١) خديجة ﵂:
هي أم المؤمنين خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي تجتمع مع النبي ﷺ في قصي وهي من أقرب نسائه إليه في النسب ولم يتزوج من ذرية قصي غيرها إلا أن أم حبيبة، تزوجها ﷺ بمكة وهو ابن خمسة وعشرين سنة وكانت قبله عند أبي هالة ابن النباش بن زرارة التميمي١ حليف بني عبد الدار، وقد بقيت ﵂ مع النبي ﷺ إلى أن أكرمه الله برسالته، وكانت أول من آمن به من النساء، وصدقته ونصرته فكانت له وزير صدق وهي سيدة نساء العالمين في زمانها، وهي ممن كمل من النساء فقد كانت عاقلة جليلة دينة مصونة كريمة من أهل الجنة، وكان ﵊ يثني عليها ويفضلها على سائر أمهات المؤمنين ويبالغ في تعظيمها، ولم يتزوج النبي ﷺ امرأة قبلها، وكل أولاده ﵊ منها إلا إبراهيم ﵁ فإنه من سريته مارية ﵂، ولم يتزوج النبي ﷺ عليها امرأة قط، ولا تسرى إلى أن قضت نحبها فوجد لفقدها فإنها كانت نعم القرين فلقد أنفقت عليه ﷺ من مالها واتجر فيه لها ﵂ وأرضاها، وكانت وفاتها ﵂ قبل الهجرة بثلاث سنين٢.
وقد وردت الأحاديث الصحيحة بمناقبها الكثيرة ومن تلك الأحاديث:
١- ما رواه الحاكم بإسناده إلى عفيف بن عمر وقال: كنت امرء تاجرًا، وكنت صديقًا للعباس بن عبد المطلب في الجاهلية فقدمت لتجارة فنزلت على العباس بن عبد المطلب بمنى فجاء رجل فنظر إلى الشمس حين مالت فقام يصلي
_________________
(١) ١ـ وقبل: كانت قبله عند عتيق بن عائذ بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم ثم خلف عليها النبي ﷺ "وهذا قول أبي عمر بن عبد البر انظر الاستيعاب على الإصابة ٤/٢٧٢. ٢ـ طبقات ابن سعد ١/١٣١، الاستيعاب على حاشية الإصابة ٤/٢٧١-٢٨١، أسد الغابة ٥/٤٣٤، تاريخ الإسلام ١/٤١، مجمع الزوائد ٩/٢١٨-٢٢٥، فتح الباري ٧/١٣٤، الإصابة ٤/٢٧٣-٢٧٦.
[ ١ / ٤٠٧ ]
ثم جاءت امرأة فقامت تصلي ثم جاء غلام حين راهق الحلم فقام يصلي فقلت للعباس: من هذا؟ فقال: هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن أخي يزعم أنه نبي ولم يتابعه على أمره غير هذه المرأة وهذا الغلام، وهذه المرأة خديجة بنت خويلد امرأته وهذا الغلام ابن عمه علي بن أبي طالب قال عفيف الكندي: وأسلم وحسن إسلامه: لوددت أني كنت أسلمت يومئذ فيكون لي ربع الإسلام١.
هذا الحديث اشتمل على منقبة عظيمة لأم المؤمنين خديجة ﵂ وهي أنها كانت من السابقين الأولين إلى الإسلام.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: "ومما اختصت به سبقها نساء هذه الأمة إلى الإيمان، فسنت ذلك لكل من آمنت بعدها فيكون لها مثل أجرهن لما ثبت: أن من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء٢ وقد شاركها في ذلك أبو بكر الصديق بالنسبة إلى الرجل، ولا يعرف قدر ما لكل منهما من الثواب بسبب ذلك إلا الله ﷿"٣.
٢- روى الإمام البخاري بإسناده إلى عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ثم حبب إليه الخلاء وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه وهو التعبد الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق وهو غار حراء فجاءه الملك فقال: اقرأ قال: "ما أنا بقارئ" قال: "فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ قلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني
_________________
(١) ١ـ المستدرك ٣/١٨٣ ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. ٢ـ الحديث في صحيح مسلم ٤/٢٠٥٩. ٣ـ فتح الباري ٧/١٣٧.
[ ١ / ٤٠٨ ]
الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ فقلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ﴾ ١ فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده فدخل على خديجة بنت خويلد ﵂، فقال: " زملوني زملوني" فزملوه حتى ذهب عنه الروع فقال: لخديجة وأخبرها الخبر "لقد خشيت على نفسي" فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبدًا إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق. الحديث٢.
فهذا الحديث تضمن ذكر منقبة ظاهرة لأم المؤمنين خديجة ﵂ وهي أنها كانت تقوي قلب النبي ﷺ في بداية نزول الوحي عليه وطمأنته ﵊ مما كان يخشاه على نفسه وهونت عليه الأمر وأنه لا خوف عليه ولا حزن وأقسمت للنبي ﷺ على أن الله لا يخزيه ولا يخذله واستدلت على ما أقسمت عليه بما فيه من صفاته الطيبة من أصول مكارم الأخلاق التي هي إحسانه إلى الأقارب والأجانب إما بالبدن، وإما بالمال وبينت له أن من وجدت فيه هذه الخصال الحميدة لن يخزيه الله أبدًا.
٣- ومن مناقبها ﵂ التي انفردت بها دون سائر أزواج النبي ﷺ أنه ﵊ لم يتزوج عليها حتى فارقت الحياة الدنيا. فقد روى مسلم بإسناده إلى أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: لم يتزوج النبي ﷺ على خديجة حتى ماتت٣.
قال الحافظ: "وهذا مما لا اختلاف فيه بين أهل العلم بالأخبار وفيه دليل على عظم قدرها عنده وعلى مزيد فضلها لأنها أغنته عن غيرها واختصت به بقدر ما اشترك فيه غيرها مرتين لأنه ﷺ عاش بعد أن تزوجها ثمانية وثلاثين عامًا انفردت خديجة منها بخمسة وعشرين عامًا وهي نحو
_________________
(١) ١ـ سورة العلق آية/١-٣. ٢ـ صحيح البخاري ١/٦-٧. ٣ـ صحيح مسلم ٤/١٨٨٩.
[ ١ / ٤٠٩ ]
الثلثين من المجموع ومع طول المدة فصان قلبها فيها من الغيرة ومن تكدر الضرائر الذي ربما حصل له هو منه ما يشوش عليه بذلك وهي فضيلة لم يشاركها فيها غيرها"١.
٤- ومن مناقبها العظيمة التي شرفت بها أن النبي ﷺ أخبر بأنها خير نساء هذه الأمة المحمدية قاطبة: فقد روى الإمام البخاري بإسناده إلى علي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خير نسائها مريم وخير نسائها خديجة" ٢.
وعند الإمام مسلم بلفظ "خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد" قال أبو كريب وأشار وكيع إلى السماء والأرض٣.
قال النووي ﵀: "قوله ﷺ: "خير نسائها مريم بنت عمران وخير نسائها خديجة بنت خويلد" وأشار وكيع إلى السماء والأرض" أراد وكيع بهذه الإشارة تفسير الضمير في نسائها وأن المراد به جميع نساء الأرض أي: كل من بين السماء والأرض من النساء والأظهر أن معناه أن كل واحدة منهما خير نساء الأرض في عصرها وأما التفضيل بيهما فمسكوت عنه"٤.
وقال القرطبي رحمه الله تعالى: "الضمير عائد على غير مذكور لكنه يفسره الحال والمشاهدة يعني: به الدنيا".
وقال الحافظ ابن حجر بعد أن ذكر أقوال العلماء في مرجع الضمير في قوله ﷺ: "خير نسائها مريم وخير نسائها خديجة" والذي يظهر لي أن قوله: "خير نسائها" خبر مقدم والضمير لمريم فكأنه قال: مريم خير نسائها أي:
_________________
(١) ١ـ فتح الباري ٧/١٣٧. ٢ـ صحيح البخاري ٢/٣١٥. ٣ـ صحيح مسلم ٤/١٨٨٦. ٤ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٥/١٩٨.
[ ١ / ٤١٠ ]
نساء زمانها وكذا في خديجة وقد جزم كثير من الشراح أن المراد نساء زمانها لما تقدم في أحاديث الأنبياء في قصة موسى وذكر آسية من حديث أبي موسى رفعه "كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم وآسية" فقد أثبت في هذا الحديث الكمال لآسية كما أثبته لمريم فامتنع حمل الخيرية في حديث الباب على الإطلاق وجاء ما يفسر المراد صريحًا فروى البزار والطبراني من حديث عمار بن ياسر رفعه "لقد فضلت خديجة على نساء أمتي كما فضلت مريم على نساء العالمين" "وهذا حديث حسن الإسناد"١.
٥- ومن مناقبها ﵂ التي دلت على شرفها وجلالة قدرها أن النبي ﷺ كان يكثير من ذكرها بعد موتها بالثناء عليها والمدح لها وكان يأتي من العمل ما يسرها في حياتها. فقد روى الشيخان عن عائشة ﵂ قالت: "ما غرت على امرأة للنبي ﷺ ما غرت على خديجة هلكت قبل أن يتزوجني لما كنت أسمعه يذكرها وأمره الله أن يبشرها ببيت من قصب وإن كان ليذبح الشاة فيهدي في خلائلها منها ما يسعهن"٢.
وروى مسلم ﵀ بإسناده إلى عائشة ﵂ قالت: ما غرت للنبي ﷺ على امرأة من نسائه ما غرت على خديجة لكثرة ذكرها إياها٣.
وروى البخاري ﵀ بإسناده إلى عائشة ﵂ قالت: "ما غرت على أحد من نساء النبي ﷺ ما غرت على خديجة وما رأيتها ولكن كان النبي ﷺ يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء ثم يبعثها في صدائق خديجة فربما قلت له: كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة؟ فيقول: إنها كانت وكانت وكان لي منها ولد"٤.
_________________
(١) ١ـ فتح الباري ٧/١٣٥. ٢ـ صحيح البخاري ٢/٣١٥، صحيح مسلم ٤/١٨٨٨. ٣ـ صحيح مسلم ٤/١٨٨٩. ٤ـ صحيح البخاري ٢/٣١٥.
[ ١ / ٤١١ ]
في هذه الأحاديث الثلاثة "ثبوت الغيرة وأنها غير مستنكر وقوعها من فاضلات النساء فضلًا عن دونهن، وأن عائشة كانت تغار من نساء النبي ﷺ لكن كانت تغار من خديجة أكثر وقد بينت سبب ذلك وأنه لكثرة ذكر النبي ﷺ إياها وأصل غيرة المرأة من تخيل محبة غيرها أكثر منها، وكثرة الذكر تدل على كثرة المحبة وقولها ﵂: "وأمره الله أن يبشرها" إلخ.
هذا من جملة أسباب الغيرة لأن اختصاص خديجة بهذه البشرى مشعر بمزيد محبة من النبي ﷺ فيها وقولها أيضًا ﵂: "وإن كان ليذبح الشاة" إلخ، من أسباب الغيرة لما فيه من الإشعار باستمرار حبه لها حتى كان يتعاهد صواحباتها، وقوله ﵊: "إنها كانت وكانت" أي: كانت فاضلة وكانت عاقلة ونحو ذلك"١.
٦- روى الإمام أحمد بإسناده إلى عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ إذا ذكر خديجة أثنى عليها فأحسن الثناء. قالت: فغرت يومًا فقلت: ما أكثر ما تذكرها حمراء الشدق٢، لقد أبدلك الله ﷿ بها خيرًا منها. قال: "ما أبدلني الله ﷿ خيرًا منها قد آمنت بي إذ كفر بي الناس وصدقتني إذ كذبني الناس وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله ﷿ ولدها إذ حرمني أولاد النساء" ٣.
كلما ذكر في هذا الحديث مناقب عالية لأم المؤمنين خديجة ﵂
_________________
(١) ١ـ فتح الباري ٧/١٣٦-١٣٧. ٢ـ قال النووي: معناه: عجوز كبيرة جدًا حتى قد سقطت أسنانها من الكبر ولم يبقى لشدقها بياض شيء من الأسنان إنما بقى فيها حمرة لثاتها. قال القاضي: قال المصري وغيره من العلماء: الغيرة مسامح للنساء فيها لا عقوبه عليهن فيها بما جبلن عليه من ذلك ولهذا لم تزجر عائشة عنها. ال القاضي: وعندي أن ذلك جرى من عائشة لصغر سنها وأول شبيبتها ولعلها لم تكن بلغت حينئذ"أهـ. شرح النووي ١٥/٢٠٢. ٣ـ المسند مع الفتح الرباني ٢٠/٢٤٠-٢٤١ وأورده الهيثمي في المجمع ٣/٢٢٤ وقال: رواه أحمد وإسناده حسن.
[ ١ / ٤١٢ ]
ولذلك كان ﵊ يكثر من ذكرها والثناء عليها وكان يعمل بعد موتها ما يسرها في حياتها حيث كان يصل من يودها بالقول والعمل.
قال ابن العربي رحمه الله تعالى مبينًا مكانة خديجة ﵂: "كان النبي ﷺ قد انتفع بخديجة برأيها ومالها ونصرها فرعاها حية وميتة برّها موجودة ومعدومة وأتى بعد موتها ما يعلم أنه يسرها لو كان في حياتها. ومن هذا المعنى ما روي من أن من البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه"١.
٧- أخبر النبي ﷺ بأن حبه لها كان رزقًا من الله رزقه إياه. فقد روى الإمام مسلم في صحيحه بإسناده إلى أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: ما غرت على نساء النبي ﷺ إلا على خديجة وإني لم أدركها قالت: وكان رسول الله ﷺ إذا ذبح الشاة فيقول: "أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة" قالت: فأغضبته يومًا فقلت: خديجة فقال رسول الله ﷺ: "إني قد رزقت حبها" ٢.
هذا الحديث فيه بيان فضيلة حصلت لخديجة ﵂.
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: "قوله ﷺ: "رزقت حبها" فيه إشارة إلى أن حبها فضيلة حصلت"٣.
من هذا يتبين أن: "حبه ﷺ لما تقدم ذكره من الأسباب وهي كثيرة كل منها كان سببًا في إيجاد المحبة٤.
٨- ومما حظيت به ﵂ أن النبي ﷺ كان يرتاح لسماع صوت من يشبه صوته صوتها لما وضع الله لها في قلبه من المحبة ﵂ وأرضاها.
فقد روى الشيخان عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت:
_________________
(١) ١ـ عارضة الأحوذي بشرح الترمذي ١٤/٢٥٢. ٢ـ صحيح مسلم ٤/١٨٨٨. ٣ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٥/٢٠١. ٤ـ انظر فتح الباري ٧/١٣٧.
[ ١ / ٤١٣ ]
استأذنت هالة بنت خويلد - أخت خديجة على رسول الله ﷺ فعرف استئذان خديجة فارتاع لذلك فقال: "اللهم هالة" قالت: فغرت فقلت: ما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين هلكت في الدهر قد أبدلك الله خيرًا منها١.
"في هذه الأحاديث دلالة لحسن العهد وحفظ الود، ورعاية حرمة الصاحب والمعاشر حيًا وميتًا، وإكرام معارف ذلك الصاحب"٢.
فلقد أكرم الرسول ﷺ خديجة ﵂ إكرامًا بالغًا في حال الحياة وبعد الممات.
٩- ومما دل على جلالة قدرها أن الباري - جل وعلا - أرسل إليها السلام مع جبريل وأمر نبيه أن يبشرها ببيت في الجنة من قصب اللؤلؤ المجوف المنظوم بالدر والياقوت. فقد روى الإمام البخاري بإسناده إلى أبي هريرة ﵁ قال: "أتى جبريل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب فإذا هي أتتك فاقرأ ﵍ من ربها ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب".
وروى أيضًا بإسناده إلى إسماعيل بن أبي خالد قال: قلت لعبد الله بن أبي أوفى ﵄: بشر النبي ﷺ خديجة؟ قال: نعم ببيت من قصب لا صخب فيه ولا نصب"٣.
هذان الحديثان تضمنا ذكر منقبتين عظيمتين لأم المؤمنين خديجة ﵂ وأرضاها:
الأولى: إرسال الرب - جل وعلا - سلامه عليها مع جبريل "وهذه الخاصة
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٢/٣١٦، صحيح مسلم ٤/١٨٨٩. ٢ـ انظر شرح النووي ١٥/٢٠٢. ٣ـ صحيح البخاري ٢/٣١٥-٣١٦.
[ ١ / ٤١٤ ]
لا تعرف لامرأة سواها"١.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: "قوله: فاقرأ ﵍ من ربها ومني: زاد الطبراني في الرواية المذكورة فقالت: "هو السلام ومنه السلام وعلى جبريل السلام"، وللنسائي من حديث أنس قال: "قال جبريل للنبي ﷺ: إن الله يقرئ خديجة السلام يعني فأخبرها" فقالت: إن الله هو السلام وعلى جبريل السلام وعليك يا رسول السلام ورحمة الله وبركاته"٢.
قال العلماء: في هذه القصة دليل على وفور فقهها لأنها لم تقل "وعليه السلام" كما وقع لبعض الصحابة حيث يقولون في التشهد: "السلام على الله" فنهاهم النبي ﷺ وقال: "إن الله هو السلام، فقولوا التحيات لله" فعرفت خديجة لصحة فهمها أن الله لا يرد ﵇ كما يرد على المخلوقين لأن السلام اسم من أسماء الله وهو أيضًا دعاء بالسلامة وكلاهما لا يصلح أن يرد به على الله فكأنها قالت: كيف أقول ﵇ والسلام اسمه ومنه يطلب ومنه يحصل فيستفاد منه أنه لا يليق بالله إلا الثناء عليه فجعلت مكان رد السلام عليه الثناء عليه ثم غايرت بين ما يليق بالله وما يليق بغيره فقالت: وعلى جبريل السلام ثم قالت: وعليك السلام ويستفاد منه رد السلام على من أرسل السلام وعلى من يبلغه والذي يظهر أن جبريل كان حاضرًا عند جوابها فردت عليه وعلى النبي ﷺ مرتين مرة بالتخصيص ومرة بالتعميم، وقيل إنما بلغها جبريل ﵇ من ربها بواسطة النبي ﷺ احترامًا للنبي ﷺ وكذلك وقع له لما سلم على عائشة لم يواجهها بالسلام بل راسلها مع النبي صلى الله عليه وسلم٣.
الثانية: التي اشتملت عليها تلك الأحاديث لخديجة ﵂ هي قول جبريل ﵇ للنبي ﷺ: "وبشرها ببيت في الجنة من
_________________
(١) ١ـ زاد المعاد في هدي خير العباد ١/١٠٥. ٢ـ فضائل الصحابة ص/١٩٨. ٣ـ فتح الباري ٧/١٣٩، وانظر شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للشيخ عبد الله محمد الغنيمان ٢/٣٦٩-٣٧٠.
[ ١ / ٤١٥ ]
قصب لا صخب فيه ولا نصب" وببيان معنى هذه المنقبة بأقوال أهل العلم يتبين حال خديجة وما كانت عليه من القدر العظيم ﵂: فقوله: "وبشرها ببيت" فقد قال أبو بكر الإسكافي في "فوائد الأخبار": المراد به بيت زائد على ما أعد الله لها من ثواب عملها ولهذا قال: "لا نصب فيه" أي: لم تتعب بسببه١. وقال السهيلي: "لذكر البيت معنى لطيف لأنها كانت ربة بيت قبل المبعث ثم صارت ربة بيت في الإسلام منفردة به فلم يكن على وجه الأرض في أول يوم بعث النبي ﷺ بيت إسلام إلا بيتها وهي فضيلة ما شاركها فيها أيضًا غيرها قال: وجزاء الفعل يذكر الفعل يذكر غالبًا بلفظه وإن كان أشرف منه فلهذا جاء في الحديث بلفظ البيت دون لفظ القصر٢.
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: "وفي البيت معنى آخر لأن مرجع أهل بيت النبي ﷺ إليها لما ثبت في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ قالت أم سلمة: لما نزلت دعا النبي ﷺ فاطمة وعليًا والحسن والحسين فجللهم بكساء فقال: "اللهم هؤلاء أهل بيتي" الحديث أخرجه الترمذي٣ وغيره ومرجع أهل البيت هؤلاء إلى خديجة لأن الحسنين من فاطمة وفاطمة بنتها وعلي نشأ في بيت خديجة وهو صغير ثم تزوج بنتها بعدها فظهر رجوع أهل البيت النبوي إلى خديجة دون غيرها"أ. هـ٤.
وقوله ﷺ: "من قصب" قال ابن التين: المراد به لؤلؤة مجوفة واسعة كالقصر المنيف قال الحافظ عند الطبراني في الأوسط: "من طريق أخرى عن ابن أبي أوفى: "يعني قصب اللؤلؤ" وعنده في الكبير من حديث أبي هريرة: "بيت من لؤلؤة مجوفة" وعنده في الأوسط من حديث فاطمة قالت: قلت يا رسول الله: أين أمي
_________________
(١) ١ـ الروض الأنف ١/٢٧٨، فتح الباري ٧/١٣٨. ٢ـ الروض الأنف ١/٢٧٨-٢٧٩، فتح الباري ٧/١٣٨. ٣ـ سنن الترمذي ٥/٣٠-٣١. ٤ـ فتح الباري ٧/١٣٨.
[ ١ / ٤١٦ ]
خديجة؟ قال: "في بيت من قصب" قلت: أمن هذا القصب؟ قال: "لا؛ من القصب المنظوم الدر واللؤلؤ والياقوت" ١.
قال السهيلي: النكتة في قوله: "من قصب" ولم يقل من لؤلؤ أن في لفظ القصب مناسبة لكونها أحرزت قصب السبق بمبادرتها إلى الإيمان دون غيرها ولذا وقعت هذه المناسبة في جميع ألفاظ الحديث٢.
قال الحافظ ابن حجر: وفي القصب مناسبة أخرى من جهة استواء أكثر أنابيبه وكذا كان لخديجة من الاستواء ما ليس لغيرها إذ كانت حريصة على رضاه بكل ممكن ولم يصدر منها ما يغضبه قط كما وقع لغيرها٣.
ومعنى قوله ﷺ: "لا صخب فيه ولا نصب" الصخب: الصياح والمنازعة برفع الصوت، والنصب: التعب٤.
وقال أبو بكر بن العربي: "لا صخب فيه ولا نصب" معناه: عار عن الأذية٥ قال السهيلي: "مناسبة نفي هاتين الصفتين - أعني المنازعة والتعب - أنه ﷺ لما دعا إلى الإسلام أجابت خديجة طوعًا فلم تحوجه إلى رفع صوت ولا منازعة ولا تعب في ذلك بل أزالت عنه كل نصب وآنسته من كل وحشة وهونت عليه كل عسير فناسب أن يكون منزلها الذي بشرها به ربها بالصفة المقابلة لفعلها"٦.
١٠-ومما تميزت به ﵂ أنها كانت ممن كمل من النساء. قال الحافظ ابن كثير: وروى شعبة عن معاوية بن قرة عن أبيه قرة بن إياس
_________________
(١) ١ـ المصدر السابق. ٢ـ الروض الأنف ١/٢٧٩، فتح الباري ٧/١٣٨. ٣ـ فتح الباري ٧/١٣٨. ٤ـ انظر النهاية في غريب الحديث والأثر ٣/١٤، ٥/٦٢، فتح الباري ٧/١٣٨. ٥ـ عارضة الأحوذي ١٤/٢٥٢. ٦ـ الروض الأنف ١/٢٧٩ وانظر فتح الباري ٧/١٣٨.
[ ١ / ٤١٧ ]
﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا ثلاث مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" ١.
قال ابن كثير: رواه ابن مردويه في تفسيره وهذا إسناد صحيح إلى شعبة وبعده قالوا: والقدر المشترك بين الثلاث نسوة آسية ومريم وخديجة أن كلا منهن كفلت نبيًا مرسلًا، وأحسنت الصحبة في كفالتها وصدقته فآسية ربت موسى وأحسنت إليه وصدقته حين بعث، ومريم كفلت ولدها أتم كفالة وأعظمها وصدقته حين نزل عليه الوحي من الله - عز وجل٢.
فهذا الحديث تضمن منقبة ظاهرة لخديجة ﵂ حيث إن "لفظة الكمال تطلق على تمام الشيء وتناهيه في بابه والمراد هنا التناهي في جميع الفضائل وخصال البر والتقوى"٣.
١١- ومما تميزت به ﵂: أنها لم تسؤه قط ولم تعارضه ولم ينلها منه إيلاء ولا عتب قط ولا هجر وكفى بهذه منقبة وفضيلة٤.
١٢- ومن مناقبها ما رواه الترمذي بإسناده إلى أنس أن النبي ﷺ قال: "حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد وآسية امرأة فرعون" ٥.
قوله: "حسبك أي: يكفيك" من نساء العالمين أي: الواصلة إلى مراتب الكاملين في الاقتداء بهن وذكر محاسنهن ومناقبهن وزهدهن في الدنيا وإقبالهن
_________________
(١) ١ـ البداية والنهاية ٣/١٤٢. ٢ـ المصدر السابق "نفس الجزء والصحفة". ٣ـ شرح النووي ١٥/١٩٨. ٤ـ جلاء الأفهام ص/١٢٥. ٥ـ سنن الترمذي ٥/٢٦٧ وقال: هذا حديث حسن صحيح.
[ ١ / ٤١٨ ]
على العقبى.
قال الطيبي: حسبك مبتدأ ومن نساء متعلق به ومريم خبره والخطاب إما عام أو لأنس أي: كافيك معرفتك فضلهن عن معرفة سائر النساء١.
فالحديث اشتمل على منقبة عظيمة لخديجة ﵂ حيث بين النبي ﷺ أنها من النساء اللاتي بلغن التناهي في جميع الفضائل وخصال البر والتقوى، فأفضل نساء الأمة المحمدية خديجة بنت خويلد، وعائشة بنت أبي بكر الصديق وفاطمة بنت محمد ﵊ وقد اختلف العلماء في تفضيل بعضهن على بعض:
فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "جهات الفضل بين خديجة وعائشة متقاربة وكأنه رأى التوقف"٢.
وقال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: "الخلاف في كون عائشة أفضل من فاطمة أو فاطمة أفضل إذا حرر محل التفضيل صار وفاقًا فالتفضيل بدون التفصيل لا يستقيم فإن أريد بالفضل كثرة الثواب عند الله ﷿ فذلك أمر لا يطلع عليه إلا بالنص لأنه بحسب تفاضل أعمال القلوب لا بمجرد أعمال الجوارج، وكم من عاملين أحدهما أكثر عملًا بجوارحه والآخر أرفع درجة منه في الجنة، وإن أريد بالتفضيل التفضل بالعلم فلا ريب أن عائشة أعلم وأنفع للأمة وأدت إلى الأمة من العلم ما لم يؤدي غيرها واحتاج إليها خاص الأمة وعامتها، وإن أريد بالتفضيل شرف الأصل وجلالة النسب فلا ريب أن فاطمة أفضل فإنها بضعة من النبي ﷺ وذلك اختصاص لم يشاركها فيه غير أخواتها وإن أريد السيادة ففاطمة سيدة نساء الأمة وإذا ثبتت وجوه التفضيل وموارد الفضل وأسبابه صار الكلام بعلم وعدل، وأكثر الناس إذا تكلم في التفضيل لم يفصل جهات
_________________
(١) ١ـ تحفة الأحوذي بشرح الترمذي ١٠/٣٨٩. ٢ـ ذكره عنه الحافظ ابن حجر في كتابه "تح الباري" ٧/١٠٩.
[ ١ / ٤١٩ ]
الفضل ولم يوازن بينهما فيبخس الحق وإن انضاف إلى ذلك نوع تعصب وهوى لمن يفضله تكلم بالجهل والظلم"١.
وقال الحافظ ابن حجر: "امتازت فاطمة عن أخواتها بأنهن متن في حياة النبي ﷺ، وأما ما امتازت به عائشة من فضل العلم فإن لخديجة ما يقابله وهي أنها أول من أجاب إلى الإسلام ودعا إليه وأعان على ثبوته بالنفس والمال والتوجه التام فلها مثل أجر من جاء بعدها ولا يقدر قدر ذلك إلا الله، وقيل: انعقد الإجماع على أفضلية فاطمة، وبقي الخلاف بين عائشة وخديجة"٢.
وقد بين العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى أقوال العلماء في تفضيل خديجة على عائشة أو العكس وبين أن في المسألة ثلاثة أقوال فقد قال: "واختلف في تفضيلها على عائشة ﵂ على ثلاثة أقوال: ثالثها الوقف: وسألت شيخنا ابن تيمية فقال: "اختصت كل واحدة منهما بخاصة، فخديجة كان تأثيرها في أول الإسلام، وكانت تسلي رسول الله ﷺ وتثبته وتسكنه، وتبذل دونه مالها فأدركت غرة الإسلام واحتملت الأذى في الله وفي رسوله، وكان نصرتها للرسول في أعظم أوقات الحاجة فلها من النصرة والبذل ما ليس لغيرها، وعائشة ﵂ تأثيرها في آخر الإسلام، فلها من التفقه في الدين وتبليغه إلى الأمة، وانتفاع بنيها بما أدت إليهم من العلم ما ليس لغيرها هذا معنى كلامه"٣.
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى بعد أن أشار إلى الخلاف في أي أفضل خديجة أم عائشة ﵄: "والحق أن كلًا منهما لها من الفضائل ما لو نظر الناظر فيه لبهره وحيره والأحسن التوقف في ذلك إلى الله ﷿
_________________
(١) ١ـ بدائع الفوائد ٣/١٦١-١٦٢، وانظر: فتح الباري ٧/١٠٩. ٢ـ فتح الباري ٧/١٠٩. ٣ـ جلاء الأفهام ص/١٢٤، وانظر بدائع الفوائد ٣/١٦٢-١٦٣.
[ ١ / ٤٢٠ ]
ومن ظهر له دليل يقطع به أو يغلب على ظنه في هذا الباب فذاك الذي يجب عليه أن يقول بما عنده من العلم، ومن حصل له توقف في هذه المسألة، أو في غيرها فالطريق الأقوم والمسلك الأسلم أن يقول الله أعلم"أ. هـ١.
وقال القاري في المرقاة: قال السيوطي في النقاية: "نعتقد أن أفضل النساء مريم وفاطمة، وأفضل أمهات المؤمنين خديجة وعائشة، وفي التفضيل بينهما أقوال ثالثها: التوقف قال القاري: التوقف في حق الكل أولى إذ ليس في المسألة دليل قطعي والظنيات متعارضة غير مفيدة للعقائد المبنيات على اليقينيات"٢.
وما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم والحافظ ابن كثير في مسألة التفضيل بين خديجة وعائشة هو معتقد الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة وهو القول بالتوقف وهو القول الذي تطمئن إليه النفس لما لكل واحدة منهما من الفضائل التي لا تحصى والله أعلم.
_________________
(١) ١ـ البداية والنهاية ٣/١٤٢. ٢ـ المرقاة ٥/٦١٥.
[ ١ / ٤٢١ ]
٢) سودة ﵂:
هي سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل ويقال: حسيل بن عامر بن لؤي، وأمها الشموس بنت قيس بن زيد بن عمرو بن لبيد بن فراش بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار تزوجها رسول الله ﷺ بمكة بعد موت خديجة وقبل العقد على عائشة هذا قول قتادة وأبي عبيدة وكذلك روى عقيل عن ابن شهاب وأنه تزوج سودة قبل عائشة. وقال عبد الله بن محمد بن عقيل: تزوجها بعد عائشة وكذلك قال يونس عن ابن شهاب ولا خلاف أنه لم يتزوجها إلا بعد موت خديجة١.
قال الذهبي رحمه الله تعالى: "وهي أول من تزوج بها النبي ﷺ بعد خديجة وانفردت به نحوًا من ثلاث سنين أو أكثر حتى دخل بعائشة وكانت سيدة جليلة نبيلة ضخمة وكانت أولًا عند السكران بن عمرو أخي سهيل بن عمرو العامري وهي التي وهبت يومها لعائشة رعاية لقلب رسول الله ﷺ وكانت قد فركت٢ ﵂"٣.
توفي النبي ﷺ وهي مع سائر من توفي عنهن من أزواجه ﵅ وأرضاهن وأم المؤمنين سودة وردت لها مناقب دلت على جلالة قدرها ورفعت شأنها ﵂ وأرضاها، وتلك المناقب هي:
١- أنها ﵂ كانت من السابقين الأولين إلى الإسلام. قال الحافظ ابن حجر: "وأخرج ابن أبي عاصم من طريق يحيى القطان عن محمد بن عمرو عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن عائشة قالت: لما توفيت خديجة قالت خولة بنت حكيم بن الأوقص امرأة عثمان بن مظعون وذلك بمكة أي:
_________________
(١) ١ـ الاستيعاب على حاشية الإصابة ٤/٣١٧، أسد الغابة ٥/٤٨٤-٤٨٥، الإصابة ٤/٤٣٠-٤٣١. ٢ـ فركت: قال في اللسان: ١٠/٤٧٤: "وامرأة مفروكة: لا تحظى عند الرجال". ٣ـ سير أعلام النبلاء ٢/٢٦٦-٢٦٧.
[ ١ / ٤٢٢ ]
رسول الله ألا تزوج؟ قال: "ومن؟ " قالت: إن شئت بكرًا وإن شئت ثيبًا. قال: "فمن البكر؟ " قالت: بنت أحب خلق الله إليك عائشة بنت أبي بكر قال: "ومن الثيب؟ " قالت: سودة بنت زمعة، آمنت بك، واتبعتك، قال: "فاذهبي فاذكريهما علي" الحديث١.
فهي ﵂ من متقدمي الإيمان بالنبي ﷺ والمتبعين له.
قال ابن سعد: "وأسلمت بمكة قديمًا وبايعت، وأسلم زوجها السكران بن عمرو وخرجا جميعًا مهاجرين إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية"٢.
٢- ومن حرصها على البقاء في عصمة النبي ﷺ أنها آثرت يومها في القسم حب النبي ﷺ وجعلته لعائشة إيثارًا منها لرضاه ﵊ وحبًا في المقام معه لتكون من أزواجه في الدنيا والآخرة.
فقد روى أبو عيسى الترمذي بإسناده إلى عبد الله بن عباس ﵄ قال: "خشيت سودة أن يطلقها النبي ﷺ فقالت: لا تطلقني وأمسكني واجعل يومي لعائشة ففعل فنزلت: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ ٣ فما اصطلح عليه من شيء فهو جائز"٤.
وروى البخاري بإسناده إلى عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، وكان يقسم لكل امرأة منهن يومها وليلتها غير أن سودة بنت زمعة وهبت يومها وليلتها
_________________
(١) ١ـ الإصابة ٤/٣٤٨-٣٤٩ والحديث طويل جدًا وفيه أن خولة ذهبت وخطبت عائشة ﵂ واستجاب لذلك الصديق وزوجوه إياها وهي حينئذ بنت ست سنين، ثم ذهبت إلى سودة وخطبتها للنبي ﷺ ورضيت بالنبي زوجًا لها ودخل بها ﵊ في مكة وهاجرت بعد ذلك إلى المدينة لما هاجر إليها. والحديث أخرجه الإمام أحمد في المسند ٦/٢١٠ والبيهقي في دلائل النبوة ٢/٣١٢-٤١١ وأورده الحافظ ابن كثير في البداية ٣/١٤٦-١٥٤، والهيثمي في المجمع ٩/٢٢٥. ٢ـ طبقات ابن سعد ٨/٥٢. ٣ـ سورة النساء آية/١٢٨. ٤ـ سنن الترمذي ٤/٣١٥ ثم قال عقبه: هذا حديث حسن صحيح غريب.
[ ١ / ٤٢٣ ]
لعائشة زوج النبي ﷺ تبتغي بذلك رضا رسول الله صلى الله عليه وسلم١.
٣- ومن مناقبها ﵂ أن أم المؤمنين عائشة ﵂ تمنت أن تكون في مثل هديها وطريقتها: فقد روى مسلم بإسناده إلى عائشة ﵂ قالت: ما رأيت امرأة أحب ألي أن أكون في مسلاخها٢ من سودة بنت زمعة من امرأة فيها حدة قالت: فلما كبرت جعلت يومها من رسول الله ﷺ لعائشة قالت: يا رسول الله قد جعلت يومي منك لعائشة، فكان رسول الله ﷺ يقسم لعائشة يومين: يومها ويوم سودة٣.
قال النووي: "وقولها: من امرأة. قال القاضي: من هنا للبيان واستفتاح الكلام ولم ترد عائشة عيب سودة بذلك بل وصفتها بقوة النفس وجودة القريحة وهي الحدة بكسر الحاء"٤.
فهذه الأحاديث اشتملت على بيان فضل أم المؤمنين سودة بنت زمعة ﵂ قال العلامة ابن القيم مبينًا وجه الفضل في هذه الأحاديث: "فلما توفاها الله - يقصد خديجة - تزوج بعدها سودة بنت زمعة ﵂ وكبرت عنده وأراد طلاقها فوهبت يومها لعائشة ﵂ فأمسكها وهذا من خواصها أنها آثرت بيومها حب النبي ﷺ تقربًا إلى رسول الله ﷺ وحبًا له، وإيثارًا لمقامها معه فكان يقسم لنسائه ولا يقسم لها وهي راضية بذلك مؤثرة لرضى رسول الله ﷺ: ﵂"٥.
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٢/١٩. ٢ـ قال ابن الأثير في النهاية ٢/٣٨٩: كأنها تمنت أن تكون في مثل هديها وطريقتها ومسلاخ الحية جلدها والسلخ بالكسر: الجلد. ٣ـ صحيح مسلم ٢/١٠٨٥. ٤ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٠/٤٨. ٥ـ جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام ص/١٢٥.
[ ١ / ٤٢٤ ]
٤- ومن مناقبها ﵂ أنها كانت من محبي الإنفاق في سبيل الله. فقد روى ابن سعد بإسناده إلى محمد بن سيرين أن عمر بن الخطاب بعث إلى سودة بنت زمعة بغرارة من دراهم فقالت: ما هذه قالوا: دراهم قالت: في الغرارة مثل التمر يا جارية بلغيني القنع. قال: ففرقتها١.
"توفيت ﵂ في آخر زمان عمر بن الخطاب، ويقال ماتت سنة أربع وخمسين في خلافة معاوية"٢.
_________________
(١) ١ـ انظر الطبقات ٨/٥٦. ٢ـ الطبقات ٨/٥٧، الاستيعاب على الإصابة ٤/٣١٨، سير أعلام النبلاء ٢/٢٦٧، الإصابة ٤/٣٣١.
[ ١ / ٤٢٥ ]
٣) عائشة ﵂:
هي عائشة بنت أبي بكر الصديق عبد الله بن عثمان، وأمها أم رومان بنت عامر بن عويمر الكنانية، ولدت بعد المبعث بأربع سنين أو خمس تزوجها النبي ﷺ وهي بنت ست، وقيل سبع ويجمع بأنها كانت أكملت السادسة ودخلت السابعة، ودخل بها وهي بنت تسع وكان دخوله بها في شوال في السنة الأولى وقيل في السنة الثانية من الهجرة وكانت أحب أزواجه إليه وهي المبرأة من فوق سبع سموات ﵂ وعن أبيها، وكانت تكنى بأم عبد الله كناها رسول الله ﷺ بابن اختها عبد الله بن الزبير ولم يتزوج رسول الله ﷺ بكرًا غيرها ولم ينزل عليه الوحي في لحاف امرأة سواها، وكانت أعلم نساء النبي ﷺ بل هي أعلم النساء على الإطلاق، كان الأكابر من أصحاب النبي ﷺ يرجعون إلى قولها ويستفتونها توفي النبي ﷺ وهي في الثامنة عشر من عمرها وكانت وفاتها ﵂ سنة ثمان وخمسين ليلة الثلاثاء السابع عشر من رمضان وصلى عليها أبو هريرة ﵁ وعنها وعن الصحابة أجميعن"١.
ومناقبها ﵂ كثيرة مشهورة ومنها:
١- ما رواه البخاري بإسناده إلى عمرو بن العاص ﵁ أن النبي ﷺ بعثه على جيش ذات السلاسل فأتيته فقلت: أي: الناس أحب إليك قال: "عائشة" قلت: فمن الرجال: قال: "أبوها" الحديث٢.
هذا الحديث فيه منقبة ظاهرة لأم المؤمنين عائشة ﵂ وهي أنها كانت أحب أزواج النبي ﷺ إليه.
قال الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى: "وهذا
_________________
(١) ١ـ طبقات ابن سعد ٨/٥٨، حلية الأولياء لأبي نعيم ٢/٤٣، الاستيعاب على حاشية الإصابة ٤/٣٤٥-٣٥١، أسد الغابة ٥/٥٠١-٥٠٤، سير أعلام النبلاء ٢/١٣٥-٢٠١، البداية والنهاية ٨/٩٨-١٠٢، الإصابة ٤/٣٤٨-٣٥٠، تهذيب التهذيب ١٢/٤٣٣. ٢ـ صحيح البخاري ٢/٢٩٠.
[ ١ / ٤٢٦ ]
خبر ثابت على رغم أنوف الروافض، وما كان ﵊ ليحب إلا طيبًا وقد قال: "لو كنت متخذًا خليلًا من هذه الأمة لاتخذت أبا بكر خليلًا ولكن أخوة الإسلام أفضل".
فأحب أفضل رجل من أمته وأفضل امرأة من أمته، فمن أبغض حبيبي رسول الله ﷺ فهو حري أن يكون بغيضًا إلى الله ورسوله. وحبه ﵇ لعائشة كان أمرًا مستفضيًا١.
ومن مناقبها ﵂ أن جبريل أرسل إليها سلامه مع النبي ﷺ. فقد روى البخاري بإسناده إلى عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ يومًا: " يا عائش هذا جبريل يقرئك السلام" فقالت: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته. ترى ما لا أرى تريد رسول الله ﷺ"٢.
فهذا الحديث يدل على أن لها فضلًا عظيمًا ومنزلة عالية حتى عند الملائكة ﵂ وأرضاها.
٣- ومن مناقبها ﵂: ما رواه الشيخان في صحيحيهما عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" ٣.
في هذا الحديث بيان فضيلة عائشة ﵂ فقد بين النبي ﷺ أن فضل عائشة زائد على النساء كزيادة فضل الثريد على غيره من الأطعمة.
قال النووي: "قال العلماء: معناه أن الثريد من كل طعام أفضل من المرق فثريد اللحم أفضل من مرقه بلا ثريد وثريد ما لا لحم فيه أفضل من مرقه والمراد بالفضيلة نفعه والشبع منه وسهولة مساغه والالتذاذ به وتيسر تناوله وتمكن الإنسان
_________________
(١) ١ـ سير أعلام النبلاء ٢/١٤٢. ٢ـ صحيح البخاري ٢/٣٠٨. ٣ـ صحيح البخاري ٢/٣٠٨، صحيح مسلم ٤/١٨٩٦.
[ ١ / ٤٢٧ ]
من أخذ كفايته منه بسرعة وغير ذلك فهو أفضل من المرق كله ومن سائر الأطعمة وفضل عائشة على النساء زائد كزيادة فضل الثريد على غيره من الأطعمة، وليس في هذا تصريح بتفضيلها على مريم وآسية لاحتمال أن المراد تفضيلها على نساء الأمة"أ. هـ١.
وقال الحافظ رحمه الله تعالى: "وتقرير أن قوله: "وفضل عائشة إلخ لا يستلزم ثبوت الأفضلية المطلقة وقد أشار ابن حبان إلى أن أفضليتها التي يدل عليها هذا الحديث وغيره مقيدة بنساء النبي ﷺ حتى لا يدخل فيها مثل فاطمة ﵍ جمعًا بين هذا الحديث وبين حديث: "أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد ومريم بنت عمران وأحسبه قال: وامرأة فرعون" وقد أخرجه الحاكم بهذا اللفظ من حديث ابن عباس"٢.
٤- ومن مناقبها ﵂ أن الله ﷿ لما أنزل على نبيه آية التخيير بدأ بها فخيرها فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة فاستن بها بقية أزواجه ﷺ. فقد روى البخاري بإسناده إلى عائشة ﵂ قالت: "لما أمر رسول الله ﷺ بتخيير أزواجه بدأ بي فقال: "إني ذاكر لك أمرًا فلا عليك أن لا يعمل حتى تستأمري أبويك" قالت: وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه قالت: ثم قال: "إن الله - جل ثناؤه - قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ إلى ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ " ٣. قالت: فقلت: ففي أي هذا استأمر أبوي؟ فإني أريد الله وروسوله والدار الآخرة قالت: ثم فعل أزواج رسول الله ﷺ مثل ما فعلت"٤.
_________________
(١) ١ـ شرح النووي ١٥/١٩٩. ٢ـ فتح الباري ٧/١٠٧ والحديث في المستدرك ٣/١٨٥ وقال عقبه: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذه السياقة وأقره الذهبي. ٣ـ سورة الأحزاب آية/٢٨-٢٩. ٤ـ صحيح البخاري في شرحه فتح الباري ٨/٥٢٠.
[ ١ / ٤٢٨ ]
هذا الحديث تضمن فضل عائشة لبدائته بها ﵂.
٥- ومن مناقبها ﵂ أن الملك أرى صورتها للنبي ﷺ قبل أن يتزوجها في سرقة١ حرير. فقد روى الشيخان من حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: " أريتك في المنام ثلاث ليال جاءني بك الملك في سرقة من حرير فيقول: هذه امرأتك فأكشف عن وجهك فإذا أنت هي فأقول: "إن يك هذا من عند الله يمضه" ٢.
٦- ومن مناقبها العظيمة التي دلت على عظيم شأنها وجليل قدرها أن الوحي كان ينزل على النبي ﷺ وهو في لحافها دون غيرها من نسائه ﵊.
فقد روى البخاري بإسناده إلى هشام بن عروة عن أبيه قال: كان الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة قالت عائشة: فاجتمع صواحبي إلى أم سلمة فقلن: يا أم سلمة، والله إن الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة وإنا نريد الخير كما تريده عائشة فمري رسول الله ﷺ أن يأمر الناس أن يهدوا إليه حيث كان أو حيث ما دار قالت: فذكرت ذلك أم سلمة للنبي ﷺ قالت: فأعرض عني فلما عاد إلي ذكرت له ذلك فأعرض عني فلما كان في الثالثة ذكرت له فقال: "يا أم سلمة لا تؤذيني في عائشة فإنه والله ما نزل علي الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها" ٣.
هذا الحديث تضمن منقبتين عظيمتين اختصت بهما أم المؤمنين عائشة ﵂:
المنقبة الأولى: أن الصحابة ﵃ كانوا يتحرون بهداياهم اليوم الذي يكون فيه نوبتها ﵂ وأرضاها يبتغون بذلك مرضاة رسول الله
_________________
(١) ١ـ سرقة حرير: أي: قطعة من جيد الحرير وجمعها سرق، النهاية في غريب الحديث ٢/٣٦٢. ٢ـ صحيح البخاري ٣/٢٤٧، صحيح مسلم ٤/١٨٨٩-١٨٩٠. ٣ـ صحيح البخاري ٢/٣٠٨-٣٠٩.
[ ١ / ٤٢٩ ]
ﷺ ولما يعلمون من شدة حبه ﷺ لها.
المنقبة الثانية: نزول جبريل الأمين بالوحي على النبي ﷺ وهو في لحافها فلله ما أجلها من منقبة وما أعظمها من مكرمة اختصت بها أم المؤمنين عائشة ﵂
٧- ومن مناقبها ﵂: شدة حب النبي ﷺ لها. فقد روى مسلم من حديث عائشة ﵂ قالت: أرسل أزواج النبي ﷺ فاطمة بنت رسول الله ﷺ إلى رسول الله ﷺ فاستأذنت عليه وهو مضطجع معي في مرطي فأذن لها فقالت: يا رسول الله، إن أزواجك أرسلنني إليك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة وأنا ساكتة، قالت: فقال لها رسول الله ﷺ: " أي بنية ألست تحبين ما أحب"، فقالت: بلى قال: "فأحبي هذه" قالت: فقامت فاطمة حين سمعت ذلك من رسول الله ﷺ فرجعت إلى أزواج النبي فأخبرتهن بالذي قالت وبالذي قال لها رسول الله ﷺ وقلنا لها: ما نراك أغنيت عنا في شيء فارجعي إلى رسول الله ﷺ فقولي له: إن أزواجك ينشدنك العدل في ابنة أبي قحابة فقالت فاطمة: والله لا أكلمه فيها أبدًا، قالت عائشة: فأرسل أزواج النبي ﷺ زينب بنت جحش فاستأذنت على رسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ مع عائشة في مرطها على الحالة التي دخلت فاطمة عليها فأذن لها رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إني أزواجك أرسلنني إليك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة قالت: ثم وقعت بي فاستطالت علي وأنا أرقب رسول الله ﷺ وأرقب طرفه هل يأذن لي فيها قالت: فلما تبرح زينب حتى عرفت أن رسول الله ﷺ لا يكره أن أنتصر قالت: فلما وقعت بها لم أنشبها١ حتى أنحيت عليها قالت: فقال رسول الله ﷺ وتبسم: "إنها ابنة أبي بكر". ٢
_________________
(١) ١ـ لم أنشبها: أي: أنحيت عليها: أي: لم ألبث أن قمعتها وقهرتها "انظر النهاية في غريب الحديث" ٥/٥٢ وانظر شرح النووي على صحيح مسلم ١٥/٢٠٧. ٢ـ صحيح مسلم ٤/١٨٩١.
[ ١ / ٤٣٠ ]
هذا الحديث فيه منقبة ظاهرة لعائشة ﵂ حيث بين ﵊ لابنته فاطمة سيدة نساء أهل الجنة أنه يحب عائشة وأشار لها أن عليها محبتها.
قال النووي رحمه الله تعالى: "اعلم أنه ليس فيه دليل على أن النبي ﷺ أذن لعائشة ولا أشار بعينه ولا غيرها بل لا يحل اعتقاد ذلك فإنه ﷺ تحرم عليه خائنة الأعين وإنما فيه أنها انتصرت لنفسها فلم ينهها وأما قوله ﷺ: "إنها ابنة أبي بكر" فمعناه الإشارة إلى كمال فهمها وحسن نظرها والله أعلم"١.
والعدل الذي طلبه أزواج النبي ﷺ إنما هو التسوية بينهن في محبة القلب فقد كان ﷺ مسويًا بينهن في الأفعال والمبيت ونحوه وأما محبة القلب فقد كان ﷺ يحب عائشة أكثر منهن وأجمع المسلمون على أن محبتهن لا تكليف فيها لأنه لا قدرة لأحد عليها إلا الله ﷾ وإنما يؤمر بالعدل في الأفعال"٢.
٨- ومن مناقبها ﵂ التي دلت على عظيم شأنها ورفعه مكانتها شهادة الباري جل وعلا لها بالبراءة مما رميت به من الإفك وذلك أنه ﵊ كان إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه ولما أراد الخروج في غزوة بني المصطلق أقرع بينهن فخرج سهم أم المؤمنين عائشة ﵂ وأرضاها وذلك بعد أن نزل الحجاب فحملت عائشة في هودجها ولما فرغ ﷺ من هذه الغزوة تجهز للعودة فلما قرب من المدينة آذن ليلة بالرحيل فقامت عائشة ﵂ حين آذنوا بالرحيل ومشت حتى جاوزت مكان الجيش فلما قضت من شأنها أقبلت إلى الرحيل فلمست صدرها وإذ بعقد لها قد انقطع فرجعت للبحث عنه فتأخرت في طلب ذلك العقد وجاء الرهط الذين كانوا يحملون هودجها فرحلوه على بعيرها الذي كانت تركبه وهم يظنونها فيه ولخفتها ﵂ لم يستنكروا عدم ثقل الهودج حين رحلوه ورفعوه وبعثوا
_________________
(١) ١ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٥/٢٠٧. ٢ـ المصدر السابق ١٥/٢٠٥.
[ ١ / ٤٣١ ]
الجمل وساروا ووجدت عقدها ﵂ بعد أن ذهب الجيش وجاءت إلى مكانهم الذي نزلوه وإذا به ليس فيه داع ولا مجيب فقصدت مكانها الذي كانت فيه لعلهم يفقدونها ويرجعون إليه فلم يحصل من ذلك شيء ولكن الله قيض لها الصحابي الجليل صفوان بن المعطل السلمي حيث كان متأخرًا عن الجيش فأصبح عند منزلها فرأى سواد إنسان نائم فأتى وإذا بها أم المؤمنين عائشة ﵂ فعرفها فجعل يسترجع حتى استيقظت باسترجاعه ولم يكلمها ﵁ بأي كلمة ولا سمعت منه غير كلمة استرجاعه فأناخ لها راحلته فركبتها وانطلق يقود بها تلك الراحلة حتى لحق بالنبي ﷺ وأصحابه فهلك في شأنها من هلك وعصم من ذلك من عصم وكان الذي تولى كبره في حادثة الإفك عبد الله بن أبي بن سلول وأخذ المنافقون في نشر هذه الحادثة يحيكونها بالكذب والبهت حتى تأذى من ذلك رسول الله ﷺ أذى شديدًا ونزل بأم المؤمنين عائشة ﵂ من الغم والهم ما الله به عليم حيث تأخر نزول الوحي بتبرئتها شهرًا كاملًا وبينما رسول الله ﷺ يفاتح عائشة في ذلك الأمر وهي عند أبويها١ إلا والوحي ينزل بتبرئتها في عدد من آيات القرآن العظيم من سورة النور كانت درسًا بليغًا لأهل الإيمان وشهادة من الله بتبرئة أم المؤمنين، وماتت تلك الفتنة يومئذ ولقي من تخوضوا فيها جزاءهم والآيات التي نزلت بتبرئتها ﵂ هي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالأِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الأِثْمِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّأُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ٢ وعدد هذه الآيات لا ينقص عن ثمانية عشر آية تولى الله فيها الدفاع بنفسه
_________________
(١) ١ـ انظر قصة الإفك على سبيل التفصيل في صحيح البخاري ٣/١٦٣-١٦٦، صحيح مسلم ٤/٢١٢٩-٢١٣٧. ٢ـ سورة النور آية/١١-٢٨.
[ ١ / ٤٣٢ ]
عن أم المؤمنين عائشة ﵂ وبين أن ما رميت به كان إفكًا وهل الإفك إلا الكذب والبهت والافتراء وحذر من العودة إليه أبدًا، وتوعد الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات باللعن في الدنيا والآخرة، والآية الأخيرة من تلك الآيات هي قوله تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّأُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ يعني أن عائشة ما كانت تصلح لرسول الله شرعًا ولا قدرًا لو كانت خبيثة وأن الله ما كان ليجعل عائشة زوجًا لرسوله إلا وهي طيبة لأنه أطيب من كل طيب من البشر ﵊ كما صرح الله ببراءتها في قوله: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّأُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ ووعدها بالمغفرة والرزق الكريم ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ وليس لهذا من تفسير إلا أن الباري - جل وعلا - شهد لها بحقيقة الإيمان وبشرها بالموت عليه لتفوز بعد ذلك بالمغفرة والرزق الكريم في الآخرة وبعد هذا لا يجوز لإنسان يؤمن بالله وكلماته أن ينسب أم المؤمنين عائشة إلى شيء من الخبث والريبة ومن وقع في مثل هذا فليس من تفسير لصنعه هذا إلا الكفر البواح والردة الصراح.
قال العلامة ابن القيم: "ومن خصائصها أن الله - سبحانه - برأها بما رماها به أهل الإفك وأنزل في عذرها وبراءتها وحيًا يتلى في محاريب المسلمين وصلواتهم إلى يوم القيامة شهد لها بأنها من الطيبات ووعدها المغفرة والرزق الكريم وأخبر - سبحانه - أن ما قيل فيها من الإفك كان خيرًا لها ولم يكن ذلك الذي قيل فيها شرًا لها ولا خافضًا من شأنها بل رفعها الله بذلك وأعلى قدرها وأعظم شأنها وصار لها ذكرًا بالطيب والبراءة بين أهل الأرض والسماء فيالها من منقبة ما أجلها وتأمل هذا التشريف والإكرام الناشيء عن فرط تواضعها واستصغارها لنفسها حيث قالت: "ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في بوحي يتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ رؤيا يبرئني الله بها"١ فهذه صديقة الأمة وأم المؤمنين وحب رسول الله ﷺ وهي
_________________
(١) ١ـ جزء من حديث الإفك انظر صحيح البخاري ٣/١٦٥.
[ ١ / ٤٣٣ ]
تعلم أنها بريئة منه مظلومة وأن قاذفيها ظالمون مفترون عليها قد بلغ أذاهم إلى أبويها وإلى رسول الله ﷺ"١.
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: "ولما تكلم فيها أهل الإفك بالزور والبهتان غار الله لها فأنزل براءتها في آيات من القرآن تتلى على تعاقب الزمان وقد أجمع العلماء على تكفير من قذفها بعد براءتها واختلفوا في بقية أمهات المؤمنين هل يكفر من قذفهن أم لا؟ على قولين: وأصحهما أنه يكفر لأن المقذوف زوجة رسول الله ﷺ والله تعالى إنما غضب لها لأنها زوجة رسول الله ﷺ فهي وغيرها منهن سواء"٢.
٩- ومما كان تشريفًا وتكريمًا لها ما رواه البخاري بإسناده إلى عائشة ﵂ أنها استعارت من أسماء قلادة فهلكت فأرسل رسول الله ﷺ ناسًا من أصحابه في طلبها فأدركتهم الصلاة فصلوا بغير وضوء فلما أتوا النبي ﷺ شكوا ذلك إليه فنزلت آية التيمم فقال أسيد بن حضير: "جزاك الله خيرًا، فوالله ما نزل بك أمر قط إلا جعل الله لك منه مخرجًا وجعل فيه للمسلمين بركة٣.
في هذا الحديث فضيلة ظاهرة لأم المؤمنين عائشة ﵂ وأرضاها تضمنها قوله: "جزاك الله خيرًا " إلخ الحديث فما نزل بها أمر إلا جعل الله لها منه مخرجًا وجعله لأمة محمد تخفيفًا وتيسيرًا وبركة.
١٠- ومنها أن النبي ﷺ لما لحق بالرفيق الأعلى كان في بيتها وبين سحرها ونحرها وكان مسندًا ظهره إلى صدرها "وجمع الله بين ريقه وريقها في آخر ساعة
_________________
(١) ١ـ جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام ص/١٢٦. ٢ـ البداية والنهاية ٨/٩٩ وانظر تفسير القرآن العظيم ٥/٧٦. ٣ـ صحيح البخاري ٢/٣٠٨.
[ ١ / ٤٣٤ ]
من ساعاته في الدنيا وأول ساعة من الآخرة ودفن في بيتها"١.
فقد روى البخاري بإسناده إلى عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ لما كان في مرضه جعل يدور في نسائه ويقول: "أين أنا غدًا؟ " حرصًا على بيت عائشة قالت عائشة: فلما كان يومي سكن"٢.
وعند مسلم عنها ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ ليتفقد يقول: "أين أنا اليوم أين أنا غدًا؟ " استبطاء ليوم عائشة قالت: فلما كان يومي قبضه الله بين سحري ونحري.
وروى مسلم أيضًا بإسناده إلى عباد بن عبد الله بن الزبير عن عائشة أنها أخبرته أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول قبل أن يموت وهو مسند إلى صدرها وأصغت إليه وهو يقول: "اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق".
وفي رواية أخرى عنها أن آخر كلمة تكلم بها رسول الله ﷺ قوله: "اللهم الرفيق الأعلى"٣.
١١- روى الإمام البخاري بإسناده إلى عائشة ﵂ قالت: ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة من كثرة ذكر رسول الله ﷺ إياها"٤.
قال الحافظ الذهبي: "قلت: وهذا من أعجب شيء أن تغار ﵂ من امرأة عجوز توفيت قبل تزوج النبي بعائشة بمديدة ثم يحميها الله من الغيرة من عدة نسوة يشاركنها في النبي ﷺ فهذا من ألطاف الله بها وبالنبي ﷺ لئلا يتكدر عيشهما ولعله إنما خفف أمر الغيرة عليها حب النبي ﷺ وميله
_________________
(١) ١ـ انظر سير أعلام النبلاء ٢/١٨٩، البداية والنهاية ٨/٩٩. ٢ـ صحيح البخاري ٢/٣٠٨. ٣ـ هذه الأحاديث الثلاثة في صحيح مسلم ٤/١٨٩٣-١٨٩٤. ٤ـ صحيح البخاري ٢/٣١٥.
[ ١ / ٤٣٥ ]
إليها فرضي الله عنها وأرضاها"١.
١٢- ومنها إخبار المصطفى ﵊ إياها بأنها من أصحاب الجنة. فقد روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى عائشة ﵂ قالت: "قلت: يا رسول الله من من أزواجك في الجنة؟ قال: "أما إنك منهن" قالت: فخيل إلي أن ذاك أنه، لم يتزوج بكرًا غيري٢.
١٣- ومنها أن كبار الصحابة ﵃ كانوا إذا أشكل عليهم الأمر من الدين استفتوها فيجدون علمه عندها. فقد روى أبو عيسى الترمذي بإسناده إلى أبي موسى الأشعري ﵁ قال: ما أشكل علينا أصحاب رسول الله ﷺ فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه علمًا٣.
وقال عروة: ما رأيت أحدًا أعلم بفقه ولا طب ولا شعر من عائشة ولم تروا امرأة ولا رجل غير أبي هريرة - عن رسول الله ﷺ من الأحاديث بقدر روايتها ﵂.
وقال أبو الضحى عن مسروق: رأيت مشيخة أصحاب محمد الأكابر يسألونها عن الفرائض.
وقال الزهري: لو جمع علم عائشة إلى علم جميع أزواجه لكان علم عائشة أفضل٤.
وقد أثنى عليها بعض الصحابة بما يبين أنها وجيهة في الدنيا والآخرة فقد روى أبو عيسى الترمذي بإسناده إلى عمرو بن غالب: "أن رجلًا نال من عائشة عند عمار بن ياسر - فقال له: - اغرب مقبوحًا منبوحًا أتؤذي حبيبة رسول الله
_________________
(١) ١ـ سير أعلام النبلاء ٢/١٦٥. ٢ـ المستدرك ٤/١٣ ثم قال عقبه: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي". ٣ـ سنن الترمذي ٥/٣٦٥ وقال عقبه: "هذا حديث حسن صحيح غريب". ٤ـ انظر هذه الآثار في "سير أعلام النبلاء" ٢/١٨٣ وما بعدها، البداية والنهاية ٨/١٠٠.
[ ١ / ٤٣٦ ]
صلى الله عليه وسلم١.
وفي صحيح البخاري عن أبي وائل قال: لما بعث علي عمارًا والحسن إلى الكوفة ليستنفرهم خطب عمار فقال: إني لأعلم أنها زوجته في الدنيا والآخرة ولكن الله ابتلاكم لتتبعوه أو إياها٢.
قال الحافظ رحمه الله تعالى شارحًا لقول عمار: "إني لأعلم أنها زوجته" أي: زوجة النبي ﷺ "في الدنيا والآخرة" وعند ابن حبان من طريق سعيد بن كثير عن أبيه "حدثتنا عائشة أن النبي ﷺ قال لها: "أما ترضين أن تكوني زوجتي في الدنيا والآخرة" فلعل عمارًا كان سمع هذا الحديث من النبي ﷺ وقوله: في الحديث: "لتتبعوه أو إياها" قيل: الضمير لعلي لأنه الذي كان عمار يدعو إليه والذي يظهر أنه لله والمراد باتباع الله اتباع حكمه الشرعي في طاعة الإمام وعدم الخروج عليه ولعله أشار إلى قوله: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ ٣.
فإنه أمر حقيقي خوطب به أزواج النبي ﷺ ولهذا كانت أم سلمة تقول: لا يحركني ظهر بعيري حتى ألقى النبي ﷺ والعذر في ذلك عن عائشة أنها كانت متأولة هي وطلحة والزبير وكان مرادهم إيقاع الإصلاح بين الناس وأخذ القصاص من قتلة عثمان ﵃ أجمعين. وكان رأي علي الاجتماع على الطاعة وطلب أولياء المقتول القصاص ممن يثبت عليه القتل بشروطه"٤.
وروى البخاري بإسناده إلى القاسم بن محمد أن عائشة اشتكت فجاء ابن عباس فقال: يا أم المؤمنين تقدمين على فرط صدق على رسول الله ﷺ وعلى أبي بكر٥.
_________________
(١) ١ـ سنن الترمذي ٥/٣٦٥ وقال: هذا حديث حسن صحيح. ٢ـ صحيح البخاري ٢/٣٠٨. ٣ـ سورة الأحزاب آية/٣٣. ٤ـ فتح الباري ٧/١٠٨. ٥ـ صحيح البخاري ٢/٣٠٨.
[ ١ / ٤٣٧ ]
في هذا فضيلة عظيمة لعائشة ﵂ حيث قطع لها ﵁ بدخول الجنة إذ لا يقول ذلك إلا بتوقيف١.
وروى الإمام أحمد بسنده إلى عبد الله بن أبي مليكة أنه حدثه ذكوان - حاجب عائشة - إنه جاء عبد الله بن عباس يستأذن على عائشة فجئت - وعند رأسها عبد الله بن أخيها عبد الرحمن - فقلت: هذا ابن عباس يستأذن فأكب عليها ابن أخيها عبد الله فقال: هذا عبد الله بن عباس يستأذن - وهي تموت فقالت: دعني من ابن عباس فقال: يا أمها إن ابن عباس من صالح بنيكي يسلم عليك ويودعك فقالت: ائذن له إن شئت قال: فأدخلته فلما جلس قال: أبشري فقالت: بماذا؟ فقال: ما بينك وبين أن تلقي محمدًا والأحبة إلا أن تخرج الروح من الجسد، وكنت أحب نساء رسول الله ﷺ إليه ولم يكن رسول الله ﷺ يحب إلا طيبًا وسقطت قلادتك ليلة الأبواء فأصبح رسول الله ﷺ وأصبح الناس وليس معهم ماء فأنزل الله آية التيمم فكان ذلك في سببك، وما أنزل الله من الرخصة لهذه الأمة، وأنزل الله براءتك من فوق سبع سموات جاء بها الروح الأمين، فأصبح ليس من مساجد الله إلا يتلى فيه آناء الليل وآناء النهار. فقالت: دعني منك يا ابن عباس والذي نفسي بيده لوددت أني كنت نسيًا منسيًا٢.
والأحاديث في فضلها ومناقبها كثيرة جدًا وحسبنا هنا ما تقدم.
_________________
(١) ١ـ انظر فتح الباري ٧/١٠٨، عمدة القاري ١٦/٢٥١. ٢ـ المسند مع الفتح الرباني ٢٢/١٢٦.
[ ١ / ٤٣٨ ]
٤) حفصة ﵂:
هي حفصة بنت عمر بن الخطاب ﵄، وهي أخت عبد الله لأبيه وأمها زينب بنت مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح تزوجها رسول الله ﷺ سنة ثلاث من الهجرة "وكانت قبله عند خنيس بن حذافة بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم وكان بدريًا شهد بدرًا مع رسول الله ﷺ فلم تلد له شيئًا ولم يشهد من بني سهم بدرًا غيره"١ وولدت ﵂ قبل المبعث بخمس سنين وتوفيت سنة خمس وأربعين٢.
وقد وردت مناقبها ﵂ في أحاديث دلت على عظم شأنها ورفعة مكانتها ومنها:
١- روى ابن سعد بإسناده إلى أبي الحويرث قال: تزوج خنيس بن حذافة بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم حفصة بنت عمر بن الخطاب فكانت عنده وهاجرت معه إلى المدينة٣.
في هذا منقبة لأم المؤمنين حفصة وهي أنها كانت ممن حظي بشرف الهجرة التي لا مثل لها في الأجر والثواب.
٢- روى البخاري ﵀ بإسناده إلى سالم بن عبد الله أنه سمع عبد الله بن عمر ﵄ يحدث أن عمر بن الخطاب حين تأيمت حفصة بنت عمر من خنيس بن حذافة السهمي وكان من أصحاب رسول الله ﷺ فتوفي بالمدينة فقال عمر بن الخطاب: أتيت عثمان بن عفان فعرضت عليه حفصة فقال: سأنظر في أمري فلبثت ليالي، ثم لقيني فقال: بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا،
_________________
(١) ١ـ تاريخ ابن جرير ٣/١٦٤. ٢ـ انظر ترجمتها في طبقات ابن سعد ٨/٨١-٨٦، المستدرك ٤/١٤، حلية الأولياء ٢/٥٠-٥١، الاستيعاب على حاشية الإصابة ٤/٢٦٠-٢٦١، صفة الصفوة ١/١٤٦، أسد الغابة ٥/٤٢٥، جلاء الأفهام ص/١٢٧، سير أعلام النبلاء ٢/٢٢٧-٢٣١، البداية والنهاية ٨/٣٣، الإصابة ٤/٢٦٣-٢٦٥. ٣ـ الطبقات الكبرى لابن سعد ٨/٨١.
[ ١ / ٤٣٩ ]
قال عمر: فلقيت أبا بكر الصديق فقلت إن شئت زوجتك حفصة بنت عمر، فصمت أبو بكر فلم يرجع إلي شيئًا وكنت أوجد عليه مني على عثمان فلبثت ليالي ثم خطبها رسول الله ﷺ فأنكحتها إياه فلقيني أبو بكر فقال: فلعلك وجدت عليّ حين عرضت علي حفصة فلم أرجع إليك شيئًا قال عمر: قلت: نعم قال أبو بكر: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت علي إلا أني كنت علمت أن رسول الله ﷺ قد ذكرها فلم أكن لأفشي سر رسول الله ﷺ ولو تركها رسول الله ﷺ قبلتها١.
٣- ما ذكره الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في كتابه "فتح الباري" بقوله: "ووقع في رواية ربعي بن حراش عن عثمان عند الطبري وصححه هو والحاكم٢ أن عثمان خطب إلى عمر بنته فرده فبلغ ذلك النبي ﷺ فلما راح إليه عمر قال: "يا عمر ألا أدلك على ختن خير من عثمان وأدل عثمان على ختن خير منك؟ " قال: نعم يا نبي الله قال: "تزوجني بنتك وأزوج عثمان بنتي" قال الحافظ الضياء: إسناده لا بأس به لكن في الصحيح أن عمر عرض على عثمان حفصة فرد عليه: "قد بدا لي أن لا أتزوج" قلت: أخرج ابن سعد٣ من مرسل الحسن نحو حديث ربعي، ومن مرسل سعيد بن المسيب أتم منه وزاد في آخره "فخار الله لهما جميعًا"٤. ويحتمل في الجمع بينهما أن يكون عثمان خطب أولًا إلى عمر فرده كما في رواية ربعي، وسبب رده يحتمل أن يكون من جهتها وهي أنها لم ترغب في التزوج عن قرب من وفاة زوجها ويحتمل غير ذلك من الأسباب التي لا غضاضة فيها على عثمان في رد عمر له، ثم لما ارتفع السبب بادر عمر فعرضها على عثمان رعاية لخاطره كما في حديث الباب، ولعل عثمان بلغه ما بلغ أبا بكر من ذكر النبي ﷺ لها فصنع كما صنع من ترك إفشاء ذلك ورد على عمر بجميل"٥.
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ٩/١٧٥-١٧٦ وأخرجه ابن سعد في الطبقات ٨/٨٢. ٢ـ المستدرك ٣/١٠٧ وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه". ٣ـ الطبقات ٨/٨٢. ٤ـ المصدر السابق ٨/٨٣. ٥ـ فتح الباري ٩/١٧٦-١٧٧.
[ ١ / ٤٤٠ ]
٤- روى الطبراني بإسناده إلى قيس بن يزيد أن رسول الله ﷺ طلق حفصة تطليقة فجاء النبي ﷺ فدخل فتجلببت فقال النبي ﷺ: "أتاني جبريل ﵇ فقال: راجع حفصة فإنها صوامة قوامة وإنها زوجتك في الجنة" ١.
في هذا الحديث تنبيه على فضلها والثناء عليها بكثرة الصيام والقيام والإخبار بأنها زوجته ﷺ في الجنة.
قال أبو عمر بن عبد البر رحمه الله تعالى: "طلقها تطليقة ثم ارتجعها وذلك أن جبرائيل ﵇ قال له: راجع حفصة فإنها قوامة وصوامة وإنها زوجتك في الجنة"٢.
وقال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: "ومن خواصها: ما ذكره الحافظ أبو محمد المقدسي في مختصره في السيرة: أن النبي ﷺ طلقها فأتاه جبريل فقال: "إن الله يأمرك أن تراجع حفصة فإنها صوامة قوامة وإنها زوجتك في الجنة"٣.
وقال الذهبي رحمه الله تعالى: "وروي أن النبي ﷺ طلق حفصة تطليقة ثم راجعها بأمر جبريل ﵇ له بذلك وقال: "إنها صوامة قوامة وهي زوجتك في الجنة" ٤.
وكل ما تقدم من ذكر مناقبها ﵂ يدل على أنها كانت على جانب عظيم من رفعة مكانتها وجلالة قدرها ﵂ وأرضاها.
_________________
(١) ١ـ أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/٢٤٥ وقال: "رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح". ٢ـ الاستيعاب على حاشية الإصابة ٤/٢٦١. ٣ـ جلاء الأفهام ص/١٢٧. ٤ـ سير أعلام النبلاء ٢/٢٢٨.
[ ١ / ٤٤١ ]
٥) زينب بنت خزيمة ﵂:
هي زينب بنت خزيمة بن عبد الله بن عمرو بن عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة الهلالية أم المؤمنين زوج النبي ﷺ وكانت يقال لها أم المساكين لأنها كانت تطعمهم وتتصدق عليهم وكانت قبل النبي ﷺ تحت عبد الله بن جحش فاستشهد بأحد فتزوجها النبي ﷺ، وقيل: كانت تحت الطفيل بن الحارث بن المطلب ثم خلف عليها أخوه عبيدة بن الحارث وهي أخت ميمونة بنت الحارث لأمها وكانت دخوله ﷺ بها بعد دخوله على حفصة بنت عمر، ثم لم تلبس عنده ﵊ إلا شهرين أو ثلاث ثم ماتت"١.
قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: "وتزوج رسول الله ﷺ زينب بنت خزيمة الهلالية وكانت تحت عبد الله بن جحش تزوجها سنة ثلاث من الهجرة وكانت تسمى أم المساكين لكثرة إطعامها المساكين ولم تلبس عند رسول الله ﷺ إلا يسيرًا شهرين أو ثلاثة وتوفيت ﵂"٢.
وقال الزهري رحمه الله تعالى: "تزوج النبي ﷺ زينب بنت خزيمة وهي أم المساكين سميت بذلك لكثرة إطعامها المساكين وهي من بني عامر بن صعصعة وتوفيت ورسول الله ﷺ حي"٣.
وقال محمد بن إسحاق:"تزوج رسول الله ﷺ زينب بنت خزيمة الهلالية أم المساكين وكانت قبله عند الحصين، أو عند الطفيل بن الحارث ماتت بالمدينة أول نسائه موتًا"٤.
_________________
(١) ١ـ انظر ترجمتها في طبقات ابن سعد ٨/١١٥-١١٦، المستدرك للحاكم ٤/٣٣-٣٤، الاستيعاب على حاشية الإصابة ٤/٣٠٥-٣٠٦، أسد الغابة ٥/٤٦٦، العبر ١/٥، سير أعلام النبلاء ٢/٢١٨، مجمع الزوائد ٩/٢٤٨، الإصابة ٤/٣٠٩. ٢ـ جلاء الأفهام ص/١٣٧. ٣ـ أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/٢٤٨، وقال رواه الطبراني ورجاله ثقات. ٤ـ أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/٢٤٨ وعزاه إلى الطبراني حيث قال: رواه الطبراني ورجاله ثقات.
[ ١ / ٤٤٢ ]
وقال الحافظ بن كثير: "وهي التي يقال لها أم المساكين لكثرة صدقاتها عليهم، وبرها لهم وإحسانها إليهم، وأصدقها اثنتي عشرة أوقية ونشًا دخل بها في رمضان وكانت قبله عند الطفيل بن الحارث فطلقها"١.
وأم المؤمنين زينب بنت خزيمة وإن كان لم يرد لها مناقب تخصها على الانفراد مثل بقية أمهات المؤمنين سواها فإنه يكفيها نزول القرآن فيهن على وجه العموم ومخاطبة الرب لهن جميعًا. مثل قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ ٢ وقوله: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ ٣ وقوله - عز شأنه ـ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا * وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ ٤.
قال عبد الله بن عباس في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ نزلت في أزواج النبي ﷺ خاصة، وقال عكرمة: من شاء باهلته أنها نزلت في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم٥.
كما يكفيها فخرًا وشرفًا أنها إحدى أمهات المؤمنين اللاتي ضرب عليهن الحجاب واللاتي هن أزواج نبيه ﷺ في الدنيا والآخرة "وكانت وفاتها ﵂ سنة أربع للهجرة"٦.
﵂ وأرضاها.
_________________
(١) ١ـ البداية والنهاية ٤/١٠٢. ٢ـ سورة الأحزاب آية/٦. ٣ـ سورة الأحزاب آية/٣٢. ٤ـ سورة الأحزاب آية/٣٣-٣٤. ٥ـ الدر المنثور في التفسير بالمأثور ٦/٦٠٣، وانظر جامع البيان للطبري ٢٢/٨. ٦ـ انظر البداية والنهاية ٤/١٠٢، الإصابة ٤/٣٠٩.
[ ١ / ٤٤٣ ]
٦) أم سلمة ﵂:
اسمها هند بنت أبي أمية واسمه حذيفة، وقيل سهل بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشية المخزومية مشهورة بكنيتها معروفة باسمها كان أبوها يلقب زاد الراكب لأنه كان أحد الأجواد فكان إذا سافر لم يحمل أحد معه من رفقته زادًا بل هو كان يكفيهم، وأمها عاتكة بنت عامر كنانية من بني فراس "وكانت أولًا تحت ابن عمها أبي سلمة بن عبد الأسد وهاجرت معه إلى الحبشة، ثم هاجرت إلى المدينة فيقال: إنها أول ضغينة دخلت إلى المدينة مهاجرة ولما مات زوجها عبد الله بن عبد الأسد خطبها النبي ﷺ وكانت وفاتها ﵂ سنة إحدى وستين رضي الله عنها١.
وقد جاء ذكر مناقبها في أحاديث كثيرة منها:
١- ما رواه الإمام مسلم بإسناده إلى أم سلمة ﵂ أنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من عبد مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله: إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها إلا أخلف الله له خيرًا منها" قالت: فلما مات أبو سلمة قلت: أي المسلمين خير من أبي سلمة أول بيت هاجر إلى رسول الله ﷺ ثم إني قلتها فأخلف الله لي رسول الله ﷺ قالت: أرسل إلي رسول الله ﷺ حاطب بن أبي بلتعة يخطبني له فقلت: إن لي بنتًا وأنا غيور فقال: "أما ابنتها فندعو الله أن يغنيها عنها وأدعو الله أن يذهب بالغيرة" ٢.
٢- شرفت ﵂ برؤية جبريل حيث رأته ﵇ في صورة
_________________
(١) ١ـ انظر ترجمتها في الطبقات لابن سعد ٨/٨٦-٩٦، الجرح والتعديل ٩/٤٦٤، المستدرك للحاكم ٤/١٦-١٩، الاستيعاب على حاشية الإصابة ٤/٤٠٥-٤٠٨، أسد الغابة ٥/٥٨٨-٥٨٩، سير أعلام النبلاء ٢/٢٠١-٢١٠، البداية والنهاية ٨/١٣٢، مجمع الزوائد ٩/٢٤٥، الإصابة ٤/٤٠٧-٤٠٨. ٢ـ صحيح مسلم ٢/٦٣٢.
[ ١ / ٤٤٤ ]
دحية بن خليفة الكلبي. فقد روى الشيخان في صحيحيهما عن معتمر - بن سليمان التيمي - قال: سمعت أبي عن أبي عثمان قال: "أنبئت أن جبريل أتى النبي ﷺ وعنده أم سلمة فجعل يتحدث فقال النبي ﷺ لأم سلمة من هذا؟ أو كما قال. قالت هذا دحية فلما قام قالت: والله ما حسبته إلا إياه حتى خطبه النبي ﷺ يخبر خبر جبريل أو كما قال قال أبي: قلت لأبي عثمان: ممن سمعت هذا؟ قال: من أسامة بن زيد"١.
قال النووي: "قوله أن أم سلمة رأت جبريل في صورة دحية هو - بفتح الدال وكسرها - وفيه منقبة لأم سلمة ﵂ وفيه جواز رؤية البشر الملائكة ووقوع ذلك ويرونه على صورة الآدميين لأنهم لا يقدرون على رؤيتهم على صورهم وكان النبي ﷺ يرى على صورة دحية غالبًا ورآه مرتين على صورته الأصلية"٢.
وقال العلامة ابن القيم: "ومن خصائصها: أن جبرائيل دخل على النبي ﷺ وهي عنده فرأته في صورة دحية الكلبي"٣.
٣- شهد لها الرسول ﷺ بأنها على خير فقد روى الترمذي من حديث عمر بن أبي سلمة ربيب النبي ﷺ قال: لما نزلت هذه الآية على النبي ﷺ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ في بيت أم سلمة فدعا فاطمة وحسنًا وحسينًا فجللهم بكساء وعلي خلف ظهره فجلله بكساء ثم قال: "اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا" قالت أم سلمة: وأنا معهم يا نبي الله: قال: "أنت على مكانك وأنت على خير" ٤.
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري مع فتح الباري ٩/٣، صحيح مسلم ٤/١٩٠٦ واللفظ للبخاري. ٢ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٦/٨. ٣ـ جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام ص/١٣٦. ٤ـ سنن الترمذي ٤/٣١ وقال عقبه: هذا حديث غريب من هذا الوجه من حديث عطاء عن عمر عن أبي سلمة.
[ ١ / ٤٤٥ ]
قال صاحب تحفة الأحوذي: "أنت على مكانك وأنت على خير" يحتمل أن يكون معناه أنت خير وعلى مكانك من كونك من أهل بيتي ولا حاجة لك في الدخول تحت الكساء كأنه منعها عن ذلك لمكان علي وأن يكون المعنى أنت على خير وإن لم تكوني من أهل بيتي كذا في اللمعات قلت: الاحتمال الأول هو الراجح بل هو المتعين١.
٤- أكرمها الله بالصواب والسداد فيما تشير به ومن ذلك ما أشارت على النبي ﷺ عام الحديبية حينما أمر أصحابه أن يحلقوا رؤوسهم وينحروا هديهم فتثاقلوا ذلك طمعًا منهم في أن يدخلوا مكة ويطوفوا بالبيت ﵃ وأرضاهم. فقد روى البخاري بإسناده من حديث طويل عن المسور ومروان وفيه: "فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله ﷺ لأصحابه: "قوموا فانحروا ثم احلقوا" قال: فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاثة مرات فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس فقالت له أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك؟ أخرج لا تكلم أحدًا منهم كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك فخرج فلم يكلم أحد منهم حتى فعل ذلك نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضًا حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمًا"٢.
فهذه الأحاديث المتقدمة التي ذكر فيها فضل أم سلمة أم المؤمنين كلها دلت دلالة واضحة على أنها كانت جليلة القدر عظيمة المكانة ﵂ وأرضاها. "وهي آخر أزواج النبي ﷺ موتًا" وقيل: "بل ميمونة"٣.
_________________
(١) ١ـ تحفة الأحوذي ٩/٦٦. ٢ـ صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ٥/٣٣٢. ٣ـ جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام ص/١٣٦، زاد المعاد ١/١١٤.
[ ١ / ٤٤٦ ]
٧) زينب بنت جحش ﵂:
هي زينب بنت جحش بن رياب بن يعمر الأسدي حليف بني عبد شمس وأمها أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم عمت النبي ﷺ وهي أخت حمنة، من المهاجرات الأول تزوجها النبي ﷺ سنة ثلاث وقيل: سنة خمس وكانت قبله عند مولاه زيد بن حارثة وفيها نزلت: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ ١ وكان يدعى زيد بن محمد فلما نزلت: ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٢ وتزوج النبي ﷺ امرأته وانتفى ما كان أهل الجاهلية يعتقدونه من أن الذي يتبنى غيره يصير ابنه بحيث يتوارثان إلى غير ذلك. وكانت زينب ﵂ من سادة النساء دينًا وورعًا وجودًا ومعروفًا ﵂، وكانت وفاتها ﵂ سنة عشرين٣.
ومناقبها ﵂ نطق بها الكتاب والسنة:
١- شهادة الرب - جل وعلا - لها بحقيقة الإيمان. قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ ٤.
فالمراد بالمؤمنة في هذه الآية زينب ﵂.
قال السيوطي: "أخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس ﵄ قال: "إن رسول الله ﷺ انطلق ليخطب على فتاه زيد بن حارثة فدخل
_________________
(١) ١ـ جزء من الآية رقم ٣٧ من سورة الأحزاب. ٢ـ جزء من الآية رقم ٥ من سورة الأحزاب. ٣ـ انظر ترجمتها في الطبقات الكبرى لابن سعد ٨/١٠١-١١٥، المستدرك ٤/٢٣-٢٥، حلية الأولياء لأبي نعيم ٢/٥١-٥٤، الاستيعاب على حاشية الإصابة ٤/٣٠٦-٣١٠، أسد الغابة ٥/٤٦٣، سير أعلام النبلاء ٢/٢١١-٢١٨، البداية والنهاية ٧/١١٥، التهذيب ١٢/٤٢٠، الإصابة ٤/٣٠٧-٣٠٨، مجمع الزوائد ٩/٢٤٦-٢٤٨، كنز العمال ١٣/٧٠٠-٧٠٤. ٤ـ سورة الأحزاب آية/٣٦.
[ ١ / ٤٤٧ ]
على زينب بنت جحش الأسدية فخطبها قالت: لست بناكحته قال: بلى فانكحيه قالت: يا رسول الله، أوامر في نفسي فبينما هما يتحدثان أنزل الله هذه الآية على رسوله ﷺ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾ قالت: قد رضيته لي يا رسول الله منكحًا وقال: "نعم" قالت: إذن لا أعصي رسول الله ﷺ قد أنكحته نفسي"١.
٢- مما أكرمها الله وشرفها به أن تولى بنفسه تزويجها بنبيه من فوق سبع سموات بعد أن طلقها مولاه زيد بن حارثة وانقضت عدتها وكانت تفخر بذلك على سائر أزواج النبي ﷺ حيث كانت تقول لهن: زوجكن أهليكن وأنا زوجني الله من فوق سبع سموات. فقد روى البخاري بإسناده إلى أنس بن مالك قال: جاء زيد بن حارثة يشكوا "فجعل النبي ﷺ يقول: "اتق الله وأمسك عليك زوجك" قال أنس: لو كان رسول الله ﷺ كاتمًا شيئًا لكتم هذه قال: فكانت زينب تفخر على أزواج النبي ﷺ تقول: زوجكن أهليكن وزوجني الله - تعالى - من فوق سبع سموات".
وروى أيضًا بإسناده إلى أنس بن مالك ﵁ يقول: نزلت آية الحجاب في زينب بنت جحش وأطعم عليها يومئذ خبزًا ولحمًا، وكانت تفخر على نساء النبي ﷺ وكانت تقول: "إن الله أنكحني في السماء"٢.
وروى الإمام مسلم بإسناده إلى أنس قال: لما انقضت عدة زينب قال رسول الله ﷺ لزيد: "فاذكرها علي" قال: فانطلق زيد حتى أتاها وهي تخمر عجينها قال: فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها أن رسول الله ﷺ ذكرها فوليتها ظهري ونكصت على عقبي فقلت: يا زينب، أرسل رسول الله ﷺ يذكرك قالت: ما أنا بصانعة شيئًا حتى أوامر ربي فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن وجاء رسول الله ﷺ فدخل عليها بغير إذن "الحديث٣.
_________________
(١) ١ـ الدر المنثور ٦/٦٠٩، تفسير ابن جرير ٢٢/١١، تفسير ابن كثير ٥/٤٦٣. ٢ـ الحديثان في صحيح البخاري ٤/٢٨١. ٣ـ صحيح مسلم ٢/١٠٤٨-١٠٤٩.
[ ١ / ٤٤٨ ]
وقد حكى الله - جل وعلا - تزويجه إياها بنبيه ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ ١.
قال الذهبي رحمه الله تعالى: "فزوجها الله - تعالى - بنبيه بنص كتابه بلا ولي ولا شاهد فكانت تفخر بذلك على أمهات المؤمنين وتقول: زوجكن أهليكن وزجني الله من فوق عرشه"٢.
قال الحافظ في بيان قوله تعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ والحاصل أن الذي كان يخفيه النبي ﷺ هو إخبار الله إياه أنها ستصير زوجته، والذي كان يحمله على إخفاء ذلك خشية قول الناس تزوج امرأة ابنه، وأراد الله إبطال ما كان أهل الجاهلية عليه من أحكام التبني بأمر لا أبلغ في الإبطال منه وهو تزوج امرأة الذي يدعى ابنًا ووقع ذلك من إمام المسلمين ليكون أدعى لقبولهم وقد أخرج الترمذي٣ من طريق داود بن أبي هند عن الشعبي عن عائشة قالت: "لو كان رسول الله ﷺ كاتمًا شيئًا من الوحي لكتم هذه الآية ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ - يعني بالإسلام - ﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ بالعتق ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ إلى قوله: ﴿قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ وأن رسول الله ﷺ لما تزوجها قالوا: تزوج حليلة ابنه فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ ٤ الآية وكان تبناه وهو صغير قلت: حتى صار رجلًا يقال له زيد بن محمد. فأنزل الله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ - قوله ﴿وَمَوَالِيكُمْ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ـ سورة الأحزاب آية/٣٧. ٢ـ سير أعلام النبلاء ٢/٢١١. ٣ـ سنن الترمذي ٥/٣١-٣٢. ٤ـ سورة الأحزاب آية/٤٠. ٥ـ فتح الباري ٨/٥٢٤ والآية رقم ٥ من سورة الأحزاب.
[ ١ / ٤٤٩ ]
٣- ومما حظيت به وكان تكريمًا لها من ربها أن آية الحجاب نزلت حين تزوجت بالنبي ﷺ. فقد روى البخاري بإسناده إلى أنس بن مالك قال: "أنا أعلم الناس بهذه الآية آية الحجاب: لما أهديت زينب إلى رسول الله ﷺ كانت معه في البيت صنع طعامًا ودعا القوم فقعدوا يتحدثون فجعل النبي ﷺ يخرج ثم يرجع وهم قعود يتحدثون فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ - إلى قوله - ﴿مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ فضرب الحجاب وقام القوم"١.
فزواجها ﵂ بالنبي ﷺ كان السبب في نزول آية الحجاب.
٤- روى الإمام مسلم بإسناده إلى أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: "أسرعكن لحاقًا بي أطولكن يدًا" قالت: فكن يتطاولن أيتهن أطول يدًا قالت: فكانت أطولنا يدًا زينب لأنها كانت تعمل بيدها وتصدق"٢.
وروى الحاكم بإسناده إلى عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ لأزواجه: "أسرعكن لحوقًا بي أطولكن يدًا" قالت عائشة فكنا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعد وفاة رسول الله ﷺ نمد أيدينا في الجدار نتطاول فلم نزل نفعل ذلك حتى توفيت زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ وكانت امرأة قصيرة ولم تكن أطولنا فعرفنا حينذ أن النبي ﷺ إنما أراد بطول اليد الصدقة قال: وكانت زينب امرأة صناعة اليد فكانت تدبغ وتخرز وتصدق في سبيل الله ﷿"٣.
قال النووي رحمه الله تعالى: "معنى الحديث أنهن ظنن أن المراد بطول اليد
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ٨/٥٢٧. ٢ـ صحيح مسلم ٤/١٩٠٧. ٣ـ المستدرك ٤/٢٥ وقال عقبه: هذا حديث على شرط مسلم ولم يخرجاه وأقره الذهبي.
[ ١ / ٤٥٠ ]
طول اليد الحقيقية وهي الجارحة فكن يذرعن أيديهن بقصبة فكانت سودة أطولهن جارحة وكانت زينب أطولهن يدًا في الصدقة وفعل الخير فماتت زينب أولهن فعلموا أن المراد طول اليد في الصدقة والجود وفيه معجزة باهرة لرسول الله ﷺ ومنقبة ظاهرة لزينب ووقع هذا الحديث في كتاب الزكاة من البخاري بلفظ متعقد يوهم أن أسرعهن لحاقًا سودة وهذا الوهم باطل بالإجماع"١.
٥- روى الإمام مسلم بإسناده إلى عائشة ﵂ من حديث طويل وفيه قالت عائشة: فأرسل أزواج النبي ﷺ زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ وهي التي كانت تساميني منهن في المنزلة عند رسول الله ﷺ ولم أر امرأة قط خيرًا في الدين من زينب وأتقى لله، وأصدق حديثًا، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة وأشد ابتذالًا لنفسها في العمل الذي تصدق به، وتقرب إلى الله تعالى ما عدا سورة٢ من حد كانت فيها تسرع منها الفيئة٣ الحديث٤.
فلقد وصفت عائشة ﵂ أم المؤمنين زينب بنت جحش بصفات عظيمة كلها جامعة لمكارم الأخلاق وأصول الفضائل التي طابعها البر والتقوى وكل صفة منها منقبة ظاهرة لأم المؤمنين زينب بنت جحش ﵂ وأرضاها.
كما وصفتها عائشة ﵂ وصفًا عظيمًا في حديث الإفك الطويل حيث قالت ﵂: وكان رسول الله ﷺ سأل زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ عن أمري: "ما علمت؟ أو ما رأيت؟ " فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي
_________________
(١) ١ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٦/٨-٩. ٢ـ ما عدا سورة من حد: أي: شدة الخلق وثورانه. انظر النهاية في غريب الحديث ٢/٤٢٠، شرح النووي ١٥/٢٠٦. ٣ـ الفيئة: الرجوع ومعنى الكلام أنها كاملة الأوصاف إلا أن فيها شدة خلق وسرعة غضب، تسرع منها الرجوع أي: إذا وقع ذلك منها رجعت عنه سريعًا ولا تصر عليه شرح النووي ١٥/٢٠٦. ٤ـ صحيح مسلم ٤/١٨٩١-١٨٩٢.
[ ١ / ٤٥١ ]
وبصري والله ما علمت إلا خيرًا. قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي ﷺ فعصمها الله بالورع وطفقت أختها حمنة بنت جحش تحارب١ لها فهلكت فيمن هلك٢ هذا لفظ مسلم. ولفظ البخاري قالت ﵂: "وكانت عائشة تقول: أما زينب ابنة جحش فعصمها الله بدينها فلم تقل إلا خيرًا وأما أختها حمنة فهلكت فيمن هلك"٣.
ففي هذين النصين فضيلة ظاهرة لأم المؤمنين زينب ﵂.
قال الإمام الذهبي: "ويروى عن عمرة عن عائشة قالت: يرحم الله زينب لقد نالت في الدنيا الشرف الذي لا يبلغه شرف إن الله زوجها ونطق به القرآن وإن رسول الله ﷺ قال لنا: "أسرعكن لحوقًا أطولكن باعًا" فبشرها بسرعة لحوقها به وهي زوجته في الجنة"٤.
ومناقبها ﵂ التي وردت بها الأحاديث والآثار كثيرة جدًا ﵂ وأرضاها.
_________________
(١) ١ـ وطفقت أختها حمنة تحارب لها "أي: جعلت تتعصب لها فتحكي ما يقوله أهل الإفك" شرح النووي ١٧/١١٣. ٢ـ صحيح مسلم بشرح النووي ١٧/١١٣. ٣ـ صحيح البخاري ٣/١٦٨. ٤ـ سير أعلام النبلاء ٢/٢١٥.
[ ١ / ٤٥٢ ]
٨) جويرية بنت الحارث ﵂:
هي جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار بن حبيب بن جديمة وهو المصطلق بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو الخزاعية المصطلقية، لما غزا النبي ﷺ بني المصطلق غزوة المريسيع في سنة خمس أو ست وسباهم وقعت جويرية ﵂ في سهم ثابت بن قيس فكاتبها ﵂ على نفسها، وجاءت إلى النبي ﷺ وطلبت منه أن يعينها على ما كاتبها عليه ثابت بن قيس فعرض عليها النبي ﷺ ما خير لها في العاجل والآجل وهو أن يؤدي عنها ما كاتبها عليه ثابت بن قيس ﵁ ويتزوجها فوافقت على ذلك وأسلمت وتزوجها سيد الخلق وأطلق لها الأسارى من قومها وكانت قبله ﵊ تحت مسافع بن صفوان المصطلقي وقتل عنها في غزوة المريسيع"١.
وقد وردت لها مناقب في بعض الأحاديث دلت على فضلها وعظم شأنها ومنها ما يلي:
١- مما أكرمت به ﵂ أن النبي ﷺ أدى عنها كتابتها وتزوجها وكان ذلك صداقًا لها. قال محمد بن إسحاق حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عائشة ﵂ قالت: لما قسم رسول الله ﷺ سبايا بني المصطلق وقعت جويرية بنت الحارث في السهم لثابت بن قيس بن الشماس أو لابن عم له٢ فكاتبته على نفسها وكانت امرأة حلوة ملاحة٣ لا يراها أحد إلا أخذت
_________________
(١) ١ـ طبقات ابن سعد ٨/١١٦-١٢٠، المستدرك ٤/٢٥-٢٨، الاستيعاب على حاشية الإصابة ٤/٢٥١-٢٥٤، أسد الغابة ٥/٤١٩-٤٢٠، مجمع الزوائد ٩/٢٥٠، البداية والنهاية ٨/٥٣-٥٤، تهذيب التهذيب ١٢/٤٠٧، الإصابة ٤/٢٥٧-٢٥٨. ٢ـ وقع في "مغازي الواقدي" ١/٤١٠ وقعت في السهم لثابت بن قيس وابن عم له وأن ثابتًا خلصها من ابن عمه بنخلات له في المدينة. ٣ـ ملاحة: بضم الميم وتشديد اللام: أي شديدة الملاحة وهو من أبنية المبالغة، انظر النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٤/٣٥٥ وكنت به عائشة عن جمالها.
[ ١ / ٤٥٣ ]
بنفسه فأتت رسول الله ﷺ تستعينه في كتابتها قالت عائشة: فوالله ما هو إلا أن رأيتها على باب حجرتي فكرهتها وعرفت أنه سيرى منها ﷺ ما رأيت فدخلت عليه فقالت: يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك فوقعت في السهم لثابت بن قيس بن الشماس أو لابن عم له، فكاتبته على نفسي فجئتك أستعينك على كتابتي قال: "فهل لك من خير من ذلك؟ " قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: " أقضي عنك كتابتك وأتزوجك" قالت: نعم يا رسول الله قد فعلت، قالت: وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله ﷺ تزوج جويرية ابنة الحارث بن أبي ضرار فقال الناس: أصهار رسول الله ﷺ، وأرسلوا ما بأيديهم قالت: فلقد أعتق بتزويجه إياها مئة١ أهل بيت من بني المصطلق فما أعلم امرأة كانت أعظم على قومها بركة منها"٢.
هذا الحديث تضمن منقبة ظاهرة، وميزة شريفة لأم المؤمنين جويرية بنت الحارث ﵂ حيث إن المصطفى ﵊ اتخذها زوجة له بعد أن أسلمت وصارت بذلك أمًا للمؤمنين وكان زواجها بالنبي ﷺ خيرًا لها
_________________
(١) ١ـ "مائة أهل بيت" جاء في عون المعبود: "كذا بالإضافة أي: مائة طائفة كل واحدة منهن أهل بيت ولم تقل مائة هم أهل بيت بإيهام أنهم مائة نفس كلهم أهل بيت وليس مرادًا وقد روي أنهم أكثر من سبعمائة "قاله الزرقاني" عون المعبود ١٠/٤٤٤ وانظر شرح المواهب اللدنية للزرقاني ٣/٣٤٥. ٢ـ سيرة ابن هشام ٢/٢٩٤-٢٩٥، كتاب السير والمغازي لابن إسحاق ص/٢٦٣ والحديث أخرجه أحمد في المسند من طريق ابن إسحاق ٦/٢٧٧، وأبو داود في سننه ٢/٣٤٧، والبيهقي في السنن الكبرى ٩/٧٤، وقال صاحب عون المعبود: قال المنذري: وفيه محمد بن إسحاق بن يسار، ثم قال صاحب عون المعبود: قلت: وقد صرح بالتحديث في رواية يونس ابن بكير عنه وأخرجه أحمد في المسند أهـ. عون المعبود ١٠/٤٤١ وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: "ابن إسحاق حسن الحديث إلا أنه لا يحتج به إذا خولف"أهـ. فتح الباري ٤/٣٢. وقال الشيخ محمد ناصر الألباني: "الذي استقر عليه رأي العلماء المحققين أن حديث ابن إسحاق في مرتبة الحسن بشرطين: أحدهما: أن يصرح بالتحديث وأن لا يخالف من هو أوثق منه" أهـ "دفاع عن الحديث النبوي والسيرة في الرد على البوطي" ص/٨٢. وبهذا يعلم أن الحديث إسناده صحيح وهو حسن لذاته.
[ ١ / ٤٥٤ ]
ولقومها فما أن علم الصحابة الكرام ﵃ بزواجها بالنبي ﷺ إلا وأطلقوا الأسارى الذين كانوا في أيديهم من قومها إجلالًا وتعظيمًا لسيد الخلق ﵊ لأنهم صاروا أصهاره لما تزوج بجويرية ﵂ ولذلك قالت أم المؤمنين عائشة ﵁: "فما أعلم امرأة كانت أعظم على قومها بركة منها".
٢- ومما شرفت به أن تسميتها بهذا الاسم الذي عرفت به وهو جويرية إنما هو تسمية نبوية سماها به النبي ﷺ. فقد روى مسلم بإسناده إلى عبد الله ابن عباس ﵄ قال: كانت جويرية اسمها برة فحول رسول الله ﷺ جويرية وكان يكره أن يقال: خرج من عند برة١.
٣- كانت ﵂ من المكثرات للعبادة الذاكرات الله ذكرًا كثيرًا. فقد روى مسلم بإسناده إلى عبد الله بن عباس ﵄ عن جويرية أن النبي ﷺ خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح وهي في مسجدها ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة فقال: "ما زلت على الحال التي فارقتك عليها؟ " قالت: نعم قال النبي "لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله بحمده، عدد خلقه ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته" ٢ فلقد نالت جويرية بنت الحارث أم المؤمنين ﵂ بدخولها في الإسلام وزواجها بخير البرية فضلًا عظيمًا وخيرًا كثيرًا ﵂ وأرضاها وكانت وفاتها ﵂ سنة خمسين للهجرة وقيل سنة ست وخمسين للهجرة"٣.
_________________
(١) ١ـ صحيح مسلم ٣/١٦٨٧. ٢ـ صحيح مسلم ٤/٢٠٩٠. ٣ـ الطبقات الكبرى لابن سعد ٨/١٢٠، وسير أعلام النبلاء ٢/٤٦٣، البداية والنهاية لابن كثير ٨/٥٤، مجمع الزوائد ٩/٢٥٠.
[ ١ / ٤٥٥ ]
٩) أم حبيبة بنت أبي سفيان ﵂:
اسمها رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس الأموية زوج النبي ﷺ تكنى أم حبيبة وهي بها أشهر من اسمها وأمها صفية بنت أبي العاص بن أمية ولدت ﵂ قبل البعثة بسبعة عشر عامًا وكانت قبل النبي ﷺ تحت عبيد الله بن جحش بن رياب بن يعمر الأسدي من بني أسد بن خزيمة، فأسلما ثم هاجرا إلى الحبشة فولدت حبيبة وبها كانت تكنى، ولقد أصيب زوجها بالخذلان فارتد عن الإسلام ودخل في النصرانية وفارقها وذلك من فضل الله تعالى عليها ليتم لها الإسلام والهجرة وأبدلها الله ﷿ من هو أفضل من كل البشر محمد بن عبد الله ﵊ وكانت وفاتها ﵂ سنة أربع وأربعين للهجرة١ ﵂ وأرضاها.
ولقد وردت لها بعض المناقب التي دلت على علو مكانتها وجليل قدرها ﵂ وأرضاها وتلك المناقب هي:
١- مما حظيت به ﵂ أنها كانت ممن هاجر في الله الهجرة الثانية إلى أرض الحبشة فارة بدينها ﵂ وأرضاها. فقد روى ابن سعد والحاكم عن إسماعيل بن عمرو بن سعيد بن العاص قال: قالت أم حبيبة: رأيت في النوم عبيد الله بن جحش زوجي بأسوأ صورة وأشوهه ففزعت فقلت: تغيرت والله حاله فإذا هو يقول حيث أصبح: يا أم حبيبة إني نظرت في الدين فلم أر دينًا خيرًا من النصرانية وكنت قد دنت بها، ثم دخلت في دين محمد، ثم قد رجعت إلى النصرانية، فقلت: والله ما خير لك وأخبرته بالرؤيا التي رأيت له فلم يحفل بها وأكب على الخمر حتى مات فأرى في النوم كأن آتيًا يقول:
_________________
(١) ١ـ انظر ترجمتها في "الطبقات لابن سعد ٨/٩٦-١٠٠، طبقات خليفة بن خياط ص/٣٣٢، الجرح والتعديل ٩/٤٦١، المستدرك ٤/٢٠-٢٣، الاستيعاب على حاشية الإصابة ٤/٢٩٦-٢٩٩، أسد الغابة ٥/٤٥٧، جلاء الأفهام ص/١٢٨-١٣٥، سير أعلام النبلاء ٢/٢١٨-٢٢٣، البداية والنهاية ٨/٣١، مجمع الزوائد ٩/٢٤٩-٢٥٠، الإصابة ٤/٢٩٨، تهذيب التهذيب ٤/٤١٩.
[ ١ / ٤٥٦ ]
يا أم المؤمنين ففزعت فأولتها أن رسول الله ﷺ يتزوجني قالت: فما هو إلا أن انقضت عدتي فما شعرت إلا برسول النجاشي على بابي يستأذن فإذا جارية له يقال لها: أبرهة كانت تقوم على ثيابه ودهنه فدخلت علي فقالت: إن الملك يقول لك: إن رسول الله ﷺ كتب إلي أن أزوجكه فقالت: بشرك الله بخير قالت: يقول لك الملك: وكلي من يزوجك فأرسلت إلى خالد بن سعيد بن العاص فوكلته الحديث١.
في هذا بيان فضيلة ظاهرة لأم حبيبة ﵂ وهي أنها كانت ممن شرف بالهجرة إلى أرض الحبشة.
وقال ابن سعد: "وكان عبيد الله بن جحش هاجر بأم حبيبة معه إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية فتنصر وارتد عن الإسلام وتوفي بأرض الحبشة، وثبتت أم حبيبة على دينها الإسلام وهجرتها"٢.
وقال الحافظ ابن كثير: "أسلمت قديمًا وهاجرت هي وزوجها عبيد الله بن جحش إلى الحبشة فتنصر هناك زوجها وثبتت على دينها رضي الله عنها٣.
٢- ومما فيه تنويه بشأنها أن النبي ﷺ بعث من يخطبها له إلى الحبشة.
فقد روى الحاكم بإسناده إلى جعفر بن محمد بن علي عن أبيه قال: بعث رسول الله ﷺ عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي يخطب عليه أم حبيبة بنت أبي سفيان وكانت تحت عبيد الله بن جحش فزوجها إياه وأصدقها النجاشي أربعمائة دينار٤.
قال أبو جعفر محمد بن جرير: "فما نرى عبد الملك بن مروان وقّت
_________________
(١) ١ـ الطبقات الكبرى ٨/٩٧، المستدرك ٤/٢٠-٢١. ٢ـ الطبقات ٨/٩٦. ٣ـ البداية والنهاية ٨/٣١. ٤ـ المستدرك ٤/٢٢، واخرجه ابن سعد في الطبقات ٨/٩٩.
[ ١ / ٤٥٧ ]
صداق النساء أربعمائة دينار إلا لذلك"١.
روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه سأل عائشة زوج النبي ﷺ كم أصدق رسول الله ﷺ أزواجه قالت: كان صداقه لأزواجه اثنتي عشرة أوقية ونصفًا فذلك خمسمائة درهم فهذا صداق رسول الله ﷺ لأزواجه "قال الحاكم": هذا حديث صحيح الإسناد وعليه العمل وإنما أصدق النجاشي أم حبيبة أربعمائة دينار استعمالا لأخلاق الملوك في المبالغة في الصنائع لاستعانة النبي ﷺ به في ذلك٢.
قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: "وتزوج رسول الله ﷺ أم حبيبة بنت أبي سفيان واسمها رملة هاجرت مع زوجها عبيد الله بن جحش إلى أرض الحبشة فتنصر بالحبشة وأتم الله لها الإسلام وتزوجها رسول الله ﷺ وهي بأرض الحبشة وأصدقها عنه النجاشي أربعمائة دينار وبعث رسول الله ﷺ عمرو بن أمية الضمري فيها إلى أرض الحبشة وولى نكاحها عثمان بن عفان، وقيل: خالد بن سعيد بن العاص"٣.
قال الذهبي: "وهي من بنات عم الرسول ﷺ وليس في أزواجه من هي أقرب نسبًا إليه منها ولا في نسائه من هي أكثر صداقًا منها ولا من تزوج بها وهي نائية الدار أبعد منها، عقد له ﷺ عليها بالحبشة وأصدقها عنه صاحب الحبشة أربع مائة دينار، وجهزها بأشياء"٤.
٤- ومما زاد في قدرها وعلو شأنها أنها أكرمت فراش رسول الله ﷺ من أن يجلس عليه أبوها لما قدم المدينة لعقد الهدنة بين الرسول ﷺ وبين قريش ومنعته من الجلوس عليه لأنه كان يومئذ على الشرك ولم يكن قد أسلم. فقد روى
_________________
(١) ١ـ ذكره عنه ابن سعد في الطبقات ٨/٩٩، الحاكم في المستدرك ٤/٢٢. ٢ـ المستدرك ٤/٢٢. ٣ـ جلاء الأفهام ص/١٢٨. ٤ـ سير أعلام النبلاء ٢/٢١٩.
[ ١ / ٤٥٨ ]
ابن سعد بإسناده إلى محمد بن مسلم الزهري قال: لما قدم أبو سفيان بن حرب المدينة جاء إلى رسول الله ﷺ وهو يريد غزو مكة فكلمه أن يزيد في هدنة الحديبية فلم يقبل عليه رسول الله ﷺ فقام فدخل على ابنته أم حبيبة، فلما ذهب ليجلس على فراش النبي ﷺ طوته دونه فقال: يا بنية أرغبت بهذا الفراش عني أم بي عنه؟ فقالت: بل هو فراش رسول الله ﷺ وأنت امرؤ نجس مشرك فقال: يا بنية لقد أصابك بعدي شر١.
٥- أنها كانت شديدة الخوف من الله - جل وعلا - ومن العابدات الورعات. فقد روى ابن سعد والحاكم عن عوف بن الحارث قال: سمعت عائشة تقول: دعتني أم حبيبة زوج النبي ﷺ عند موتها فقالت: قد كان يكون بيننا ما يكون بين الضرائر فغفر الله لي ولك ما كان من ذلك فقلت: غفر الله لك ذلك كله وتجاوز وحللك من ذلك فقالت: سررتيني سرك الله، وأرسلت إلى أم سلمة فقالت لها مثل ذلك وتوفيت سنة أربع وأربعين في خلافة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما٢.
_________________
(١) ١ـ الطبقات الكبرى ٨/٩٩-١٠٠، وأورده الذهبي في سير أعلام النبلاء ٢/٢٢٣. ٢ـ الطبقات الكبرى ٨/١٠٠، المستدرك ٤/٢٢-٢٣ وأورده الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء ٢/٢٢٣، وابن كثير في البداية والنهاية ٨/٣١، والحافظ ابن حجر في الإصابة ٤/٣٠٠.
[ ١ / ٤٥٩ ]
١٠) صفية بنت حيي ﵂:
هي صفية بنت حيي بن أخطب بن سعيه بن ثعلبة بن عبيد بن كعب بن أبي خبيب من بني النضير وهو من سبط لاوي بن يعقوب، ثم من ذرية هارون بن عمران أخي موسى ﵉. كانت قبل إسلامها تحت سلام بن مشكم، ثم خلف عليها كنانة بن أبي الحقيق، فقتل كنانة يوم خيبر فصارت صفية مع السبي فأخذها دحية الكلبي، ثم استعادها المصطفى ﵊، فأعتقها وتزوجها، كانت ﵂ سيدة شريفة عاقلة فاضلة ذات حسب وجمال ودين ﵂، وكانت وفاتها ﵂ سنة اثنتين وخمسين في خلافة معاوية رضي الله عنه١.
وقد وردت أحاديث كثيرة بذكر مناقبها ﵂ وأرضاها منها:
١- من إكرام الله لها أن النبي ﷺ تزوجها وجعل عتقها صداقها فقد روى الشيخان في صحيحيهما من حديث طويل عن أنس ﵁ في غزوة خيبر وفيه: "قال وأصبناها عنوة٢ وجمع السبي فجاءه دحية فقال: يا رسول الله أعطني جارية من السبي فقال: "اذهب فخذ جارية" فأخذ صفية بنت حيي فجاء رجل إلى نبي الله ﷺ فقال: يا نبي الله أعطيت دحية صفية بنت حيي سيدة قريظة والنضير؟ ما تصلح إلا لك قال: "ادعوه بها" قال: فجاء بها فلما نظر إليها النبي ﷺ قال: "خذ جارية من السبي غيرها" قال: وأعتقها وتزوجها فقال له ثابت: يا أبا حمزة ما أصدقها؟ قال: نفسها أعتقها وتزوجها حتى إذا كان بالطريق جهزتها له أم سليم فأهدتها له٣ من الليل فأصبح النبي ﷺ
_________________
(١) ١ـ الطبقات الكبرى ٨/١٢-١٢٩، المستدرك ٤/٢٨-٢٩، الاستيعاب على حاشية الإصابة ٤/٣٣٧-٣٣٩، أسد الغابة ٥/٤٩٠-٤٩١، جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام ص/١٣٨، سير أعلام النبلاء ٢/٢٣١-٢٣٨، البداية والنهاية ٨/٥٠، الإصابة ٤/٣٣٧-٣٣٩. ٢ـ عنوة: أي: قهرًا لا صلحًا. ٣ـ فأهدتها له: أي: زفتها له ﷺ.
[ ١ / ٤٦٠ ]
عروسًا الحديث١.
وعند الإمام مسلم أيضًا: من حديث أنس وفيه قال: "ووقعت في سهم دحية جارية جميلة فاشتراها رسول الله ﷺ بسبعة أرؤس، ثم دفعها إلى أم سليم تصنعها له وتهيئها قال: وأحسبه قال: وتعتد في بيتها٢ وهي صفية بنت حيي قال: وقال الناس: لا ندري أتزوجها أم اتخذها أم ولد قالوا: إن حجبها فهي امرأته وإن لم يحجبها فهي أم ولد فلما أراد أن يركب حجبها فقعدت على عجز البعير فعرفوا أنه قد تزوجها" الحديث٣.
هذان الحديثان اشتملا على بيان فضيلة ظاهرة لأم المؤمنين صفية ﵂ حيث أكرمها الله ﷿ بالدخول في الإسلام وكتب لها الزواج برسول الله ﷺ حيث صارت بذلك في أمهات المؤمنين اللاتي هن أزواج نبيه ﷺ في الدنيا والآخرة.
والحديثان يوهم ظاهرهما التعارض إذ الأول يفيد أنه ﷺ أذن لدحية في أخذه جارية من السبي فأخذ صفية فاستردها منه، والثاني يفيد أنها وقعت في سهمه واشتراها بسبعة أرؤس وقد ذكر الجمع بينهما الحافظ حيث قال: "قال السهيلي: لا معارضة بين هذه الأخبار فإنه أخذها من دحية قبل القسم والذي عوضه عنها ليس على سبيل البيع بل على سبيل النفل قلت: وقع في رواية حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس عند مسلم أن صفية وقعت في سهم دحية وعنده أيضًا فيه "فاشتراها" من دحية بسبعة أرؤس "فالأولى في طريق الجمع أن المراد بسهمه هنا نصيبه الذي اختاره لنفسه، وذلك أنه سأل النبي ﷺ أن يعطيه جارية فأذن له أن يأخذ جارية فأخذ صفية فلما قيل للنبي ﷺ إنها بنت ملك من ملوكهم ظهر له أنها ليست ممن توهب لدحية لكثرة من كان في الصحابة مثل دحية وفوقه
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ٧/٤٦٩، صحيح مسلم ٢/١٠٤٣-١٠٤٤ واللفظ له. ٢ـ أي تستبريء فإنها كانت مسبية يجب استبراؤها وجعلها في مدة الاستبراء في بيت أم سليم. ٣ـ صحيح مسلم ٢/١٠٤٥-١٠٤٦.
[ ١ / ٤٦١ ]
وقلة من كان في السبي مثل صفية في نفاستها، فلو خصه بها لأمكن تغير خاطر بعضهم فكان من المصلحة العامة ارتجاعها منه واختصاص النبي ﷺ بها فإن في ذلك رضا الجميع وليس ذلك من الرجوع في الهبة من شيء، وأما إطلاق الشراء على العوض فعلى سبيل المجاز، ولعله عوضه عنها بنت عمها أو بنت عم زوجها١، فلم تطب نفسه فأعطاه من جملة السبي زيادة على ذلك.
وعند ابن سعد من طريق سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس وأصله في مسلم: "صارت صفية لدحية فجعلوا يمدحونها فبعث رسول الله ﷺ فأعطى بها دحية ما رضي"٢.
٢- ومما دل على عظيم شأنها وجلالة قدرها أن النبي ﷺ كان يضع لها ركبته لتصعد من عليها للركوب على البعير حال رجوعه ﵊ من غزوة خيبر فكانت تجله وتكرمه ﵊ من أن تضع رجلها على فخذه وإنما كانت تضع ركبتها على فخذه حتى تركب. فقد روى البخاري بإسناده إلى أنس ﵁ قال: "قدمنا خيبر فلما فتح الله عليه الحصن ذكر له جمال صفية بنت حيي بن أخطب وقد قتل زوجها وكانت عروسًا فاصطفاها النبي ﷺ لنفسه فخرج حتى بلغنا سد الصهباء حلت فبنى بها رسول الله ﷺ ثم صنع حيسًا في نطع صغير ثم قال لي: آذن من حولك فكانت تلك وليمته على صفية ثم خرجنا إلى المدينة فرأيت النبي ﷺ يحوي لها وراءه بعباءة ثم يجلس عند بعيره فيضع ركبته وتضع صفية رجلها على ركبته حتى تركب"٣.
_________________
(١) ١ـ وقع عند ابن إسحاق أن صفية سبيت من حصن القموص وهو حصن ابن أبي الحقيق وكانت تحت كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق وسبي معها بنت عمها وعند غيره بنت عم زوجها فلما استرجع النبي ﷺ صفية من دحية أعطاه بنت عمها انظر كتاب المغازي والسير ص/٢٦٤، الإصابة ٤/٣٣٨، فتح الباري ٧/٤٦٩-٤٧٠. ٢ـ فتح الباري ٧/٤٧٠، شرح النووي ٩/٢٢٠-٢٢١. ٣ـ صحيح البخاري ٣/٥٢.
[ ١ / ٤٦٢ ]
وقال الحافظ ابن حجر: "ووقع في مغازي أبي الأسود عن عروة فوضع رسول الله ﷺ لها فخذه لتركب فأجلت رسول الله ﷺ أن تضع رجلها على فخذه فوضعت ركبتها على فخذه وركبت١.
٣- روى محمد بن سعد بأسانيده في حديث طويل وفيه: "لم يخرج النبي ﷺ من خيبر حتى طهرت صفية من حيضها فحملها وراءه فلما صار إلى منزل على ستة أميال من خيبر مال يريد أن يعرس بها فأبت عليه فوجد في نفسه فلما كان بالصهباء وهي على بريد من خيبر نزل بها هناك فمشطتها أم سليم وعطرتها. قالت أم سنان الأسلمية: وكانت من أضوأ ما يكون من النساء فدخل بأهله فلما أصبح سألتها عما قال لها؟ فقالت: قال لي: "ما حملك على الامتناع من النزول أولًا" قالت: خشيت عليك من قرب اليهود فزادها ذلك عنده وذكرت أنه سر بها ولم ينم تلك الليلة لم يزل يتحدث معها"٢.
فهذا الحديث اشتمل على فضيلة ظاهرة لأم المؤمنين صفية ﵂ فلقد خشيت على النبي ﷺ من غدر اليهود إن هو نزل منزلًا قريبًا من خيبر لأنها خبيرة بكيد اليهود وشدة بغضهم وحقدهم على الإسلام والنبي ﵊، ولذلك امتنعت من النزول في المنزل الأول الذي كان يبعد عن خيبر ستة أميال ولما بلغ الصهباء نزل بها وسألها عن سبب امتناعها عن النزول أولًا أوضحت له أنها تخشى عليه من اليهود فزادها ذلك منزلة ورفعة عنده ﵊ وكل هذا ناشيء عن الإيمان الصادق الذي أنساها قتل أبيها وزوجها من أجل كفرهما بالله وصدهما عن سبيل الله. ولذلك سر بها المصطفى ﵊ فلم ينم تلك الليلة بل استمر في مبادلتها الحديث ﵂ وأرضاها.
_________________
(١) ١ـ فتح الباري ٧/٤٨٠. ٢ـ الطبقات ٨/١٢٠-١٢٢ فقد رواه بثلاثة أسانيد لأبي هريرة وإلى أنس بن مالك وإلى أم سنان الأسلمية.
[ ١ / ٤٦٣ ]
٤- ورد التنوية بشرف نسبها فيما رواه أبو عيسى الترمذي بإسناده إلى أنس بن مالك ﵁ قال: "بلغ صفية أن حفصة قالت: بنت يهودي فبكت فدخل عليها النبي ﷺ وهي تبكي فقال: "ما يبكيك؟ " قالت: قالت لي حفصة: إني ابنة يهودي فقال النبي ﷺ: "وإنك لابنة نبي، وإن عمك لنبي، وإنك لتحت نبي، ففيم تفخر عليك؟ " ثم قال: " اتقي الله يا حفصة" ١.
فهذا النص النبوي تضمن ذكر فضيلة ظاهرة لصفية ﵂ حيث بين النبي ﷺ أنها من سلالة نبوية فقد هون عليها ما بلغها من أم المؤمنين حفصة حيث بين لها أنها ابنة نبي وهو هارون بن عمران ﵇ وأن عمها لنبي وهو موسى بن عمران ﵇ وأنها لتحت نبي وهو أفضل البشر وسيد ولد آدم محمد بن عبد الله ﵊ ومعنى قوله ﷺ: "ففيم تفخر عليك؟ " أي: في أي شيء تفخر حفصة عليك ومع أن كلمة حفصة ﵂ كلمة صحيحة بالنظر إلى أبيها لم يرضها النبي ﷺ لأن التفاخر من عادات الجاهلية ولذلك حذر منه النبي ﷺ.
٥- ومما هو مفخرة في حقها مدح النبي ﷺ لها بالصدق فقد أخرج ابن سعد عن زيد بن أسلم أن نبي الله ﷺ في الوجع الذي توفي فيه اجتمع إليه نساؤه فقالت صفية بنت حيي: أما والله يا نبي الله لوددت أن الذي بك بي فغمزنها أزواج النبي ﷺ وأبصرهن رسول الله ﷺ فقال: "مضمضن" فيقلن من أي شيء يا نبي الله؟ قال: "من تغامزكن بصاحبتكن والله إنها لصادقة" ٢.
٦- ومنها ما رواه أبو عمر بن عبد البر فقال: وكانت صفية حليمة عاقلة
_________________
(١) ١ـ سنن الترمذي ٨/٣٦٨ ثم قال عقبه: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه والحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٣/١٥٣. ٢ـ الطبقات الكبرى ٨/١٢٨ وأورده الذهبي في سير أعلام النبلاء ٢/٢٣٥، والحافظ في الإصابة ٤/٣٣٩.
[ ١ / ٤٦٤ ]
فاضلة وروينا أن جارية لها أتت عمر بن الخطاب فقالت: إن صفية تحب السبت وتصل اليهود فبعث إليها عمر فسألها فقالت: أما السبت فإني لم أحبه منذ أن أبدلني الله به يوم الجمعة، وأما اليهود فإن لي فيهم رحمًا وأنا أصلها، قال ثم قالت للجارية: وما حملك على ما صنعت قالت: الشيطان. قالت: اذهبي فأنت حرة١.
٧- لما اجتمع أهل الفتنة على الخليفة الثالث ذي النورين عثمان بن عفان ﵁ وحصروه في الدار وقطعوا عليه الماء والطعام كان لها ﵂ موقف طيب تذكر به في الآخرين فقد حاولت بقدر استطاعتها إيصال الماء والطعام إلى عثمان ﵁. فقد روى ابن سعد بإسناده إلى كنانة بن نبيه - مولى صفية - قال: كنت أقود بصفية لترد على عثمان فلقيها الأشتر٢ فضرب وجه بغلتها حتى مالت فقالت: ردوني لا يفضحني هذا قال الحسن في حديثه: ثم وضعت خشبًا من منزلها إلى منزل عثمان تنقل عليه الماء والطعام٣.
فقد كانت ﵂ من سيدات النساء عبادة وورعًا وزهادة وبرًا وصدقة ﵂ وأرضاها.
_________________
(١) ١ـ الاستيعاب على حاشية الإصابة ٤/٣٣٩. ٢ـ اسمه مالك بن الحارث بن عبد يغوث بن مسلمة بن ربيعة بن الحارث بن جزيمة بن مالك بن النخع النخعي الكوفي المعروف بالأشتر كان أحد الساعين في الفتنة زمن عثمان ﵁ وأحد المؤلبين على عثمان وشهد حصره، هلك سنة ٣٧ "انظر ترجمته في تهذيب التهذيب ١٠/١١-١٢. ٣ـ الطبقات الكبرى ٨/١٢٨.
[ ١ / ٤٦٥ ]
١١) ميمونة بنت الحارث ﵂:
هي ميمونة بنت الحارث بن حزن بن بحير بن الهزم بن رويبة بن عبد الله بن هلال بن عامر أن صعصعة الهلالية، وأمها هند بنت عوف بن زهير بن الحارث بن حماطة من حمير، وقيل من كنانة وكانت قبل النبي ﷺ عند أبي رهم بن عبد العزى، وقيل عند سبرة بن أبي رهم هذا، وقيل عند حويطب بن عبد العزى، وقيل: عند فروة أخيه وتزوجها رسول الله ﷺ في ذي القعدة سنة سبع لما اعتمر عمرة القضية زوجه إياها العباس بن عبد المطلب وكان يلي أمرها وهي أخت أم ولده أم الفضل بنت الحارث الهلالية لأبيها وأمها، وتزوجها رسول الله ﷺ بسرف على عشرة أميال من مكة وهي آخر امرأة تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم١.
ولقد وردت مناقبها ﵂ في أحاديث دلت على أنها كانت من سادات النساء ﵂ وأرضاها.
١- من تلك الأحاديث ما أخرجه ابن سعد بإسناده إلى علي بن عبد الله بن عباس قال: لما أراد رسول الله ﷺ الخروج إلى مكة عام القضية بعث أوس بن خولي وأبا رافع إلى العباس فزوجه ميمونة، فأضلا بعيريهما فأقاما أيامًا ببطن رابغ حتى أدركهما رسول الله ﷺ بقديد وقد ضما بعيريهما، فسارا معه حتى قدم مكة فأرسل إلى العباس فذكر ذلك له وجعلت ميمونة أمرها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم٢ فجاء رسول الله منزل العباس فخطبها إلى العباس فزوجها إياه"٣.
٢- وروى أيضًا بإسناده إلى سليمان بن يسار: أن النبي ﷺ بعث
_________________
(١) ١ـ انظر ترجمتها في: الطبقات الكبرى لابن سعد ٨/١٣٢-١٤٠، المستدرك للحاكم ٤/٣٠-٣٣، الاستيعاب على حاشية الإصابة ٤/٣٩١-٣٩٥، أسد الغابة ٥/٥٥٠، سير أعلام النبلاء ٢/٢٣٨-٢٤٥، البداية والنهاية ٨/٦٣، الإصابة ٤/٣٩٧-٣٩٩، مجمع الزوائد ٣/٢٤٩. ٢ـ قال الذهبي رحمه الله تعالى: "كذا قال: وصوابه إلى العباس" سير أعلام النبلاء ٢/٢٣٩. ٣ـ الطبقات ٨/١٣٢.
[ ١ / ٤٦٦ ]
أبا رافع ورجلًا من الأنصار، فزوجاه ميمونة قبل أن يخرج من المدينة"١.
٣- وروى أيضًا بإسناده إلى ابن عباس ﵄ قال: لما خطب رسول الله ﷺ ميمونة جعلت أمرها إلى العباس بن عبد المطلب فزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم٢.
في هذه الأحاديث الثلاثة منقبة عظيمة لأم المؤمنين ميمونة ﵂ وأرضاها فقد أكرمها الله ﷿ بأن جعلها إحدى أمهات المؤمنين اللاتي هن أزواجه ﵊ في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
٤- روى الحاكم بإسناده إلى عبد الله بن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ تزوج ميمونة بنت الحارث ﵂ وأقام بمكة ثلاثًا فأتاه حويطب بن عبد العزى في نفر من قريش في اليوم الثالث فقالوا له: إنه قد انقضى أجلك فاخرج عنا قال: وما عليكم لو تركتموني فأعرست بين أظهركم فصنعت لكم طعامًا فحضرتموه قالوا: لا حاجة لنا في طعامك فاخرج عنا فخرج بميمونة بنت الحارث ﵂ حتى أعرس بها بسرف٣.
٥- روى الإمام أحمد بإسناده إلى أبي رافع مولى رسول الله ﷺ قال: كنت في بعث مرة فقال رسول الله ﷺ: " اذهب فأتني بميمونة" فقلت: يا رسول الله: إني في البعث فقال رسول الله ﷺ: "أليس تحب ما أحب" فقلت: بلى قال: "فاذهب فأتني بها" فذهبت فجئته بها٤.
_________________
(١) ١ـ الطبقات الكبرى ٨/١٣٣، وأخرجه مالك في الموطأ ١/٣٤٨. ٢ـ الطبقات ٨/١٣٣. ٣ـ المستدرك ٤/٣١ وقال عقبه: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وأقره الذهبي" وكلمة "سرف": اسم مكان يبعد عن مكة ستة أميال وقيل سبعة وتسعة واثني عشر وهو الموضع الذي بنى فيه رسول الله ﷺ بميمونة "انظر معجم البلدان" ٣/٢١٢. ٤ـ المسند مع الفتح الرباني ٢٢/١٣٧ وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/٢٤٨، وقال رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير الحسن بن علي بن أبي رافع وهو ثقة.
[ ١ / ٤٦٧ ]
٦- إن تسميتها باسم "ميمونة" إنما سماها بهذا الاسم المبارك الميمون المصطفى ﷺ. فقد روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى ابن عباس ﵄ قال: "كان اسم خالتي ميمونة برة فسماها رسول الله ﷺ ميمونة"١.
٧- شهد لها المصطفى ﵊ بحقيقة الإيمان واستقراره في قلبها ﵂. فقد روى الحاكم بإسناده أيضًا إلى ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: "الأخوات مؤمنات ميمونة زوج النبي ﷺ وأختها أم الفضل بنت الحارث، وأختها سلمة بنت الحارث امرأة حمزة، وأسماء بنت عميس أختهن لأمهن" ٢.
هذا الحديث اشتمل على منقبة عظيمة وفضيلة ظاهرة لأم المؤمنين ميمونة ﵂ وأخواتها اللاتي ذكرن معها ﵅ وأرضاهن.
٨- روى أبو يعلى بإسناده إلى يزيد بن الأصم قال: "ثقلت ميمونة زوج النبي ﷺ بمكة وليس عندها أحد من بني أخيها فقالت: أخرجوني من مكة فإني لا أموت بها إن رسول الله ﷺ أخبرني أني لا أموت بمكة قال: فحملوها حتى أتوا بها سرف إلى الشجرة التي بنا بها رسول الله ﷺ تحتها في موضع الفيئة قال: فماتت فلما وضعناها في لحدها أخذت ردائي فوضعته تحت خدها في اللحد فأخذه ابن عباس فرمى به"٣. فقد شاء الله تعالى لها أن تموت في المكان الذي بنا بها فيه الرسول ﷺ فقد بنا بها بسرف، وماتت ﵂ في نفس المكان الذي بنا بها فيه وفيه إخبار الرسول ﷺ لها بأنها لا تموت بمكة وفهمها لذلك منقبة ظاهرة لها، ولذلك طلبت أن يخرجوها من مكة. ﵂ وأرضاها.
_________________
(١) ١ـ المستدرك ٤/٣٠ وقال عقبه: "صحيح" ووافقه الذهبي. ٢ـ المستدرك ٤/٣٢-٣٣ وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وأقره الذهبي. ورواه ابن سعد في الطبقات الكبرى ٨/١٣٨. ٣ـ أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/٢٤٩ وقال: رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح.
[ ١ / ٤٦٨ ]
٩- ومن مناقبها ﵂: ما رواه ابن سعد والحاكم عن يزيد بن الأصم قال: "تلقيت عائشة وهي مقبلة من مكة أنا وابن طلحة بن عبيد الله وهو ابن أختها وقد كنا وقعنا في حائط من حيطان المدينة فأصبنا منه فبلغها ذلك فأقبلت على ابن أختها تلومه وتعذله١ ثم أقبلت علي فوعظتني موعظة بليغة ثم قالت: أما علمت أن الله ﵎ ساقك حتى جعلك في بيت نبيه؟ ذهبت والله ميمونة ورمي بحبلك على غاربك، أما إنها كانت من أتقانا لله وأوصلنا للرحم٢ "٣.
فقد شهدت عائشة أم المؤمنين لميمونة ﵂ بصفتين عظيمتين من صفات عباد الله المخلصين هما تقوى الله التي هي فعل المأمور وترك المنهي، وصلة الرحم التي هي أصل من أصول الأخلاق التي حث الله عباده على صلتها وعدم قطعها.
وجزم الحافظ ابن كثير بأنها توفيت سنة إحدى وخمسين٤.
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: "وكانت وفاة ميمونة سنة إحدى وخمسين ونقل ابن سعد عن الواقدي أنها ماتت سنة إحدى وستين قال وهي آخر من مات من أزواج النبي ﷺ انتهى. ولولا هذا الكلام الأخير لاحتمل أن يكون قوله وستين وهمًا من بعض الرواة ولكن دل أثر عائشة الذي حكاه عنها يزيد بن الأصم أن عائشة ماتت قبل الستين بلا خلاف والأثر المذكور صحيح فهو أولى من قول الواقدي، وقد جزم يعقوب بن سفيان بأنها ماتت سنة تسع
_________________
(١) ١ـ العزل: اللوم انظر غريب الحديث لابن الجوزي ٢/٧٧. ٢ـ قال الذهبي: "قلت: فيه دليل على أن ميمونة ماتت قبل عائشة فبطل قول من قال: ماتت سنة إحدى وستين"أهـ، التلخيص للذهبي على حاشية المستدرك ٤/٣٢. ٣ـ الطبقات الكبرى ٨/١٣٨، المستدرك ٤/٣١ وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وأقره الذهبي، وأورده الحافظ في الإصابة ٤/٣٩٩ وقال عقبه: "هذا سند صحيح". ٤ـ البداية والنهاية ٨/٦٣.
[ ١ / ٤٦٩ ]
وأربعين، وقال غيره: ماتت سنة ثلاث وستين وقيل سنة ست وستين وكلاهما غير ثابت والأول أثبت"١.
فهؤلاء جملة من دخل بهن من النساء وهن إحدى عشرة٢.
قال العلامة ابن القيم: "قال الحافظ أبو محمد المقدسي وغيره: وعقد على سبع ولم يدخل بهن فمن فارقها في حياتها ولم يدخل بها لا يثبت لها أحكام زوجاته اللاتي دخل بهن ومات عنهن ﷺ"أ. هـ٣.
"ولا خلاف أنه ﷺ توفي عن تسع وكان يقسم منهن لثمان: عائشة، وحفصة، وزينب بنت جحش، وأم سلمة، وصفية، وأم حبيبة، وميمونة، وسودة، وجويرية"٤.
هؤلاء أمهات المؤمنين اللاتي يجب على كل مسلم الإقرار والاعتراف بفضلهن وأنهن أمهات المؤمنين كما أطلق الله ذلك عليهن وأن من طعن فيهن أو واحدة كان فاسقًا حائدًا عن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.
قال أبو بكر الباقلاني: "ويجب أن يعلم أن أخير الأمة أصحاب رسول الله ﷺ وأفضل الصحابة العشرة الخلفاء الراشدون الأربعة رضي الله عن الجميع وأرضاهم ونقر بفضل أهل بيت رسول الله ﷺ، وكذلك نعترف بفضل أزواجه ﵅ وأنهن أمهات المؤمنين، كما وصفهن الله تعالى ورسوله ونقول في الجميع خيرًا ونبدع ونضلل ونفسق من طعن فيهن أو في واحدة منهن لنصوص الكتاب والسنة في فضلهم ومدحهم والثناء عليهم فمن ذكر خلاف ذلك كان فاسقًا مخالفًا للكتاب والسنة نعوذ بالله من ذلك"٥.
_________________
(١) ١ـ الإصابة ٤/٣٩٩. ٢ـ جلاء الأفهام ص/١٣٨. ٣ـ المصدر السابق ص/١٣٨-١٣٩. ٤ـ زاد المعاد ١/١١٤. ٥ـ الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به ص/٦٨.
[ ١ / ٤٧٠ ]
ب – فضل بناته صلى الله عليه وسلم١)
فضل زينب ﵂:
هي زينب بنت سيد ولد آدم محمد ﷺ، وأمها خديجة بنت خويلد وكانت أكبر بنات رسول الله ﷺ وأول من تزوج منهن ولدت قبل البعثة بمدة قيل: إنها عشرة سنين وتزوجها ابن خالتها أبو العاص بن الربيع العبشمي، وأمه هالة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي خالة زينب بنت رسول الله ﷺ وولدت زينب لأبي العاص عليًا وأمامة فتوفي علي وهو صغير وبقيت أمامة فتزوجها علي بن أبي طالب بعد موت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم١.
ولقد وردت مناقبها ﵂ في جملة الأحاديث وهي كما يلي:
١- روى ابن سعد عن عائشة ﵂ أن أبا العاص بن الربيع كان فيمن شهد بدرًا مع المشركين فأسره عبد الله بن جبير بن النعمان الأنصاري فلما بعث أهل مكة في فداء أسراهم قدم في فداء أبي العاص أخوه عمرو بن الربيع وبعثت معه زينب بنت رسول الله وهي يومئذ بمكة بقلادة لها كانت لخديجة بنت خويلد من جزع ظفار - وظفار جبل باليمن - وكانت خديجة بنت خويلد أدخلتها بتلك القلادة على أبي العاص بن الربيع حين بنى بها فبعثت بها في فداء زوجها أبي العاص فلما رأى رسول الله ﷺ القلادة عرفها ورق لها وذكر خديجة وترحم عليها وقال: "إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا إليها متاعها فعلتم" قالوا: نعم يا رسول الله فأطلقوا أبا العاص بن الربيع وردوا على زينب قلادتها وأخذ النبي ﷺ على أبي العاص أن يخلي سبيلها إليه فوعده ذلك ففعل"٢.
٢- وروى أبو القاسم الطبراني والبزار عن عائشة زوج النبي ﷺ لما قدم
_________________
(١) ١ـ انظر ترجمتها في "الطبقات لابن سعد" ٨/٣٠-٣٦، التاريخ الصغير ١/٧، المستدرك ٤/٤٢-٤٦، الاستيعاب على حاشية الإصابة ٤/٣٠٤-٣٠٥، أسد الغابة ٧/١٣٠، العبر ١/١٠، سير أعلام النبلاء ٢/٢٤٦-٢٥٠، مجمع الزوائد ٩/٢١٢-٢١٦، الإصابة ٤/٣٠٦. ٢ـ الطبقات ٨/٣١، المستدرك للحاكم ٤/٤٥ وقال: "حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
[ ١ / ٤٧٣ ]
مكة١، خرجت ابنته زينب من مكة مع كنانة أو ابن كنانة فخرجوا في طلبها فأدركها هبار بن الأسود فلم يزل يطعن بعيرها برمحه حتى صرعها وألقت ما في بطنها فتحملت واشتجر فيها بنو هاشم وبنو أمية فقال بنو أمية: نحن أحق بها وكانت تحت ابن عمهم أبي العاص وكانت عند هند بنت عتبة بن ربيعة وكانت تقول: هذا في سبب أبيك فقال رسول الله ﷺ لزيد بن حارثة: "ألا تنطلق فتجيء بزينب قال: بلى يا رسول الله قال: "فخذ خاتمي فأعطها إياه" فانطلق زيد فلم يزل يتلطف فلقي راعيًا فقال: لمن ترعى فقال: لأبي العاص فقال: لمن هذه الغنم فقال: لزينب بنت محمد ﷺ فسار معه شيئًا ثم قال هل لك أن أعطيك شيئًا تعطيها إياه ولا تذكره لأحد قال: نعم فأعطاه الخاتم فعرفته فقالت: من أعطاك هذا؟ قال: رجل قالت: فأين تركته قال: بمكان كذا وكذا فسكتت حتى إذا كان الليل خرجت إليه فلما جاءته قال لها: اركبي بين يدي على بعيره قالت: لا ولكن اركب أنت بين يدي فركب وركبت وراءه حتى إذا أتت فكان رسول الله ﷺ يقول: "هي خير بناتي أصيبت في" ٢.
٣- وروى البزار بإسناده إلى أبي هريرة ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ سرية وكنت فيهم فقال: "إن لقيتم هبار بن الأسود ونافع بن عبد عمرو فاحرقوهما" وكانا نخسا بزينب بنت رسول الله ﷺ حين خرجت فلم تزل ضبنة٣ حتى ماتت ثم قال: "إن لقيتموهما، فاقتلوهما فإنه لا ينبغي لأحد أن يعذب بعذاب الله" ٤.
_________________
(١) ١ـ كذا في المجمع ولعل الصواب "لما قدم المدينة" كما في المستدرك ٤/٤٣. ٢ـ وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/٢١٢-٢١٣، ثم قال: "رواه الطبراني في الكبير والأوسط بعضه ورواه البزار ورجاله رجال الصحيح" ورواه الدولابي في الذرية الطاهرة ص/٤٦. ٣ـ ضبنة: أي زمنة، من الضبنة وهي الزمانة وهي المرض الدائم "انظر هذا المعنى في الفائق في غريب الحديث" ٢/٢٢٨. ٤ـ أورده الذهبي في سير أعلام النبلاء ٢/٢٤٧ وقال المحقق: إسناده قوي فإن راوايه عن ابن لهيعة بن المبارك وقد سمع منه قبل احتراق كتبه" أهـ، وانظر الحديث في السيرة لابن هشام ١/٦٥٧،
[ ١ / ٤٧٤ ]
وعند البخاري رحمه الله تعالى من حديث أبي هريرة قال: "بعثنا رسول الله ﷺ في بعث فقال: "إن وجدتم فلانًا وفلانًا فاحرقوهما بالنار ثم قال رسول الله ﷺ حين أردنا الخروج: "إني أمرتكم أن تحرقوا فلانًا وفلانًا وأن النار لا يعذب بها إلا الله فإن وجدتموهما فاقتلوهما"١.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: "ووقع في رواية ابن إسحاق إن وجدتم هبار بن الأسود والرجل الذي سبق منه إلى زينب ما سبق فاحرقوهما بالنار" يعني زينب بنت رسول الله ﷺ وكان زوجها أبو العاص بن الربيع لما أسره الصحابة ثم أطلقه النبي ﷺ من المدينة وشرط عليه أن يجهز له ابنته زينب فجهزها فتبعها هبار بن الأسود ورفيقه فنخسا بعيرها فأسقطت ومرضت من ذلك والقصة مشهورة عند ابن إسحاق٢ وغيره إلى أن قال: وقد أسلم هبار هذا فلم تصبه السرية وأصابه الإسلام فهاجر"٣.
روى الحاكم بإسناده إلى أم سلمة زوج النبي ﷺ أن زينب بنت رسول الله ﷺ أرسل إليها أبو العاص بن الربيع أن خذي لي أمانًا من أبيك، فخرجت فأطلعت رأسها من باب حجرتها والنبي ﷺ في الصبح يصلي بالناس فقالت: أيها الناس: إني زينب بنت رسول الله ﷺ وإني قد أجرت أبا العاص، فلما فرغ النبي ﷺ من الصلاة قال: "أيها الناس إنه لا علم لي بهذا حتى سمعتموه ألا وإنه يجير على المسلمين أدناهم" ٤.
_________________
(١) وأورده الحافظ في الإصابة ٣/٥٦٥-٥٦٦ وعزاه إلى تاريخ محمد بن عثمان بن أبي شيبة. ١ـ صحيح البخاري ٢/١٧٢. ٢ـ انظر سيرة ابن هشام ١/٦٥٤، المستدرك ٤/٤٢-٤٣. ٣ـ فتح الباري ٦/١٤٩-١٥٠، الإصابة ٣/٥٦٦. ٤ـ أخرجه ابن هشام في السيرة النبوية ١/١٥٧-١٥٨، ابن سعد في الطبقات ٨/٣٢، والحاكم في المستدرك ٤/٤٥، والدولابي في الذرية الطاهرة ص/٤٧، وأورده ابن كثير في البداية والنهاية ٣/٣٦٤-٣٦٥.
[ ١ / ٤٧٥ ]
ففي هذا الحديث منقبة ظاهرة لزينب ﵂ حيث قبل جوارها لزوجها وصار ذلك سنة للمسلمين إلى يوم القيامة، وهو أنه يجير على المسلمين أدناهم ولو كان امرأة.
٥- روى الإمام مسلم بإسناده إلى أم عطية قالت: لما ماتت زينب بنت رسول الله ﷺ قال لنا رسول الله ﷺ: "اغسلنها وترًا ثلاثًا أو خمسًا واجعلن في الخامسة كافورًا أو شيئا من كافور فإذا غسلتنها فأعلمنني" قالت: فأعلمناه فأعطانا حقوه١ وقال: "أشعرنها ٢ إياه" ٣.
هذه الأحاديث المتقدمة كلها اشتملت على بيان مناقب عالية لزينب بنت رسول الله ﷺ حيث كانت ممن تقدم إسلامهم وممن حظي بشرف الهجرة وممن أوذي في الله وصبرت على ذلك وتحملت الأذى في ذات الله وإيمانًا بما عنده من الثواب والجزاء العظيم على ذلك، كما دلت هذه الأحاديث على أنه كان لها منزلة عظيمة عند أبيها ﷺ وكانت وفاتها ﵂ في أول السنة الثامنة للهجرة٤.
_________________
(١) ١ـ الحقوا: معقد الإزار وسمي الإزار حقوًا لأنه يشد على الحقو "النهاية في غريب الحديث" ١/٤١٧، شرح النووي ٧/٣. ٢ـ أشعرنها: أي: اجعلنه شعارًا لها وهو الثوب الذي يلي الجسد لأنه يلي شعرها "النهاية في غريب الحديث" ٢/٢٨٠، شرح النووي على صحيح مسلم ٧/٣. ٣ـ صحيح مسلم ٢/٦٤٨. ٤ـ الطبقات ٨/٣٢، سير أعلام النبلاء ٢/٢٥٠، الإصابة ٤/٣٠٦.
[ ١ / ٤٧٦ ]
٢) رقية ﵂:
هي رقية بنت سيد البشر ﷺ محمد بن عبد الله بن عبد المطلب وأمها خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي ولدت ﵂ سنة ثلاث وثلاثين من مولد أبيها ﷺ. قال أبو عمرو: "لا أعلم خلافًا أن زينب أكبر بناته ﷺ واختلف فيمن بعدها منهن ذكر أبو العباس محمد بن إسحاق السراج قال: سمعت عبد الله بن محمد بن سليمان بن جعفر بن سليمان الهاشمي قال: ولدت زينب بنت رسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ ابن ثلاثين سنة وولدت رقية بنت رسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ ابن ثلاث وثلاثين سنة١.
وكانت ﵂ ممن تقدم إسلامهم فقد قال محمد بن سعد: "وأسلمت حين أسلمت أمها خديجة بنت خويلد وبايعت رسول الله ﷺ هي وأخواتها حين بايعه النساء"٢.
وكانت ﵂ قبل الهجرة تحت عتبة بن أبي لهب ففارقها٣.
قال أبو عمر رحمه الله تعالى: "وقال مصعب وغيره من أهل النسب: كانت رقية تحت عتبة بن أبي لهب وكانت أختها أم كلثوم تحت عتيبة بن أبي لهب فلما نزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ ٤ قال لهما أبو هما أبو لهب وأمهما حمالة الحطب: فارقا ابنتي محمد وقال أبو لهب: رأسي من رأسيكما حرام إن لم تفارقا ابنتي محمد ففارقاهما"٥.
ولما فارقها عتبة بن أبي لهب أبدلها الله بزوج كان من السابقين الأولين إلى الإسلام ومن المبشرين بالجنة وهو ذو النورين عثمان، فقد روى أبو القاسم
_________________
(١) ١ـ الاستيعاب على حاشية الإصابة ٤/٢٩٢. ٢ـ الطبقات ٨/٣٦. ٣ـ المصدر السابق، وانظر سير أعلام النبلاء ٢/٢٥١، مجمع الزوائد ٩/٢١٦-٢١٧. ٤ـ الآية رقم ١ من سورة المسد. ٥ـ الاستيعاب على حاشية الإصابة ٤/٢٩٢.
[ ١ / ٤٧٧ ]
الطبراني بإسناده إلى قتادة بن دعامة السدوسي قال: كانت رقية عند عتبة بن أبي لهب فلما أنزل الله ﵎ ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ سأل النبي ﷺ عتبة طلاق رقية وسألته رقية ذلك فطلقها فتزوج عثمان بن عفان ﵁ رقية وتوفيت عنده١.
وقال ابن شهاب: فتزوج عثمان بن عفان ﵁ رقية بمكة وهاجرت إلى أرض الحبشة وولدت له هناك ابنًا فسماه عبد الله فكان يكنى به وقال مصعب كان عثمان يكنى في الجاهلية أبا عبد الله فلما كان الإسلام ولد له من رقية بنت رسول الله ﷺ غلام سماه عبد الله واكتنى به فبلغ الغلام ست سنين فنقر عينه ديك فتورم وجهه ومرض ومات، وقال غيره توفي عبد الله بن عثمان من رقية بنت رسول الله ﷺ في جمادى الأولى سنة أربع من الهجرة وهو ابن ست سنين وصلى عليه رسول الله ﷺ ونزل في حفرته أبوه عثمان ﵄"٢.
وقد وردت طائفة من الأحاديث والآثار التي فيها ذكر بعض المناقب لرقية ﵂ ومنه ما يلي:
١- كانت ﵂ في صدارة من شرفوا بفضل الهجرة الأولى إلى الحبشة فقد روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى عروة في تسمية الذين خرجوا في المرة الأولى إلى هجرة الحبشة قبل خروج جعفر وأصحابه عثمان بن عفان مع امرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم٣.
وروى ابن المبارك من طريق قتادة عن النضر بن أنس عن أبيه قال: خرج عثمان برقية إلى الحبشة مهاجرًا فاحتبس خبرهما فأتت النبي ﷺ امرأة فأخبرته
_________________
(١) ١ـ أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/٢١٦-٢١٧ وقال: رواه الطبراني وفيه زهير بن العلاء ضعفه أبو حاتم ووثقه ابن حبان فالإسناد حسن، وانظر الذرية الطاهرة ص/٥٢. ٢ـ الاستيعاب على حاشية الإصابة ٤/٢٩٢-٢٩٣، وانظر الذرية الطاهرة ص/٥٣. ٣ـ المستدرك ٤/٤٦.
[ ١ / ٤٧٨ ]
أنها رأتهما فقال: "منحهما الله إن عثمان أول من هاجر بأهله" ١.
ففي هذا منقبة لعثمان وزوجه رقية حيث إن عثمان أول من هاجر بأهله من أمة محمد ﷺ.
٣- لما مرضت ﵂ أمر المصطفى ﵊ زوجها عثمان بن عفان أن يتخلف عن غزوة بدر لتمريضها. فقد روى البخاري في صحيحه من حديث ابن عمر قال: وأما تغيبه عن بدر فإنه كانت تحته بنت رسول الله ﷺ وكانت مريضة فقال له رسول الله ﷺ: "إن لك أجر رجل ممن شهد بدرًا وسهمه" ٢.
وقال الزبير بن بكار: كانت رقية بنت رسول الله ﷺ عند عتبة بن أبي لهب ففارقها فتزوج عثمان بن عفان رقية بمكة وهاجرت معه إلى أرض الحبشة فولدت له عبد الله وبه كان يكنى وقدمت معه إلى المدينة وتخلف عن بدر عليها بإذن رسول الله ﷺ وضرب له رسول الله ﷺ مع سهمان أهل بدر قال: وأجرى يا رسول الله قال: "وأجرك" ٣.
وقال الحافظ ابن كثير: "وأما رقية فكان قد تزوجها أولا ابن عمها عتبة ابن أبي لهب، كما تزوج أختها أم كلثوم أخوه عتيبة بن أبي لهب، ثم طلقاهما قبل الدخول بهما بغضة في رسول الله ﷺ حين أنزل الله ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ فتزوج عثمان بن عفان ﵁ رقية، وهاجرت معه إلى أرض الحبشة ويقال: إنه أول من هاجر إليها ثم رجع إلى مكة وهاجر إلى المدينة، وولدت له ابنه عبد الله فبلغ ست سنين فنقره ديك في عينيه
_________________
(١) ١ـ أورده الحافظ في الإصابة ٤/٢٩٨. ٢ـ صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ٧/٥٤. ٣ـ رواه الطبراني كما في مجمع الزوائد ٩/٢١٧ وقال الهيثمي عقبه: "رواه الطبراني وروى عن الزهري بعضه روجالهما إلى قائلهما ثقات وانظر الذرية الطاهرة للدولابي ص/٥٤.
[ ١ / ٤٧٩ ]
فمات وبه كان يكنى أولًا، ثم اكتنى بابنه عمرو، وتوفيت وقد انتصر رسول الله ﷺ ببدر يوم الفرقان يوم التقى الجمعان ولما أن جاء البشير بالنصر إلى المدينة - وهو زيد بن حارثة - وجدهم قد ساووا على قبرها التراب١، وكان عثمان قد أقام عليها يمرضها بأمر رسول الله ﷺ وضرب له بسهمه وأجره ولما رجع زوجه بأختها أم كلثوم أيضًا، ولهذا كان يقال له: ذو النورين ثم ماتت عنده في شعبان سنة تسع ولم تلد له شيئًا وقد قال رسول الله ﷺ: "لو كانت عندي ثالثة لزوجتها عثمان" وفي رواية قال رسول الله ﷺ: "لو كن عشرًا لزوجتهن عثمان" ٢.
وما تقدم من الآثار وبعض الأحاديث كلها تدل على فضل رقية بنت رسول الله ﷺ فقد أراد الله - جل وعلا - ألا تبقى بضعة من المصطفى ﵊ في عصمة كافر فقد أخرج الله ابنتيه رقية وأم كلثوم من عصمة ابني أبي لهب وكتب الله لرقية أن تتزوج بعد مفارقة ابن أبي لهب لها برجل كريم تستحي منه الملائكة فكان نعم الزوج لها ونعمت الزوجة له، هاجرا معًا إلى أرض الحبشة ليحصلا على مكان يعبدان الله تعالى فيه ليأمنا من اعتداء أهل الكفر والإشراك بالله، ورغبة صادقة منهما في حصول ثواب الهجرة الذي لا يعدله شيء، وكانت لها ﵂ منزلة عظيمة عند النبي ﷺ يدل عليها إذنه ﵊ لعثمان في أن يتأخر عن غزوة بدر التي هي أول معركة عظمى يخوضها جيش الإيمان مع جيش الكفر والشرك الذي جاء من مكة وأمره أن يتأخر لتمريضها ﵂ وضرب له بسهمه في الغنيمة وأجره عند الله تعالى يوم القيامة كمن حضر الغزوة، كل ذلك تعظيم لشأن رقية ﵂ وأرضاها ولما لها من المكانة العالية عنده ﷺ.
_________________
(١) ١ـ انظر الطبقات لابن سعد ٨/٣٧، الاستيعاب على حاشية الإصابة ٤/٢٩٤، سير أعلام النبلاء ٢/٢٥٢، البداية والنهاية ٣/٣٨١، مجمع الزوائد ٩/٢١٧، الإصابة ٤/٢٩٨. ٢ـ البداية والنهاية ٥/٣٤٦-٣٤٧، وانظر الطبقات لابن سعد ٨/٣٨.
[ ١ / ٤٨٠ ]
٣) أم كلثوم ﵂:
هي البضعة النبوية الثالثة أم كلثوم بنت سيد ولد آدم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، أمها خديجة بنت خويلد كان عتيبة بن أبي لهب قد تزوج بأم كلثوم قبل البعثة فلم يدخل عليها حتى بعث النبي ﷺ، فأمره أبوه بفراقها لما أنزل الله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ قال له أبوه أبو لهب: رأسي من رأسك حرام إن لم تطلق ابنته ففارقها ولم يكن دخل بها فلم تزل بمكة مع أبيها ﵊ وأسلمت حين أسلمت أمها وبايعت رسول الله ﷺ مع أخواتها حين بايعه النساء وهاجرت إلى المدينة فلم تزل بها ولما توفيت أختها رقية زوجها النبي ﷺ على عثمان بن عفان وذلك في شهر ربيع الأول سنة ثلاث من الهجرة، وأدخلت عليه في هذه السنة في جمادى الآخرة فلم تزل عنده إلى أن ماتت ولم تلد له شيئًا١.
وقد وردت لها مناقب دلت على أنها ذات منزلة ومقام رفيع ﵂ وأرضاها وهي كما يلي:
١- ما ذكره أبو عمر بن عبد البر حيث قال: "وكان عثمان ﵁ إذ توفيت رقية قد عرض عليه عمر بن الخطاب حفصة ابنته ليتزوجها فسكت عثمان عنه لأنه قد كان سمع رسول الله ﷺ يذكرها فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ قال: "ألا أدل عثمان على من هو خير له منها وأدلها على من هو خير لها من عثمان" فتزوج رسول الله ﷺ حفصة وزوج عثمان أم كلثوم" ٢.
روى البخاري في صحيحه من حديث أنس ﵁ قال: شهدنا
_________________
(١) ١ـ الطبقات لابن سعد ٨/٣٧-٣٩، الذرية الطاهرة للدولابي ص/٥٦، الاستيعاب على حاشية الإصابة ٤/٤٦٣-٤٦٥، أسد الغابة ٧/٣٨٤، سير أعلام النبلاء ٢/٢٥٢-٢٥٣، البداية والنهاية ٣/٣٤٦-٣٤٧، مجمع الزوائد ٩/٢١٦-٢١٧، الإصابة ٤/٤٦٦. ٢ـ الاستيعاب على حاشية الإصابة ٤/٤٦٤.
[ ١ / ٤٨١ ]
بنتًا لرسول الله ﷺ قال: ورسول الله ﷺ جالس على القبر قال: فرأيت عينيه تدمعان قال: فقال: "هل منكم رجل لم يقارف١ الليلة" فقال أبو طلحة: أنا قال: "فأنزل" قال فنزل في قبرها٢.
قال الحافظ: "قوله شهدنا بنتًا للنبي ﷺ هي أم كلثوم زوج عثمان رواه الواقدي عن فليح بن سليمان بهذا الإسناد وأخرجه ابن سعد في الطبقات٣ في ترجمة ابن كلثوم وكذا الدوالبي في الذرية الطاهرة٤ وكذلك رواه الطبري والطحاوي من هذا الوجه ورواه حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس فسماها رقية أخرجه البخاري في التاريخ الأوسط والحاكم في المستدرك٥. قال البخاري ما أدري ما هذا فإن رقية مات والنبي ﷺ ببدر ولم يشهدها قلت: وهم حماد في تسميتها فقط ويؤيد الأول ما رواه ابن سعد في ترجمة أم كلثوم٦ من طريق عمرة بنت عبد الرحمن قالت: نزل في حفرتها أبو طلحة٧.
٣- ما رواه ابن سعد في ترجمتها من أنها ﵂ لما مات صلى على جنازتها النبي ﷺ فقد روى بإسناده إلى أسعد بن زرارة قال: صلى عليها رسول الله ﷺ وجلس على حفرتها، ونزل في حفرتها علي بن أبي طالب والفضل بن عباش وأسامة بن زيد٨.
فهذا الحديث اشتمل على فضيلة ظاهرة لأم كلثوم بنت النبي ﷺ حيث كان ﵊ إمام المصلين على جنازتها وكفى بها منقبة وميزة شريفة
_________________
(١) ١ـ أي: لم يجامع أهله "انظر النهاية في غريب الحديث والأثر" ٤/٤٥. ٢ـ صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ٣/١٥١ والإمام أحمد في المسند ٣/١٢٦. ٣ـ الطبقات الكبرى ٨/٣٨. ٤ـ والذرية الطاهرة ص/٦٠. ٥ـ المستدرك ٤/٤٧. ٦ـ الطبقات لابن سعد ٨/٣٨. ٧ـ فتح الباري ٣/١٥٨. ٨ـ الطبقات لابن سعد ٨/٣٩.
[ ١ / ٤٨٢ ]
لما في دعائه المبارك لها بالرحمة والمغفرة ورفع درجتها في الجنة ﵂ وأرضاها، وكانت وفاتها ﵂ سنة تسع للهجرة١.
_________________
(١) ١ـ انظر الطبقات ٨/٣٨، البداية والنهاية ٣/٣٤٧، الإصابة ٤/٤٦٦.
[ ١ / ٤٨٣ ]
٤) فاطمة ﵂:
هي فاطمة بنت إمام المتقين رسول الله ﷺ، وأمها خديجة بنت خويلد كانت تكنى بأم أبيها١، وقد اختلف العلماء في بناته ﵊ في أيتهن أصغر قال أبو عمر بن عبد البر: "والذي تسكن إليه النفس على ما تواترت به الأخبار ترتيب بنات رسول الله ﷺ أن زينت الأولى ثم الثانية رقية، ثم الثالثة أم كلثوم ثم الرابعة فاطمة الزهراء"٢.
ولدت ﵂ وقريش تبني الكعبة قبل البعثة سنة خمس وثلاثين من مولد النبي صلى الله عليه وسلم٣، زوجها النبي ﷺ علي بن أبي طالب سنة اثنتين للهجرة بعد وقعة بدر وولد له الحسن والحسين ومحسنًا وأم كلثوم، وزينب، وقد تزوج الفاروق عمر ﵁ بأم كلثوم بنت علي من فاطمة في أيام خلافته وأكرمها إكرامًا زائدًا وأصدقها أربعين ألف درهم لأجل نسبها من رسول الله ﷺ فولدت له زيد بن عمر بن الخطاب٤، ومناقب فاطمة ﵂ كثيرة شهيرة ومنها ما يلي:
١- أن النبي ﷺ كان يحبها حبًا شديدًا ويسر لسرورها ويغضب لغضبها ﵂. فقد روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى بريدة ﵁ قال: كان أحب النساء إلى رسول الله ﷺ فاطمة ومن الرجال علي٥.
٢- روى أيضًا بإسناده إلى المسور بن مخرمة ﵁ قال: قال:
_________________
(١) ١ـ انظر أسد الغابة ٥/٥٢٠، الإصابة ٤/٣٦٥. ٢ـ الاستيعاب على حاشية الإصابة ٤/٣٦٢. ٣ـ انظر الطبقات لابن سعد ٨/٢٦. ٤ـ انظر ترجمة فاطمة ﵂ في: " الطبقات لابن سعد ٨/١٩-٣٠، حلية الأولياء ٢/٣٩-٤٣، المستدرك ٣/١٥١-١٦١، الاستيعاب على حاشية الإصابة ٤/٣٦٢-٣٦٩، أسد الغابة ٥/٥١٩-٥٢٤، سير أعلام النبلاء ٢/١١٨-١٣٤، البداية والنهاية ٥/٣٤٧، مجمع الزوائد ٩/٢٠١-٢١٢، الإصابة ٤/٣٦٥-٣٦٨، فتح الباري ٣/١٠٥. ٥ـ المستدرك ٣/١٥٥ وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
[ ١ / ٤٨٤ ]
رسول الله ﷺ: "إنما فاطمة شجنة١ مني يبسطني ما يبسطها ويقبضني ما يقبضها" ٢.
وقد غضب لها ﵊ لما هم علي ﵁ بخطبة ابنة أبي جهل وأعلن غضبه ذلك من على المنبر.
٣- روى الشيخان عن المسور بن مخرمة أنه سمع رسول الله ﷺ على المنبر وهو يقول: "إن بني هاشم بن المغيرة استأذنوني أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب فلا آذن لهم، ثم لا آذن لهم، ثم لا آذن إلا أن يحب ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنته فأنما ابنتي بضعة مني يريبني ما رابها٣ ويؤذيني ما آذاها"٤.
٤- وبلفظ آخر عند مسلم قال: إن عليًا بن أبي طالب خطب بنت أبي جهل على فاطمة فسمعت رسول الله ﷺ وهو يخطب الناس في ذلك على منبره هذا وأنا يومئذ محتلم فقال: "إن فاطمة مني وإني أتخوف أن تفتن في دينها" قال: ثم ذكر صهرًا له من بني عبدي شمس فأثنى عليه في مصاهرته إياه فأحسن قال: "حدثني فصدقني ووعدني فأوفى لي وإني لست أحرم حلالًا ولا أحل حرامًا ولكن والله لا تجتمع بنت رسول الله ﷺ وبنت عدو الله مكانًا واحدًا أبدًا "٥.
٥- وروى الشيخان عن المسور بن مخرمة أن علي بن أبي طالب خطب بنت أبي جهل وعنده فاطمة بنت رسول الله ﷺ فلما سمعت بذلك فاطمة أتت
_________________
(١) ١ـ شجنه: قال في النهاية ٢/٤٤٧: وأصل الشجنة بالكسر والضم: شعبة في غصن من غصون الشجرة" والمراد بها الرحم المشتبكة. ٢ـ المستدرك ٣/١٥٤ وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. ٣ـ قال في النهاية في غريب الحديث ٣/٢٨٧: "يريبني ما يريبها أي: يسوؤني ما يسوؤها ويزعجني ما يزعجها". ٤ـ صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ٩/٣٢٧، صحيح مسلم ٤/١٩٠٢. ٥ـ صحيح مسلم ٤/١٩٠٣.٤٨٥
[ ١ / ٤٨٥ ]
النبي ﷺ فقالت له: إن قومك يتحدثون أنك لا تغضب لبناتك وهذا علي ناكحًا ابنة أبي جهل. قال المسور: فقام النبي ﷺ فسمعته حين تشهد ثم قال: "أما بعد فإني أنكحت أبا العاص بن الربيع فحدثني فصدقني وإن فاطمة بنت محمد مضغة١ مني وإنما أكره أن يفتنوها وإنها والله لا تجتمع بنت رسول الله ﷺ وبنت عدو الله عند رجل واحد أبدًا" قال: فترك علي الخطبة٢.
٦- روى البخاري بإسناده إلى المسور بن مخرمة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني" ٣.
٧- روى أبو عيسى الترمذي بسنده إلى عبد الله بن الزبير ﵁ أن عليًا ذكر بنت أبي جهل فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: "إنما فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها وينصبني ما أنصبها" ٤.
هذه الأحاديث كلها اشتملت على بيان فضل فاطمة ﵂ وبيان منزلتها من النبي ﷺ ومكانتها عنده ﵊ كما دلت هذه الأحاديث على "تحريم إيذاء النبي ﷺ بكل حال وعلى كل وجه وإن تولد ذلك الإيذاء مما كان أصله مباحًا وهو حي وهذا بخلاف غيره، وقد أعلم ﵊ بإباحة نكاح بنت أبي جهل لعلي بقوله ﷺ: "لست أحرم حلالًا" ولكن نهى عن الجمع بينهما لعلتين منصوصتين:
إحداهما: أن ذلك يؤدي إلى أذى فاطمة فيتأذى حينئذ النبي ﷺ فيهلك من آذاه فنهى عن ذلك لكمال شفقته على علي وعلى فاطمة.
والثانية: خوف الفتنة عليها بسبب الغيرة وقيل: ليس المراد به النهي بل معناه
_________________
(١) ١ـ المضغة: قطعة اللحم. ٢ـ صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ٧/٨٥، صحيح مسلم ٤/١٩٠٣-١٩٠٤. ٣ـ صحيح البخاري ٢/٣٠٢. ٤ـ سنن الترمذي ٥/٣٦٠ ثم قال: هذا حديث حسن صحيح".
[ ١ / ٤٨٦ ]
أعلم من فضل أنهما لا تجتمعان ويحتمل أن المراد تحريم جمعهما ويكون معنى لا أحرم حلالًا أي: لا أقول شيئًا يخالف حكم الله فإذا أحل شيئًا لم أحرمه وإذا حرمه لم أحلله ولم أسكت عن تحريمه لأن سكوتي تحليل له ويكون من جملة محرمات النكاح الجمع بين بنت نبي الله وبنت عدو الله١ وصهره الذي أثنى عليه من بني عبد شمس هو أبو العاص بن الربيع زوج زينب ﵂.
قال الحافظ: "قوله: "حدثني فصدقني" لعله كان شرط على نفسه أن لا يتزوج على زينب وكذلك علي فإن لم يكن كذلك فهو محمول على أن عليًا نسى ذلك الشرط فلذلك أقدم على الخطبة، أو لم يقع عليه شرط إذ لم يصرح بالشرط لكن كان ينبغي له أن يراعي هذا القدر فلذلك وقعت المعاتبة وكان النبي ﷺ قل أن يواجه أحدًا بما يعاب به ولعله إنما جهر بمعاتبته عليا مبالغة في رضى فاطمة ﵍، وكانت هذه الواقعة بعد فتح مكة، ولم يكن حيئذ تأخر من بنات النبي ﷺ غيرها، وكانت أصيبت بعد أمها بأخواتها فكان إدخال الغيرة عليها مما يزيد حزنها"٢.
٨- روى الطبراني بإسناده عن عبد الله بن مسعود عن رسول الله ﷺ قال: "إن الله أمرني أن أزوج فاطمة من علي" ٣.
ففي هذا الحديث منقبة ظاهرة لفاطمة ﵂ وهي أن تزويجها من علي كان بإيحاء من الله جل وعلا.
٩- وروى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى علي ﵁ قال: أتانا رسول الله ﷺ فوضع رجله بيني وبين فاطمة ﵂ فعلمنا ما نقول إذا أخذنا مضاجعنا فقال: "يا فاطمة إذا كنتما بمنزلتكما فسبحا الله ثلاثًا وثلاثين واحمدا ثلاثًا وثلاثين، وكبرا أربعًا وثلاثين". قال علي: والله ما تركتها بعد، فقال له رجل كان في نفسه عليه شيء: ولا ليلة صفين قال علي: ولا ليلة صفين"٤.
_________________
(١) ١ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٦/٣-٤. ٢ـ فتح الباري ٧/٨٦. ٣ـ أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/٢٠٤ وقال عقبه: رواه الطبراني ورجاله ثقات. ٤ـ المستدرك ٣/١٥١-١٥٢ وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وأقره الذهبي.
[ ١ / ٤٨٧ ]
ففي هذا بيان فضيلة ظاهرة لفاطمة وزوجها علي ﵄.
١٠- روى الترمذي بإسناده إلى أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: "حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد وآسية امرأة فرعون" ١.
وأيضًا ما رواه الحاكم بإسناده إلى ابن عباس ﵄ قال: خط رسول الله ﷺ أربعة خطوط وقال: "أتدرون ما هذا؟ " فقالوا: الله ورسوله أعلم. فقال رسول الله ﷺ: "أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد ومريم بنت عمران، وأحسبه قال: "وامرأة فرعون" ٢.
١١- وروى الحاكم بإسناده إلى عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال وهو في مرضه الذي توفي فيه يا فاطمة أما ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين، وسيدة نساء هذه الأمة، وسيدة نساء المؤمنين" ٣.
١٢- وقال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: "باب مناقب فاطمة ﵂" وقال النبي ﷺ: "فاطمة سيدة نساء أهل الجنة "٤.
١٣- روى الحاكم بإسناده إلى أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "فاطمة سيدة نساء أهل الجنة إلا ما كان من مريم بنت عمران" ٥.
فهذه الأحاديث دلت على أن فاطمة ﵂ ذات منزلة عظيمة وقدر رفيع في الدنيا والآخرة حيث أخبر ﵊ بأنها سيدة نساء
_________________
(١) ١ـ سنن الترمذي ٥/٣٦٧ ثم قال: "هذا حديث صحيح" وأخرجه الحاكم في المستدرك ٣/١٥٨ وقال عقبه: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذا اللفظ. ٢ـ المستدرك ٣/١٨٥، ص/١٦٠ وصححه ووافقه الذهبي. ٣ـ المصدر السابق ٣/١٥٦ وقال: "هذا إسناد صحيح ولم يخرجاه هكذا ووافقه الذهبي. ٤ـ صحيح البخاري ٢/٣٠١. ٥ـ المستدرك ٣/١٥٤ وقال عقبه: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
[ ١ / ٤٨٨ ]
العالمين وسيدة نساء هذه الأمة، وسيدة نساء المؤمنين، وسيد نساء أهل الجنة إلا مريم بنت عمران.
١٤- روى الترمذي بإسناده إلى أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ جلل على الحسن والحسين وعلي وفاطمة كساء ثم قال: "اللهم هؤلاء أهل بيتي وحامتي ١ أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا" ٢.
وفي هذا منقبة ظاهرة لعلي وفاطمة والحسن والحسين حيث جللهم بكسائه ودعا الله أن يذهب عنهم الرجس ويطهرهم تطهيرًا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى مبينًا معنى قوله ﷺ: "اللهم هؤلاء أهل بيتي.. إلخ" الحديث: "ولما بين سبحانه أنه يريد أن يذهب الرجس عن أهل بيته وأعظمهم اختصاصًا به وهم علي وفاطمة ﵄ وسيدا شباب أهل الجنة جمع الله لهم بين أن قضى لهم بالتطهير وبين أن قضى لهم بكمال دعاء النبي ﷺ فكان من ذلك ما دلنا على أن إذهاب الرجس عنهم وتطهيرهم نعمة من الله ليسبغها عليهم ورحمة من الله وفضل لم يبلغوهما بمجرد حولهم وقوتهم إذ لو كان كذلك لاستغنوا بهما عن دعاء النبي ﷺ كما يظن من يظن أنه قد استغنى في هدايته وطاعته عن إعانة الله تعالى له وهدايته إياه"٣.
وقد أخبر ﵊ بأن فاطمة ﵂ من فضليات النساء اللاتي بلغن الذروة في الفضل لتحقيقهن الإيمان الكامل وعملهن الأعمال الصالحة التي ترضي الله - جل وعلا - فكن من أهل الدرجات العلى.
١٥- وقد روى الشيخان عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت:
_________________
(١) ١ـ حامتي: قال في النهاية: "حامة الإنسان خاصته ومن يقرب منه وهو الحميم" ١/٤٤٦. ٢ـ سنن الترمذي ٥/٣٦١ وقال عقبه: "هذا حديث حسن صحيح وهو أحسن شيء روي في هذا الباب". ٣ـ حقوق آل البيت ص/٢٧-٢٨.
[ ١ / ٤٨٩ ]
كن أزواج النبي ﷺ عنده لم يغادر منهن واحدة فأقبلت فاطمة تمشي ما تخطئ مشيتها من مشية رسول الله ﷺ شيئًا فلما رآها رحب بها فقال: "مرحبًا بابنتي" ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله ثم سارها فبكت بكاء شديدًا فلما رأى جزعها سارها الثانية فضحكت فقلت لها: خصك رسول الله ﷺ من بين نسائه بالسرار ثم أنت تبكين فلما قام رسول الله ﷺ سألتها ما قال لك رسول الله ﷺ قالت: ما كنت أفشي على رسول الله ﷺ سره قالت: فلما توفي رسول الله ﷺ قلت: عزمت عليك بما لي عليك من الحق لما حدثتني ما قال لك رسول الله ﷺ فقالت: أما الآن فنعم أما حين سارني في المرة الأولى فأخبرني أن جبريل كان يعارضه القرآن في كل سنة مرة أو مرتين وإنه عارضه الآن مرتين: " وإني لا أرى الأجل إلا قد اقترب فاتق الله واصبري فإنه نعم السلف أنا لك" قالت: فبكيت بكائي الذي رأيت فلما رأى جزعي سارني الثانية فقال: "يا فاطمة أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة" قالت فضحكت ضحكي الذي رأيت١.
هذا الحديث اشتمل على مناقب رفيعة لفاطمة ﵂ وهي مشابهتها في مشيها مشية أبيها ﵊ وترحيبه بها، وإجلاسه لها عن يمينه أو عن شماله واختصاصها بالمسارة دون نسائه ﵅ ولما رأى حزنها ظهر عليها بما أسره إليها بشرها ببشارة بدلت حزنها فرحًا. وهي قوله لها: "أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة" فزال حزنها وفرحت بهذه المنزلة العظيمة التي أكرمها الله بها من بين النساء.
قال النووي رحمه الله تعالى: "قولها فأخبرني أني أول من يلحق به من أهله فضحكت" هذه معجزة ظاهرة له ﷺ بل معجزتان فأخبر ببقائها بعده وبأنها أول أهله لحاقًا به ووقع كذلك وضحكت سرورًا بسرعة لحاقها وفيه
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ١١/٧٩-٨٠، صحيح مسلم ٤/١٩٠٤-١٩٠٥.
[ ١ / ٤٩٠ ]
إيثارهم الآخرة وسرورهم بالانتقال إليها والخلاص من الدنيا"١.
١٧- روى الترمذي بإسناده إلى عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: "ما رأيت أحدًا أشبه سمتًا ودلًا وهديًا برسول الله في قيامها وقعودها من فاطمة بنت رسول الله ﷺ قالت: وكانت إذا دخلت على النبي ﷺ قام إليها فقبلها وأجلسها في مجلسه، وكان النبي ﷺ إذا دخل عليها قامت من مجلسها فقبلته وأجلسته في مجلسها..الحديث٢.
فقد وصفتها بصفات حميدة كلها مناقب تزيد من قدرها ورفعة مكانتها فقد بينت أنها تشبه النبي ﷺ هيئة وطريقة وحسن حال وأشارت ﵂ بالسمت إلى ما كان يظهر عليها من الخشوع والتواضع لله وبالهدى إلى ما كانت تتحلى به من السكينة والوقار وإلى ما كانت تسلكه من المنهج المرضي وبالدل إلى حسن خلقها ولطف حديثها رضي الله عنها٣.
١٨- روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى عائشة ﵂ أنها كانت إذا ذكرت فاطمة بنت النبي ﷺ قالت: ما رأيت أحدًا كان أصدق لهجة منها إلا أن يكون الذي ولدها٤.
وهذا الوصف منها أيضًا لسيدة نساء المؤمنين منقبة ظاهرة إذ من التزم الصدق قولًا وعملًا كان قائده إلى عمل البر وإذا عمل البر كان قائده إلى طريق الجنة.
وكل ما تقدم ذكره من الأحاديث التي اشتملت على ذكر مناقب لفاطمة ﵂ كلها دلت على عظيم شأنها وجليل قدرها، كما دلت على بيان
_________________
(١) ١ـ شرح النووي ١٦/٥-٦. ٢ـ سنن الترمذي ٥/٣٦١-٣٦٢ ثم قال: "هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه وقد روى هذا الحديث من غير وجه عن عائشة. ٣ـ انظر تحفة الأحوذي ١٠/٣٧٣. ٤ـ المستدرك ٣/١٦٠-١٦١ وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
[ ١ / ٤٩١ ]
درجتها العالية التي اختصت بها دون سائر نساء العالمين، وهي أنها سيدة نساء المؤمنين في الدنيا والآخرة، وهي ﵂ أفضل أخواتها على الإطلاق، ولا يعترض بقوله ﷺ في حق زينب ﵂:"هي خير بناتي أصيبت١ في" فإن معنى هذه العبارة: "أنها من أفضل بناتي لأن الأخبار ثابتة صحيحة عن النبي ﷺ أن فاطمة ﵂ سيدة نساء هذه الأمة وكذلك أخبر أنها سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم بنت عمران"٢ وقد تقدم.
قال العلامة ابن القيم: "وكل أولاده توفي قبله إلا فاطمة فإنها تأخرت بعده بستة أشهر فرفع الله لها بصبرها واحتسابها من الدرجات ما فضلت به على نساء العالمين وفاطمة أفضل بناته على الإطلاق، وقيل إنها أفضل نساء العالمين"٣.
وقال الحافظ ابن حجر عند قوله ﷺ: "فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني": وفيه أنها أفضل بنات النبي ﷺ وأما ما أخرجه الطحاوي وغيره من حديث عائشة في قصة مجيء زيد بن حارثة بزينب بنت رسول الله ﷺ من مكة وفي آخره قال النبي ﷺ: "هي أفضل بناتي أصيبت في" فقد أجاب عنه بعض الأئمة بتقدير ثبوته بأن ذلك كان متقدمًا ثم وهب الله لفاطمة من الأحوال السنية والكمال ما لم يشاركها أحد من نساء هذه الأمة مطلقًا والله أعلم"٤.
ومما يرجح أفضليتها على أخواتها أنهن متن قبل النبي ﷺ فكن في صحيفته ﵊ وأما فاطمة ﵁ فقد توفي النبي ﷺ قبلها فكان في صحيفتها ﵂ فكان مصابها فيه أعظم فصبرت واحتسبت ﵂. كما أوصاها بذلك النبي ﷺ فقد أخرج ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى
_________________
(١) ١ـ تقدم تخريجه في مناقب زينب ﵂. ٢ـ انظر المستدرك ٤/٤٤. ٣ـ زاد المعاد ١/١٠٤. ٤ـ فتح الباري ٧/١٠٥-١٠٦.
[ ١ / ٤٩٢ ]
بإسناده إلى فاطمة ﵂ قالت: "دخل رسول الله ﷺ يومًا وأنا عند عائشة فناجاني فبكيت.. وفيه أنه قال لها: "وإنه لم ترزأ امرأة من نساء العالمين بمثل ما رزئت، ولا تكوني دون امرأة صبرًا" قالت: فبكيت، ثم قال: "أنت سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم البتول" فتوفي عامه ذلك"١.
وهي ﵂ أول من توفي بعد النبي ﷺ من أهل بيته باتفاق أهل العلم حتى من أزواجه٢ حيث لم تلبس بعده إلا ستة أشهر كما في صحيح مسلم رحمه الله تعالى من حديث عائشة ﵂ قالت: "وعاشت بعد رسول الله ﷺ ستة أشهر"٣.
والذي أخلص إليه في هذا الفصل الذي اشتمل على فضل أهل بيت رسول الله ﷺ هو أن الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة يثبتون لهم كل ما صح في فضلهم عمومًا وخصوصًا ويعتقدونه اعتقادًا جازمًا ولا يبخسونهم منه شيئًا بل يرعون لهم حرمتهم وقرابتهم من رسول الله ﷺ ويوالونهم ويحبونهم لإسلامهم وسبقهم وحسن بلائهم في نصرة دين الله ﷿.
وقد حرر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى معتقد الفرقة الناجية في آل بيت رسول الله ﷺ حيث قال في سياق عرضه لعقيدة أهل السنة والجماعة: "ويحبون أهل بيت رسول الله ﷺ، حيث قال يوم غدير خم: "أذكركم الله في أهل بيتي"٤ ويتولون أزواج رسول الله ﷺ أمهات المؤمنين ويؤمنون بأنهن أزواجه في الآخرة خصوصًا خديجة ﵂ أم أكثر أولاده، وأول من آمن به وعاضده على أمره وكان لها منه المنزلة العالية، والصديقة بنت الصديق ﵂ التي قال فيها النبي ﷺ: "فضل عائشة على النساء كفضل الثريد
_________________
(١) ١ـ جامع البيان للطبري ٣/٢٦٤. ٢ـ انظر فتح الباري ٨/١٣٦. ٣ـ صحيح مسلم ٣/١٣٨٠.
[ ١ / ٤٩٣ ]
على سائر الطعام" ١.
وقال الحافظ ابن كثير: "ولا ننكر الوصاة بأهل البيت والأمر بالإحسان إليهم واحترامهم وإكرامهم فإنهم من ذرية طاهرة من أشرف بيت وجد على وجه الأرض فخرًا وحسبًا ونسبًا ولا سيما إذا كانوا متبعين للسنة النبوية الصحيحة الواضحة الجلية كما كان عليه سلفهم كالعباس وبنيه وعلي وأهل بيته وذريته ﵃ أجمعين"٢.
والذي نخلص في هذا الباب أن أهل السنة والجماعة يؤمنون إيمانًا صادقًا بفضل صحابة رسول الله ﷺ ويعتقدون أنهم خير الخلق بعد الأنبياء والمرسلين وأن الله - تعالى - اصطفاهم لنصرة خاتم أنبيائه وشرح صدورهم وحبب إليهم مؤازرته والقتال معه فسبقوا الناس إلى الإيمان به وتحملوا العذاب في مكة وصبروا عليه ولما أمرهم الله بالهجرة تركوا الأهل والمال والعشيرة والبلد وهاجروا حبًا في الله ﷿ وفي رسول الله ﷺ وقاتلوا دونه وبذلوا أنفسهم رخيصة في سبيله ﷿ حتى أظهر الله ﵎ دينه وصدق وعده ونصر عبده وأعز جنده وأكرمهم الله - تعالى - فرضي عنهم وبشرهم بالجنة وبشرهم رسول الله ﷺ. فمن لم يتولهم فليس له حظ في الإيمان ومن قال بكفرهم فلا شك في كفره أبغض الله من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم.
_________________
(١) العقيدة الواسطية مع شرحها للشيخ محمد خليل هراس ص/١٤٦-١٤٨. والحديث تقدم تخريجه في "فضل أم المؤمنين عائشة ﵂".
(٢) تفسير القرآن العظيم ٦/١٩٩.
[ ١ / ٤٩٤ ]