وتطلق كلمة "رب" في اللغة كذلك على المصلح للشيء المدبر له، القائم على تربيته، حتى أن بعض العلماء قال بأن كلمة رب مشتقة من التربية؛ لأنه سبحانه مدبر الخلق ومربيهم١.
قال أحمد بن فارس: "والرب المصلح للشيء، يقال: ربَّ فلانٌ ضيعته: إذا قام على إصلاحها"٢ انتهى بلفظه.
وقال القرطبي: "والرب المصلح والمدبر والجابر والقائم، قال الهروي وغيره: يقال لمن قام بإصلاح شيء وإتمامه: قد ربه يرُّبه فهو ربٌّ له ورابٌّ، ومنه سمي الربانيون لقيامهم بالكتب"٣ انتهى بلفظه.
وقوله ﷺ: "هل لك نعمة تَرُّبَها.."٤ أي تحفظها وتراعيها وتقوم بها وتصلحها وتربيها كما يربى الرجل ولده٥.
_________________
(١) ١ رواه البخاري في تفسير سورة لقمان ورقمه ٤٧٧٧، وفي كتاب الإيمان رقم ٥٠، ومسلم في الإيمان١. ٢ انظر تفسير القرطبي ١/١٣٧. ٣ معجم مقاييس اللغة ٢/٣٨١. ٤ تفسير القرطبي: ١/١٣٧. ٥ رواه أحمد بن حنبل في مسنده ٢/٢٩٢. ١٠ انظر لسان العرب ١/٤٠٠ وتفسير القرطبي ١/١٣٧.
[ ٨٤ ]
قال الزبيدي: "ربَّ ولده والصبي يربُه ربا: أحسن القيام عليه ووليه حتى أدرك وفارق الطفولية كان ابنًا أو لم يكن"١. انتهى بلفظه.
وقال الفيومي: "ومنه قيل للحاضنة: رابة. ورابية أيضًا - فعيلة بمعنى فاعلة. وقيل لبنت امرأة الرجل ربيبة: فعلية بمعنى مفعوله، لأنه يقوم بها غالبًا تبعًا لأمها، والجمع ربائب، وجاء: ربيبات على لفظ الواحدة والابن ربيب"٢ انتهى بلفظه.
ومنه قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمْ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم﴾ ٣: فسمى بنت الزوجة: ربيبة لتربية الزوج لها، فالزوج رابٌّ؛ لأنه قام على أمر الربيبة.
ويقال للصبي والفرس: مربوب. والمربوب: المربَّى.
وتطلق كلمة الربيبة أيضًا على الغنم التي يربيها الناس في البيوت لألبانها، وغنمٌ ربائب وهي التي تربط قريبًا من البيوت وتعلف لا تُسام، وواحدتها ربيبة: بمعنى مربوبة؛ لأن صاحبها يربيها٤.
قال الطبري: ومنه قول علقمة بن عبدة:
فكنت أمرأً أفضت إليك ربابتي وقبَلك ربَّتْني فضِعتُ رَبُوبُ
يعني يقول: أفضت إليك: أي أوصلت إليك ربابتي فصرت أنت الذي ترب أمري فتصلحه لما خرجت من ربابة غيرك من الملوك الذين كانوا قبلك عليّ فضيعوا أمري وتركوا تفقده، وهم الربوب واحدهم رب"٥ انتهى بلفظه.
_________________
(١) ١ تاج العروس ١/٢٦١. ٢ المصباح المنير ١/٢٢٩. ٣ سورة النساء آية ٢٣. ٤ انظر لسان العرب ١/٤٠٠ وتفسير القرطبي ١/١٣٧. ٥ تفسير الطبري ١/٦٢.
[ ٨٥ ]
هذه المعاني الثلاثة لكلمة رب "وأعني بها: المالك الصاحب، والسيد المطاع، والمربي المصلح للشيء" هي التي أقرها العلماء والمفسرون لأنها هي الأصول اللغوية لمعنى الكلمة، وأي معنى آخر فهو مندرج تحت أصل من هذه الأصول الثلاثة.
قال ابن منظور: قال ابن الأنباري: الرب: ينقسم على ثلاثة أقسام: يكون الرب: المالك، ويكون الرب: السيد المطاع، ﴿فَيَسْقِيْ رَبَّهُ خمرًا﴾، والرب: المصلح، ربَّ الشيء: إذا أصلحه"١ ا. هـ.
وقال الطبري بعد أن ذكر هذه الوجوه الثلاثة: "وقد يتصرف أيضًا معنى الرب في وجوه غير ذلك، غير أنها تعود إلى بعض هذه الوجوه الثلاثة، فربنا جل ثناؤه السيد الذي لا شبه له ولا مثل في سؤدده، والمصلح أمر خلقه بما أسبغ عليهم من نعمة، والمالك الذي له الخلق والأمر"٢ أ. هـ.
وكلمة رب لا تطلق على المخلوق إلا مقيدة بالإضافة، كأن نقول: زيد رب الدار. وإذا خلت من قيد الإضافة، فتنصرف إلى الله وحده، ولكن إذا جاءت قبل كلمة "رب" الألف واللام فقلنا الرب؛ فلا تدل إلا على الله ﷾، وفي هذا يقول ابن منظور:
"الرب" هو الله ﷿، هو رب كل شيء: أي مالكه، وله الربوبية على جيمع الخلق لا شريك له، وهو رب الأرباب وملك الملوك والأملاك.. ولا يطلق غير مضاف إلا على الله ﷿، وإذا أطلق على غيره أضيف فقيل رب كذا"٣ أ. هـ.
وقال القرطبي: "متى دخلت الألف واللام على "رب" اختُصَّ الله تعالى به،
_________________
(١) ١ لسان العرب ١/٤٠٠. ٢ تفسير الطبري ١/٦٢. ٣ لسان العرب ١/٣٩٩.
[ ٨٦ ]
لأنها للعهد، وإن حذفتا صار مشتركًا بين الله وبين عباده، فيقال: الله رب العباد، وزيد رب الدار"١ أ. هـ.
وعلى هذا انعقد إجماع أهل اللغة والمفسرون ولم يؤثر عن العرب أنهم استعملوا كلمة الرب المعرفة بالألف واللام لغير الله تعالى، وأما بيت الحارث بن حلزة الذي استعمل فيه كلمة الرب معرفة بالألف واللام حيث يقول:
فهو الرب والشهيد على يو م الحِيَارَيْنِ والبلاءُ بلاءُ٢
فأجيب عنه بأن اللام فيه جاءت عوضًا عن الإضافة لأن كلمة رب في هذا البيت بمعنى السيد٣.
فاختصاص الله سبحانه بإطلاق لفظ الرب معرفًا بالألف واللام عليه وحده وعدم إطلاق ذلك على المخلوق هو الحق الذي لا مرية فيه، لأن اللام للعموم، والمخلوق لا يملك جميع المخلوقات وليس بسيد عليها كلها، ولا هو يصلحها ويربيها، لكن الله تعالى والمالك لجميع الخلائق والسيد العالي والمدبر المربي المصلح لشئون الخلق كلهم، وعلى معنى الملك والسيادة يكون لفظ الرب لله سبحانه صفة ذات، وعلى معنى التدبير والتربية يكون لفظ الرب لله سبحانه صفة فعل٤.
وأما بالنسبة لكلمة "رب" بغير الألف واللام إذا خلت من قيد الإضافة فإنها
_________________
(١) ١ تفسير القرطبي جـ١ ص ١٣٧ وانظر البحر المحيط ط ١/١٩ وتفسير ابن كثير ١/٢٣. ٢ انظر تاج العروس ١/٢٦٠ والمصباح المنير ١/٢٢٩ وتفسير القرطبي ١/١٣٧. ٣ انظر المصباح المنير ١/٢٢٩. ٤ انظر تفسير القرطبي ١/١٣٧.
[ ٨٧ ]
تدل على الله سبحانه، وتكون شاملة لجميع معانيها، ولكنها إذا أطلقت على المخلوق فلا بد من أن تكون مقيدة بالإضافة، ويكون معناها حينئذ حسب المضاف إليه، فإن أضيفت لما لا يعقل، فتكون بمعنى مالك الشيء وصاحبه، كأن نقول: رب الدين، ورب المال، ورب الإبل، ورب الدار، وإن أضيفت إلى العاقل فتكون بمعنى السيد، ومنه الحديث في علامات الساعة: "حتى تلد الأمة ربتها" أي سيدتها، وفي التنزيل حكاية عن يوسف ﵇: ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ أي سيده.
وأما استعمالها بمعنى المصلح المربي القائم على الشيء فتطلق على العاقل وغيره، كأن نقول: فلان يرب المزرعة، والغنم والصبي، أي يقوم بشئونهم ويربيهم ويصلح أمرهم ويتعاهدهم.
مما تقدم يتبين لنا أن كلمة الرب لا تطلق إلا على الله تعالى؛ لأنه هو الخالق الرازق المحيي المميت المالك للخلق كلهم، المدبر أمرهم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
"والرب هو الذي يربي عبده فيعطيه خلقه ثم يهديه إلى جميع أحواله، من العبادة وغيرها"١.
وقال محمد صديق حسن: "فالرب مصدر رب يربُّ ربًّا فهو رابٌّ، فمعنى قوله: رب العالمين: أي رابّهم، وهو الرب الخالق الموجد لعباده، القائم بتربيتهم وإصلاحهم، المتكفل لهم من خلق ورزق وعافية وإصلاح دين ودنيا"٢ أ. هـ.
ويقول ابن القيم ﵀ عند تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ، مَلِكِ النَّاسِ، إِلَهِ النَّاسِ﴾ وقدم الربوبية لعمومها وشمولها لكل مربوب.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ١/٢٢. ٢ الدين الخالص ١/١٨.
[ ٨٨ ]
وأخّر الإلهية لخصوصها؛ لأنه سبحانه إنما هو إلهُ مَنْ عبده وحده واتخذه دون غيره إلهًا، فمن لم يعبده ويوحده فليس بإلهه، وإن كان في الحقيقة لا إله له سواه، ولكن المشرك ترك إلهه الحق واتخذ إلهًا غيره باطلًا.
ووسّط صفة الملك بين الربوبية والإلهية؛ لأن الملك هو المتصرف بقوله وأمره، فهو المطاع إذا أمر، وملكه لهم تابع لخلقه إياهم، فملكه من كمال ربوبيته، وكونه إلههم الحق من كمال ملكه، فربوبيته تستلزم ملكه وتقتضيه، وملكه يستلزم إلهيته ويقتضيها، فهو الرب الملك الحق، الإله الحق، خلقهم بربوبيته وقهرهم بملكه، واستعبدهم بإلهيته.
فتأمل هذه الجلالة، وهذ العظمة التي تضمنتها هذه الألفاظ الثلاثة على أبدع نظام وأحسن سياق ﴿رَبِّ النَّاسِ، مَلِكِ النَّاسِ، إِلَهِ النَّاسِ﴾ .
وقد اشتملت هذه الإضافات الثلاثة على جميع قواعد الإيمان، وتضمنت معاني أسمائه الحسنى.
أما تضمنها لمعاني أسمائه الحسنى: فإن الرب هو القادر الخالق البارئ المصور، الحي القيوم، العليم السميع البصير، المحسن المنعم، الجواد المعطي المانع، الضار النافع المقدم المؤخر، الذي يضل من يشاء، ويهدي من يشاء، ويسعد من يشاء ويشقي من يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء، إلى غير ذلك من معاني ربوبيته التي له منها ما يستحقه من الأسماء الحسنى.
وأما الملك: فهو الآمر الناهي، المعز المذل، الذي يصرف أمور عباده كما يحب ويقلبهم كما يشاء، وله من معنى الملك ما يستحقه من الأسماء الحسنى كالعزيز الجبار المتكبر، الحكم العدل، الخافض الرافع، المعز المذل، العظيم الجليل الكبير، الحسيب المجيد، الوالي المتعالي، مالك الملك المقسط الجامع -إلى غير ذلك من الأسماء العائدة إلى الملك.
[ ٨٩ ]
وأما الإله: فهو الجامع لجميع صفات الكمال ونعوت الجلال، فيدخل في هذا الإسم جميع الأسماء الحسنى، ولهذا كان القول الصحيح أن "الله" أصله الإله، كما هو قول سيبويه وجمهور أصحابه إلا من شذ منهم، وأن اسم الله تعالى هو الجامع لجميع معاني الأسماء الحسنى والصفات العلى، فقد تضمنت هذه الأسماء الثلاثة جميع معاني أسمائه الحسنى"١ أ. هـ.
واختلفوا في الرِّبى والرَّباني -وهو العالم المتبحر في العلم، القائم على الكتب- لماذا سمي بهذا الاسم؟ قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّون﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ ٣.
فقال جماعة: لأنه منسوب إلى الرب تعالى فهو عارف بالرب عابد له، فسمي ربيًّا، وزيدت الألف والنون للمبالغة، فهو رِبي ورَبَّاني: أي فيه ربانية٤.
وقال سيبويه بأن زيادة الألف والنون ليست للمبالغة، ولكنها لإفادة تخصيصه بعلم الرب دون غيره، كأن معناه: صاحب علم بالرب دون غيره من العلوم٥.
_________________
(١) ١ التفسير القيم ص٥٩٨- ص٥٩٩- والبدائع ص٢٤٨جـ١. ٢ سورة آل عمران آية ١٤٦. ٣ سورة آل عمران آية ٧٩. ٤ انظر تاج العروس ١/٢٦٠ ومعجم مقاييس اللغة ٢/٣٨١ وأساس البلاغة ص٢١٤. ٥ معجم مقاييس اللغة ٢/٣١٩.
[ ٩٠ ]