فصل:
ونؤمن باليوم الآخر وهو يوم القيامة الذي لا يوم بعده، حين يبعث الناس أحياء للبقاء، إما في دار النعيم وإما في دار العذاب الأليم.
فنؤمن بالبعث، وهو: إحياء الله تعالى الموتى حين ينفخ إسرافيل في الصور النفخة الثانية: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ إِلاّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ ٣، فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين حفاة بلا نعال، عراة بلا ثياب، غرلًا بلا ختان: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ سورة الحديد، الآية: ١٠. ٢ سورة الحشر، الآية: ١٠. ٣ سورة الزمر، الآية: ٦٨. ٤ سورة الأنبياء، الآية: ١٠٤.
[ ٢٣ ]
ونؤمن بصحائف الأعمال تعطى باليمين أو من وراء الظهور بالشمال: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾ ١، ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ ٢
ونؤمن بالموازين توضع يوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ ٣، ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ ٤، ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلاّ مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ ٥.
ونؤمن بالشفاعة العظمى لرسول الله ﷺ خاصة، يشفع عند الله تعالى بإذنه ليقضي بين عباده حين يصيبهم من الهم والكرب مالا يطيقون، فيذهبون إلى آدم ثم نوح ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى، حتى تنتهي إلى رسول الله ﷺ.
ونؤمن بالشفاعة فيمن دخل النار من المؤمنين ليخرجوا منها، وهي للنبي ﷺ وغيره من النبيين والمؤمنين والملائكة. وبأن الله تعالى يخرج من النار أقواما من المؤمنين بغير شفاعة، بل بفضله ورحمته.
ونؤمن بحوض رسول الله ﷺ، ماؤه أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، وأطيب من رائحة المسك، طوله شهر، وعرضه شهر، وآنيته
_________________
(١) ١ سورة الإنشقاق، الآيتان: ٧ـ ١٢. ٢ سوورة الإسراء، الآيتان: ١٣ - ١٤ ٣ سورة الزلزلة، الآيتان: ٧ - ٨. ٤ سورة المؤمنين، الآيات: ١٠٢ - ١٠٤. ٥ سورة الأنعام، الآية: ١٦٠.
[ ٢٤ ]
كنجوم السماء حسنا وكثرة، يرده المؤمنون من أمته، من شرب منه لم يظمأ بعد ذلك.
ونؤمن بالصراط المنصوب على جهنم، يمر الناس عليه على قدر أعمالهم، فيمر أولهم كالبرق، ثم كمر الريح، ثم كمر الطير، ثم كشد الرحال، والنبي ﷺ قائم على الصراط يقول: "يارب سَلِّم سَلِّم" حتى تعجز أعمال العباد، فيأتي من يزحف. وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة مأمورة، تأخذ من أمرت به، فمخدوش ناج، ومكردس في النار.
ونؤمن بكل ما جاء في الكتاب والسنة من أخبار ذلك اليوم وأهواله أعاننا الله عليها.
ونؤمن بشفاعة النبي ﷺ لأهل الجنة أن يدخلوها، وهي للنبي ﷺ خاصة.
ونؤمن بالجنة والنار، فالجنة دار النعيم التي أعدها الله تعالى للمؤمنين المتقين، فيها من النعيم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١
والنار دار العذاب التي أعدها الله تعالى للكافرين الظالمين، فيها من العذاب والنكال ما لا يخطر على البال: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ ٢.
وهما موجودتان الآن ولن تفنيا أبد الآبدين: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ ٣، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ
_________________
(١) ١ سورة السجدة، الآية: ١٧. ٢ سورة الكهف، الآية: ٢٩. ٣ سورة الطلاق، الآية: ١١.
[ ٢٥ ]
لَهُمْ سَعِيرًا خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا﴾ ١.
ونشهد بالجنة لكل من شهد له الكتاب والسنة بالعين أو بالوصف، فمن الشهادة بالعين: الشهادة لأبي بكر وعمر وعثمان وعليّ ونحوهم ممن عيّنهم النبي صلى الله عليه وسلم٢. ومن الشهادة بالوصف الشهادة لكل مؤمن أو تقي.
ونشهد بالنار لكل من شهد له الكتاب والسنة بالعين أو بالوصف: فمن الشهادة بالعين: الشهادة لأبي لهب وعمرو بن لحي الخز اعي٣ ونحوهما. ومن الشهادة بالوصف الشهادة لكل كافر أو مشرك شركا أكبر أو منافق.
ونؤمن بفتنة القبر، وهي سؤال الميت في قبره عن ربه ودينه ونبيه، ف ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ ٤فيقول المؤمن: ربي الله، وديني الإسلام، ونبي محمد.
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب، الآيات: ٦٤ - ٦٦. ٢ أى: في حديث صحيح رواه البخاري في صحيحه (٥ / ١٠) في فضائل أصحاب النبي ﷺ في صحيحه (٤ / ١٨٦٧) في الفضائل أيضا من حديث أبي موسى الأشعري ﵁. ٣ انظر صحيح البخاري (٦ / ٦٩) كتاب التفسير وصحيح مسلم (٤ / ٢١٩١) الجنة جاء فيه: «رأيت عمرو بن الحي يجُّرُّ قصبه في النار» . ٤ سورة إبرا هيم، الآية: ٢٧.
[ ٢٦ ]
وأما الكافر والمنافق فيقول: لا أدرى، سمعت الناس يقولون شيئا فقلته.
ونؤمن بنعيم القبر للمؤمنين: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ١.
ونؤمن بعذاب القبر للظالمين الكافرين: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ ٢.
والأحاديث في هذا كثيرة ومعلومة.
فعلى المؤمن أن يؤمن بكل ما جاء به الكتاب والسنة من هذه الأمور الغيبية، وأن لا يعارضها بما يشاهد في الدنيا، فإن أمور الآخرة لا تقاس بأمور الدنيا لظهور الفرق الكبير بينها. والله المستعان.
_________________
(١) ١ سورة النحل، الآية: ٣٢. ٢ سورة الأنعام، الآية: ٩٣.
[ ٢٧ ]