وهؤلاء يقولون: (إن الله - ﷾ - خالق أفعال العباد، فيثبتون مرتبتي المشيئة والخلق، ولكن يقولون: إن أفعال العباد الاختيارية واقعة بقدرة الله تعالى وحدها، وليس لقدرتهم تأثير فيها، بل الله ﷾ أجرى عادته بأن يوجد في العبد قدرة واختيارًا، فإذا لم يكن هناك مانع أوجد فيه فعله المقدور مقارنًا لهما، فيكون الفعل مخلوقًا لله، إبداعًا وإحداثًا، ومكسوبًا للعبد، والمرء بكسبه إياه: مقارنته لقدرته وإرادته من غير أن يكون هناك منه تأثير أو مدخل في وجوده سوى كونه محلًا له) (^٥).
وبهذا خالفوا المعتزلة القائلين بأن الله لا يخلق أفعال العباد بل هم الخالقون لها. ولكنهم قالوا هي كسب للعباد. (فأرادوا أن يوفقوا بين الجبرية والقدرية، فجاءوا بنظرية الكسب، وهي في مآلها جبرية خالصة، لأنها تنفي أي قدرة للعبد أو تأثير، أما حقيقتها النظرية الفلسفية فقد عجز الأشاعرة أنفسهم عن فهمها فضلًا عن إفهامها لغيرهم ولهذا قيل:
مما يقال ولا حقيقة تحته معقولة تدنوا إلى الأفهام
الكسب عند الأشعري والحال عند البهشمي وطفرة النظام) (^٦).
_________________
(١) القضاء والقدر لعمر الأشقر، ص ٥٧.
(٢) الدرة البهية شرح القصيدة التائية ص ١٧.
(٣) القضاء والقدر لعبد الرحمن المحمود ص ٣٠٥.
(٤) الأشاعرة: أصحاب أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، ويثبتون لله سبع صفات، ويقولون بتقديم العقل على النقل عند التعارض، ويؤولون آيات الصفات، ولا يحتجون بأحاديث الآحاد في العقيدة. معجم ألفاظ العقيدة ص ٤٢، الملل والنحل ص ٤٠، وانظر للفائدة: موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن المحمود، مكتبة الرشد، الرياض.
(٥) القضاء والقدر لعبد الرحمن المحمود ص ٣١١.
(٦) منهج الأشاعرة في العقيدة، للشيخ سفر الحوالي، ص ٤٣، الطبعة الأولى، الدار السلفية، الكويت، ١٤٠٧ هـ. وانظر: شفاء العليل ص ١٢١.
[ ١٧ ]