٥- الأمثال المضروبة لوصف حالة المشرك وحالة الموحد
وهي ثلاثة أمثال هي:
أ- مثل المشرك بالساقط من السماء.
ب- مثل المشرك بالحيران في الأرض.
ج- مثل المشرك بالعبد المملوك لجماعة كثيرين.
أ- ضرب الله ﷾ مثل المشرك بالذي يهوي من السماء فتخطفته الطير أو هوت به الريح في مكان سحيق، قال تعالى: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ ١.
يحث الله ﷾ عباده على إخلاص التوحيد له وإفراده بالطاعة والعبادة دون الأوثان؛ لأن من يشرك بالله شيئًا من دونه فمثله في
_________________
(١) ١ سورة الحج آية ٣١.
[ ١٧٣ ]
بعده عن الهدى وإصابة الحق وهلاكه وذهابه عن ربه مثل من خر من السماء فتخطفته الطير فهلك أو هوت به العواصف في مكان بعيد، فعن قتادة قال: فكأنما خر.. الآية، قال: هذا مثل ضربه الله لمن أشرك بالله في بعده من الهدى وهلاكه"١ أ. هـ.
فتأمل هذا المثل ومطابقته لحال من أشرك بالله وتعلق بغيره ويجوز في هذا التشبيه أمران:
أحدهما: أن نجعله من التشبيه المركب، فيكون قد شبه من أشرك بالله وعبد معه غيره برجل أهلك نفسه هلاكًا لا يرجى معه نجاة، فحاله كحال من سقط من السماء فاختطفته الطير في الهواء ومزقته في حواصلها، أو عصفت به الريح فسقط في مكان عميق.
وعلى هذا التشبيه المركب لا ننظر إلى كل فرد من أفراد المشبه ومقابله من المشبه به.
ثانيهما: أن نجعله من التشبيه المفرق فيقابل كل واحد من أجزاء الممثل بالممثل به، فيكون قد شبه التوحيد في علوه وشرفه بالسماء التي هي مصعده ومهبطه، فمنها هبط إلى الأرض وإليها يصعد، وشبه تارك التوحيد بالساقط من السماء إلى أسفل سافلين لما يجده من التضييق والشدة، وشبه الشياطين التي تؤزه وتتقاسم قلبه بالطير التي تتقاسم لحمه، وشبه هواه الذي ألقاه في التهلكة بالريح التي هوت به في مكان سحيق٢.
ب- وضرب الله تعالى مثل المشرك في عبادته الأصنام كمثل رجل في الفلاة حائر وله أصحاب مسلمون موحدون يدعونه للهدى فلا يتبعهم، قال
_________________
(١) ١ انظر تفسير الطبري ١٧/١٥٥. ٢ انظر أعلام الموقعين ١/١٨٠ وتفسير الكشاف ٣/١٣.
[ ١٧٤ ]
تعالى: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ١.
يأمر ﷾ نبيه محمدًا ﷺ أن يقول للكفار أنخص بالعبادة الأصنام وندع عبادة الله فنرجع القهقرى لم نظفر بحاجتنا؟ فيكون مثلنا في ذلك مثل الرجل الذي سيّرته الشياطين في الأرض حيران ضالًّا عن المحجة، ولهذا الحيران أصحاب مسلمون يدعونه لما هم عليه من الهدى الذي هم عليه مقيمون، والصواب الذي هم به متمسكون وهو ويعاندهم ويتبع الشياطين الداعية له لعبادة الأوثان.
عن ابن عباس قوله تعالى: ﴿قُلْ أَنَدْعُو..﴾ الآية قال: هذا مثل ضربه الله للآلهة ومن يدعو إليها وللدعاة الذين يدعون إلى الله، كمثل رجل ضل الطريق إذ ناداه منادٍ: يا فلان ابن فلان هلم إلى الطريق، وله أصحاب يدعونه: يا فلان هلم إلى الطريق، فإن اتبع الداعي الأول انطلق به حتى يلقيه في الهلكة، وإن أجاب من يدعوه إلى الهدى اهتدى إلى الطريق٢.
وهذا المثل في غاية الحسن؛ وذلك لأن الذي يهوي من المكان العالي إلى الوهدة العميقة يهوي إليها مع الاستدارة على نفسه كالحجر حال نزوله من أعلى، فإنه لا ينزل إلا مع الاستدارة وذلك يوجب كمال التردد والحيرة؛ لأنه عند نزوله من أعلى إلى أسفل لا يعرف على أي شيء يسقط عليه، قال أبو حيان: "ولا تجد للخائف الحائر أكمل ولا أحسن من هذا المثل"٣، وعن مجاهد قال: "حيران: هذا مثل ضربه الله للكافر، يقول: الكافر حيران يدعوه المسلم إلى الهدى فلا يجيب"٤ أ. هـ.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام آية ٧١. ٢ تفسير الطبري ٧/٢٣٦ وانظر البحر المحيط ٤/١٥٦. ٣، ٤ البحر المحيط ٤/١٥٦ وانظر تفسير الطبري ٧/٢٣٧ وتفسير القرطبي ٧/١٨ وتفسير ابن كثير ٢/١٤٥ وتفسير الكشاف ٢/٢٨.
[ ١٧٥ ]
ج- وضرب الله تعالى مثل المشرك بالعبد المملوك لجماعة كثيرين. والموحد بالعبد المملوك لرجل واحد، ثم بين سبحانه أنهما لا يستويان، قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١.
هذا المثل يبين حالة المشرك بالله الذي يعبد آلهة شتى ويطيع الشياطين، وحالة المؤمن الذي لا يعبد إلا الله الواحد، فالمشرك كالعبد المملوك لجماعة مختلفين متنازعين سيئة أخلاقهم، وكل واحد منهم يستخدم هذا العبد لمصلحته، وأما الموحد فهو كالعبد المملوك لشخص واحد، فهو مطمئن ومستريح من تشاحن الخلطاء والشركاء عليه؛ لأن الرجل الذي فيه شركاء متشاكسون وأخلاقهم سيئة، كلهم يتلقونه آخذين بطرفه لملكهم له ولأن لكل منهم حقًّا عليه، والموحد يملكه إله واحد، فلا يستوي هذا ومن جعل في عنقه حقوقًا لآلهة متعددة٢.
يقول ابن القيم: "ومنها قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاء﴾ الآية، هذا مثل ضربه الله سبحانه للمشرك والموحد، فالمشرك بمنزلة عبد يملكه جماعة متنازعون مختلفون متشاحنون، والرجل المتشاكس الضيق الخلق، فالمشرك لما كان يعبد آلهة شتى شبه بعبد يملكه جماعة متنافسون في خدمته لا يمكنه أن يبلغ رضاهم أجمعين.
والموحد لما كان يعبد الله وحده فمثله كمثل عبد لرجل واحد قد سلم له وعلم مقاصده وعرف الطريق إلى رضاه، فهو في راحة من تشاحن الخلطاء فيه بل هو سالم لمالكه من غير تنازع فيه، مع رأفة مالكه به ورحمته له وشفقته عليه وإحسانه إليه وتوليه لمصالحه، فهل يستوي هذان العبدان؟ وهذا من أبلغ الأمثال، فإن الخالص لمالك واحد يستحق من معونته وإحسانه والتفاته إليه وقيامه بمصالحه ما لا يستحقه صاحب الشركاء المتشاكسين، الحمد لله بل أكثرهم لا يعملون"٣.
_________________
(١) ١ سورة الزمر آية ٢٩. ٢ انظر تفسير الطبري ٢٣/٢١٣ وتفسير الكشاف ٣/٣٩٦. ٣ أعلام الموقعين ١/١٨٧.
[ ١٧٦ ]