ثم تقوم الساعة، ويبعث الناس ويحشرون ويحاسبون على أعمالهم: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)﴾ [سورة هود: ١٠٥ - ١٠٨] [هود: ١٠٥ - ١٠٨].
والله تعالى حين أخبرنا بما يستقبلنا من الطورين الأخيرين ومهد للإيمان بهما بالطورين الأولين اللذين نراهما بأعيننا وهما: حياتنا ونحن أجنة في بطون أمهاتنا، وحياتنا هذه في الدنيا. فالخالق العظيم القادر الذي
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر، فتح الباري (٣/ ٢٣١).
(٢) صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب الميت يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي (١/ ٣٤٣ - مع الفتح).
(٣) أركان الإيمان، ص ٤٢ - ٤٣. القيامة الصغرى، ص ٤٩.
(٤) هو شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني الدمشقي، الإمام العالم العلامة الفقيه، القدوة، وله المصنفات العظيمة، منها: منهاج السنة النبوية، ودرء تعارض العقل والنقل، والجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، والتدمرية، والواسطية، وغيرها، توفي عام ٧٢٨ هـ. انظر: ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب: ٢/ ٣٨٧، والبداية والنهاية: ١٤/ ١٤١، وشذرات: ٦/ ٨٠، والجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية خلال سبعة قرون، جمع محمد عزير شمس وعلي العمران.
(٥) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمة، (٤/ ٢٨٢)، جمع: عبدالرحمن بن قاسم، مكتبة ابن تيمية، مصر.
[ ١١ ]
جعل هذا التفاوت العجيب بين هذين الطورين من أطوار الحياة قادر أن يجعل التباين أكبر والتفاوت أعظم بين حياتنا هذه وحياتنا في البرزخ ثم بينها وبين حياتنا في الآخرة دار النعيم المقيم أو العذاب الأليم.
فلا ينبغي أن يعظم علينا حين يخبرنا النبي -ﷺ- أن أهل الجنة يتنعمون فيها ويأكلون ويشربون ولا يتغوطون ولا يبولون ولا يمتخطون وأنهم مخلدون في هذا النعيم لا يفنى شبابهم ولا تبلى ثيابهم .. وأن أهل النار يعذبون فيها كلما نضجت جلودهم بدلهم القوي القدير جلودًا غيرها ليذوقوا العذاب خالدين فيه إلى غير ذلك.
وسيأتي الكلام - إن شاء الله تعالى - عن الآخرة وبعض ما فيها من أهوال حتى دخول أهل الجنة الجنة، ودخول أهل النار النار.
[ ١٢ ]