أجمع العلماء على أن الهمزة واللام والهاء أصل واحد في الكلمة١، وقد وردت في كتبهم عدة معاني للفظ الجلالة والأصل الذي اشتق منه نجملها فيما يلي:
١- قال بعضهم: هو مشتق من ألِهَ يألَهُ على وزن تعب يتعب، أي عبد يعبد
_________________
(١) ١ قال في المصباح المنير: قال أبو حاتم: وبعض العامة يقول: لا "والله" فيحذف الألف ولا بد من إثباتها في اللفظ، وهذا كما كتبوا الرحمن بغير ألف ولا بد من إثباتها في اللفظ، واسم الله تعالى يجل أن يُنطق به إلا على أجمل الوجوه، قال: وقد وضع بعض الناس بيتًا حذف فيه الألف، فلا جزي خيرًا، وهذا خطأ، ولا يعرف أئمة اللسان هذا الحذف، ويقال في الدعاء: "اللهم، ولاهمّ".
[ ٧٥ ]
والإلاهة: العبادة، يقال: ألِه الرجل وتأله: إذا تعبد، فالإله: هو المبعود، والتأليه التعبيد، والتأله التعبد والتنسك، ومنه قول رؤبة بن العجاج:
لله در الغانيات المُدَّهِ سبحن واسترجعن من تألهي
أي من تعبدي، والتأله: التفعل من ألِه يَأْلَهُ، و"أَلِه إِلاهةً" بالكسر و"أُلوهة وأُلوهية" بالضم معناه: عبد عبادة، ومنه قراءة ابن عباس: ويذرك وإلاهتك بكسر الهمزة: أي يترك عبادته.
قال الطبري: "ولاشك أن الإلاهة على ما فسره ابن عباس ومجاهد، مصدر من قول القائل: ألِه اللهَ فلان إلاهةً، كما يقال: عبد الله فلان عبادة وعبر الرؤيا عبارة" فقد بين تفسيرهما: أن أله عبد وأن الإلاهةَ مصدره١.
مما سبق يتبين لنا أن معنى لفظ الجلالة "الله" أنه المقصود بالعبادة، ومنه قول الموحدين لا إله إلا الله: أي لا معبود غير الله، ولفظ إلا في كلمة التوحيد بمعنى غير لا بمعنى الاستثناء٢.
فالإله: هو المعبود وهو الله سبحانه، وهو على وزن فِعال بمعنى مفعول مثل كتاب بمعنى مكتوب وبساط بمعنى مبسوط، فالإله إذن على معنى ما روي عن ابن عباس: "هو الذي يألهه كل شيء ويعبده كل خلق، والله ذو الألوهية والمعبودية على خلقه أجمعين"٣.
٢- وقال بعضهم: إن اسم الباري سبحانه مأخوذ من أَلِهَ يَأْلَه إذ تحير، وأصله وَلِهَ يَوْلَهُ وَلهًا على وزن تَعِبَ يَتْعَبُ تَعَبًا، والوَلَهُ ذهاب العقل، يقال: رجل واله وامرأة والهة ووالِه وماء مُولَه أو ماء مُولَّه: إذا أرسل في الصحراء، فالله
_________________
(١) ١ تفسير الطبري ١/٥٤ والمخطوطة السابقة ص ٥-٦. ٢ انظر تفسير القرطبي ١/١٠٣. ٣ انظر تفسير الطبري ١/٥٤.
[ ٧٦ ]
﷾ تتحير الألباب والفكر في حقائق صفاته ومعرفته، وعلى هذا فأصل كلمة إله: ولاه وأن الهمزة مبدلة من واو كما أبدلت في إشاح ووشاح وإسادة ووسادة، فأصل الكلمة منتظمة معنى التحير والدهشة، ويقال ألهت على فلان، واشتد جزعي عليه مثل ولهت١، وقد أنكر أبو الحسين ابن فارس هذا المعنى واعتبر أن قولهم في التحير أله يأله ليس من الباب لأن الهمزة واو، وعنده أن الشمس تسمى الإلاهة لأن قوما كانوا يعبدونها ومنه قول شاعرهم:
فبادرنا الإلاهة أن تؤوبا٢
٣- وقال بعضهم أن لفظ الجلالة مأخوذ من أله يأله إلى كذا: أي لجأ إليه فيقال: أله الرجل إلى الرجل: إذا فزع إليه من أمر نزل به فألهه أي أجاره، وروي عن الضحاك أنه قال: إنما سمي الله إلها لأن الخلق يتألهون إليه في حوائجهم ويتضرعون إليه عند شدائدهم، وذكر عن الخليل بن أحمد أنه قال: لأن الخلق يألهون إليه "بنصب اللام" ويألهون أيضًا "بكسرها" وهما لغتان٣.
فيكون معنى لفظ الجلالة على هذا الإشتقاق هو من يفزع إليه في النوائب لأنه المجير لجميع الخلائق من كل المضار كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْه﴾ ٤، وهو وحده المنعم بجميع النعم كما قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمْ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ ٥، وقوله
_________________
(١) ١ انظر لسان العرب١٣/٣٦٧ والقرطبي ١/١٠٣ وابن كثير ١/١٩. ٢ انظر معجم مقاييس اللغة ١/١٢٧. ٣ انظر تفسير القرطبي ١/١٠٣ وتفسير ابن كثير ١/١٩ والمخطوط السابقة ص٥. ٤ سورة المؤمنون آية ٨٨. ٥ سورة النحل آية ٥٣.
[ ٧٧ ]
تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ ١، وهو وحده المطعم الرازق كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَم﴾ ٢.
٤- وقال بعضهم بأن لفظ الإله مشتق من "لاه يليه ويلوه لِيهًا" إذا احتجب٣ فلفظ الجلالة يتضمن معنى الاحتجاب، كما قال تعالى ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ ٤.
٥- وقال الرازي: إنه مشتق من ألِهتُ "إلى فلان" أي سكنت إليه، فالقلوب لا تسكن إلا إلى ذكره، والأرواح لا تفرح إلا بمعرفته، والنفوس لا تطمئن إلا بالتقرب إليه، فكل شيء تخافه فتهرب منه، ومن خاف الله تقرب إليه فيحصل له الاطمئنان والسكون٥، قال تعالى: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوب﴾ ٦.
٦- وقيل: إنه مشتق من "ألِه الرجل إلى الرجل" إذا اتجه إليه لشدة شوقه إليه، ومنه "ألِه الفصيل بأمه" إذا أولع بأمه، وعلى هذا فيكون لفظ الجلالة متضمنًا لمعنى أن العباد يتوجهون إليه وحده ﷾، والمعنى كما قال ابن كثير: إن العباد مألوهون: أي مولعون بالتضرع إليه في كل الأحوال، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمْ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ ٧ ٨.
_________________
(١) ١ سورة النمل آية ٦٢. ٢ سورة الأنعام آية ١٤. ٣ انظر تفسير ابن كثير ١/١٩. ٤ سورة الأنعام آية ١٠٣. ٥ انظر تفسير ابن كثير ١/١٩. ٦ سورة الرعد آية ٢٨. ٧ انظر تفسير ابن كثير ١/١٩. ٨ سورة الإسراء آية ٦٧.
[ ٧٨ ]
٧- وقيل: إنه مشتق من الارتفاع، فكانت العرب تقول لكل شيء مرتفع: لاها، وإذا طلعت الشمس يقولون: لاهت١، وعلى هذا يتضمن لفظ الجلالة معنى العلو والارتفاع.
وقد رجح جماعة من العلماء القول الأول وأن لفظ الجلالة "الله" مشتق من ألِه يألَه إذا عبد، فهو إله بمعنى مألوه أي معبود، وكل الاشتقاقات والمعاني الأخرى تدخل تحت هذا المعنى الأول، فهو متضمن لها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
"إذ الإله هو الذي يُؤْله فيعبد محبة وإنابة وإجلالًا وإكرامًا، فالإله من يستحق أن يألهه العباد ويدخل فيه حبه وخوفه، فما كان من توابع الألوهية فهو حق الله محض"٢.
وفي معرض الرد على من زعم أن الإله بمعنى الفاعل، فهو القادر على الاختراع، والإلهية هي القدرة، يقول ﵀:
"والإله" هو المألوه أي المستحق لأن يُؤْله أي يعبد، ولا يستحق أن يؤله ويعبد إلا الله وحده، وكل معبود سواه من لدن عرشه إلى قرار أرضه باطل.. وقد غلط طائفة من أهل الكلام فظنوا أن الإله بمعنى الفاعل وجعلوا الإلهية هي القدرة والربوبية، فالإله هو القادر وهو الرب، وجعلوا العباد مألوهين كما أنهم مربوبون، يقول ابن عربي:
الأعيان ثابتة في العدم ووجود الحق فاض عليها، فلهذا قال: فنحن جعلناه بمألوهيتنا إلهًا، فزعم أن المخلوقات جعلت إلهًا لها حيث كانوا مألوهين،
_________________
(١) ١ انظر تفسير القرطبي ١/١٠٣. ٢ الفتاوى ١/٢٢.
[ ٧٩ ]
ومعنى مألوهين عنده مربوبين، وكونهم مألوهين حيث كانت أعيانهم ثابتة في العدم، وفي كلامهم من هذا وأمثاله مما فيه تنقص بالربوبية ما لا يحصى"١.
وقال كذلك: "وليس المراد بالإله هو القادر على الاختراع، كما ظنه من ظنه من أئمة المتكلمين، حيث ظن أن الإلهية هي القدرة على الاختراع دون غيره، وأن من أقر بأن الله هو القادر على الاختراع فقد شهد بأن لا إله إلا هو، فإن المشركين كانوا يقرون بهذا وهم مشركون بل الإله الحق هو الذي يستحق أن يعبد، فهو إله بمعنى مألوه.. والتوحيد أن يعبد الله وحده لا شريك له، والإشراك أن يجعل مع الله إلهًا آخر"٢.
_________________
(١) ١ الفتاوى ١٣/٢٠٣. ٢ الفتاوى ٣/١٠١.
[ ٨٠ ]