ثم ينتقل من ضيق الرحم، إلى هذه الحياة الفسيحة، فيحيا فيها حياة لا شبه بينها وبين حياته وهو في الطور الأول في بطن أمه. فقد أصبح يتغذى من فمه، ويبصر بعينيه، ويسمع بأذنيه، ويبطش بيديه، ويمشي على رجليه.
حتى إذا بلغ أشده واستوي، منحه الله عقلًا، وأتاه علمًا، وبقي في هذه الدنيا إلى أجله المحتوم ثم يموت.
والموت هو القيامة الصغرى فكل من مات فقد قامت قيامته، وحان حينه، عن عائشة -﵂- قالت: كان رجال من الأعراب يأتون النبي -ﷺ- فيسألونه عن الساعة، فكان ينظر إلى أصغرهم فيقول: «إن يعش هذا، لا يدركه الهرم حتى تقوم عليكم ساعتكم» (^٢).
قال ابن كثير (^٣): (والمراد انخرام قرنهم ودخولهم في عالم الآخرة، فإن كل من مات فقد دخل في حكم الآخرة، وبعض الناس يقول: من مات فقد قامت قيامته، وهذا الكلام بهذا المعنى صحيح) (^٤).
_________________
(١) انظر: الإيمان باليوم الآخر وبالقضاء والقدر، أحمد عز الدين البيانوني، ص ٧ - ١٢، ط الثانية، دار السلام، ١٤٠٥ هـ.
(٢) صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب سكرات الموت، (١١/ ٣٦١ - مع الفتح)، دار الفكر، بتعليق الشيخ عبدالعزيز بن باز، صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب قرب قيام الساعة، (١٨ - ٩٠ - مع شرح النووي)، دار الكتاب العربي، بيروت، ١٤٠٧ هـ.
(٣) هو عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي الشافعي، الإمام الحافظ المحدث المؤرخ، من مؤلفاته: تفسير القرآن العظيم، والبداية والنهاية، واختصار علوم الحديث، توفي عام ٧٧٤. انظر: الدرر الكامنة: ١/ ٤٠٠، وشذرات الذهب: ٦/ ٢٣٢.
(٤) ابن كثير، النهاية في الفتن والملاحم، ص ١٣، ضبط وتصحيح: أحمد عبدالشافي، ط. الثانية، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٧ هـ.
[ ٦ ]
وإذا حان الأجل وشارفت حياة الإنسان على المغيب أرسل الله رسل الموت لسل الروح المدبرة للجسد والحركة له، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١)﴾ [الأنعام:٦١]، وملائكة الموت تأتي المؤمن في صورة حسنة جميلة، وتأتي الكافر والمنافق في صورة مخيفة.
وما يحدث للميت حال موته لا نشاهده ولا نراه، وإن كنا نرى آثاره، وقد حدثنا ربنا ﵎ عن حال المحتضر فقال: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥)﴾ [الواقعة:٨٣ - ٨٥]، والمتحدث عنه في الآية الروح عندما تبلغ الحلقوم في حال الاحتضار، ومن حوله ينظرون إلى ما يعانيه من سكرات الموت، وإن كانوا لا يرون الملائكة التي تَسُلُ روحه، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١)﴾ [الأنعام:٦١]، وقال في الآية الآخرة: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (٢٧) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (٢٨) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (٣٠)﴾ [القيامة:٢٦ - ٣٠] والتي تبلغ التراقي هي الروح، والتراقي جمع ترقوه وهي العظام التي بين ثغرة النحر والعاتق (^١).
وقد صرح القرآن بأن الملائكة تبشر المؤمن بالمغفرة من الله والرضوان، وتبشر الكافر بسخط الله وغضبه، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [سورة فصلت:٣٠ - ٣٢]. وهذا التنزل كما قال طائفة من أئمة التفسير منهم مجاهد (^٢) إنما يكون حال الاحتضار (^٣).
أما الكفرة الفجرة فإن الملائكة تتنزل عليهم بنقيض ذلك قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٤/ ٤٨١).
(٢) هو مجاهد بن جبر بفتح الجيم وسكون الموحدة أبو الحجاج المخزومي مولاهم المكي: ثقة إمام في التفسير والعلم من الثالثة مات سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاث أو أربع ومئة - وله ثلاث وثمانون. تقريب التهذيب لابن حجر ص ٤٥٣، ط. الأولى، بعناية: عادل مرشد، مؤسسة الرسالة، بيروت ١٤١٦ هـ.
(٣) تفسير ابن كثير (٤/ ١٠٧).
[ ٧ ]
كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [سورة الأنفال:٥٠ - ٥١].
قال ابن كثير -﵀-: (وإن كان هذا في وقعة بدر، ولكنه عام في حق كل كافر، ولهذا لم يخصصه تعالى بأهل بدر، بل قال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ..) (^١).
وللموت سكرات يلاقيها كل إنسان حين الاحتضار، كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩)﴾ [ق:١٩].
وقد عانى النبي -ﷺ- من هذه السكرات، ففي مرضه -ﷺ- كان بين يديه ركوة من ماء أو علبة فيها ماء، فجعل يدخل يده في الماء فيمسح بها وجهه، ويقول: «لا إله إلا الله، إن للموت سكرات» (^٢)، وتقول عائشة -﵂- في مرض رسول الله -ﷺ-: «ما رأيت الوجع على أحد أشد منه على رسول الله -ﷺ-» (^٣).
ثم إذا نزعت الروح صعد بها إلى السماء، عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «إذا خرجت روح المؤمن تلقاها ملكان يصعدانها»، قال حماد (^٤): "فذكر من طيب ريحها، وذكر المسك، قال: "ويقول أهل السماء: روح طيبة جاءت من قبل الأرض، صلى الله عليك وعلى جسد كنت تعمرينه، فينطلق به إلى ربه ﷿، ثم يقول: انطلقوا به إلى أخر الأجل"، قال: "وإن الكافر إذا خرجت روحه - قال حماد وذكر من نتنها، وذكر لعنا ويقول أهل السماء: روح خبيثة من قبل الأرض، قال فيقال: انطلقوا به إلى آخر الأجل (^٥).
وهذان الطوران نراهما بأعيننا وندرك الفرق الشاسع بينهما.
_________________
(١) المرجع السابق (٢/ ٣٣٢).
(٢) صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب سكرات الموت، (١١/ ٣٦١ - مع الفتح).
(٣) صحيح البخاري، كتاب المرضى، باب شدة المرض، (١٠/ ١١٠ - مع الفتح).
(٤) هو حماد بن زيد بن درهم الأزدي الجهضمي أبو إسماعيل البصري ثقة ثبت فقيه، قيل أنه كان ضريرًا ولعله طرأ عليه لأنه صح أنه كان يكتب، من كبار الثامنة، مات سنة تسع وسبعين وله إحدى وثمانون سنة. تقريب التهذيب ص ١١٧.
(٥) صحيح مسلم، كتاب الجنة، باب عرض مقعد الميت عليه وإثبات عذاب القبر والتعوذ منه (١٧/ ٢٠٥).
[ ٨ ]