قال الحافظ أبو جعفر العقيلى المتوفى سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة "إن في المهدي أحاديث جياد" قال الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب في ترجمة على بن نفيل بن زارع النهدي قلت "ذكره العقيلي في كتابه وقال لا يتابع على حديثة في المهدي ولا يعرف إلا به قال وفي المهدي أحاديث جياد من غير هذا الوجه" انتهى.
ويرى الإمام ابن حبان البستي المتوفى سنة٣٥٤ أن الأحاديث الواردة في المهدي مخصصة لحديث لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده شر منه قال الحافظ بن حجر في فتح الباري في الكلام على الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه في كتاب الفتن وهو حديث أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم" "قال واستدل ابن حبان في صحيحه بأن حديث أنس ليس على عمومه بالأحاديث الواردة في المهدي وأنه يملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت ظلما" انتهى.
[ ١٣٩ ]
وقال الخطابي ٣٨٨هـ ﵀ في الكلام على حديث أنس بن مالك ﵁ قال قال رسول الله ﷺ: "لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان وتكون السنة كالشهر والشهر كالجمعة الخ. ." قال "ويكون ذلك في زمن المهدي أو عيسى عليهما الصلاة والسلام أو كليهما" ذكر ذلك ملا علي قاري في المرقاة شرح المشكاة وقال" والأخير هو الأظهر لظهور هذا الأمر في خروج الدجال وهو في زمنهما" وذكر ذلك المبارك فوري صاحب تحفة الاحوذى في الكلام على شرح هذا الحديث.
وقال الإمام البيهقي المتوفى سنة ٤٥٨هـ بعد كلامه على تضعيف حديث "لا مهدي إلا عيسى بن مريم" قال والأحاديث في التنصيص على خروج المهدي أصح البتة إسنادا نقل ذلك عنه الحافظ بن حجر في تهذيب التهذيب في ترجمة محمد بن خالد الجندي راوي حديث "لا مهدي إلا عيسى بن مريم" ونقله عنه أيضا ابن القيم في المنار المنيف في الحديث الصحيح والضعيف.
وقد عقد القاضي عياض المتوفى ٥٤٤ هـ في كتابه الشفاء بابا لمعجزاته ﷺ يشتمل على ثلاثين فصلا قال في القسم الأول من كتابه المذكور: "الباب الرابع فيما أظهره الله على يديه ﷺ من المعجزات وشرفه به من الخصائص والكرامات قال في أوائل الكلام في هذا الباب: أمنيتنا أن نثبت في هذا الباب أمهات معجزاته ومشاهير آياته لتدل على عظيم قدره عند ربه وأتينا منها بالمحقق والصحيح الإسناد أكثره مما بلغ القطع أو كاد وأضفنا إليه بعض ما وقع في كتب مشاهير الأئمة ثم قال في الفصل الثالث والعشرين فصل ومن ذلك ما اطلع عليه من الغيوب ومايكون. . قال في أوله: والأحاديث في هذا الباب بحر لا يدرك قعره ولا ينزف غمره، أورد في هذا الفصل جملة كبيرة من الأمور المستقبلة التي أخبر بها الذي لا ينطق عن الهوى ﷺ وذكر من بينها خروج المهدي".
وقال الإمام محمد بن أحمد بن أبي بكر القرطبي صاحب التفسير المشهور المتوفى سنة ٦٧١هـ في كتابه التذكرة في أمور الآخرة بعد ذكر حديث "ولا مهدي إلا عيسى ابن مريم" "قال إسناده ضعيف والأحاديث عن النبي ﷺ في التنصيص على خروج المهدي من عترته من ولد فاطمة ثابتة أصح من هذا الحديث فالحكم بها دونه وقال يحتمل أن يكون قوله ﷺ "ولا مهدي إلا عيسى بن مريم" أي لا مهدي كاملا معصوما إلا عيسى قال وعلى هذا تجتمع الأحاديث ويرتفع التعارض، نقل ذلك عنه السيوطي في آخر جزء العرف الوردي في أخبار المهدي" وقال شيخ الإسلام ابن تيميه ٧٢٨ هـ في كتابه منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية"ج٤-٢١١".
[ ١٤٠ ]
"فصل وأما الحديث الذي رواه-أي الرافضي الذي ألف كتابه للرد عليه عن ابن عمر عن النبي ﷺ- "يخرج في آخر الزمان رجل من ولدي اسمه كاسمي وكنيته كنيتي يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا" وذلك هو المهدي، في الجواب أن الأحاديث التي يحتج بها على الخروج المهدي أحاديث صحيحة رواها أبو داود والترمذي وأحمد وغيرهم من حديث ابن مسعود وغيره كقوله ﷺ في الحديث الذي رواه ابن مسعود "لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج فيه رجل مني أو من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا" ورواه الترمذي وأبو داود من رواية أم سلمة وفيه المهدي من عترتي من ولد فاطمة ورواه أبو داود من طريق أبي سعيد وفيه "يملك الأرض سبع سنين" ورواه عن علي ﵁ أنه نظر إلى الحسن وقال إن أبني هذا سيد كما سماه رسول الله ﷺ وسيخرج من صلبه رجل يسمى باسم نبيكم يشبهه في الخلق ولا يشبهه في الخلق يملأ الأرض قسطا وهذه الأحاديث غلط فيها طوائف طائفة أنكروها واحتجوا بحديث ابن ماجه أن النبي ﷺ قال: "لا مهدي إلا عيسى ابن مريم" وهذا الحديث ضعيف وقد اعتمد أبو محمد بن الوليد البغدادي وغيره عليه وليس مما يعتمد عليه، ورواه ابن ماجه عن يونس عن الشافعي والشافعي رواه عن رجل من أهل اليمن يقال له محمد بن خالد الجندي وهو ممن لا يحتج به وليس في مسند الشافعي وقد قيل إن الشافعي لم يسمعه من الجندي وإن يونس لم يسمعه من الشافعي، الثاني أن الإثنى عشرية الذين ادعوا إن هذا مهديهم اسمه محمد بن الحسن والمهدي المنعوت الذي وصفه النبي ﷺ اسمه محمد بن عبد الله ولهذا حذفت طائفة لفظ الأب حتى لا يناقض ما كتبت وطائفة حرفته وقالت جده الحسين وكنيته أبو عبد الله فمعناه محمد ابن أبي عبد الله وجعلت الكنية اسما وممن سلك هذا ابن طلحة في كتابه الذي سماه غاية السول في مناقب الرسول ومن له أدنى نظر يعرف أن هذا تحريف صميم وكذب على رسول الله ﷺ فهل يفهم أحد من قوله يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي إلا أن اسم أبيه عبد الله وهل يدل هذا اللفظ على أن جده كنيته أبو عبد الله ثم أي تمييز يحصل له بهذا فكم من ولد الحسين من اسمه محمد وكل هؤلاء يقال في أجدادهم محمد بن أبي عبد الله كما قيل في هذا وكيف يعدل من يريد البيان إلى من اسمه محمد بن الحسين فيقول اسمه محمد بن عبد الله ويعني بذلك أن جده أبو عبد الله وهذا كان تعريفه بأنه محمد بن الحسن أو ابن
[ ١٤١ ]
أبي الحسن لأن جده على كنيته أبو الحسن أحسن من هذا وأبين لمن يريد الهدى والبيان وأيضا فإن المهدي المنعوت من ولد الحسن بن علي لا من ولد الحسين كما تقدم لفظ حديث علي ﵁".
وقد عقد ابن القيم ﵀ في آخر كتابه المنار المنيف في الحديث الصحيح والضعيف فصلا في الكلام على أحاديث المهدي وخروجه والجمع بينها وبين حديث لا مهدي إلا عيسى ابن مريم، قال فيه:
"فأما حديث لا مهدي إلا عيسى ابن مريم فرواه ابن ماجه في سننه عن يوسف ابن عبد الأعلى عن الشافعي عن محمد بن خالد الجندي عن إبان بن صاح عن الحسن عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ وهو مما تفرد به محمد بن خالد قال أبو الحسين محمد بن الحسين الآبري في كتاب مناقب الشافعي: محمد بن خالد هذا غير معروف عند أهل الصناعة من أهل العلم والنقل وقد تواترت الأخبار واستفاضت عن رسول الله ﷺ بذكر المهدي وأنه من أهل بيته وأنه يملك سبع سنين وأنه يملأ الأرض عدلا وأن عيسى يخرج فيساعده على قتل الدجال وأنه يؤم هذه الأمة ويصلي عيسى خلفه، وقال البيهقي تفرد به محمد بن خالد هذا وقد قال الحاكم أبو عبد الله هو مجهول وقد اختلف عليه في إسناده فروي عنه عن إبان ابن أبي عياش عن الحسن مرسلا عن النبي ﷺ قال فرجع الحديث إلى رواية محمد بن خالد وهو مجهول-عن إبان بن أبي عياش-وهو متروك-عن الحسين عن النبي ﷺوهو منقطع-والأحاديث على خروج المهدي أصح إسنادا، قال ابن القيم قلت كحديث عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ: "لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث رجل مني أو من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا" رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح قال-يعني الترمذي-وفي الباب عن علي وأبي سعيد وأم سلمة وأبي هريرة وقال حسن صحيح انتهى ثم قال ابن القيم وفي الباب عن حذيفة ابن اليمان وأبي أمامة الباهلي وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عمرو بن العاص وثوبان وأنس بن مالك وجابر وابن عباس وغيرهم ثم أورد عدة أحاديث رواها بنص أهل السنن والمسانيد وغيرها منها ما هو صحيح ومنها ما هو ضعيف أورده للإستئناس به.
ثم قال: وهذه الأحاديث أربعة أقسام صحاح وحسان وغرائب وموضوعة وقد اختلف الناس في المهدي على أربعة أقوال:
أحدها: أنه المسيح ابن مريم-وهو المهدي على
[ ١٤٢ ]
الحقيقة-واحتج أصحاب هذا تحديث محمد بن خالد الجندي المتقدم وقد بينا حاله وأنه لا يصح ولو صح لم يكن به حجة لأن عيسى أعظم مهدي بين يدي رسول الله ﷺ وبين الساعة وقد دلت السنة الصحيحة عن النبي ﷺ على نزوله على المنارة البيضاء شرقي دمشق وحكمه بكتاب الله وقتله اليهود والنصارى ووضعه الجزية وإهلاك أهل الملل في زمانه فيصح أن يقال لا مهدي في الحقيقة سواه وإن كان غيره مهديا كما يقال لا علم إلا ما نفع ولا مال إلا ما وفى وجه صاحبه كما يصح أن يقال إنما المهدي عيسى بن مريم يعني المهدي بالكامل المعصوم.
القول الثاني: أنه المهدي الذي ولي من بني العباس وقد انتهى زمانه ثم ذكر حديثين منهما ذكر مجيء الرايات السود من قبل المشرق من جهة خراسان وأشار إلى ضعفهما ثم قال مشيرا إلى أولها وثانيها وهذا والذي قبله لو صح لم يكن فيه دليل على المهدي الذي تولىمن بني العباس هو المهدي الذي يخرج في آخر الزمان بل هو مهدي من جملة المهديين وعمر بن عبد العزيز كان مهديا بل هو أولى باسم المهدي منه وقد قال ﷺ: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي" وقد ذهب الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه إلى أن عمر بن عبد العزيز منهم ولا ريب أنه كان راشدا مهديا ولكن ليس بالمهدي الذي يخرج في آخر الزمان فالمهدي في جانب الخير والرشد كالدجال في جانب الشر والضلال وكما أن بين يدي الدجال الأكبر صاحب الخوارق دجالون كذابون فكذلك بين يدي المهدي الأكبر مهديون راشدون.
القول الثالث: أنه رجل من أهل بيت النبي ﷺ من ولد الحسن ابن علي يخرج في آخر الزمان وقد امتلأت الأرض جورا وظلما فيملأها قسطا وعدلا وأكثر الأحاديث على هذا تدل وفي كونه من ولد الحسن سر لطيف وهو أن الحسن ﵁ ترك الخلافة لله فجعل الله من ولده من يقوم بالخلافة الحق المتضمن للعدل الذي يملأ الأرض وهذه سنة الله في عباده أنه من ترك شيئا لأجله أعطاه الله وأعطى ذريته أفضل منه وهذا بخلاف الحسين ﵁ فإنه حرص عليها وقاتل عليها فلم يظفر بها والله أعلم ثم أورد بعض الأحاديث في خروج المهدي ثم قال وأما الرافضة الإمامية فلهم قول رابع وهو أن المهدي هو محمد بن الحسن العسكري المنتظر من ولد الحسين بن علي لا من ولد الحسن الحاضر في الأمصار الغائب عن الأبصار الذي يورث العصا ويختم الغضا دخل سرداب سامرا طفلا صغيرا من أكثر من خمسمائة
[ ١٤٣ ]
سنة-بالنسبة لزمان ابن القيم المتوفى عام٧٥٢هـ-فلم تره بعد ذلك عين ولم يحس فيه بخبر ولا أمر وهم ينتظرونه كل يوم يقفون بالخيل على باب السرداب ويصيحون به أن يخرج إليهم أخرج يا مولانا، ثم يرجعون بالخيبة والحرمان فهذا دأبهم ودأبه ولقد أحسن من قال:
ما آن للسرداب أن يلد الذي كلمتموه بجهلكم ما آنا
فعلى عقولكم العفاء فإنكم كلمتم العنقاء والغيلانا
ولقد أصبح هؤلاء عارا على بني آدم وضحكة ليسخر منهم كل عاقل" انتهى كلام ابن القيم ﵀.
وقال ابن القيم أيضا في كتابه إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان: "ومن تلاعبه-يعني الشيطان بهم-يعني اليهود-أنهم ينتظرون قائما من ولد داود النبي إذا حرك شفتيه بالدعاء مات جميع الأمم وأن هذا المنتظر بزعمهم هو المسيح الذي وعدوا به وهم في الحقيقة إنما ينتظرون مسيح الظلالة الدجال فهم أكثر اتباعه وإلا فمسيح الهدى عيسى بن مريم ﵊ يقتلهم ولا يبقي منهم أحدا ثم قال والمسلمون ينتظرون نزول المسيح عيسى بن مريم من السماء، لكسر الصليب وقتل الخنزير وقتل أعدائه من اليهود وعباده من النصارى وينتظرون خروج المهدي من أهل بيت النبوة يملا الأرض عدلا كما ملئت جورا" انتهى.
وقال أبو الحسن السمهودي المتوفى سنة ٩١١هـ "ويتحصل مما ثبت في الأخبار عنه-أي المهدي- أنه من ولد فاطمة وفي أبي داود أنه من ولد الحسن والسر فيه ترك الحسن الخلافة لله شفقة على الأمة فجعل القائم بالخلافة-الحق-عند شدة الحاجة وامتلاء الأرض ظلما-من ولده، وهذه سنة الله في عباده أنه يعطي لمن ترك شيئا من أجله أفضل مما ترك أو ذريته وقد بالغ الحسن في ترك الخلافة ونهى أخاه عنها وتذكر ذلك ليلة مقتله فترحم على أخيه وما روي من كونه من ولد الحسين فواه جدا" انتهى. بواسطة نقل المناوي في فيض القدير شرح الجامع الصغير للسيوطي.
وقال ابن حجر المكي المتوفى سنة ٩٧٤هـ في كتابه القول المختصر في علامات المهدي المنتظر، "الذي يتعين اعتقاده ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة من وجود المهدي المنتظر الذي يخرج الدجال وعيسى في زمانه ويصلي عيسى خلفه وأنه المراد حيث أطلق المهدي" انتهى. بواسطة نقل البرزنجي في الإشاعة لأشراط الساعة.
وقال الحافظ عماد الدين ابن كثير ﵀ في كتاب الفتن والملاحم "فصل في ذكر المهدي الذي يكون في آخر الزمان وهو أحد الخلفاء الراشدين الأئمة المهديين وليس هو
[ ١٤٤ ]
بالمنتظر الذي تزعم الرافضة وترتجي ظهوره من سرداب سامراء فإن ذلك مالا حقيقة له ولا عين ولا أثر ويزعمون أنه محمد بن الحسن العسكري وأنه دخل السرداب وعمره خمس سنين، وأما ما سنذكره فقد نطقت به الأحاديث المروية عن رسول الله ﷺ أنه يكون في آخر الدهر وأظن ظهوره يكون قبل نزول عيسى بن مريم كما دلت على ذلك الأحاديث ثم ساق عدة أحاديث من السنن وغيرها منها بعض أحاديث الرايات السود وحديث علي ﵁ في ابنه الحسن وأنه يخرج من صلبه رجل يسمى باسم النبي ﷺ ثم قال: ففي هذا السياق إشارة إلى ملك بني العباس كما تقدم التنبيه على ذكر ذلك عند ابتداء ذكر ولايتهم في سنة اثنين وثلاثين ومائة وفيه دلالة على أنه يكونها لمهدي بعد دولة بني العباس وأنه يكون من أهل البيت من ذرية فاطمة بنت رسول الله ﷺ من ولد الحسن لا الحسين كما تقدم النص على ذلك في الحديث المروي عن علي بن أبي طالب ﵁ وإنه أعلم ثم قال وقال ابن ماجه حدثنا محمد بن يحي وأحمد بن يوسف قالا حدثنا عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أبي أسماء الرحبي عن ثوبان قال قال رسول الله ﷺ: "يقتتل عند كنزكم ثلاثة كلهم ابن خليفة ثم لا يصير إلى واحد منهم ثم تطلع الرايات السود من قبل المشرق فيقتلونهم قتلا لم يقتله أحدا ثم ذكر شيئا لا أحفظه فقال فإذا رأيتموه فبايعوه ولو حبوا على الثلج فإنه خليفة الله المهدي" تفرد به ابن ماجه وهذا إسناد قوي صحيح والمراد به بالكنز المذكور في هذا السياق كنز الكعبة يقتتل عنده ليأخذوه ثلاثة من أولاد الخلفاء حتى يكون آخر الزمان فيخرج المهدي ويكون ظهوره من بلاد المشرق لا من سرداب سامراء كما يزعمه جهلة الرافضة من أنه موجود فيه الآن وهم ينتظرون خروجه في آخر الزمان فإن هذا نوع من الهذيان وقسط كبير من الخذلان شديد من الشيطان إذ لا دليل على ذلك ولا برهان لامن كتاب ولا سنة ولا معقول صحيح ولا استحسان، وقال الترمذي حدثنا قتيبة حدثنا رشيد بن سعد عن يونس عن ابن شهاب الزهري عن قتيبة بن ذؤيب عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ: "يخرج من خراسان رايات سود فلا يردها شيء حتى تنصب بايليا" هذا الحديث غريب وهذه الرايات ليست هي التي أقبل بها أبو مسلم الخراساني فاستلب بها دولة بني أمية في سنة اثنين وثلاثين ومائة بل رايات سود أخر تأتي صحبة المهدي وهو محمد بن عبد الله العلوي الفاطمي الحسني ﵁ يصلحه الله في ليلة واحدة أي
[ ١٤٥ ]
يتوب عليه ويوفقه ويلهمه ويرشده بعد أن لم يكن كذلك ويؤيده بناس من أهل الشرق ينصرونه ويقيمون سلطانه وتكون راياتهم سودا أيضا وهو زين عليه الوقار لأن راية الرسول ﷺ سوداء يقال لها العقاب وقد ركزها خالد بن الوليد ﵁ على الثنية التي شرقي دمشق حتى أقبل من العراق فعرفت بها الثنية فهي إلى الآن يقال لها ثنية العقاب.
وقد كانت عقابا على الكفار من نصارى الروم ولمن كان معهم وبعدهم إلى يوم الدين ولله الحمد، وكذلك دخل رسول الله ﷺ يوم الفتح إلى مكة وعلى رأسه المغفر وكان أسود وجاء في الحديث أنه كان متعمما بعمامة سوداء فوق البياض صلوات الله وسلامه عليه، والمقصود أن المهدي الممدوح الموعود بوجوده في آخر الزمان يكون أصل ظهوره وخروجه من ناحية المشرق ويبايع له عند البيت كما دل على ذلك بعض الأحاديث وقد أفردت في ذكر المهدي جزءا على حدة ولله الحمد والمنة، وقال ابن ماجه أيضا حدثنا نصر بن علي الجهضمي حدثنا محمد بن مروان العقيلي حدثنا عمارة ابن أبي حفصة عن زيد العمي عن أبي الصديق الناجي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: "يكون في أمتي المهدي إن قصر فسبع والا فتسع تنعم فيه أمتي نعمة لم يسمعوا مثلها تؤتي الأرض أكلها ولا تدخر منه شيئا والمال يومئذ كدوس يقوم الرجل فيقول يا مهدي أعطني فيقول خذ".
وقال الترمذي حدثنا محمد جعفر حدثنا شعبة سمعت زيد العمي سمعت الصديق الناجي يحدث عن أبي سعيد الخدري قال خشينا أن يكون بعد نبينا حدث فسألنا نبي الله ﷺ فقال: "إن في أمتي المهدي يخرج فيعيش خمسا أو سبعا أو تسعا-زيد الشاك-قال قلنا وما ذاك قال سنين قال يجيء إليه الرجل فيقول يا مهدي أعطني قال فيجيء له في ثوبه ما استطاع أن يحمله" هذا حديث حسن، وقد روي من غير وجه عن أبي سعيد عن النبي ﷺ وأبو الصديق الناجي اسمه بكر بن عمرو ويقال بكر بن قيس وهذا دليل على أن أكثر مدته تسع وأقلها خمس أو سبع ولعله هو الخليفة الذي يحثي المال حثيا والله أعلم.
وفي زمانه تكون الثمار كثيرة والزروع غزيرة والمال وافر والسلطان قاهر والدين قائم والعدو راغم والخير في أيامه دائم ثم أورد حديثين أحدهما عن الإمام محمد الثاني عن ابن ماجه ثم قال فأما الحديث الذي رواه ابن ماجه في سننه حيث قال ﵀ تعإلى حدثنا يونس بن عبد الأعلى حدثنا محمد ابن إدريس الشافعي حدثني محمد بن خالد الجندي عن إبان بن
[ ١٤٦ ]
صالح عن الحسن عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: "لا يزداد الأمر إلا شدة ولا الدنيا إلا إدبارا ولا الناس إلا شحا ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس ولا المهدي إلا عيسى بن مريم" فإنه حديث مشهور عن ابن خالد الجندي الصنعاني المؤذن شيخ الشافعي وروى عنه غير واحد أيضا وليس هو بمجهول كما زعمه الحاكم بل قد روي عن ابن معين أنه وثقه ولكن من الرواة من حدث به عنه عن إبان بن أبي عياش عن الحسن البصري مرسلا وذكر ذلك شيخنا في التهذيب عن بعضهم أنه رأى الشافعي في المنام وهو يقول كذب علي يونس بن عبد الأعلى ليس هذا من حديثي قلت: يونس بن عبد الأعلى الصدفي من الثقات لا يطعن فيه بمجرد منام، وهذا الحديث فيما يظهر بادي الرأي مخالف للأحاديث التي أوردناها في إثبات مهدي غير عيسى بن مريم أما قبل نزوله كما هو الأظهر والله أعلم، وأما بعده وعند التأمل لا ينافيها بل يكون المراد من ذلك أن المهدي حق المهدي هو عيسى بن مريم ولا ينفي ذلك أن يكون غيره مهديا أيضا والله أعلم" انتهى ما نقلته من كتاب الفتن والملاحم لابن كثير ﵀.
وقال في تفسيره عند تفسير قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ بعد ذكره الكلام عن هؤلاء النقباء قال: "وهكذا لما بايع رسول الله ﷺ الأنصار ليلة العقبة كان منهم اثنا عشر نقيبا ثلاثة من الأوس وهم أسيد بن الحضير وسعد بن خيثمة ورفاعة بن عبد المنذر ويقال بدله أبو الهيثم ابن التيهان ﵁ وتسعة من الخزرج وهم أمامة أسعد بن زرارة وسعد بن الربيع وعبد الله بن رواحة ورافع بن مالك بن العجلان والبراء بن معرور وعبادة بن الصامت وعبد الله بن عمرو بن حرام والمنذر بن عمر بن حنيش ﵃ وقد ذكرهم كعب ابن مالك في شعر له كما أورد ابن اسحاق ﵀ والمقصود أن هؤلاء كانوا عرفاء على قومهم ليلتئذ عن أمر النبي ﷺ لهم بذلك وهم الذين ولوا المعاقدة والمبايعة عن قومهم للنبي ﷺ على السمع والطاعة.
قال الإمام أحمد حدثنا حسن بن موسى حدثنا حماد بن زيد عن مجالد عن الشعبي عن مسروق قال كنا جلوسا عند عبد الله بن مسعود وهو يقرئنا القرآن فقال له رجل يا أبا عبد الرحمن هل سألتم رسول الله ﷺ كم يملك هذه الأمة من خليفة قال عبد الله ما سألني عنها أحد منذ قدمت العراق قبلك ثم قال: نعم ولقد سألنا رسول الله ﷺ فقال: "اثنا عشر كعدة نقباء بني اسرائيل" هذا حديث غريب
[ ١٤٧ ]
من هذا الوجه وأصل الحديث ثابت في الصحيحين من حديث جابر بن سمرة قال سمعت النبي ﷺ يقول: "لا يزال أمر الناس ماضيا ما وليهم اثنا عشر رجلا" ثم تكلم النبي ﷺ بكلمة خفيت علي فسألت أبي ماذا قال النبي ﷺ قال: "كلهم من قريش" وهذا وهذا لفظ مسلم ومعنى هذا الحديث البشارة بوجود اثني عشر خليفة صالحا يقيم الحق ويعدل فيهم ولا يلزم من هذا تواليهم وتتابع أيامهم بل قد وجد منهم أربعة على نسق وهم الخلفاء الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ ومنهم عمر بن عبد العزيز بلا شك عند الأئمة وبعض بني العباس ولا تقوم الساعة حتى تكون ولايتهم لا محالة والظاهر أن منهم المهدي المبشر به في الأحاديث الواردة بذكره فذكر أنه يواطئ اسمه اسم النبي ﷺ واسم أبيه اسم أبيه فيملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما وليس هذا بالمنتظر الذي تتوهم الرافضة وجوده ثم ظهوره من سرداب سامر فإن ذلك ليس له حقيقة ولا وجود بالكلية بل هو من هوس العقول السخفية وتوهم الخيالات الضعيفة وليس المراد بهؤلاء الخلفاء الاثني عشر الأئمة الاثني عشر الذين يعتقد فيهم الاثنا عشرية من الروافض لجهلهم وقلة عقلهم وفي التوراة البشارة باسماعيل ﵊ وأن يقيم من صلبه اثني عشر عظيما وهم هؤلاء الخلفاء الاثنا عشر المذكورون في حديث ابن مسعود وجابر بن سمرة وببعض الجهلة ممن أسلم من اليهود إذا اقترن بهم بعض الشيعة يوهمونهم أنهم الأئمة الاثنا عشر فيتشيع كثير منهم جهلا وسفها لقلة علمهم وعلم من لقنهم ذلك بالسنن الثابتة عن النبي ﷺ" انتهى.
وقال الشيخ ملا علي قاري الحسيني المتوفى سنة ١٠١٤في شرحه للفقه الأكبر. . للإمام أبي حنيفة عند قول أبي حنيفة ﵀، وخروج الدجال ويأجوج ومأجوج وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى ﵊ قال: "وفي نسخة قدم طلوع الشمس على البقية وعلى كل تقرير فالواو لمطلق الجمع وإلا فترتيب القضية أن المهدي ﵇ يظهر أولا في أرض الحرمين ثم يأتي بيت المقدس فيأتي الدجال ويحصره في ذلك الحال فينزل عيسى ﵊ من المنارة الشرقية في دمشق الشام ويجيء إلى قتال الدجال فيقتله بضربة في الحال فإنه يذوب كالملح عند نزول عيسى ﵊ من السماء فيجتمع عيسى ﵊ بالمهدي ﵁ وقد أقيمت الصلاة فيشير المهدي لعيسى بالتقدم فيمتنع معللا
[ ١٤٨ ]
بأن هذه الصلاة أتيحت لك فأنت أولى بأن تكون الإمام في هذا المقام ويقتدي به ليظهر متابعة لنبينا ﷺإلى أن قال وفي شرح العقائد الأصح أن عيسى ﵊ يصلي بالناس ويؤمهم ويقتدي به المهدي لأنه أفضل وإمامته أولى" انتهى قال علي قاري: "ولا ينافي ما قدمناه كما لا يخفى ثم ذكر الأمور الأخرى مرتبة وهي خروج يأجوج ومأجوج وموت المؤمنين وطلوع الشمس من مغربها ورفع القرآن".
وقال الشيخ عبد الرؤوف المناوي صاحب فيض القدير شرح الجامع الصغير المتوفى سنة ١٠٣٢هـ قال في كتابه المذكور "وأخبار المهدي كثيرة شهيرة أفردها غير واحد في التأليف-إلى أن قال-تنبيه: أخبار المهدي لا يعارضها خبر"لا مهدي إلا عيسى ابن مريم" لأن المراد به كما قال القرطبي لا مهدي كاملا معصوما إلا عيسى بن مريم وقال المناوي عند حديث: "لن تهلك أمة أنا في أولها وعيسى بن مريم في آخرها والمهدي في وسطها" أراد بالوسط ما قبل الآخر لأن نزوله ﵇ لقتل الدجال يكون في زمن المهدي ويصلي عيسى خلفه كما جاءت به الأخبار، وجزم به جمع من الأخيار وذكر عند حديث "منا الذي يصلي عيسى بن مريم خلفه" أنه بعد نزوله يجيء فيجد الإمام المهدي يريد الصلاة فيتأخر ليتقدم فيقدمه عيسى ﵊ ويصلي خلفه قال فأعظم به فضلا وشرفا لهذه الأمة ثم قال ولا ينافي ما ذكر في هذا الحديث ما اقتضاه بعض الآثار من أن عيسى هو الإمام بالمهدي وجزم به السعد التفتازاني وعلله بأفضليته لإمكان الجمع بأن عيسى يقتدي بالمهدي أولا ليظهر أنه نزل تابعا لنبينا حاكما بشرعه ثم بعد ذلك يقتدي المهدي به على أصل القاعدة من اقتداء المفضول بالفاضل" انتهى وقال الشيخ محمد السفاريني في كتابه: لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية الذي شرح فيه نظمه في العقيدة المسمى "الدرة المعنية في عقد الفرقة المرضية":
وما أتى بالنص من أشراط فكله حق بلا شطاط
منها الإمام الخاتم النصيح محمد المهدي والمسيح
منها أي من أشراط الساعة التي وردت بها الأخبار وتواترت في مضمونها الآثار أي من العلامات العظمى وهي أولها أن يظهر الإمام المقتدى بأقواله وأفعاله الخاتم للأئمة فلا إمام بعده كما أن النبي ﷺ هو الخاتم للنبوة والرسالة فلا نبي ولا رسول بعده، الفصيح اللسان لأنه من صحيح العرب أهل الفصاحة والبلاغة. -ثم قال- وقوله محمد المهدي، هذا اسمه وأشهر أوصافه فأما اسمه فمحمد جاء ذلك في عدة أخبار وفي بعضها أن اسمه واسم
[ ١٤٩ ]
أبيه عبد الله فقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: "يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي" رواه أبو نعيم من حديث أبي هريرة ولفظه أن النبي ﷺ قال: "لو لم يبق من النهار إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يلي رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي يملأها قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا" وروى نحوه الترمذي وأبو داود والنسائي والبيهقي وغيرهم من حديث ابن مسعود ﵁ وفي رواية من حديث ابن مسعود أيضا "لا تذهب الدنيا حتى يملك رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي يملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما" أخرجه الطبراني في معجمه الصغير وأخرجه الترمذي ولفظه: "حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي" وقال حديث حسن صحيح، وكذلك أخرجه أبو داود في سننه وروى ابن مسعود أيضا ﵁ رفعه اسم المهدي محمد، وفي مرفوع حذيفة محمد بن عبد الله ويكنى أبا عبد الله ومن اسمائه أحمد بن عبد الله كما في بعض الروايات-إلى أن قال: وأما تسميته ووصفه في عدة أخبار-إلى أن قال- وأما كنيته فأبو عبد الله وأما نسبة فإنه من أهل بيت رسول الله ﷺ ثم إن الروايات الكثيرة والأخبار الغزيرة ناطقة أنه ولد فاطمة البتول ابنة النبي الرسول ﷺ ورضي عنها وعن أولادها الطاهرين وجاء في بعض الأحاديث أنه من ولد العباس والأول أصح قال ابن حجر في كتابه القول المختصر: "وأما ماروي "أن المهدي من ولد العباس عمي" فقال الدارقطني حديث غريب تفرد به محمد بن الوليد مولى بني هاشم قال ولا ينافيه خبر الرافعي عن ابن عباس ﵄ مرفوعا "ألا أبشرك يا عم إن من ذريتك الأصفياء ومن عترتك الخلفاء ومنك المهدي في آخر الزمان به ينشر الله الهدى ويطفي نيران الضلالة إن الله فتح بنا هذا الأمر وبذريتك يختم"- ثم أورد ابن حجر عدة أخبار في هذا المعنى-ثم قال "فهذه الأخبار كلها لا تنافي أن المهدي من ذرية رسول الله سلى الله عليه وسلم من ولد فاطمة الزهراء لأن الأحاديث التي فيها أن المهدي من ولدها أكثر وأصح بل قال بعض حفاظ الأمة وأعيان الأئمة أن كون المهدي من ذريته ﷺ مما تواتر عنه ذلك فلا يسوغ العدول ولا الإلتفات إلى غيره وقال ابن حجر يمكن الجمع بأن يكون من ذريته ﷺ وللعباس فيه ولادة من جهة أن في أمهاتها عباسية".
[ ١٥٠ ]
والحاصل أن للحسن في المهدي الولادة العظمى لأن أحاديث كونه من ذريته أكثر وللحسين فيه ولادة أيضا وللعباس فيه ولادة أيضا ولا مانع من اجتماع ولادات وتعددات في شخص واحد من جهات مختلفة وبالله التوفيق. ثم ذكر الشيخ السفاريني ﵀ أن خمس فوائد تكلم على كل واحدة منها الأولى في حليته وصفته والثانية في سيرته والثالثة في علامات ظهوره والرابعة في الإشارة إلى بعض الفتن الواقعة قبل خروجه والخامسة في مولده وبيعته ومدة ملكه ومتعلقات ذلك ثم قال بعد الإنتهاء من الكلام على الفوائد الخمس: "تنبيه قد كثرت الأقوال في المهدي حتى قيل لا مهدي إلا عيسى والصواب الذي عليه أهل الحق أن المهدي غير عيسى وأنه يخرج قبل نزول عيسى عليه سلام وقد كثرت بخروجه الروايات حتى بلغت حد التواتر المعنوي وشاع ذلك بين علماء السنة حتى عد من معتقداتهم ثم ذكر بعض الآثار والأحاديث في خروج المهدي واسماء بعض الصحابة الذين رووها ثم قال وقد روي عما ذكر من الصحابة وغير من ذكر منهم ﵃ روايات متعددة وعن التابعين من بعدهم ما يفيد مجموعة العلم القطعي فالإيمان بخروج المهدي واجب كما هو مقرر عند أهل العلم ومدون في عقائد أهل السنة والجماعة".
وقال الشيخ محمد بشير السهسواني الهندي المتوفى سنة ست وعشرين وثلاثمائة وألف في كتابه صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان قال: "وبعد انقراض قرن الصحابة أتى أمته ما يوعدون من الحوادث والبدع وكلما أحدثت بدعة رفع مثلها من السنة ولكن في قرن التابعين واتباع التابعين لم تظهر البدع ظهورا فاشيا وأما بعد قرن اتباع التابعين فقد تغيرت الأحوال تغيرا فاحشا وغلبت البدع وصارت السنة غريبة واتخذ الناس البدعة سنة والسنة بدعة ولا تزال السنة في المستقبل غريبة إلا ما استثني من زمان المهدي ﵁ وعيسى ﵇ إلى أن تقوم الساعة على شرار الناس" انتهى.
وقال الشيخ شمس الحق العظيم أبادي المتوفى سنة١٣٢٩ في حاشيته المسماة عون المعبود على سنن أبي داود قال:
"وخرج أحاديث المهدي جماعة من الأئمة منهم أبو داود والترمذي وابن ماجه والبزار والحاكم والطبراني وأبو يعلى الموصلي وأسندوها إلى جماعة من الصحابة مثل علي وابن عباس وابن عمر وطلحة وعبد الله بن مسعود وأبي هريرة وأنس وأبي سعيد الخدري وأم حبيبة وأم سلمة وثوبان وقرة بن إياس وعلي الهلالي وعبد الله بن الحارث ابن جزء، ﵃ وإسناد أحاديث هؤلاء بين صحيح وحسن وضعيف وقد بالغ
[ ١٥١ ]
الإمام المؤرخ عبد الرحمن بن خلدون المغربي في تاريخه في تضعيف أحاديث المهدي كلها ولم يصب بل أخطأ" انتهى. وقال الشيخ محمد أنور شاه الكشميري ١٣٥٢هـ في كتابه عقيدة الإسلام "فائدة" "أخرج مسلم في نزول عيسى ﵇ عن جابر يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لاتزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق الظاهرين إلى يوم القيامة قال فينزل عيسى بن مريم ﷺ فيقول أميرهم تعال صل لنا فيقول لا إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمة" قال الكشميري المراد به أنه لا يؤم في تلك الصلاة حتى لا يتوهم أن الأمة المحمدية سلبت الولاية فبعد تقرير ذلك في أول مرة يكون الإمام هو عيسى ﵊ لكونه أفضل من المهدي فالجواب الأصلي لأمير المسلمين هو قوله: "لا فإنها لك أقيمت" كما عند ابن ماجه وغيره عن أبي أمامة وبعد إن كانت أقيمت له لو تقدم عيسى ﷺ أوهم عزل الأمير بخلاف ما بعد ذلك وهذا كإشارة نبينا ﷺ لأبي بكر ﵁ بعد ما كان شرع في الصلاة أن لا يتأخر يعني أؤم في هذه الصلاة لأنها لك أقيمت ثم ذكر قوله "تكرمة الله هذه الأمة" لفائدة زائدة وهي أن الأمة على ولايتها وعيسى ﵇ أيضا حينئذ منهم لا التعليل لعدم إمامته حتى يتوهم استمرار عدمها" انتهى.
وقال الشيخ عبد الرحمن المباركفوري ١٣٥٣في تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي في باب ما جاء في المهدي:
قلت: الأحاديث الواردة في خروج المهدي كثيرة جدا ولكن أكثرها ضعاف ولا شك في أن حديث عبد الله بن مسعود الذي في هذا الباب لا ينحط عن درجة الحسن وله شواهد كثيرة من بين حسان وضعاف فحديث عبد الله بن مسعود هذا مع شواهده وتوابعه صالح الإحتجاج بلا مريه فالقول بخروج المهدي وظهوره هو الحق والصواب والله أعلم.
هذه بعض الكلمات التي وفقت عليها لبعض أهل السنة والأثر في شأن المهدي والإحتجاج بالأحاديث الواردة فيه، وأعني بأهل السنة والأثر أهل الحديث ومن سار على منوالهم ممن جعل مستنده في الإعتقاد كتاب الله وما ثبت عن رسوله ﷺ دون الاعتراض على ذلك بخيال يسميه صاحبه معقولا، وليس كل الذين نقلت كلامهم فيما تقدم بهذه المثابة بل منهم من هو على المعتقد الذي رجع عنه أبو الحسن الأشعري ﵀ وبعض هؤلاء ممن له عناية بالآثار وتمييز صحيحها من ضعيفها وذلك أن الحق يقبل من كل من جاء به وليعلم أن الأحاديث في المهدي قد تلقتها الأمة من أهل السنة والأشاعرة بالقبول إلا من شذ.
[ ١٥٢ ]