وأصل يأجوج ومأجوج من البشر، من ذرية آدم وحواء -﵉-، والذي يدل على أنهم من ذرية آدم -﵇- ما رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري -﵁- عن رسول الله -ﷺ- قال: «يقول الله تعالى: يا آدم! فيقول لبيك وسعديك والخير في يديك، فيقول: أخرج بعث النار، قال وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين فعنده يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وماهم بسكارى ولكن عذاب الله شديد» قالوا: وأينا ذلك الواحد؟ قال: «أبشروا فإن منكم رجلًا ومن يأجوج ومأجوج ألف» (^١١).
وقد أخبر الله ﵎ أن السد الذي أقامه ذو القرنين مانعهم من الخروج ﴿اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (٩٧)﴾ [الكهف: ٩٧] وأخبر أن ذلك مستمر إلى آخر الزمان عندما يأتي وعد الله، ويأذن لهم بالخروج، وعند ذلك يُدك السد، ويخرجون على الناس ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨)﴾ [الكهف: ٩٨]، وعند ذلك يخرجون أفواجًا ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ [الكهف: ٩٩] وذلك قرب القيامة والنفخ في الصور ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (٩٩)﴾ [الكهف: ٩٩].
وقد أخبر الرسول -ﷺ- أنه فتح من ردم يأجوج ومأجوج في عصره، عن زينب بنت جحش -﵁- أن رسول الله -ﷺ- دخل عليها يوما فزعًا، يقول: «لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب،
_________________
(١) مهرودتان: روي بالدال المهملة والذال المعجمة والمهملة أكثر والمعنى: لابس مهرودتين، أي: ثوبين مصبوغين بورس ثم زعفران. انظر: شرح النووي لصحيح مسلم (١٨/ ٦٧).
(٢) صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال (١٨٦٧ - ٦٨ - مع شرح النووي).
(٣) هو محمد بن عبدالرحمن بن المغيرة بن أبي ذئب القرشي العامري أبو الحارث المدني، ثقة فقيه فاضل من السابعة، مات سنة ٥٨ وقيل سنة تسع. تقريب التهذيب ص ٤٢٧.
(٤) صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب نزول عيسى بن مريم -﵇- (٦/ ٤٩١ - مع الفتح)، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب نزول عيسى بن مريم حاكمًا (٢/ ١٩٣ - مع شرح النووي).
(٥) انظر: اليوم الآخر - القيامة الصغرى، ص ٢٦١.
(٦) القلاص: بكسر القاف جمع قلوص بفتح القاف، وهي الناقة الشابة، انظر: النهاية في غريب الحديث (٤/ ٨٨).
(٧) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب نزول عيسى -﵇- (٢/ ١٩٢ - مع شرح النووي).
(٨) صحيح مسلم كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال (١٨/ ٧٥ - ٧٦ - مع شرح النووي).
(٩) صحيح سنن أبي داود، كتاب الملاحم، باب خروج الدجال (٣/ ٨١٥).
(١٠) انظر: النهاية في الفتن والملاحم، ص ٩٩.
(١١) صحيح البخاري، كتاب الأنبياء، باب قصة يأجوج ومأجوج (٦/ ٣٨٢ - مع الفتح).
[ ٤٢ ]
فتح من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه» - وحلق بأصبعيه: الإبهام والتي تليها- قالت زينب، فقلت يا رسول الله، أفنهلك، وفينا الصالحون؟ قال: «نعم، إذا كثر الخبث» (^١).
وخروجهم يقع بعد نزول عيسى -﵇- وهزيمته للدجال، عن النواس بن سمعان في حديثه الطويل، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «ثم يأتي عيسى بن مريم قوم قد عصمهم الله منه -أي من الدجال - فيمسح وجوههم، ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة، فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى أني قد أخرجت عبادًا لي لا يدان لأحد بقتالهم (^٢)، فحرّز عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب (^٣) ينسلون، فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية، فيشربون ما فيها، ويمر أخرهم، فيقولون: لقد كان بهذه مرة ماء، ويحصر نبي الله عيسى وأصحابه، حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرًا من مائة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه، فيرسل الله عليهم النغف (^٤) في رقابهم، فيصيحون فرسى (^٥) كموت نفس واحدة، ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض، فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم (^٦) ونتنهم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل مطرًا كأعناق البخت (^٧)، فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله، ثم يرسل الله مطرًا، لا يكن منه بيت مدر (^٨) ولا وبر، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلقة» (^٩).
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب يأجوج ومأجوج (١٣/ ١٠٦ - مع الفتح).
(٢) أي: لا قدرة ولا طاقة. انظر: شرح النووي لصحيح مسلم (١٨/ ٦٨).
(٣) الحدب: وهو كل موضع غليظ مرتفع، والمعنى يظهرون من غليظ الأرض ومرتفعها. انظر: النهاية في غريب الحديث (١/ ٣٣٦).
(٤) النغف: بالتحريك دود يكون في أنوف الإبل والغنم، واحدتها نغفة. النهاية في غريب الحديث (٥/ ٧٥).
(٥) فرسي بفتح الفاء، أي: قتلى، الواحد فريس من فرس الذئب الشاة وافترسها إذا قتلها. النهاية في غريب الحديث (٣/ ٣٨٤).
(٦) بفتح الهاء أي دسمهم ورائحتهم الكريهة. شرح النووي على مسلم (١٧/ ٦٩).
(٧) البخت هي جمال طوال الأعناق، وهي لفظة معربة. النهاية في غريب الحديث (١/ ١٠١).
(٨) أي: لا يمنع من نزول المطر بيت. المدر بفتح الميم والدال وهو الطين الصلب. شرح النووي لصحيح مسلم (١٨/ ٦٩).
(٩) صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذکر الدجال (١٨/ ٦٨ - ٦٩ - مع شرح النووي).
[ ٤٣ ]