لقد عني القرآن بمشاهد يوم القيامة: البعث والحساب، والنعيم والعذاب، فلم يعد ذلك العالم الآخر الذي وعده الناس بعد هذا العالم الحاضر موصوفًا فحسب، بل عاد مصورًا محسوسًا، وحيًا متحركًا، وبارزًا شاخصًا، وعاش المسلمون في هذا العالم عيشة كامله، رأوا مشاهده، وتأثروا بها، وخفقت قلوبهم تارة، واقشعرت جلودهم تارة، وسري في نفوسهم الفزع مرة، وعاودهم الاطمئنان أخرى ومن ثم أصبحوا يعرفون هذا العالم كما ورد في الكتاب والسنة قبل اليوم الموعود.
هذا العالم بسيط كل البساطة، واضح وضوح العقيدة الإسلامية: موت وبعث، ونعيم وعذاب. فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم الجنة بما فيها من نعيم، وأما الذين كفروا وكذبوا بلقاء الله فلهم النار بما فيها من جحيم، ولا شفاعة هناك، ولا فدية من العذاب، ولا اختلال قيد شعرة في ميزان العدالة الدقيق، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [سورة الزلزلة: ٧ - ٨].
إن القرآن يحدث المؤمنين عن اليوم الآخر، ويجسمه لهم كأنما يرونه اللحظة أمامهم، ويعيشون مشاهده الحية بوجدانهم. بل بلغ من إعجاز القرآن في تصوير مشاهد يوم القيامة أن يحس الإنسان كأنما يوم القيامة هو الحاضر الماثل، وكأنما الدنيا ماض قد انقضى وانطوى من زمان بعيد.
(إن الإيمان بالله واليوم الأخر يتضمن الإيمان بالمبدأ والمعاد، وهو الإيمان بالخلق والبعث كما جمع بينهما في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨)﴾ [البقرة: ٨]، وقال تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨]) (^٣).
والمراد بالبعث المعاد الجسماني، وإحياء العباد في يوم المعاد. فإذا شاء الله ﵎ إعادة العباد وإحيائهم أمر إسرافيل فنفخ في الصور فتعود الأرواح إلى الأجساد، ويقوم الناس لرب العالمين ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨)﴾ [الزُّمَر: ٦٨].
وقد أخبرنا الله ﵎ عن مشهد البعث فقال: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى
_________________
(١) انظر: أركان الإيمان، ص ٤٤ - ٦٣.
(٢) انظر: عمر الأشقر، اليوم الآخر - القيامة الكبرى، ص ٥١ - ٦٨، ط. السادسة، دار النفائس، الأردن، ١٤١٥ هـ.
(٣) ابن تيمية، الفتوى الحموية، ص ٣٥، تقديم: محمد حمزة، مطبعة المدني، مصر.
[ ٤٧ ]
رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١) قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٥٣)﴾ [سورة يس:٥١ - ٥٣]
وقد جاءت الأحاديث مخبرة بأنه يسبق النفخة الثانية في الصور نزول ماء من السماء فتنبت منه أجساد العباد، عن عبدالله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله -ﷺ-: «ثم ينفخ في الصور، فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتًا (^١) ورفع ليتًا. قال: وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله، قال: فَيَصْعَقُ، وَيَصْعَقُ الناس، ثم يرسل الله - أو قال ينزل الله - مطرًا كأنه الطل أو الظل، فتنبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون» (^٢).
والإنسان يتكون في اليوم الآخر من عظم صغير، هو عجب الذنب، عن أبي هريرة
-﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «ما بين النفختين أربعون، ثم ينزل من السماء ماء، فينبتون كما ينبت البقل، وليس من الإنسان شيء إلا بلى، إلا عظمًا واحدًا، وهو عجب الذنب (^٣) منه يركب الخلق يوم القيامة» (^٤).
ومن المعلوم أن أجساد الأنبياء لا يصيبها البلى والفناء الذي يصيب أجساد العباد ففي الحديث: «أن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» (^٥).
والبعث هنا إعادة وليس تجديدًا، كما قال تعالى: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [سورة يس:٧٨ - ٧٩]، وقال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء:١٠٤]، ولأنه لو كان خلقًا جديدًا لكان الجسد الذي يعمل السيئات في الدنيا سالمًا من العذاب، ويؤتى بجسد جديد فيعذب، وهذا خلاف العدل، والنص والعقل قد دل على أن البعث ليس تجديدًا ولكنه إعادة) (^٦).
وأول من تنشق عنه الأرض هو نبينا محمد -ﷺ- عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-
_________________
(١) الليت: بكسر اللام وآخره مثناة فوق، هي صفحة العنق وهي جانبه، وأصغى أمال. شرح النووي لصحيح مسلم (١٨/ ٧٦).
(٢) صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال (١٨/ ٦٨).
(٣) عجب الذنب: العجب بالسكون، العظم الذي في أسفل الصلب عند العجز، وهو العسيب من الدواب. النهاية في غريب الحديث (٣/ ١٦٧).
(٤) صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ (٨/ ٦٨٩ - مع الفتح).
(٥) صحيح سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب فضل يوم الجمعة وليلة الجمعة (١/ ١٩٦).
(٦) أركان الإيمان، ص ٤٤.
[ ٤٨ ]
: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع وأول مشفع» (^١).
وحيثما هلك العباد فإن الله قادر على الإتيان بهم، قال تعالى: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:١٤٨]. وقال تعالى: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧)﴾ [الكهف:٤٧].
ويحشر الله الخلائق جميعًا حفاة عراة غرلًا، أي: غير مختونين، عن عائشة -﵂- قالت: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلًا» قالت: يا رسول الله، الرجال والنساء جميعًا، ينظر بعضم إلى بعض؟ قال: «يا عائشة الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض ..» (^٢).
ولكن الناس ليسوا سواء في ذلك اليوم العصيب. إنما تختلف أحواهم باختلاف أعمالهم، قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (٢٥)﴾ [سورة القيامة:٢٢ - ٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزُّمَر:٦٠]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦)﴾ [سورة مريم:٨٥ - ٨٦].
والأرض التي يحشر العباد عليها في يوم القيامة أرض أخرى غير هذه الأرض، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨)﴾ [إبراهيم:٤٨]. وقد حدثنا الرسول -ﷺ- عن صفة هذه الأرض الجديدة التي يكون عليها الحشر، عن سهل بن سعد -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي ليس فيها معلم لأحد (^٣)» (^٤).
والوقت الذي يتم فيه هذا التبديل هو وقت مرور الناس على الصراط أو قبل ذلك بقليل، عن
_________________
(١) صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب فضل نسب النبي -ﷺ- (١٥/ ٣٧ - مع شرح النووي).
(٢) صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب الحشر (١١/ ٣٧٧ - مع الفتح)، صحيح مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب فناء الدنيا وبيان الحشر يوم القيامة (١٧/ ١٩٣).
(٣) العفراء: بالعين المهملة والمد بيضاء إلى حمرة. والنقي بفتح النون وكسر القاف وتشديد الياء هو الدقيق الحوري وهو الدرمك وهو الأرض الجيدة. "ليس فيها علم الأحد" أي: ليس بها علامة سکني أو بناء ولا أثر. انظر: شرح النووي لصحيح مسلم (١٧/ ١٣٤).
(٤) صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب يقبض الله الأرض (١١/ ٣٧٢ - مع الفتح)، وصحيح مسلم، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب البعث والنشور (٤/ ٢١٥ - مع شرح النووي).
[ ٤٩ ]
عائشة -﵂- قالت: سألت رسول الله -ﷺ- عن قوله ﷿: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾، فأين يكون الناس؟ فقال: «على الصراط» (^١).