقال: "ومنهم من يقول: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي ﵃ أجمعين وذلك قول أهل الجماعة والأثر من رواة الحديث وجمهور الأمة"٣.
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: "وأفضل أمته أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم علي المرتضى، ثم بقية العشرة ثم أهل بدر، ثم أهل الشجرة - أهل بيعة الرضوان - ثم سائر الصحابة ﵃"٤.
_________________
(١) ١ـ المستدرك ٣/١٠٧. ٢ـ انظر: الإصابة ٢/٥٠١. ٣ـ كتاب الإمامة والرد على الرافضة ص/٢٠٦. ٤ـ مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب القسم الخامس الرسائل الشخصية رسالة رقم ١ ص/١٠.
[ ١ / ٢٨٦ ]