أذكر في هذه النقطة استلزام التوحيد العلمي للتوحيد العملي، وتضمن التوحيد العملي للعلمي، واحتجاج الله سبحانه على المشركين بتوحيد الربوبية داعيًا إياهم لتوحيد الألوهية؛ لأن توحيد الربوبية لا يدخل الجنة ولا ينجي من النار ولا يعصم الدم والمال إن لم يتبعه توحيد الألوهية، وفيما يلي بيان ذلك.
١- توحيد العلم والاعتقاد -وهو توحيد الربوبية والأسماء والصفات- مستلزم لتوحيد الألوهية الذي هو التوحيد العملي، بمعنى أن الإيمان بوحدانية الرب الخالق الرازق المحيي المميت وبكافة أسمائه وصفاته يستلزم الموحد أن يعبد الله ويوحده في ألوهيته؛ لأنه مادام أقر بالرب الواحد لزم لأن يتبع ذلك بتوحيد الإله.
وأما توحيد الألوهية فهو متضمن لتوحيد الربوبية والأسماء والصفات، بمعنى أن الإيمان بوحدانية الله وتقديم العبادة له لا يحصل إلا ممن أقر بأن هذا الإله المعبود رب العالمين، لأن العبادة لا تصرف حقيقة إلا للرب المتصف بالكمال المنزه عن النقص.
ونقول بعبارة أخرى: إن التوحيد علمي اعتقادي وعملي طلبي، والعملي متضمن للعلمي، فإذا علم العبد أن ربه لا شريك له في خلقه وأمره
[ ١٢٢ ]
وأسمائه وصفاته نتج عنه أن يعمل على طاعته وعبادته، ومن عبد إلهه ووحده يكون قد اعترف أولًا بأن لا رب غيره يشركه فيخلقه وأمره، ولا يجوز العكس لأن القلب يتعلق أولًا بتوحيد الربوبية ثم يرتقي إلى توحيد الألوهية١.
يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: "والإلهية التي دعت الرسل أممهم إلى توحيد الرب بها هي العبادة والتأليه، ومن لوازمها توحيد الربوبية الذي أقر به المشركون فاحتج الله عليهم به، فإنه يلزم من الإقرار به الإقرار بتوحيد الإلهية٢".
وقال شارح الطحاوية: "وتوحيد الإلهية متضمن لتوحيد الربوبية دون العكس، فمن لا يقدر على أن يخلق يكون عاجزًا والعاجز لا يصلح أن يكون إلهًا" ٣.
قال الشيخ عبد الله بن حسن تعقيبًا على كلام شارح الطحاوية السابق: قوله: "وتوحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية دون العكس" وقد تقدم من كلامه أن توحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية، فالمعنى أن الاستلزام غير التضمن، فمن لازِم الإقرار بتوحيد الربوبية وأن الله هو الذي تفرد بالخلق والرزق والإحياء والإماتة الإقرار بتوحيد الألوهية وأنه هو المعبود المرجو المسئول وحده دون سواه، وأما التضمن فلا يقال: إن الإقرار بتوحيد الربوبية يتضمن توحيد الألوهية لا بالعكس"٤.
_________________
(١) ١ انظر العبودية ص٤٩ ومدارج السالكين ١/٤١١ وصيانة الإنسان ص٤٧ ودعوة التوحيد ص٨٤. ٢ إغاثة اللهفان ٢/١٣٥. ٣ شرح الطحاوية ص٢٩. ٤ شرح الطحاوية هامش ص٢٩.
[ ١٢٣ ]
٢- بناء على النقطة السابقة فقد احتج الله بتوحيد الربوبية على المشركين داعيًا الناس عن طريقه لتوحيد الألوهية؛ لأن القادر على الخلق والأمر والتدبير يستحق أن يكون إلهًا يعبد، والعاجز عن ذلك لا يستحق أن يكون إلهًا١، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ ٣، وقال تعالى عن المسيح ﵇: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ ٤.
والقرآن مملوء بهذه الآيات التي تدعو لتوحيد العبادة عن طريق الاحتجاج بتوحيد الربوبية المركوز في الفطر، لأنه ما دام أنهم مقرون بربوبيته فينبغي أن يتخذوه إلهًا لهم دون غيره، وإذا كانوا مقرين ببطلان ربوبية ما سواه فإلهية ما سواه باطلة كذلك٥.
٣- توحيد الربوبية والأسماء والصفات وحده لا يكفي لإدخال صاحبه في الإسلام ولا ينقذه من النار ولا يعصم دمه ولا ماله، وهذا كان توحيد العرب ومع ذلك قاتلهم رسول الله ﷺ، يقول تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ ٦، فعن ابن عباس ومجاهد: إيمانهم بالله: قولهم: إن الله
_________________
(١) ١ انظر التحفة المهدية ٢/٤٧ وصيانة الإنسان ص٤٨٥ ودعوة التوحيد ص٣٥. ٢ سورة البقرة آية ٢١-٢٢. ٣ سورة الأعراف ١٩١. ٤ سورة آل عمران آية ٥١. ٥ انظر مدرج السالكين ١/٤١٢ ومفتاح دارالسعادة ٢/٨. ٦ سورة يوسف آية ١٠٦.
[ ١٢٤ ]
خلقنا ورزقنا ويميتنا إيمان مع شرك في عبادتهم غيره؛ لأنهم يؤمنون بأنه خالق ويعبدون غيره١، ولذلك لم يطالبهم القرآن بأن يشهدوا أن لا رب إلا الله إنما طالبهم أن يشهدوا أن لا إله إلا الله؛ لأنهم مقرون بالأولى منازعون في الثانية التي هي أدل على المقصود من الخلق وهو العبادة المأمور بها، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون﴾ ٢ ٣.
وكذلك قال ﷺ لمعاذ بن جبل: "يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا. أتدري ما حقهم عليه؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: أن لا يعذبهم" ٤، وكذلك قال ﷺ لمعاذ بن جبل عندما بعثه إلى اليمين: "فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله" ٥.
وبهذا يتبين أن توحيد الربوبية وحده لا يكفي في تحقيق مقام "إياك نعبد وإياك نستعين"، ولا يتم هذا المقام إلا بتوحيد الألوهية، فإذا أقر العبد بتوحيد الربوبية والألوهية يتحقق هذا المقام علمًا وحالًا وهذا هو المطلوب للنجاة من النار ودخول الجنة٦.
وكلمة الشهادة التي دعا إليها الرسل "لا إله إلا الله" تشتمل على أنواع التوحيد الثلاثة، فقد دلت على توحيد الألوهية؛ لأن معناها: لا معبود بحق إلا الله، ففيها إثبات العبادة لله ونفيها عما سواه.
_________________
(١) ١ انظر تفسير الطبري ٢/٤٩٤ و١٦/٢٨٦. ٢ سورة الذاريات آية ٥٦. ٣ انظرالفتاوى ١/٢٣ و٢/١٤، وتيسير العزيز الحميد ص١٧ وتطهير الجنان ص٦، ٨. ٤ رواه البخاري في التوحيد ومسلم في الإيمان ٤٨. ٥ رواه البخاري في التوحيد عن ابن عباس. ٦ انظر مدارج السالكين ١/٤١١ والدين الخالص ١/٥٧.
[ ١٢٥ ]
ودلت على توحيد الربوبية؛ لأن العاجز لا يكون إلا إلهًا معبودًا، ولابد للإله أن يكون خالقًا مدبرًا. ودلت على توحيد الأسماء والصفات؛ لأن فاقد الأسماء الحسنى وصفات الكمال غير كامل، ولا يصلح من هذا حاله أن يكون إلهًا خالقًا.
فكلمة الشهادة هذه جمعت الأصول الثلاثة، وعليها تدور بعثة الرسل وما أنزل إليهم من الكتب١.
وغالب سور القرآن متضمنة لأنواع التوحيد الثلاثة، بل كل سورة في القرآن، بل كل آية، يقول ابن القيم رحمه الله تعالى:
"إن كل آية في القرآن الكريم متضمنة للتوحيد، شاهدة به، داعية إليه، فإن القرآن إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله فهو التوحيد العلمي الخبري، وإما دعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له وخلع كل ما يعبد من دونه فهو التوحيد الإرادي الطلبي، وإما أمر أو نهي وإلزام بطاعته في نهيه وأمره فهي حقوق التوحيد ومكملاته، وإما خبر عن كرامة الله لأهل توحيده وطاعته وما فعل بهم في الدنيا وما يكرمهم به في الآخرة فهو جزاء توحيده، وإما خبر عن أهل الشرك وما فُعل بهم في الدنيا من النكال وما يحل بهم في العقبى من العذاب فهو خبر عمن خرج عن حكم التوحيد. فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم"٢.
_________________
(١) ١ انظر التنبيهات السنية ص٩. ٢ مدارج السالكين ٣/٤٥٠ وانظر شرح الطحاوية ص٣٥.
[ ١٢٦ ]