اختلف النحاة في لفظ الجلالة هل هو موضوع للذات علم فيكون اسمًا جامدًا، أو هو مشتق وله أصل في اللغة؟
أولًّا: ذهب الشافعي والخطابي والغزالي والمفضل وغيرهم إلى أن لفظ الجلالة "الله" اسم جامد غير مشتق من شيء البتة؛ لأنه علم لزمته الألف واللام ولا يجوز حذفهما منه١، قال الرازي وهو قول الخليل وسيبويه وأكثر الأصوليين والفقهاء، وقال الخليل: لا تطرح الألف من لفظ الجلالة فإنما
_________________
(١) ١ انظر المصباح المنير ١/٢٤.
[ ٧١ ]
هو الله عز ذكره على التمام، فليس هو من الأسماء التي يجوز اشتقاق فعل منها كما يجوز في الرحمن الرحيم١.
وقد استدل أصحاب هذا الرأي بأدلة منها:
١- أن لفظ الجلالة لو كان مشتقًّا لاشترك في معناه كثيرون.
٢- أن بقية الأسماء تذكر صفات له فنقول: الله الرحمن الرحيم الملك القدوس، فدل على أنه ليس بمشتق، فأما قول تعالى: ﴿الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، اللَّهِ﴾ ٢، على قراءة الجر فذلك من باب عطف البيان.
٣- قال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّا﴾ ٣، فدل على أن لفظ الجلالة اسم جامد غير مشتق. قال ابن كثير: وفي الاستدلال بها على كون الاسم جامدًا نظر.
٤- أن الألف واللام من بنية هذا الاسم ولم يدخلا للتعريف لدخول حرف النداء عليه كقولك: يا ألله وحروف النداء لا تجتمع مع أل التعريف، ألا ترى أنهما من بنية الاسم وأنه اسم جامد غير مشتق٤.
٥- قال السهيلي وشيخه أبو بكر ابن العربي أن اسم "الله" غير مشتق؛ لأن الاشتقاق يستلزم مادة يشتق منها واسمه تعالى قديم فيستحيل الاشتقاق٥.
_________________
(١) ١ انظر لسان العرب ١٣/٤٦٧. ٢ سورة إبراهيم آية ١-٢. ٣ سورة مريم آية ٦٥. ٤ انظر تفسير القرطبي ١/١٠٣. ٥ انظر تيسير العزيز الحميد ص١٤.
[ ٧٢ ]
ثانيًا: قال سيبويه: وأكثر أهل العلم أن لفظ الجلالة "الله" مشتق وله أصل في اللغة، وهو الأصح لقراءة ابن عباس ﵄ "ويذرك وإلاهتك" لأن فرعون كان يعبد ولا يعبد.
ولفظ الجلالة "الله" أصله "إلاه" دخلت عليه الألف واللام فبقي الإله ثم نقلت حركة الهمزة التي هي فاء الاسم إلى اللام وأسقطت الهمزة فبقي "ألِلَاه" فالتقت اللام التي هي عين الاسم واللام الزائدة التي دخلت مع الألف الزائدة فأسكنت اللام الأولى التي هي فاء الاسم ثم أدغمت في اللام الأخرى التي هي عين الاسم فصارتا في اللفظ لامًا واحدة مشددة، فقالوا: الله بالتفخيم، والتفخيم بلفظ الجلالة "الله" للتعظيم لكنها ترقق مع كسر ما قبلها١.
وهذا القول بأن أصل لفظ الجلالة "الله" هو "إلاه" قال به الخليل والكسائي والفراء، حيث قالوا بأن أصل لفظ الجلالة "الله" هو "إلاهٌ" مثل فِعال فحذفوا الهمزة وأدخلوا بدلها الألف واللام.
قال سيبويه: ونظيره الناس أصله أُناس، ولذلك قيل في النداء يا ألله بالقطع كما يقال يا إله٢، وقد مثل الكسائي لهذا الحذف والإدغام في لفظ الجلالة بقوله تعالى: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ ٣، فأصله لكن أنا، ثم إن العرب
_________________
(١) ١ انظر تاج العروس ٩/٣٧٤ ولسان العرب ٣/٣٦٧ والمصباح المنير ١/٢٤ وتفسير الطبري ١/٥٤ ومخطوطة سفر السعادة وسفير الإفادة للسخاوي الهمداني ج١ ص٤. ٢ انظر تفسير الكشاف ١/٣٦. ٣ سورة الكهف آية ٣٨.
[ ٧٣ ]
لما سمعوا اللهم جرت في كلام الخلق توهموا أنه إذا ألقيت الألف واللام من لفظ الجلالة كان الباقي "لاه" فقالوا: لاهمّ وأنشدوا:
لاهمَّ أنت تجبر الكسيرا أنت وهبت جلة جُرجُورا
واستدل أبو الهيثم بأن أصل لفظ الجلالة "إلاه" بقوله تعالى:
﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ ١.
وأما بالنسبة لتفخيم لفظ الجلالة "الله" فقد ذكر الزمخشري عن الزجاج أن العرب كلهم على ذلك، واطباقهم عليه دليل على أنهم ورثوه كابرًا عن كابر٢.
وقيل بأن أصل الكلمة "لاه" وعليه دخلت الألف واللام للتعظيم فصار "الله" ومنه قول الشاعر:
لاهِ ابنُ عمك لا أفضلت في حسبٍ عني ولا أنت دياني فتخزوني
أي تسوسني٣.
وقد رد ابن القيم ﵀ على القائلين بأن لفظ الجلالة جامد غير مشتق وليس له أصل في اللغة، فبين أنه ليس مراد القائلين بالاشتقاق أن هناك مادة لغوية تسبق هذا الاسم فاشتق منها؛ لأن اسم الله تعالى قديم وليس مستمدًا من أصل آخر، ومن اعتقد هذا منهم فاعتقاده باطل، والحق أنهم لم يريدوا هذا المعنى ولا
ألمّ بقلوبهم، وإنما أرداوا أنه دال على صفة له تعالى وهي صفة الإلهية كسائر أسمائه الحسنى كالعليم والقدير والغفور والرحيم والسميع والبصير، فإن هذه الأسماء مشتقة من مصادرها
_________________
(١) ١ سورة المؤمنون آية ٩١. ٢ تفسير الكشاف ١/٤٠. ٣ تفسير القرطبي ١/١٠٢.
[ ٧٤ ]
بلا ريب وهي قديمة، والقديم لا مادة له ولا شيء قبله، ومعنى اشتقاقها أنها ملاقية لمصادرها في اللفظ والمعنى، لا أنها متولدة منه تولد الفرع من أصله، وتسمية النحاة للمصدر المشتق منه أصلًا وفرعًا ليس معناه أن أحدهما تولد من الآخر، وإنما باعتبار أن أحدهما يتضمن الآخر وزيادة؛ لأن معنى الاشتقاق أن ينتظم الصيغتين فصاعدًا معنى واحد١.
ويرد الطبري كذلك فيقول: "فإن قال قائل: فهل لذلك في فعل ويفعل أصل كان منه بناء هذا الاسم؟ قيل: أما سماعًا من العرب فلا ولكن استدلالًا، فإن قال: وما دل على أن الألوهية هي العبادة وأن الإله هو المعبود وأن له أصلًا في فعل ويفعل؟ قيل: لا تمانع بين العرب في الحكم لقول القائل يصف رجلًا بعبادة ويطلب مما عند الله جل ذكره: تأله فلان"٢.
_________________
(١) ١ انظر تيسير العزيز الحميد ص١٤- وبدائع الفوائد ج١ ص٢٢. ٢ تفسير الطبري ١/٥٤.
[ ٧٥ ]