كانت الفوضى والاضطراب الصبغة العامة لحياة العرب في جاهليتهم، من جميع النواحي الدينية، والاجتماعية، والاقتصادية، والداخلية، والخارجية.
فمن الناحية الدينية: كانوا يدينون لأكثر من إله، ويعبدون الأصنام ويقدمون لها النذور والقرابين، ويحرمون ويحللون كما يشاءون، وقد نسبوا إلى الله الولد فاعتقدوا أن الملائكة بنات الله، واستغربوا الدعوة لعبادة الله الواحد الأحد فقالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ٢، وقال تعالى عنهم: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ، لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ، وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ، أَاصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ، مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ٥، والقرآن ينبه على عقائد العرب في معظم سوره.
_________________
(١) ١ انظر دعوة التوحيد للهراس ص٢٥٩-٢٦٤. ٢ سورة ص آية ٥. ٣ سورة الأنبياء آية ٢٦-٢٧. ٤ سورة الإسراء آية ٤٠. ٥ سورة الصافات آية ١٥١-١٥٤.
[ ٣٥ ]
ومن الناحية الاجتماعية: فكانت حياتهم مليئة بالمآسي والظلم والفواحش، ويقتلون الأولاد خشية الفقر أو العار، ويأكلون الربا، ولا حق عندهم للضعيف كاليتيمات والنساء والرقيق.
ومن الناحية الاقتصادية: فلقد كان الفقر طابَعًا عامًّا لكل الجزيرة إلا بقاعًا محدودة مثل مكة، بفضل ما سخر الله لهم من موسم الحج ورحلتي الشتاء والصيف، وكان المصدر الرئيسي للرزق عندهم الرعي، ويغزون بعضهم للنهب والسلب، وكان قطاع الطريق منتشرين يخيفون الآمنين والمسافرين.
ومن الناحية الداخلية: فقد كانت الحروب الداخلية تستنفد جهودهم وطاقاتهم بسبب التعصب للقبيلة، وكانت تثار الحروب أيامًا وسنين لسبب يسير كنزاع على الشرب والمرعى أو لكلمة طائشة، وشعارهم في ذلك قول زهير بن أبي سلمى:
ومن لم يذِد عن حوضه بسلاحه يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم
وقول لبيد بن ربيعة:
وهل أنا إلا من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشد
ومن الناحية الخارجية: فقد كان العرب في الجاهلية لا يحسب حسابهم في ميزان القوى، فقد كان عرب المناذرة تحت حكم الفرس، وعرب الغساسنة تحت حكم الروم، وعرب اليمن تحت حكم الحبشة.
وأما حالة شعوب الأرض يومئذ فلم تكن بأحسن حالًا في معظم النواحي من حالة العرب، فكانت اليهودية والنصرانية تعيشان في قلب الجزيرة وخارجها، وقد خيم الشرك والوثنية عليهما وعلى من دان بهما لما حكاه الله تعالى عن اتباع الملتين: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ، اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ
[ ٣٦ ]
أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ١.
وبعبارة أخرى لقد أطبق ليل الجهل وظلام الشرك على الأرض كلها فكانت الزندقة الشهوانية، والمجوسية النارية، والصابئية الكواكبية، والبراهمية والبوذية والوثنية، تعم مختلف مناطق العالم، فكانت الحاجة ماسة لظهور النور الجديد ليرتفع بالبشرية الضالة عن حقيقة التوحيد، الغارقة في بحار الشرك والشهوة والجهالة، إلى القمة الصافية في العقائد والسلوك ونظم الحياة، فكانت بعثة محمد ﷺ بشيرًا ونذيرًا وسراجًا منيرًا.
وبقي القرآن يتنزل خلال ثلاث وعشرين سنة يبين للناس حقائق العقيدة والعمل؛ ليستنقذهم من هاوية الضلال والردى إلى الإيمان والهدى، فما أن تلقَّوا هذا القرآن وجرت تعاليمه في دمائهم وأرواحهم حتى تغيرت حياتهم، فأخلصوا التوحيد والعبادة لله الذي لا شريك له، ثم انطلقوا بعد ذلك إلى البشرية جمعاء ليفيضوا عليها الهدى والنور، مشفقين على شعوب الأرض مما هي فيه من الظلام والجهل والشرك.
_________________
(١) ١ سورة التوبة آية ٣٠-٣١.
[ ٣٧ ]