سبق أن بينا الرد على كل قول من الأقوال في نظرية التطور، ولما لهذه النظرية من الخطورة أعقبتُ هذا الرد المفصل برد إجمالي للنظرية وبيانه في الكتاب والسنة وأبحاث العلماء القائلين بنظرية أصالة التوحيد المنكرين لنظرية التطور، وفيما يلي بيان ذلك:
١- الرد من الكتاب والسنة: وقد جمعت بينهما لارتباط الكلام عن الآيات والأحاديث ببعضه، ولأن الأحاديث الواردة هي تفسير للآيات الواردة في هذه النقطة، فنقول:
أ- أخبر الله ﷾ في كتابة أن الفطرة التي فطرت عليها البشرية كلها هي فطرة الإسلام التي هي التوحيد الخالص، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ الروم آية ٣٠. ٢ الأعراف ١٧٢.
[ ٥٧ ]
فهاتان الآيتان تبينان أن العباد كلهم مفطورون على التوحيد، وأنه الأصل في بني آدم، وقد فسر مجاهد الفطرة بأنها الإسلام١.
قال الطبري: يقول تعالى لنبيه محمد ﷺ: "واذكر يا محمد ربك إذ استخرج ولد آدم من أصلاب آبائهم، فقررهم بتوحيده وأشهد بعضهم على بعض شهادتهم بذلك وإقرارهم به.. عن ابن عباس: مسح ربك ظهر آدم فخرجت كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة" ٢، انتهى باختصار.
عن عياض بن حمار أن رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه ﷿ قال: "إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا" ٣.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء" ثم يقول أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ ٤.
_________________
(١) ١ انظر تفسير الطبري ٢١/٤٠. ٢ تفسير الطبري ٩/١١٠- ١١١. ٣ رواه مسلم ورواه الترمذي عن أنس. انظر صحيح مسلم ج ١٧ ص١٩٦، رقم ٢٨٦٥. ٤ رواه البخاري في كتاب الجنائز بلفظ كل مولود، ورواه مسلم في كتاب القدر ج ٤/٢٠٤٧.
[ ٥٨ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الحديث: "فالصواب أنها فطرة الإسلام وهي الفطرة التي فطرهم عليها يوم قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ وهي السلامة من الاعتقادات الباطلة والقبول للعقائد الصحيحة.. وقد ضرب رسول الله ﷺ مثل ذلك فقال: "كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟ " بين أن سلامة القلب من النقص كسلامة البدن وأن العيب حادث طارئ "١. انتهى باختصار.
وقال ابن القيم ﵀: "فجمع ﵊ بين الأمرين: تغيير الفطرة بالتهويد والتنصير، وتغيير الخلقة بالجدع وهما الأمران اللذان أخبر إبليس أنه لا بد أن يغيرهما، فغير فطرة الله بالكفر وهو تغيير الخلقة التي خلقوا عليها وغير الصورة بالجدع والبتك، فغير الفطرة إلى الشرك، والخلقة إلى البتك والقطع، فهذا تغيير خلقة الروح وهذا تغيير خلقة الصورة" ٢.
ويقول كذلك: "فالقلوب مفطورة على حب إلهها وفاطرها وتأليهه، فصرف ذلك التأله والمحبة إلى غيره تغيير للفطرة" ٣.
وبما أن معرفة الله وتوحيده فطرة في النفوس لذلك لما شك الأقوام المكذبون لرسلهم في الدعوة لتوحيد الله استغرب الرسل هذا الشك فقالوا: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ الفتاوى ٤/٢٤٥ وانظر تلبيس الجهمية ٢/٤٨٠ والتنبيهات السنية ص١١. ٢ إغاثة اللهفان ٢/١٠٧. ٣ إغاثة اللهفان ٢/١٥٨ وانظر الفتاوى ٤/٣٢ والدين الخالص ٣/١٨٠. ٤ سورة إبراهيم آية ١٠.
[ ٥٩ ]
ب- بين الله سبحانه أن البشرية كانت أول أمرها على التوحيد ثم طرأ عليها الشرك وتعدد الآلهة لقوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمْ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾ ٢.
وجمهور المفسرين يقولون بأن الناس كانوا أمة واحدة على الهدى والتوحيد، فظهر فيهم الشرك عن طريق تعظيم الموتى، فبعث الله إليهم رسله ليردوهم إلى التوحيد. قال الطبري: "وأولى التأويلات في هذه الآية بالصواب أن يقال: إن الله ﷿ أخبر عباده أن الناس كانوا أمة واحدة على دين واحد وملة واحدة.. وقد يجوز أن يكون ذلك الوقت الذي كانوا فيه أمة واحدة في عهد آدم إلى عهد نوح ﵉ كما روى عكرمة عن ابن عباس وكما قاله قتادة" ٣ انتهى باختصار.
وعن ابن عباس: "كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام" ٤.
وعن قتادة قال: "ذكر لنا أنه كان بين آدم ونوح عليهما
_________________
(١) ١ سورة البقرة آية ٢١٣. ٢ سورة يونس آية ١٩. ٣ تفسير الطبري ٢/٣٣٦ وانظر كذلك ١١/٩٨ وتفسير الكشاف ١/٣٥٥. ٤ الفتاوى ٢٠/١٠٦.
[ ٦٠ ]
السلام عشرة قرون كلهم على الهدى وعلى شريعة من الحق ثم اختلفوا بعد ذلك، فبعث الله ﷿ نوحًا وكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض"١.
ورجح ابن كثير قول ابن عباس وقتادة معللًا ترجيحه بقوله: "لأن الناس كانوا على ملة آدم حتى عبدوا الأصنام فبعث الله إليهم نوحًا ﵇ فكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض٢"، ويقول: ثم أخبر الله تعالى أن هذا الشرك حادث في الناس كائن بعد أن لم يكن، وأن الناس كلهم كانوا على دين واحد وهو الإسلام"٣.
(ج) بين الله في كتابه أن التوحيد هو أصل دعوة الرسل وإليه دعوا أقوامهم، قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٦، وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ ٧، وكل رسول افتتح دعوته لأمته بالدعوة
_________________
(١) ١ انظر إغاثة اللهفان ٢/٢٠٣ - ٢٠٥. ٢ تفسير ابن كثير ١/٢٥٠. ٣ تفسير ابن كثير ٢/٤١١. ٤ سورة الشورى آية ١٣. ٥ سورة الأنبياء آية ٢٥. ٦ سورة النحل آية ٣٦. ٧ سورة الزخرف آية ٤٥.
[ ٦١ ]
إلى عبادة الله فقال: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُه﴾ ١.قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "إن الناس كانوا بعد آدم ﵇ وقبل نوح ﵇ على التوحيد والإخلاص كما كان أبوهم آدم أبو البشر ﵇ حتى ابتدعوا الشرك وعبادة الأوثان بدعة من تلقاء أنفسهم لم ينزل الله بها كتابًا ولا أرسل بها رسولًا بشبهات زينها الشيطان من جهة المقاييس الفاسدة والفلسفة الحائدة، قوم منهم زعموا أن التماثيل طلاسم الكواكب السماوية والدرجات الفلكية والأرواح العلوية، وقوم اتخذوها على صورة من كان فيهم من الأنبياء والصالحين، وقوم جعلوهم لأجل الأرواح السفلية من الجن والشياطين وقوم على مذاهب أخرى.. فابتعث الله نبيه نوحًا ﵇ يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له وينهاهم عن عبادة ما سواه.. وجاءت الرسل بعده تترى إلى أن عم الأرض دين الصابئة والمشركين لما كانت النماردة والفراعنة، فبعث الله تعالى إليهم إمام الحنفاء وأساس الملة الخالصة والكلمة الباقية إبراهيم خليل الرحمن فدعا الخلق من الشرك إلى الإخلاص ونهاهم عن عبادة الكواكب والأصنام.. فجعل الأنبياء والمرسلين من أهل بيته، وبعث الله بعده أنبياء من بني إسرائيل.. ثم بعث الله عيسى المسيح ابن مريم.."٢ انتهى باختصار.
_________________
(١) ١ سورة الأعراف آية ٥٩، والمؤمنون آية ٣٢. ٢ الفتاوى ٢٨/٦٠٣ وانظر الفتاوى ١/١٥٤، ٣/٣٩٧، ١٩/١٠٦، ومدراج السالكين ٣/٤٤٧ وإغاثة اللهفان ٢/٢٠٣ وشرح الطحاوية ص٢٢ والتفسير القيم ص٢٠١.
[ ٦٢ ]
من هذا يتبين لنا أن الشرك لم يكن أصلًا في بني آدم بل كان آدم ومن جاء بعده من ذريته على التوحيد إلى أن وقع الشرك.
٢- وأما ردنا على نظرية التطور من أبحاث العلماء القائلين بنظرية أصالة التوحيد المنكرين لنظرية التطور فنقول:
أ- انقسم علماء الأجناس والأديان المقارنة إلى فريقين:
فريق قال بنظرية التطور وقد سبق ذكرها، وفريق آخر من العلماء قال بنظرية معاكسة تمامًا للنظرية الأولى، من أمثال هؤلاء العلماء: لانج وشريدر، وفريزر، وشميدت، وبتا تزوني، وفوكارت، فقد توصل هؤلاء العلماء من خلال أبحاثهم التي قاموا بها إلى أن الأصل هو التوحيد وليس الشرك، وسموا نظريتهم نظرية فطرية التوحيد وأصالته١، وقد انتصر لهذه النظرية فريق كبير من العلماء وأيدوها بما توصلوا إليه من اكتشافات وحفريات قديمة تدل على أن هناك أممًا عريقة في القدم لم تكن تعرف تعدد الآلهة وكانت تؤمن بالإله الواحد، وبنوا على هذه الحفريات والكتابات المكتشفة نظريتهم القائلة بأن عقيدة الوحدانية هي أقدم ديانة عرفها البشر وأن التعدد والوثنية طارئة ومتطفلة على عقيدة التوحيد.
ب- ونرد عليهم كذلك بأن المنهج الذي سلكه العلماء القائلون بنظرية التطور حتى توصلوا لما توصلوا إليه من نتائج تطورية، هو منهج خاطئ؛ لأن مقارناتهم كانت لا تفرق بين الدين الصحيح والخرافات الأسطورية الهمجية، التي كانت منتشرة
_________________
(١) ١ انظر الدين لدراز ص١١٢ ونشأة الدين للنشار ص٢٠٢.
[ ٦٣ ]
عند الشعوب القديمة عن الأرواح والأحلام وما إلى ذلك، جعلوا عقيدة التوحيد على قدم المساواة بالعقائد الأخرى الباطلة، فهم لا يفرقون بين اليهودية والنصرانية والصابئية والمجوسية والبوذية والهندوكية وسائر أنواع الشرك من جهة، وبين الإسلام من جهة أخرى.
ج- ونرد عليهم كذلك بأن بحوثهم قامت على افتراضات وتخمينات بسبب أنهم بحثوا في أمم مر عليها آلاف السنين وهي تعتبر في عالم الغيب الذي لا مصدر صحيح لمعرفته إلا بالوحي، ولذلك جاءت أبحاثهم مناقضة للمنهج العلمي الصحيح؛ لأنهم بحثوا فيما لا يستطيع العقل أن يبحث فيه، وكانت أقوالهم رجمًا بالغيب ليأتوا بما يوافق أهواءهم من النتائج١.
وبهذا بتبين لنا أن القائلين بنظرية التطور كانوا في أحكامهم مخطئين في الهدف الذي دفعهم لهذه النتائج وفي الوسيلة التي سلكوها في أبحاثهم، وبالتالي فلا قيمة علمية لأبحاثهم تلك.
وبهذا تبطل نظرية التطور التي نادى بها هؤلاء، ونحن لا ننفي أن عبادة الأسلاف والكواكب وسائر مظاهر الطبيعة والحيوانات كانت موجودة في بعض الأمم والشعوب، ولكن الذي ننفيه هو ادعاؤهم أن هذه العبادة للآلهة المتعددة كانت هي أصل نشأة العقيدة، وأن التوحيد لاحق لهذه المرحلة؛ لأن هذا معناه أن الدين من اختراع البشر أولًّا، وأن التوحيد طارئ على البشرية ثانيًا، وأن عقيدة التوحيد لا مانع أن تتطور إلى مرتبة أرقى كما زعم العقاد وغيره، ولا أرى هذه المرتبة التالية للتوحيد في نظرهم إلا الإلحاد، وهذا ما يريده أعداء الله لهذه الأمة.
_________________
(١) ١ انظر الدين لدراز ص١١٨ ونشأة الدين ص١٨٠ وأخطاء المنهج الغربي الوافد ص٧٩.
[ ٦٤ ]